الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

تنكيل السلطة الفلسطينية بسكّان غزّة لا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن مصيرهم

بيت لاهية، قطاع غزة. 11.1.2017. تصوير: محمد سالم، رويتيرز.

في قطاع غزة تحدث كارثة إنسانية تُلقي بإسقاطاتها الخطيرة، بل المميتة أحيانًا، على مليونَي إنسان يعيشون هناك. المخاطر الناجمة عن عدم انتظام تزويد الكهرباء تمسّ جميع نواحي الحياة، وتُعطّل مرافق المياه والصرف الصحي، الذي يجري تصريفه مباشرة إلى البحر. هذا الواقع هو بعض من تبعات سياسة الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة منذ عشر سنوات وتحكم على سكّانه العيش في فقر مُدقع وظروف تكاد تكون لا إنسانيّة، ظروف لا نجد لها مثيلاً في العالم الحديث.

رغم هذا الواقع الذي لا يُطاق، قرّرت حكومة إسرائيل قبول خطة قاسية تقتضي مزيدًا من تقليص تزويد الكهرباء للقطاع، أعدّتها السلطة الفلسطينية. في حال تنفيذ هذا القرار سيزداد الوضع تدهورًا في القطاع، ومن المشكوك فيه أن يظلّ صالحًا لمواصلة العيش فيه.

ليس الأمر كارثة طبيعية أو قضاء القدَر. لو كان الحال كذلك لسارعت إسرائيل، على الأرجح، إلى التجنّد وإرسال بعثة إنسانية. إنّه واقع خلقته إسرائيل بأيديها، عبْر تطبيق سياسة قاسية وشرّيرة منذ عشر سنوات.

إسرائيل تستطيع، ومن واجبها، تغيير هذا الواقع.

مواد مقترحة

آمنة الزّوارعة. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم

قطاع غزة

آمنة الزّوارعة (42 عاماً أمّ لخمسة في سن 14- 23 عاماً) من سكّان بيت لاهيا. قصفت إسرائيل منزلها في 13.5.21. في إفادة أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، حدّثت آمنة عن حياتها منذ ذلك الحين

