هدم الممتلكات بحجّة ''الاحتياجات العسكريّة''

انفلات بلا رادع لقوّات الأمن في أعقاب مقتل رزئيل شيفح: هدم منزل وسكّانه داخله وتفتيش ثلاث نساء تفتيشًا عاريًا مهينًا وتحريض الكلاب على مهاجمة ثلاثة أشخاص

في 9.1.2018 أطلقت نيران من سيّارة عابرة على ما يبدو على رزئيل شيفح بالقرب من بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية. فرّ منفّذو العملية من المكان وشرعت قوّات الأمن في البحث عنهم. في 6.2.2018 قتلت قوّات الأمن في قرية اليامون الواقعة في منطقة جنين، منفّذ العملية - وفق اعتقادها - أحمد نصر جرّار (26 عامًا)  وهدمت الغرفة التي كان يختبيء فيها.
 
في الشهر الماضي - ما بين تنفيذ العملية ومقتل جرّار - هدمت قوّات الأمن أربعة منازل في جنين أحدها هدمته فيما كان سكّانه لا يزالون داخله. وثّقت بتسيلم اقتحام منزلين في قرى المنطقة جرى خلالهما تحريض كلاب على مهاجمة ثلاثة أشخاص؛ وجرى تفتيش مهين على أجساد ثلاث نساء وهنّ عاريات. في جميع هذه الحالات اقتحم الجنود المنازل عند منتصف الليل أو قُبَيل الصّبح.
 
الإفادات التي أدلت بها الأسَر الفلسطينية تفيد بأنّ الجنود والكلاب دهمت منازلهم في دُجى الليل مسبّبة الخراب والمهانة والصدمة والإصابات الجسدية. وفقًا لذلك فإنّ ما جرى هو انفلات شرس على الأهالي دون اكتراث لكرامة السكّان وسلامة أجسادهم وحياتهم وضمن ذلك الأطفال الصّغار. قوّات الأمن الضالعة في هذه الممارسات - وبضمنها من صادق عليها - تدرك جيّدًا وجهَي الواقع الذي تعمل ضمنه: أنّها تتمتّع بحصانة تامّة من جهة أولى وأنّ السكّان الذين اقتحمت منازلهم يفتقدون أيّة حماية حتّى داخلها من جهة ثانية. هذا الواقع استغلّته قوّات الأمن حتى النهاية.

18.1.2018، جنين: مقتل أحمد إسماعيل جرّار وهدم أربعة منازل

في 17.1.2018 نحو الساعة 22:00 دهمت عناصر من القوّات الخاصّة ومن جهاز الأمن العام (الشاباك) حيّ وادي برقين، غربيّ جنين. طوّقت القوّات شارعًا تسكنه عائلة جرّار وبدأ في الموقع تبادل إطلاق نار بين قوّات الأمن ومسلّحين فلسطينيين. أثناء ذلك قُتل أحمد اسماعيل جرّار (30 عامًا) من سكّان الحيّ. إضافة إلى ذلك أصيب شرطيّان - أحدهما بجروح متوسّطة والثاني بجروح طفيفة. في المواجهات التي اندلعت في الموقع تاليًا أصيب بنيران قوّات الأمن اثنان من السكّان أحدهما بجروح بليغة.

خلال السّاعات التي وقع فيها تبادل إطلاق النار طالبت قوّات الأمن السكّان بالخروج من منازلهم. قرب الساعة 1:00 بعد منتصف الليل فتح إسماعيل جرّار (65 عامًا) باب منزله - وهو والد أحمد الذي قُتل. فوجئ الرّجل بجنود يقفون عند مدخل المنزل ويوجّهون سلاحهم نحوه. أمره الجنود بالخروج من منزله ثمّ أقلّوه مع أفراد أسرته إلى منزل قريبهم رضا جرّار وكان هناك عدد آخر من الأقارب. قيّد الجنود أيدي جميع الرجال (ما عدا إسماعيل جرّار) وجمّعوهم في الطابق لأوّل وجمّعوا النساء في الطابق الثاني.

الصورة
أنقاض منزل إسماعيل جرّار. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 18.1.2018

 

قرب الساعة 3:00 فجرًا أخذت قوّات الأمن في هدم منزلَي الأسرتين اللّتين جرى إخراجهما من منزليهما. باشر الجنود بهدم منزل ثالث كانت الأسرة لا تزال داخله - منزل علي ونسيم جرّار وأولادهما الأربعة المتراوحة أعمارهم بين سبع سنوات وعشرين سنة. عندما سمع أفراد الأسرة الضجيج وأصوات إطلاق الرصاص في الخارج انتقلوا إلى غرفة ابنتهم الصغيرة لبُعدها عن المدخل وفي هذه اللّحظات بدأت الجرّافات بهدم المنزل. تقول نسيم جرّار:

بعد الساعة 3:00 سمعنا صوت سيّارات وجرّافة تقترب من منزلنا. أخذت الجرّافة تهدم المنزل من الجهة الغربية. زوجي وأنا والأولاد كنّا نصرخ من خوفنا أن ينهدم المنزل فوق رؤوسنا. شعرنا بارتجاج الأرض تحت أرجلنا وسمعنا ضجّة سقوط أجزاء المنزل. وقفنا في المطبخ مرتبكين وخائفين وكان الأولاد يبكون من شدّة الخوف.

عندما أخذ ضجيج الهدم يزداد قرّرنا المخاطرة ومغادرة المنزل من الجهة الشرقية لكي نذهب إلى منزل سِلفي وليد جرّار الواقع على بُعد نحو 20-25 مترًا. كنّا نعرف أنّنا سنموت تحت الأنقاض لو بقينا في المنزل ومن جهة ثانية خفنا أن يطلق الجنود النار علينا عند خروجنا منه. طلبت من زوجي ومن الأولاد أن يصلّوا قبل خروجهم وأن يقرأوا الشهادتين. خرجت من منزلي دون أن أرتدي حجاب الرأس، خرجت بملابس النوم.