يقضي زوجي إبراهيم الزوارعة (54 عاماً) حُكماً بالسّجن لمدّة 16 عاماً في إسرائيل. بقيت له أربع سنوات حتى يتحرر من السجن. حتى العام 2021 كان لنا منزل كبير مؤلّف من ثلاثة طوابق لكنّه تعرض للقصف في الحرب الأخيرة. منذ ذلك الحين وضعي صعب جدّاً، ماليّاً ونفسيّاً. أنا لا أصدّق ما جرى لنا. كنا نمتلك منزلاً خاصاً بنا وفجأة أصبحنا مُشرَّدين. منذ ذلك الوقت لم أعرف الرّاحة أبداً. قُصف منزلنا في 13.5.21. دمّروه تماماً. عندما حصل القصف كنت مع الأولاد في زيارة لدى أقرباء لنا. عند السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل تقريباً علمت عبر وسائل الإعلام أنّ الجيش الإسرائيليّ قد قصف منزلنا ونحو تسعة مبانٍ سكنيّة أخرى في المنطقة. في وقت القصف كان ابني عبد الله في صالون الحلاقة الذي كان يديره في منزلنا. سمعنا عن سقوط شهداء من عائلة الطناني وعائلة المدهون فخفنا كثيراً على عبد الله. توجّه إخوتي إلى هناك بسرعة والحمد لله أنهم وجدوه خارج المنزل. كان خائفاً جدّاً وفي حالة نفسيّة سيّئة. عندما أتوا به كانوا يحملونه. كان في حالة صعبة. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى منزلي فوجدته كومة من رمال وحجارة. ذهب هباءً جميع المال والجُهد الذي بذلته في إقامة هذا المنزل. شعرت بأنّني أنهارُ وأفقد كلّ عالمي. لقد بذلت كلّ مالي ووقتي طوال سنين في بناء هذا المنزل من أجل أولادي. عندما خرجنا لزيارة أقربائنا في ذلك اليوم، لم نأخذ شيئاً معنا. تحوّل المنزل إلى أنقاض ودُفن من تحتها أثاثنا كّله وجميع أغراضنا التي لن نحصل عليها ثانية، أبداً. المنزل نفسه مُحي عن وجه الأرض. الدّمار الذي رأيته في منزلنا وفي المنطقة كلّها سبّب لي يأساً عارماً وحُزناً عميقاً. أصبحنا، أنا وأولادي، بحاجة إلى علاجات نفسيّة وكنّا مضطرين إلى تناول الأدوية المهدّئة لعدة أشهُر، وعلى الأخصّ ابني عبد الله (23 عاماً) الذي شاهد المنازل وهي تتهاوى أمام عينيه ورأى جثث الشهداء الذين سقطوا في المنطقة. حتى اليوم لا يستطيع النوم لأنه يعاني من كوابيس. بعد قصف منزلنا أقمنا في منزل والديّ. كانت تلك الأيّام صعبة جدّاً. كانت أعصابنا تالفة وكنّا نبكي ليلاً ونهاراً. عائلة أهلي كبيرة والمنزل كان مكتظّاً جدّاً. ولأنّني لم أحتمل المُكوث هناك بدأت البحث، بعد بضعة أشهُر، عن شقّة للإيجار لي ولأولادي. استأجرت شقّة في منطقة الشيخ زايد في بيت لاهيا لقاء 200 دولار شهريّاً. في الشهر الأوّل دفعت بدل الإيجار من جيبي الخاصّ ثمّ حصلنا على 2,000 دولار من وكالة الغوث لدفع رسوم إيجار المنزل وشراء أثاث وملابس لي وللأولاد. فقدنا جميع الأدوات الكهربائية الثمينة وقطع الأثاث التي كانت لدينا. هذا المبلغ لم يكن كافياً لشراء كلّ ما كنّا نحتاج إليه لإعالة الأسرة فاقتنينا بعض الأثاث الضروريّ فقط. في كانون الأوّل الماضي حصلنا على دفعة ثانية من وكالة الغوث بقيمة 2,500 شيكل بدل الإيجار عن أربعة أشهر لكن هذا لا يغطي فواتير الكهرباء والماء. أسرتنا مؤلّفة من ستّة أفراد ومساحة المنزل لا تكفينا. توجد غرفتا نوم فقط وصالون ومطبخ ومرحاض. لا توجد تدفئة ولا مياه ساخنة. في معظم الوقت لا توجد مياه جارية حتى مما يضطرنا إلى الذهاب إلى منزل والديّ للاستحمام. أحياناً نسخّن المياه بواسطة الغاز. وإضافة إلى هذا كله، المنزل بعيد عن مدارس أولادي مما يجعل الحياة أكثر صعوبة. وضعنا الماليّ صعب جدّاً. بنيت هذا المنزل من مالي رويداً رويداً ثمّ أتوا ودمّروه خلال لحظة واحدة. كانت التكاليف مرتفعة ولذلك اقترضت مبالغ كبيرة لكي أبني المنزل وتراكمت على كاهلي ديون كثيرة. كنّا نخطّط للانتقال إلى الطابق الثاني لكن الحرب سبقتنا فنشبت قبل ذلك. اختار عبد الله عروساً وعقدنا خطوبتهما لككننا لا نملك المال اللّازم لإقامة العُرس وتزويجهما ولا أعرف أين سيقيمان بعد الزواج. فقد خسر صالون الحلاقة خاصّته ويعمل الآن أجيراً لدى حلّاق آخر في المدينة. لا أحد يسمع صرختنا. نحن مدنيّون أبرياء. لماذا قصفوا منزلي؟ لماذا شرّدونا؟ الحياة صعبة بدون منزل خاص بنا وبدون استقرار. نحن لا ذنب لنا في هذه الحرب. لم نتلقّ أيّة إنذارات أو تحذيرات بل لم يُعطونا مُهلة حتى لكي نُخلي بعض الأغراض من المنزل. انقلبت حياتنا رأساً على عقب. أفكّر طوال الوقت بالمنزل وتُراودني ذكريات حُلوة من حياتنا هناك حين كانت الأسرة كلّها مجتمعة حولي. أتذكّر سطح المنزل كيف كانت تغمره الشّمس. هناك ذكريات جميلة في كلّ زاوية من المنزل، كيف كنّا نعيش ونستقبل الضّيوف. همّي الأساسيّ اليوم هو أن أبني من جديد منزلاً خاصاً بنا، من أجلي وأجل أولادي.