في ساحة منزل سلفي وليد سلّط الجنود علينا وعلى وجوهنا ضوء الليزر المثبت على بنادقهم. توجّه زوجي إلى الجنود وسألهم: "لماذا تهدمون منزلي؟" فأجابه أحدهم: "سكوت، سكوت". سألت أنا الجنود هل يمكننا الدخول إلى منزل وليد فقالوا نعم. كان وليد في منزله وكان جنود قد استولوا على سطح المنزل. بقينا هناك حتى ساعات الصباح.

هدمت القوّات المنازل الأربعة - التي أوت 16 شخصًا بينهم ثلاثة قاصرين -  بواسطة الجرّافات وبإطلاق الصواريخ على أحدها.

הריסות ביתם של עלי ונסים ג'ראר. צילום: עבד אל-כרים סעדי, 18.1.18, בצלם.
أنقاض منزل علي ونسسيم جرّار.  تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 18.1.2018 

 

ארבע יחידו הדיור נהרסו באמצעות דחפורים וירי של שני טילים לעבר אחד מהבתים. בבתים גרו 16 אנשים, בהם שלושה קטינים.

3.2.2018 و 8.2.2018، بلدة برقين: تحريض كلاب على مهاجمة أشخاص وتفتيش عارٍ

في 2.3.2018 قرابة الساعة 6:00 صباحًا دهم عشرات الجنود بلدة برقين الواقعة في منطقة جنين. طوّق الجنود منزل مبروك وإيناس جرّار (40 عامًا و37 عامًا) اللّذين استيقظا من نومهما على صوت انفجار قويّ - يبدو أنّه تفجير باب مدخل البناية وانفجارات قنابل الصوت. أسرع الاثنان إلى جلب ولديهما (3 سنوات و9 سنوات) إلى غرفة نومهما، وبعد دقائق فجّر الجنود باب منزلهم في الطابق الثاني.

بعد التفجير دخل كلب إلى غرفة نومهما عضّ بقوّة مبروك جرّار من كتفه الأيسر وأوقعه أرضًا. حاولت إيناس تخليص زوجها من أسنان الكلب ولكن دون جدوى. اختبأ الولدان خلف السرير وكانا يصرخان ويبكيان من شدّة الخوف.

في إفادة أدلت بها أمام الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي يوم 4.2.2018 وصفت إيناس ما حدث بعد ذلك:

ركضت نحو الباب لأطلب المساعدة وعندها رأيت جنودًا يقفون على مطلع الدرج الموصل إلى منزلنا. أخذ الجنود يصرخون عليّ بالعربيّة أن أخرج كلّ من في المنزل؛ وطالبني أحدهم بإخراج أحمد جرّار (الشابّ المطلوب) من المنزل. توسّلت إليهم أن ينقذوا زوجي من الكلب لكنّهم ظلّوا واقفين ولم يفعلوا شيئًا […] من شدّة خوفهما بال ولداي في ملابسهما ولم يستطيعا الوقوف على أرجلهما. 

في إفادته يوم 14.2.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي، وصف مبروك جرّار ما جرى له بعد أن أنزله الجنود على درجات المنزل

الصورة
مبروك جرّار

عند نهاية الدرج خلّصني أحد الجنود من بين أسنان الكلب بعد أن قصّ قميصي بالمقصّ ثمّ أبعد الكلب عنّي. بعد ذلك جاء جنديّ آخر ولكمني مرّتين على أنفي. أدخلني الجنود إلى إحدى الغرف في الطابق الأوّل من المنزل. طيلة هذا الوقت كانت الدماء تسيل من ذراعي اليسرى ومن أنفي. عندها جاء ضابط كبير وكان يبدو أنّه قد فوجئ بما فعله الكلب بي. صوّرني الضابط بواسطة هاتفه الخلوي وأمر الجنود بتحرير يديّ من القيود - التي كانوا قد وضعوها من قبل. كان الضابط يتحدّث مع الجنود بالعبرية وأنا أفهمها قليلاً.

فقط بعد مرور ساعتين ونصف نقل الجنود مبروك جرّار لتلقّي العلاج في مستشفى العفولة. وهناك كبّلوا رجليه بالسرير واوقفوا جنديّين عند باب الغرفة. بعد مضيّ أسبوع في 11.2.2018 فكّ الجنود القيود عن يديه وأبلغوه أنّه قد أخلي سبيله دون اتّخاذ إجراءات. في 13.2.2018 نُقل مبروك إلى مستشفى رفيديا لمتابعة العلاج.

الصورة
مبروك جرّار في مستشفى رفيديا، نابلس. تصوير: عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 14.1.2018

 

الصورة
باب المنزل

في 8.2.2018 حين كان مبروك جرّار لا يزال يرقد في مستشفى العفولة جاء نحو عشرين جنديًّا إلى منزله قرابة الساعة 3:00 فجرًا. كانت إيناس جرّار في المنزل مع حماتها (حوريّة البالغة من العمر 75 عامًا) وشقيقة زوجها (دلال البالغة من العمر 50 عامًا وتعاني البكم ومتلازمة داون). كلاهما جاءتا لدعمها ومساعدتها في التعامل مع ما جرى. أمّا الولدان فقد مكثا منذ الحادثة في منزل زوجة أبيهما الأولى.

اقتحم الجنود باب الطابق الأوّل وصعدوا مباشرة إلى الطابق الثاني. حين فتحت لهم إيناس جرّار الباب، دخلوا إلى الصالون وسألوا هل يوجد رجُل في المنزل. كذلك سألوا إيناس هل في حوزتها أموال لأنّه إذا كان الجواب نعم فهذه أموال من حماس وعليهم بالتالي مصادرتها. قالت لهم إيناس أنّه لا توجد أموال وعندها شرع الجنود في تفتيش المنزل. حين لم يجدوا شيئًا أمر الجنود إيناس بالدخول إلى غرفة النوم لكي تجري جندية تفتيشًا على جسدها. في غرفة النوم طلبت الجندية من إيناس أن تخلع ملابسها تمامًا وتقف عارية ثمّ فتّشت بالطريقة نفسها المرأتين الأخريين اللّتين كانتا في المنزل.
 