10 أيار/مايو 2022

עבד א-רחים אל-ערעיר בקלנועית בה הוא תלוי כדי להתנייד. כשאספקת החשמל מקוצצת הוא אינו מספיק לטעון את הסוללה שלה ואינו יכול לצאת מביתו. צילום: מוחמד סבאח, בצלם.

قطاع غزة

صيف 2020، أزمة الكهرباء في قطاع غزّة تتفاقم مجدّداً: تتوفّر فقط 4 ساعات كلّ 24 ساعة

يحتاج سكّان قطاع غزّة إلى نحو 600 ميغا/واط لكي يحصلوا على كهرباء متواصلة ومنتظمة على مدار 24 ساعة، لكنّهم لا يحصلون في الواقع سوى على 180 ميجا واط - 120 منها تزوّدها إسرائيل مباشرة عبر عشرة من خطوط الجُهد العالي والـ60 المتبقّية تنتجها محطّة توليد الكهرباء في القطاع وتعمل بواسطة وقود يصلها من إسرائيل وتموّله قطر. نتيجة لذلك يحصل سكّان قطاع غزّة في الأيّام "العاديّة" على كهرباء لفترات تمتدّ 8 ساعات فقط يليها 8 ساعات تنقطع فيها الكهرباء وهكذا دواليك؛ وفي الصّيف تنقطع الكهرباء أحياناً لمدّة 12 ساعة. لا يمكن لإسرائيل التنصّل من مسؤوليّتها عن هذا الواقع لأنّها لا تزال هي الطرف المسيطر على ما يحدث داخل القطاع: هي التي فجّرت قبل 14 عاماً محطّة توليد الكهرباء في القطاع ومنعت منذ ذلك الحين إعادة إعمارها - نتيجة لذلك لا تستطيع المحطة سوى إنتاج كميّة محدودة من الكهرباء. وأيضاً إسرائيل هي التي تعيق إجراء الترميمات وإدخال تحسينات ضروريّة على منظومة الكهرباء وتُجبر السّلطات على شراء الوقود منها وحدها. ولكنّ إسرائيل لم تكتف بهذا كلّه. علاوة على ذلك ومن باب العقاب الجماعيّ لكلّ سكّان القطاع أوقفت إسرائيل ضخّ الوقود اللّازم لتشغيل محطّة توليد الكهرباء في الأوقات التي ترتئيها. في 10.8.20 وفي قمة اشتداد الصيف الحارق قرّرت إسرائيل إغلاق المعابر ومنع إدخال الوقود إلى قطاع غزّة، وذلك ردّاً على مواصلة إطلاق البالونات الحارقة والمتفجّرة نحوها من القطاع. بعد مضيّ أسبوع على ذلك في 18.8.20 توقّفت محطّة توليد الكهرباء في القطاع عن العمل بسبب نقص الوقود وهبطت ساعات تزويد الكهرباء إلى 4 ساعات في اليوم لا أكثر. وبعد مضيّ ثلاثة أسابيع في 1.9.20 أعادت إسرائيل فتح المعابر وعاد بالتّالي تزويد الكهرباء إلى سابق عهده أي 8 ساعات في اليوم تليها 8 ساعات تنقطع فيها الكهرباء. يصعب تخيّل عائلات لا تبعد عن تل أبيب سوى بضع عشرات من الكيلومترات وتعيش بدون كهرباء منتظمة. انقطاع الكهرباء المتكرّر والمتواصل لا يمكّن سكّان القطاع من إدارة نظام حياة معقول في عالم أصبحت فيه الكهرباء لازمة في كلّ مجال تقريباً - من استهلاك الغذاء إلى العمل والدّراسة والصحّة والتواصُل مع العالم وغير ذلك. في حال انقطاع الكهرباء لا يستطيع السكّان استخدام الأدوات الكهربائيّة