في إفادة أدلت بها يوم 8.2.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي، قالت إيناس:

طلبت منّي الجندية أن أخلع جميع ملابسي ففعلت ما طلبته. كنت أظنّها ستفتّش عن طريق تمرير ماسح ضوئي لكنّني فوجئت بها تصرّ أن أخلع أيضًا ملابسي الداخلية. بعد أن خلعت ملابسي أخذت الجندية تفتّش الملابس التي خلعتها ثمّ أمرتني بأن أدير لها ظهري وأنا عارية. شعرت بالانكسار والمهانة. تمنّيت الموت لنفسي لكيلا أشهد مثل هذه اللحظات ثانية. أمرتني الجنديّة بأن أركع وبقيت كذلك مدّة دقيقتين أو ثلاث - أطول دقائق مرّت عليّ في حياتي. فقط بعد ذلك قالت لي أنّه يمكنني ارتداء ملابسي. في اعتقادي هذه الجندية لا تملك ذرّة من الأخلاق أو الإنسانية.

في إفادتها لبتسيلم في 13.2.2018 وصفت حورية جرّار ما حدث لكنّتها بعد خروجها من الغرفة برفقة الجنديّة

الصورة
حورية جرّار

دخلت إيناس والجندية إلى الغرفة التي كنّا فيها. قالت لي الجندية أنّها تريد تفتيش أجسادنا. أخذت أبكي وقلت لها: "ماذا تريدين منّي! أنا امرأة مسنّة وأتحرّك بصعوبة اخجلوا على أنفسكم!". ساعدتني كلّ من إيناس والجنديّة على خلع ملابسي وأنا جالسة على السرير. شعرت بعجز وبحزن عميق إزاء ما فعلته بي الجندية وكنت أبكي طيلة الوقت. كيف يُعقل أن تُجبر جنديّة شابة امرأة مسنّة مثلي على خلع ملابسها هكذا وأن تكشف عورتها أمامها بهذه الطريقة؟! بعد التفتيش أمرت الجندية إيناس أن تساعدها في تعرية ابنتي دلال أيضًا. ساعدتها إيناس في ذلك وفتّشت الجندية جسد دلال. وأنا لم أتوقّف عن البكاء.

3.2.2018، قرية الكفير: تحريض كلب على مهاجمة أشخاص

الصورة
نور الدين عوّاد

في 3.2.2018 نحو الساعة 4:00 فجرًا اقتحمت قوّات الأمن منزل نور الدين وسماهر عوّاد (48 عامًا و42 عامًا) ولديهما أربعة أولاد. اقتحم الجنود باب المنزل وحين استيقظت سماهر بفعل ما أحدثوه من ضجيج رأت كلبًا يقف في غرفة نومها. أخذت تصرخ فاستيقظ زوجها نور الدين وقفز فورًا من فراشه نحو الكلب لكي يخرجه من الغرفة. عندها عضّه الكلب بيده اليمنى والجنود الذين كانوا يقفون عند باب غرفة النوم لم يحرّكوا ساكنًا.

أمر الجنود أفراد الأسرة بعدم مغادرة المنزل ثمّ غادروا بأنفسهم بعد بضعة دقائق. مرّت بضع دقائق أخرى وعندها سمع أفراد الأسرة طرقات على الباب الخلفيّ لمنزلهم.

في إفادتها يوم 4.2.2018  أمام الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي، وصفت سماهر عوّاد ما جرى بعد ذلك كما يلي:

الصورة
سماهر عوّاد

كنت أحمل طفلي كرم (عمره سنتان) وكان هو يبكي ويلتصق بصدري. فتحت الباب الذي طرقه الجنود وإذ بكلب يهجم عليّ قافزًا إلى صدري فوقع ابني كرم على الأرض. عضّني الكلب بصدري ثمّ نجحت في إبعاده عنّي لكنّه أمسك بفخذي الأيسر. جمعت كلّ قوّتي وتمكّنت من دفعه بعيدًا عنّي. كلّ ذلك والجنود واقفون وينظرون دون أن يفعلوا شيئًا. طيلة هذا الوقت كان زوجي يتوسّل إلى الجنود أن يأخذوا الكلب. تكلّم أحد الجنود مع الكلب باللغة العبرية وعندها هجم الكلب وأمسكني من يدي اليسرى وظلّ ممسكًا بها لعدة دقائق إلى أن جاء جنديّ آخر. سال منّي دم كثير. طلب زوجي منهم أن يعالجوا يدي لكنّهم لم يكترثوا لكلامه.

 

 

مواد مقترحة

ח'יתאם ג'ראר על רקע חורבות ביתה. צילום: עבד אל-כרים סעדי, בצלם, 21.1.18

هدم الممتلكات بحجّة ''الاحتياجات العسكريّة''

انفلات دون رادع لقوّات الأمن في أعقاب مقتل رزئيل شيفح: هدم منزل وسكّانه داخله وتفتيش ثلاث نساء تفتيشًا عاريًا مهينًا وتحريض الكلاب على مهاجمة ثلاثة أشخاص

في 9.1.2018 أطلق فلسطينيون من سيّارة عابرة النيران على الرّاب رزئيل شيفح وقتلو، قرب بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية حيث يسكن. فرّ منفّذو العملية من المكان. في الشهر الذي تلى ذلك أجرت قوّات الأمن بحثًا عن مشتبه بهم بينهم أحمد نصر جرّار من سكّان جنين. أثناء عمليات البحث في محافظة جنين دهمت قوّات الأمن في مدينة جنين وبلدة برقين وقرية الكفير خمسة منازل على الأقلّ تسكنها أسَر من حمولة جرّار. يُظهر التقصّي الميداني الذي أجرته بتسيلم عبر باحثها في محافظة جنين عبد الكريم سعدي، أنّ قوّات الأمن اقتحمت في 18.1.2018 حيّ وادي برقين في مدينة جنين في مهمّة بحث عن مشتبه بهم بتنفيذ العملية. واجهت القوّات مسلّحين فلسطينيين وجرى تبادل لإطلاق النار قُتل خلاله شابّ تدّعي الشرطة أنّه أحد منفّذي العمليّة. أثناء قيامها بالمهمّة هدمت القوّات أربعة منازل - وفي أحدها باشرت الهدم حين كان سكّان المنزل لا يزالون داخله دون أن تكلّف نفسها توجيه إنذار لهم. في بداية شهر شباط ضمن مساعي البحث عن المشتبه فيه أحمد نصر جرار- على ما يبدو جاءت قوّات الأمن في موعدين مختلفين ودهمت منازل أخرى تسكنها أسَر من حمولة جرّار في بلدة برقين وقرية الكفير. رافق القوّات كلب حرّضته على ثلاثة أشخاص وجنديّة أجرت تفتيشًا مهينًا على أجساد النساء وهنّ عاريات تمامًا. في جميع هذه الحالات دهمت القوّات المنازل وسكّانها نائمون- في دجى الليل أو في ساعات الفجر. في بعض الحالات أمر الجنود السكّان بمغادرة منازلهم إلى البرد القارس في الخارج أو إلى منازل أشخاص آخرين استخدموها لتجميع السكّان. في 6.2.2018 قتلت القوّات المشتبه به أحمد نصر جرّار البالغ من العمر 26 عامًا وهدمت الغرفة التي كان يختبئ فيها في بلدة اليامون. الإفادات التي أدلت بها الأسَر التي دهم منازلها الجنود والكلاب في دُجى الليل مسبّبين الخراب والمهانة والصّدمة النفسية والإصابات الجسديّة، تدلّ على أنّ ما أقدمت عليه قوّات الأمن كان انفلاتًا شرسًا على الأهالي دون اكتراث لكرامة السكّان وسلامة أجسادهم وحياتهم وضمن ذلك الأطفال الصّغار. قوّات الأمن الضالعة في هذه الممارسات -بما في ذلك من صادقوا عليها- تدرك جيّدًا وجهَي الواقع الذي تعمل ضمنه: أنّها تتمتّع بحصانة تامّة من جهة أولى وأنّ السكّان الذين اقتحمت منازلهم يفتقدون أيّة حماية حتّى داخل منازلهم من جهة ثانية. هذا الواقع استغلّته قوّات الأمن حتى النهاية. في ما يلي وقائع التقصّي الميداني بأكمله وجميع الإفادات التي سجّلها الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم سعدي: 18.1.2018، جنين: مقتل أحمد إسماعيل جرّار وهدم أربعة منازل في 17.1.2018 نحو الساعة 22:00 دهمت عناصر من القوّات الخاصّة في شرطة حرس الحدود و جهاز الأمن العام (الشاباك) حيّ وادي برقين غربيّ جنين. طوّقت العناصر عددًا من المنازل تسكنها حمولة جرّار الموسّعة وقرب أحدها جرى تبادل لإطلاق النار بين قوّات الأمن ومسلّحين فلسطينيين. أثناء ذلك قُتل ابن عمّ أحمد نصر جرّار - واسمه أحمد اسماعيل جرّار (30 عامًا) - الذي ادّعت الشرطة أنّه أحد منفّذي العمليّة. إضافة إلى ذلك أصيب شرطيّان أحدهما بجروح متوسّطة والثاني بجروح طفيفة- وفقًا لأقوال الشرطة. في المواجهات التي تطوّرت في الموقع تاليًا أصيب بنيران قوّات الأمن اثنان من السكّان أحدهما بجروح بالغة. تواصل تبادل إطلاق النار ساعات عدّة وخلال ذلك أمرت قوّات الأمن بعضًا من الأسَر بالخروج من منازلها غير أنّ بعض هذه الأسَر لم تدرك أنّ الأمر موجّه إليها. قرب الساعة 1:00 بعد منتصف الليل فتح إسماعيل جرّار (65 عامًا) باب منزله بعد أن سمع صراخ جنود في الخارج- وهو والد أحمد اسماعيل جرّار الذي قُتل سابقًا في مساء اليوم نفسه. فوجئ الرّجل بجنود يقفون عند عتبة المنزل يشهرون سلاحهم نحوه ويأمرونه بالخروج وأسرته من المنزل. أمر الجنود جميع من خرجوا من المنزل بالجلوس في الساحة: إسماعيل وزوجته انشراح (50 عامًا) وأربعة من أولاده وحفيدتاه البالغتان من العمر 8 و-9 سنوات. اقتاد الجنود الابن محمد اسماعيل (33 عامًا) للتحقيق معه والذي استمرّ طيلة ساعة ثمّ أعادوه. بعد ذلك اقتاد الجنود الجميع إلى سيّارات عسكريّة أقلّتهم إلى منزل قريبهم رضا جرّار والذي يقع على بُعد 150 مترًا. في منزل رضا جرّار كان الجنود قد جمّعوا أقارب آخرين يسكنون في الجوار: ختام جرّار (أرملة تبلغ من العمر 47 عامًا) والدة المشتبه به أحمد نصر جرّار وأبناؤها الثلاثة الآخرون. كبّل الجنود أيدي الرجال جميعًا ما عدا إسماعيل جرّار وركّزوهم في الطابق الأوّل من المنزل في حين أمروا النساء بالصعود إلى الطابق الثاني. بعض الجنود اعتلوا سطح المنزل. قرب الساعة 3:00 فجرًا أخذت قوّات الأمن بهدم منزلين جرى إخلاء سكّانهما (منزل أسرة اسماعيل جرّار ومنزل أسرة ختام