الأساسيّة كالثلّاجة والمراوح وغسالة الملابس والفرن، ولا يستطيع المرضى والمعاقون تلقّي العناية اللازمة إذ يحتاج ذلك تزويد الكهرباء بشكل متواصل. كذلك يضرّ انقطاع الكهرباء بالبُنى التحتيّة وعلى رأسها شبكات المياه والمجاري ناهيك عن الضرر اللّاحق بالمستشفيات. هذا الرّوتين اليوميّ القاسي لم ينجم عن كارثة طبيعيّة ولا هو حُكم القدَر وإنّما نتيجة لسياسة إسرائيليّة ظالمة. فيما يلي إفادات أدلى بها عدد من سكّان القطاع أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين يصفون فيها ما يلاقونه من مشقّة في تسيير حياتهم اليوميّة في هذه الظروف والإحباط الشديد الذي يرافق ذلك: أدناه إفادة باسمة خليل (61 عاماً) لديها 12 ابناً وابنة وهي من سكّان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة - أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.8.20: نقيم أنا وزوجي خيري عبد الرحمن (60 عاماً) في منزل من طابقين مع أبنائنا الأربعة وعائلتَي اثنين منهم. عددنا سويّة 16 نفراً. زوجي عاطل عن العمل منذ عشرين عاماً. منذ أن قصفت الطائرات الإسرائيليّة محطّة الكهرباء ونحن نعاني من أزمة كهرباء وهذا فوق أزمة المياه والحصار المفروض علينا. أحياناً تنقطع الكهرباء طوال النهار كلّه وتأتي لمدّة 3 - 4 ساعات فقط في المساء؛ وعندما تقع حرب لا توجد كهرباء بالمرّة. وكذلك المياه لا تصلنا بشكل متواصل وحين تنقطع الكهرباء والمياه في آنٍ واحد فلا يمكن ضخّ المياه إلى الخزّانات المنصوبة فوق السّطح. أحسّ وكأنّ الكهرباء والماء خطّان متوازيان لا يلتقيان! الوضع في قطاع غزّة لا يُطاق أبداً. الحصار أدّى إلى تدهور أوضاعنا الاقتصاديّة بحيث لا نستطيع شراء مولّدات كهرباء كان من شأنها أن تسهّل حياتنا في حال انقطاع الكهرباء. لقد أعادنا القطاع إلى العصور القديمة إذ صرنا نستخدم بدائل بدائيّة مثل قنديل الكاز والشمع لإنارة منازلنا - وهذا أمر له مخاطره وقد وقعت جرّاءه حرائق أكثر من مرّة. في إحدى المرّات وضعت الشمعة فوق جهاز التلفزيون فاشتعلت النار فيه. معظم أعمال المنزل تتطلّب الكهرباء وبسبب انقطاع الكهرباء المتكرّر كثيراً ما تتلف أجهزة المنزل الكهربائيّة. يحدث هذا لأنّني أشغّل جميع الأجهزة دفعة واحدة عندما تأتي الكهرباء لكي استغلّ الوقت وأتمكّن من تنفيذ أعمال المنزل قبل انقطاعها ثانية. في الوقت نفسه ترَيني أغسل الملابس وأخبز وأطبخ وأكوي وأضخّ الماء لخزّانات السّطح وأشغّل سخّان المياه وأشحن الهواتف كلّها دفعة واحدة. قوّة الكهرباء عندنا لا تكفي لتحمّل هذا العبء فتحترق جرّاء ذلك بعض الأجهزة أحياناً. وفي بعض الأحيان عندما تأتي الكهرباء لوقت قصير أضطرّ لغسل الملابس يدويّاً وخبز العجين في الطّابون وهذه أعمال مُتعبة جدّا لامرأة في سنّي. كثيراً ما أبقى مستيقظة حتى ساعة متأخّرة في انتظار وصول الكهرباء لكي أكمل أعمال المنزل وأعجن وأخبز في الطنجرة الكهربائية كلّ هذا أقوم به وعيناي شبه مغمضتين من النعاس والتعب. أخبز في كلّ مرّة 30 - 40 رغيفاً وإذا انقطعت الكهرباء أثناء الخبز هناك حلّان أمامي: إمّا أن ألقي بالعجين في النفايات وإمّا أن أشعل الحطب وأواصل الخبز في الطابون. كلاهما متعب ويوتّر الأعصاب. كثيراً ما اضطررت لإلقاء فواكه وخضار في النفايات لأنّها تلفت بسبب انقطاع الكهرباء. بالنسبة للّحوم أشتريها في يوم احتياجي لها لأنّه لا يمكن تخزينها في الثلّاجة إذ تتلف سريعاً جدّاً. مشكلة انقطاع الكهرباء تُرهقني جسديّاً ونفسيّاً. في الشتاء يصعُب تدفئة المنزل بدون الكهرباء ورغم المخاطر لا أجد حلّاً سوى تدفئة المنزل بإشعال الفحم. في الصّيف الطقس حارّ جدّاً ولا يمكن تشغيل المراوح. أستصعب النوم في اللّيل وكثيراً ما أنهض وأرشّ الماء على جسمي. ليلة أمس كانت الكهرباء مقطوعة ولكثرة الحرّ اضطررت للنوم على بلاط الأرضيّة وفي الصّباح استيقظت وظهري يؤلمني. أحفادي أيضاً يتصعّبون في النوم بسبب الحرّ الشديد وأحياناً نخرج إلى الشارع في منتصف الليل بحثاً عن نسمة هواء. العتمة أيضاً مشكلة في حدّ ذاتها. اقتنيت لإنارة المنزل مصابيح LED تُشحن ولكنّها ضعيفة جدّاً. في اليومين الماضيين كان الوضع صعباً بشكل خاصّ لأنّ الكهرباء تصلنا فقط لمدّة 3 - 4 ساعات لأنّ محطّة توليد الكهرباء تعطّلت تماماً بعد أن أغلقت إسرائيل معبر كرم أبو سالم ومنعت إدخال الوقود لتشغيل المحطّة. السّنة الدراسيّة في بدايتها وابني أحمد طالب في الصفّ العاشر ولديه وظائف يجب أن يحلّها. عندما يعود من المدرسة ويجد الكهرباء مقطوعة يقول لي: "خرجتُ منذ الصّباح الباكر ولم يكن كهرباء، وها أنا أعود في الظهيرة ولا تزال الكهرباء مقطوعة! أيّة حياة هذه؟!". يغضب جدّاً لأنّه محبَط. انعدمت الحياة في غزة. أولادي يقولون دائماً "لقد مللنا هذه الحياة… إلى متى سنبقى في هذا الوضع؟". نحن نعيش في فقر مُدقع وهذه أيضاً مشكلة كبيرة جدّاً إضافة إلى مشكلة الكهرباء. أحسّ أنّني مخنوقة لم تبق لديّ قوى لتحمّل هذه الحياة. لقد وصلت إلى درجة اليأس التامّ من كلّ شيء. أشعر أنّني أموت ببطء. لا نطلب سوى أمور أساسيّة جدّاً وحياة طبيعيّة: أن تصلنا الكهرباء بشكل منتظم ومتواصل وأن يجد زوجي وأولادي عملاً وأن يرفعوا عنّا الحصار بالطّبع. قليل من الرّحمة! نريد أن نستمتع بالحياة وأن نرى أيّاماً جميلة وسعيدة وأن نعيش بكرامة ونحصل على أبسط الأشياء - كهرباء! في عصرنا كلّ شيء يعمل بالكهرباء فهي روح الحياة. بدون الكهرباء تتوقّف الحياة. أدناه إفادة عبد الرّحيم العرعير (61 عاماً) من حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة وهو أب لثمانية أبناء وعاطل عن العمل - أدلى بها في 20.9.