جرّار) وإضافة إلى ذلك باشروا بهدم منزل ثالث كانت أسرة من ستّة أنفار لا تزال داخله - منزل علي ونسيم جرّار وأولادهما الأربعة المتراوحة أعمارهم بين سبع سنوات وعشرين سنة. عندما سمع أفراد الأسرة الضجيج وأصوات إطلاق الرصاص في الخارج لجأ الستّة إلى غرفة الابنة الصغيرة لبُعدها عن المدخل وفيما هم داخل هذه الغرفة بدأت الجرّافات في هدم منزلهم. في إفادة أدلت بها يوم 24.1.2018 قالت نسيم جرّار: بعد الساعة 3:00 سمعنا صوت سيّارات وجرّافة تقترب من منزلنا. أخذت الجرّافة تهدم المنزل من الجهة الغربية. زوجي وأنا والأولاد كنّا نصرخ من خوفنا أن ينهدم المنزل فوق رؤوسنا. شعرنا بارتجاج الأرض تحت أرجلنا وسمعنا ضجّة سقوط أجزاء المنزل. وقفنا في المطبخ مرتبكين وخائفين وكان الأولاد يبكون من شدّة الخوف. عندما أخذ ضجيج الهدم يزداد قرّرنا المخاطرة ومغادرة المنزل من الجهة الشرقية لكي نذهب إلى منزل سِلفي وليد جرّار الواقع على بُعد نحو 20-25 مترًا. كنّا نعرف أنّنا سنموت تحت الأنقاض لو بقينا في المنزل ومن جهة ثانية خفنا أن يطلق الجنود النار علينا عند خروجنا منه. طلبت من زوجي ومن الأولاد أن يصلّوا قبل خروجهم وأن يقرأوا الشهادتين. خرجت من منزلي دون أن أرتدي حجاب الرأس، خرجت بملابس النوم. في ساحة منزل سلفي وليد سلّط الجنود علينا وعلى وجوهنا ضوء الليزر المثبت على بنادقهم. توجّه زوجي إلى الجنود وسألهم: "لماذا تهدمون منزلي؟" فأجابه أحدهم: "سكوت، سكوت". سألت أنا الجنود هل يمكننا الدخول إلى منزل وليد فقالوا نعم. كان وليد في منزله وكان جنود قد استولوا على سطح المنزل. بقينا هناك حتى ساعات الصباح. كانت تلك ليلة طويلة ومؤلمة وكئيبة فقدت خلالها كلّ محتويات منزلي والذكريات والأغراض الشخصيّة الخاصّة بأفراد الأسرة. تحوّل المنزل إلى ركام من الأنقاض وأسرتنا مشتّتة حاليًّا بين منازل أقارب العائلة إلى حين العثور على منزل نسكن فيه. أنا وزوجي وأولادي خرجنا بملابس النوم لا غير. بقيت جميع ممتلكاتنا وأموالنا هناك تحت الأنقاض. ابنتي خديجة (7 سنوات) ما زالت تسأل عن دُميتها "دبدوب صغير" بقي تحت الأنقاض. ابني مصطفى (11 عامًا) لا ينفك يسأل عن درّاجته الهوائية وكتبه وأنا محتارة بماذا أجيبهما. هدمت قوّات الجيش ثلاثة مبانٍ سكنيّة (أحدها يشمل منزلين) بواسطة الجرّافات وبإطلاق صاروخ على أحدها مخلّفة وراءها 16 شخصًا بلا مأوًى بينهم ثلاثة قاصرين. 3.2.2018 و-8.2.2018، بلدة برقين: تحريض كلاب وتفتيش عارٍ في 3.2.2018 قرابة الساعة 6:00 صباحًا دهمت قوّة مؤلّفة من عشرات الجنود بلدة برقين الواقعة في محافظة جنين وطوّقت منزل مبروك وإيناس جرّار (40 عامًا و37 عامًا) اللّذين استيقظا من نومهما على انفجارات قنابل صوت ودويّ انفجار قويّ -يبدو أنّه صدر حين فجّر الجنود باب مدخل البناية وانفجارات قنابل الصوت. أسرع الاثنان وجلبا إلى غرفة نومهما ولديهما (3 سنوات و-9 سنوات) وبعد دقائق عدّة فجّر الجنود أيضًا باب الطابق الثاني حيث يسكنون. عقب التفجير دهم كلب غرفة نوم الزوجين وهجم على مبروك جرّار ثم غرز أسنانه بقوّة في كتفه الأيسر وأوقعه أرضًا. حاولت إيناس جاهدة تخليص زوجها من أسنان الكلب لكن دون جدوى. أمّا الولدان فقد اختبآ خلف السرير وهما يصرخان ويبكيان من شدّة الخوف. في إفادة أدلت بها لبتسيلم يوم 4.2.2018 وصفت إيناس جرّار ما حدث بعد ذلك: ركضت نحو الباب لأطلب المساعدة وعندها رأيت جنودًا يقفون على مطلع الدرج الموصل إلى منزلنا. أخذ الجنود يصرخون عليّ بالعربيّة أن أخرج كلّ الموجودين في المنزل وطالبني أحدهم بإخراج أحمد جرّار (الشابّ المطلوب) من المنزل علمًا أنّني لا أعرفه إطلاقًا. قلت للجنديّ أنّه لا يوجد أحد في المنزل غير زوجي وولديّ الصغيرين. توسّلت إليهم أن ينقذوا زوجي من الكلب لكنّهم ظلّوا واقفين مكانهم ولم يفعلوا شيئًا. قلت للجندي لن يخرج أحد من المنزل ويمكنك أن تطلق النار عليّ إذا أردت. كانت لحظات مرعبة بالنسبة إليّ. عدت بسرعة إلى غرفة النوم فوجدت الكلب لا يزال ممسكًا بكتف زوجي والأولاد مختبئين خلف السرير. حاولت مجدّدًا وأفلحت في سحب زوجي إلى المدخل حيث يقف الجنود والكلب لا يزال ممسكًا به. صرخت مرّة ثانية على الجنود أن يبعدوا الكلب ولكنّ أحدهم قال لي: "هاتي لنا أحمد جرّار وعندها سوف نساعدك ونخلّص زوجك من الكلب". بعض الجنود والكلب معهم جرّوا زوجي إلى الطابق الأول 19 درجة!". في هذه المرحلة بال أولادنا في ملابسهم. لم يكونوا قادرين على الوقوف على أرجلهم من شدّة خوفهم. أمرني الجنود بالنزول إلى ساحة المنزل وأن أحضر معي الأولاد أيضًا. ألبستهم أحذيتهم لئلّا تنجرح أرجلهم من شظايا الزجاج. أجبرنا الجنود على الجلوس على الأرض وهي رطبة من المطر. حين كنّا ننتظر في الخارج سمعت صوت انفجار داخل منزلنا. يبدو أنّ الجنود ألقوا قنابل صوت داخل المنزل قبل دخولهم لأجل لإجراء