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد: أقيم مع زوجتي شفا (64 عاماً) وولديّ المتزوّجين وأسرتيهما في منزل مؤلّف من طابقين. نعدّ معاً 22 نفراً. في العام 2012 حين كنت في طريقي إلى عملي أطلق الجيش الإسرائيليّ قذيفة من دبّابة نحو منطقة تقع شرقيّ حيّ الشجاعيّة وأصبت مع أشخاص آخرين كانوا يمرّون من هناك. اضطرّ الأطبّاء لبتر ساقي اليمنى فبقيت عاطلاً عن العمل منذئذٍ. حاولت طوال سنوات التعوّد على استخدام ساق اصطناعيّة ولكن بلا نفع. إضافة إلى ذلك خضعت لعمليّة جراحيّة في القلب وأعاني أيضاً من السكّري. لكي أتدبّر أموري اليوميّة أستعين بـدراجة "سكوتر" كهربائيّة ثمنها 2,000 دولار وينبغي شحنها لمدّة خمس ساعات تقريباً كلّ يوم. لا أستغني عن "السكوتر" فهو كلّ شيء بالنسبة لي. بفضله أنسى أنّني بلا ساق وهو يخدمني في كلّ ما أحتاجه. عندما يكون معطّلاً بسبب انقطاع الكهرباء أكون أنا أيضاً معطّلاً. أنا عمليّاً رهينة جدول الكهرباء وفي كلّ يوم أنتظر عودة الكهرباء لكي أشحن السّكوتر. من مشاكل الكهرباء أيضاً أنّها لا تأتي في أوقات محدّدة. أحياناً أظلّ مستيقظاً طوال اللّيل أو أستيقظ باكراً جدّاً لكي أشحن السّكوتر فأنا لا أستطيع المكوث طوال الوقت داخل المنزل. بمساعدة السّكوتر أذهب إلى السّوق لكي أشتري احتياجات الأسرة، وأذهب للصّلاة في المسجد القريب تقريباً خمس مرّات كلّ يوم. يبعد المسجد عنّا نحو 500 متر. وأحياناً أبقى في المسجد من صلاة الظهر حتى صلاة المغرب لكي أقتصد في صرف الكهرباء. الآن وبسبب تعطيل محطّة توليد الكهرباء تصلنا الكهرباء فقط لمدّة 3 - 4 ساعات في اليوم وهذا لا يكفي لشحن السّكوتر بشكل كامل. أي أنّني إذا خرجت من المنزل إلى مكان بعيد قد أعلق وسط الطريق حين تفرغ البطّاريّة، وعندها سأضطرّ لاستدعاء من لديه سيّارة كبيرة لكي يوصلني إلى المنزل مع السّكوتر. هذا أمر مُرهق. أحياناً أخرج بمساعدة العكاكيز عندما نحتاج شيئاً ضروريّاً ويكون السّكوتر غير مشحون. حالتي النفسيّة تتأثّر عندما أكون محبوساً في المنزل بسبب انقطاع الكهرباء. وضعنا الاقتصاديّ لا يسمح لنا بشراء مولّد كهرباء خاصّ وعندما ألاحظ أنّ بطّاريّة السّكوتر على وشك أن تفرغ آخذه للشحن لدى صديق لي يقيم قريباً منّي. هو صاحب منجرة ولديه مولّد كبير. الكهرباء