التفتيش. كان هناك عدد كبير من الجنود بعضهم ملثّمون. جلسنا على الأرض طيلة نصف ساعة تقريبًا. بعد ذلك أخرج الجنود زوجي من المنزل الذي في الطابق الأوّل وكان الكلب قد أفلته لكن يداه كانتا مكبّلتين إلى الخلف رغم كلّ الجروح. وكان وجهه مليئًا بالدماء وبنطاله ممزّق. في إفادته من يوم 14.2.2018 وصف مبروك جرّار ما جرى له بعد أن جرّه الجنود والكلب نزولاً على درجات المنزل: عند نهاية الدرج خلّصني أحد الجنود من بين أسنان الكلب بعد أن قصّ قميصي بالمقصّ ثمّ أبعد الكلب عنّي. بعد ذلك جاء جنديّ آخر ولكمني مرّتين على أنفي ممّا سبّب لي آلامًا شديدة ونزيفًا قويًّا. في تقديري ظلّ الكلب ممسكًا بي بأسنانه طيلة رُبع ساعة. سألني أحد الجنود: "أين أحمد جرّار؟" وأجبته بأنّه ليست لديّ أدنى فكرة. أدخلني الجنود إلى غرفة في الطابق الأوّل من المنزل. طيلة هذا الوقت كانت الدماء تسيل من ذراعي اليسرى ومن أنفي. عندها جاء ضابط كبير وقد بدا عليه أنّه فوجئ بما فعله الكلب بي. صوّرني الضابط بواسطة هاتفه الخلوي وأمر الجنود بتحرير يديّ من القيود - التي كانوا قد وضعوها من قبل. كان الضابط يتحدّث مع الجنود بالعبرية وأنا أفهمها قليلاً. بعد خمس دقائق كبّل الجنود يديّ مرّة ثانية إلى الخلف واقتادوني إلى خارج المنزل. في الخارج رأيت ولديّ الصغيرين صهيب ومحمد يجلسان على الأرض - رغم أنّها كانت رطبة بسبب الأمطار التي هطلت ليلاً. أمر الجنود زوجتي أن تجلب هاتفي الخلوي وعندها أخذوني إلى جيب عسكريّ اتّجه بي إلى معسكر سالم بعد أن غطّوا عينيّ بقطعة قماش. عندما وصلنا قيل لي إنّهم سوف ينقلونني إلى المستشفى. أنزلني الجنود وأزالوا العصبة عن عينيّ. في أثناء انتظاري هناك صوّرني بعض الجنود بكاميرات هواتفهم وأيضًا التقطوا صور "سِلْفي" وهم يضحكون. لم يُنقل مبروك جرّار إلى المستشفى إلّا بعد مرور ساعتين ونصف السّاعة. عند وصوله إلى مستشفى العفّولة وتلقّيه العلاج كبّل الجنود رجليه ويديه إلى السرير وأوقف جنديّان عند باب الغرفة. في اليوم التالي عند الظهر تقريبًا جاء إلى الغرفة التي يرقد فيها شخصان بملابس مدنيّة وسألاه حول علاقته مع نصر جرّار الذي قُتل عام 2002 - وهو والد أحمد نصر جرّار المشتبه في أنّه نفّذ العملية. مكث الرّجُلان نصف ساعة وغادرا المستشفى. بعد مضيّ أسبوع في 11.2.2018 أزال الجنود القيود عن رجلي مبروك وأبلغوه أنّه قد أخلي سبيله وأنه لا توجد شبهات ضدّه. في 13.2.2018 نُقل مبروك جرّار إلى مستشفى رفيديا في نابلس ليتابع علاجه هناك. في 8.2.2018 نحو الساعة 3:00 فجرًا حين كان مبروك جرّار لا يزال يرقد للعلاج في مستشفى العفولة دهم منزله نحو عشرين جنديًّا. حينئذٍ كانت إيناس جرّار والأولاد في المنزل مع حماتها (حوريّة البالغة من العمر 75 عامًا) وشقيقة زوجها (دلال البالغة من العمر 50 عامًا وتعاني البكم ومتلازمة داون) اللّتان جاءتا منذ اعتقال زوجها لأجل مساندتها وتبديد وحدتها. اقتحم الجنود باب الطابق الأوّل وصعدوا مباشرة إلى الطابق الثاني. حين فتحت لهم إيناس جرّار الباب دخلوا إلى الصالون وسألوا هل يوجد رجُل في المنزل. كذلك سألوا إيناس هل في حوزتها أموال "لأنّه إذا كان الجوب نعم فهذه أموال من حماس" وعليهم بالتالي مصادرتها. عندما قالت لهم إيناس أنّه لا توجد أموال شرع الجنود في تفتيش المنزل. حين لم يجدوا شيئًا أمر الجنود إيناس بالدخول إلى غرفة النوم لكي تجري جندية تفتيشًا على جسدها. في غرفة النوم طلبت الجندية من إيناس أن تخلع ملابسها تمامًا وتقف عارية ثمّ فتّشت بالطريقة نفسها المرأتين الأخريين اللّتين كانتا في المنزل. في إفادة أدلت بها يوم 8.2.2018 قالت إيناس: أمرتني الجندية بخلع جميع ملابسي ففعلت ذلك. كنت أظنّها ستفتّش عن طريق تمرير ماسح ضوئي لكنّني فوجئت بها تصرّ أن أخلع أيضًا ملابسي الداخلية. بعد أن خلعت ملابسي أخذت الجندية تفتّش الملابس التي خلعتها ثمّ أمرتني بأن أدير لها ظهري وأنا عارية. شعرت بالانكسار والمهانة. تمنّيت الموت لنفسي لكيلا أشهد مثل هذه اللحظات ثانية. أمرتني الجنديّة بأن أركع وبقيت كذلك مدّة دقيقتين أو ثلاث - أطول دقائق مرّت عليّ في حياتي. فقط بعد ذلك قالت لي أنّه يمكنني ارتداء ملابسي. في اعتقادي هذه الجندية لا تملك ذرّة من الأخلاق أو الإنسانية. بعد أن أنهت الجنديّة التفتيش بقي الجنود في منزلنا مدّة ساعة أخرى وجّهوا إليّ خلالها أسئلة حول زوجي. سألوا إن كنت أريد زيارته وسألوا أيضًا عن أمواله. ما فعله بي الجنود جريمة وإهانة ومسّ بكرامتي وكرامة أسرتي. في إفادة أدلت بها يوم 13.2.2018 وصفت حورية جرّار ما مرّت به: اقتادت الجنديّة كنّتي إيناس إلى غرفة نومها وبقينا أنا وابنتي دلال في الغرفة المقابلة للمطبخ. أنا أتصعّب في الحركة. كنت جالسة على سرير وابنتي كانت جالسة على فرشتها قريبًا منّي. أغلقت الجنديّة باب غرفة النوم بعد أن دخلت إيناس وما عدت أرى ما يحدث داخل الغرفة. بعد نحو خمس دقائق خرجت إيناس والجندية من الغرفة ودخلتا الغرفة التي كنّا فيها. قالت لي الجندية أنّها تريد تفتيش أجسادنا. أخذت أبكي وقلت لها: "ماذا تريدين منّي؟! أنا امرأة مسنّة وأتحرّك بصعوبة اخجلوا على أنفسكم!". ساعدتني كلّ من إيناس والجنديّة على خلع ملابسي وأنا جالسة على السرير. شعرت بقلّة الحيلة وبحزن عميق إزاء ما فعلته بي الجندية. بعد أن فتشت الجندية فستاني الذي خلعته وبقيت عارية ساعدتني هي وإيناس على خلع بنطلوني الداخلي وثمّ كُشفت عورتي. نظرت الجنديّة إلى عورتي مباشرة. كنت أبكي طيلة الوقت على حالي - كيف يحدث أن تُجبر جنديّة شابة كهذه امرأة مسنّة مثلي أن تخلع ملابسها هكذا وأن تكشف عورتها أمامها على هذا النحو؟! لم أتخيّل ولم يخطر في بالي أنّ شيئًا كهذا ممكن أصلاً. بعد ذلك أمرت الجندية إيناس أن تساعدها في تعرية ابنتي دلال أيضًا. ساعدتها إيناس في ذلك وفتّشت الجندية جسد دلال. وأنا لم أتوقّف عن البكاء. كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟ جنديّة تعرّينا هكذا داخل منازلنا وتكشف عوراتنا؟! 3.2.2018، قرية الكفير: تحريض كلب على مهاجمة أشخاص في 3.2.2018 نحو الساعة 4:00 فجرًا اقتحمت قوّات الأمن منزل نور الدين وسماهر عوّاد (48 عامًا و-42 عامًا) ولديهما أربعة أولاد. تسكن الأسرة في منزل في الطابق الأوّل من مبنىً ذي طابقين - في قرية الكفير الواقعة في محافظة جنين. اقتحم الجنود باب المنزل ومن ضجيجهم استيقظت سماهر من نومها صارخة لمرأى كلب يقف في غرفة نومها. استيقظ زوجها نور الدين وقفز فورًا من فراشه نحو الكلب لكي يخرجه من الغرفة لكنّ الكلب هاجمه وعضّه في يده اليمنى في حين وقف الجنود عند باب غرفة النوم ولم يحرّكوا ساكنًا. بعد ذلك قاموا بإخراج الكلب من الغرفة. طالبت سماهر الجنود بالابتعاد عن الغرفة وارتدت ملابسها بسرعة واتّجهت إلى صالون المنزل. أمر الجنود أفراد الأسرة بملازمة المنزل وغادروا هم بعد عدّة دقائق. مرّت بضع دقائق أخرى وعندها سمع أفراد الأسرة طرقات على الباب الخلفيّ لمنزلهم. في إفادتها من يوم 4.2.2018 لبتسيلم وصفت سماهر عوّاد ما جرى بعد ذلك: كنت أحمل طفلي كرم (وعمره سنتان) وكان يبكي ويلتصق بصدري. فتحت الباب الذي طرقه الجنود وإذ بكلب يهجم عليّ قافزًا إلى صدري فوقع ابني كرم على الأرض. عضّني الكلب في صدري ثمّ نجحت في إبعاده عنّي لكنّه أمسك بفخذي الأيسر. جمعت كلّ قوّتي وتمكّنت من دفعه بعيدًا عنّي. كلّ ذلك والجنود واقفون وينظرون دون أن يفعلوا شيئًا. طيلة هذا الوقت كان زوجي يتوسّل إلى الجنود أن يبعدوا الكلب. تكلّم أحد الجنود مع الكلب باللغة العبرية وعندها هجم الكلب وأمسكني من يدي اليسرى وظلّ ممسكًا بها طيلة دقائق إلى أن جاء جنديّ آخر. سال منّي دم كثير. خرج الكلب والجنود من المنزل لكنّهم ظلّوا واقفين عند المدخل. طلب منهم زوجي أن يسعفوا يدي لكنّهم لم يكترثوا لكلامه. شعرت بألم وكان دمي يسيل لكنّ الجنود لم يهتمّوا. ربطت يدي بقطعة قماش لكي أوقف النزيف. بعد مضيّ نحو ساعة قرابة الساعة 5:00 وصل الجنود إلى منزل حليمة جرّار (62 عامًا أرملة وأمّ لستّة) الواقع على بُعد 150 مترًا من منزل عائلة عوّاد. تسكن حليمة في المنزل مع اثنين من أولادها: ابنتها سبأ (42 عامًا) وابنها القعقاع (48 عامًا متزوّج وأب لأربعة). أمر الجنود حليمة وأفراد أسرتها أن يخرجوا من المنزل وأمروهم بالانتقال إلى منزل مجاور جمّعوا فيه النساء في الطابق الأوّل والرجال في الطابق الثاني. بعد ذلك حقّق الجنود مع القعقاع ابن حليمة ومع ابنها الآخر - ذيب الذي يسكن مع أسرته في منزل آخر في الحيّ نفسه. في إفادة أدلت بها يوم 4.2.2018 قالت حليمة جرّار: عندما دخلت إلى منزل نور الدين عوّاد رأيت هناك سماهر وكانت يدها اليسرى ملفوفة والدم يسيل منها. كان باديًا عليها أنّها تتألّم كثيرًا. وكان ابنها كرم ملتصقًا بها وهو يبكي من الخوف. لم أقدر على تحمّل المنظر. خرجت من الغرفة وطلبت من الجنود الذي وقفوا قبالة الباب أن يقدّموا لها الإسعاف الأوّلي. وافق أحدهما وذهب لإحضار صندوق الإسعاف ثمّ دخل معي إلى الغرفة. أخذ الجندي يعقّم الجراح العميقة وعلامات أسنان الكلب الذي عضّ سماهر. اتّصلت سماهر بأخيها وهو بدوره اتّصل يطلب سيّارة إسعاف لكنّها حين وصلت لم يسمح لها الجنود بالعبور. وكانت يد سماهر لا تزال تنزف دمًا. احتجزنا الجنود حتى الساعة 9:00 صباحًا. لقد جلبوا جميع الجيران الذين يسكنون في المنطقة إلى منزل سماهر ومن بينهم ابني ذيب (50 عامًا) الذي يسكن على بُعد 500 متر من منزلي. كان مجموع الأشخاص داخل المنزل 15 شخصًا تقريبًا كلّهم جيران وأقارب. لدى انتهاء المهمّة اعتقل الجنود الأخوين ذيب والقعقاع جرّار، ثمّ أخلي سبيلهما بعد مرور عدّة أيام: ذيب في 6 شباط 2018 والقعقاع في 7 شباط 2018.