من الموارد الأساسيّة في الحياة فجميع الأعمال تعتمد على الكهرباء. نحن نعاني مثل بقيّة سكّان القطاع. نضطرّ لاستخدام أدوات بدائيّة في إنارة منازلنا كالشموع وقناديل الكاز والمصابيح الصغيرة. أنا وزوجتي نقوم بجميع أعمال المنزل وهي تضطرّ أحياناً لغسل الملابس يدويّاً. أنا أهتمّ بتشغيل مضخّة المياه الكهربائيّة وحين أكون خارج المنزل أتّصل طوال الوقت لكي أعود وأشغّل المضخّة إذا ما وصلت الكهرباء. أزمة الكهرباء متواصلة طوال السّنة في الصّيف وفي الشتاء. في الشتاء عندما تكون الكهرباء مقطوعة طوال النهار لا مناص لنا من استخدام الفحم لتدفئة المنزل. وفي الصّيف مع الحرّ الشديد نعاني أكثر لأنّنا نحصل على الكهرباء عادة لمدّة 6 ساعات تليها 12 ساعة تنقطع خلالها الكهرباء. الخضار والفواكه واللّحوم تتلف داخل الثلّاجة. كذلك لا يمكننا تشغيل المراوح وفي اللّيل ننام بصعوبة. حتى أحفادنا الأطفال يبكون بسبب معاناة الحرّ. هكذا هي حياتنا تحت الحصار منذ 14 عاماً. الوضع سيّء للغاية. نحن ننتظر رحمة السّماء لأنّ حياتنا كلّها عذاب ويأس. ولكنّنا نريد أن يتغيّر هذا الوضع. لا يمكن أن نبقى هكذا محرومين من أبسط الحقوق. مشاكل الكهرباء هي أصعب ما نواجهه. نأمل أن ينزاح عنّا هذا الكابوس. أدناه إفادة يحيى سلطان (62 عاماً) من مخيّم النصيرات للّاجئين وهو أب لسبعة أبناء ومتقاعد - أدلى بها في 23.8.20 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة: أقيم في الطابق السّابع في برج سكنيّ مع زوجتي وأولادنا الأربعة العازبين. اثنان منهما يدرسان في الجامعة. نحن نعاني كثيراً ومنذ سنين طويلة جرّاء انقطاع الكهرباء. ذات مرّة كانت الكهرباء تصلنا لمدّة ثماني ساعات تليها ثماني ساعات انقطاع ثمّ تعود لمدّة ثماني ساعات وهكذا. الآن تنقطع الكهرباء في الصّيف والشتاء لمدّة أطول قد تصل إلى 12 ساعة أحياناً. في البرج الذي أسكنه مصعدان يعملان على الكهرباء إذا وُجدت وعندما تنقطع الكهرباء أظلّ حبيس المنزل إذ لا يمكنني صعود الدّرج لأنّني أعاني من مشاكل صحّية كثيرة: سكّري ومشاكل في القلب وارتفاع ضغط الدم. أحيانا تصل الكهرباء في منتصف اللّيل فأظلّ محبوساً المنزل لمدّة يومين أو أكثر وإذا كانت عليّ التزامات في الخارج ألغيها أو أؤجّلها إلى أن تعود الكهرباء وتعمل المصاعد من جديد. أنا أدفع فاتورة كهرباء لشركة الكهرباء وفاتورة أخرى لمزوّد لديه مولّد خاصّ. أنا مدين لشركة الكهرباء نحو 27 ألف شيكل وأدفع لهم حاليّاً بدل الكهرباء التي نستهلكها و-100 شيكل أخرى لسداد أقساط الدّين الذي تراكم. إضافة إلى ذلك أشتري الكهرباء من جاري الذي يملك مولّدًا خاصّا