22 شباط/فبراير 2018

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

مشروع المحو

منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.

14 أيلول/سبتمبر 2026

מחנה הפליטים ג'נין היום. צילום: והאב בני מופלח, אקטיבטילס

سياسة إطلاق النار

مخيم جنين للاجئين ليس ساحة حرب وإنما هو بيتٌ لآلاف من بني البشر

يواصل الجيش الإسرائيلي لليوم الثاني على التوالي الهجوم على مخيم جنين المكتظ بالسكان وكأنه ميدان حرب وليس مكاناً يعيش فيه ناس يعملون ويتعلمون ويحلمون. حتى الآن، تحدثت التقارير عن غارات من الجو وعن توغل دبابات، ناقلات جند مدرعة، جرافات ومئات الجنود في داخل المخيم. وأفادت التقارير بسقوط عشرة قتلى ومئات الجرحى، إصابات بعضهم حرجة جداً، وبوجود صعوبات بالغة في إخلائهم بعد أن قام الجيش بهدم طرقات في داخل المخيم والطرق المؤدية إليه. والمستشفيات أصبحت في حالة انهيار وتقف عاجزة عن تقديم العلاج المطلوب للجرحى الذين تم إخلاؤهم. وأفادت التقارير بقطع شبكات المياه والكهرباء والإنترنت وبإصابة مراكز للعلاج الطبي، إضافة إلى عمليات هدم واسعة طالت منازل سكنية وممتلكات خاصة للسكان. آلاف المواطنين ـ أطفال ونساء ورجال ومسنون ـ اضطروا إلى الهروب من منازلهم، بعضهم حتى من دون أن يعلم إلى أين يتوجه. بالنسبة لحكومة إسرائيل، هذه العمليات هي ضرورية باعتبارها جزءاً من "الحرب ضد الإرهاب". وقد قوبلت هذه الفرضية دون أي اعتراض أو تحفظ من قبل كل ألوان الطيف السياسي في إسرائيل، تقريباً، حيث سارع الجميع إلى الوقوف إلى جانب الحكومة وتأييدها، وهو ما فعلته أيضاً أوساط واسعة في المجتمع الدولي. غير أن القتال في مخيم للاجئين ليس مفصولاً عن أهداف نظام الأبارتهايد الذي يعمل منذ سنوات لتعزيز الفوقية اليهودية في جميع المناطق الممتدة بين البحر والنهر وتعزيز السيطرة العسكرية على الفلسطينيين في المناطق المحتلة. إن هذا الانتهاك الجارف لحقوق الإنسان، وسط غياب أي اهتمام بإنسانية الفلسطينيين، إنما يعكس رؤية هذا النظام. خلافاً لرؤية واضعي السياسات في المستويين السياسي والعسكري، فإن المس المقصود والواسع على هذا النطاق بالمدنيين هو غير قانوني ويتناقض مع أعرف أخلاقية وإنسانية أساسية. ثمة عمليات وأفعال يُحظر على الدولة القيام بها ـ حتى لو كان الأمر تحت عنوان "الحرب ضد الإرهاب"، فكم بالحري حين يكون الأمر متعلقاً بخدمة أهداف سياسية عنصرية وعنيفة. يرفض واضعو السياسات التمييز بين المسوح والمحظور، بين الشرعي والإجرامي وبين الإنساني والوحشي. بالنسبة للجمهور الإسرائيلي، الذي تشارك أجزاء واسعة منه خلال الأشهر الأخيرة في النضال ضد إجراءات الحكومة الرامية إلى المس بحقوقهم، هذه الآن فرصة لمعارضة المس من قبل الحكومة نفسها بحقوق الإنسان في هذه اللحظات بالتحديد. على المجتمع الدولي واجب وضع الحدود أمام إسرائيل والعمل بحزم من أجل وقف العدوان الإسرائيلي على مخيم جنين للاجئين. إفادة فريال ضبايا: أمرنا أحد الضباط بمغادرة البناية وإبلاغ السكان الآخرين. خرجنا كلنا، مذعورين، خمس عائلات، حوالي 30 نفراً، بينهم سبعة قاصرين. وصلنا إلى مستشفى ابن سينا وبقينا هناك نحو ساعتين ثم تفرقنا لدى عائلات في يعبد تقوم باستضافتنا. لا نعلم ماذا حدث لمنازلنا وأية أضرار لحقت بها بعد أن قام الجيش بتفجير مبانٍ في المنطقة. إفادة محمد أبو طبيخ: نحن نسكن بجانب نادٍ وعيادة تابعين لوكالة الغوث (أونرا)، في الجانب الغربي من الدوار. أبلغنا الجيران بأن الجيش يطلب منا المغادرة لأنه ينوي تفجير البناية. كانت الجرافات الإسرائيلية قد دمرت الدوار وكل شبكات المجاري والكهرباء. خرجتُ مع زوجتي وأولادنا وكذلك أشقائي الذين يسكنون بجوارنا من المنازل. كلنا، نحو 20 نفراً، هربنا إلى مستشفى خليل السلمان. بقينا هنالك لبعض الوقت ثم انتقلنا أنا وزوجتي إلى منزل عائلتنا في قرية فقوعة بينما انتقل شقيقي وعائلته إلى منزل عائلة زوجته. الجيش يقصف كل شيء في المنطقة ونحن لا نعلم ماذا حدث لمنازلنا.

4 تموز/يوليو 2023