وأدفع له 100 شيكل كلّ شهر وأحياناً أكثر. خطّ المولّد الخاصّ يكفي فقط لتشغيل مروحتين وللإنارة لا الثلّاجة أو الحاسوب. عندما تنقطع كهرباء المولّد الخاصّ نستخدم مصابيح LED مشحونة وهي تكفي بالكاد لساعتين. بعد ذلك نستعين بمصابيح هواتفنا في التنقّل داخل المنزل. ولداي اللّذان يتعلّمان في الجامعة يبقيان الآن في المنزل ولا يحضران المحاضرات لأنّني عجزت عن دفع القسط الدراسيّ. ابنتي سلسبيل (23 عاماً) تدرس الرياضيّات في الجامعة. قبل عدّة أشهر كانت تجيب على أسئلة امتحان عبر الإنترنت وفجأة انقطعت الكهرباء فأخذت تبكي بشكل هستيري؛ لكنّها تمالكت نفسها بسُرعة وبدلت ملابسها وهرعت إلى منزل عمّها القريب منّا وأكملت الامتحان هناك. بسبب أنّ إسرائيل أغلقت المعابر ومنعت دخول الوقود إلى غزّة تصل مدّة انقطاع الكهرباء إلى أكثر من 20 ساعة يوميّاً أي أنّ الكهرباء تصلنا فقط لمدّة 4 ساعات؛ وحتى هذا يكون أحياناً في ساعات اللّيل المتأخّرة ونحن نيام بحيث لا نستفيد منها بأيّ شكل. خزّانات المياه على سطح المنزل تكفينا ليومين فقط. في الأسفل قرب البناية توجد خزّانات كبيرة وحين تتوفّر الكهرباء علينا الإسراع في ضخّ المياه إلى خزّانات السّطح وإلّا فسنبقى بدون مياه جارية أيضاً. بالأمس وصلت الكهرباء عند العصر ولكنّني امتنعت عن الخروج لأداء الصّلاة في المسجد القريب من المنزل خشية أن تنقطع الكهرباء فلا أتمكّن من العودة إلى المنزل بالمصعد. انقطاع الكهرباء يضرّ أيضاً بحياتنا الاجتماعيّة. نحن تقريباً منقطعون عن العالم فحتى أولادنا وأقاربنا حين يريدون القدوم لزيارتنا يتّصلون مسبقاً لكي يتأكّدوا من وجود كهرباء. الآن حيث تصلنا الكهرباء فقط لمدّة 4 ساعات يوميّاً انقطعت الزيارات العائليّة تماماً. أقضي معظم وقتي داخل المنزل وأتسلّى بتصفّح الإنترنت حين يكون ذلك ممكناً. حياتنا الطبيعيّة تنقطع مع انقطاع الكهرباء. أدناه إفادة إنعام السّلطان (48 عاماً) من جباليا وهي مطلّقة وأمّ لخمسة أبناء - أدلت بها أمام باحثة بتسلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 21.8.20: أقيم منذ نحو 14 عاماً مع أبنائي الخمسة في الطابق الخامس من بُرج سكنيّ مؤلّف من ثمانية طوابق و28 شقّة. جميع السكّان يعانون كثيراً من أزمة الكهرباء التي بدأت مع الحصار. لا نملك المال اللّازم لشراء مولّد كهرباء والمصعد يعمل فقط حين تتوفّر الكهرباء. حالتي الصحّية صعبة جدّاً إذ أعاني ارتفاع ضغط الدّم وانزلاق غُضروفيّ في الفقرتين الخامسة والسّابعة ومشكلة في القلب ومشكلة أخرى في غضروف الرّكبة اليمنى. أنا لا أستطيع هبوط الدّرج وعندما تنقطع الكهرباء لا أخرج من المنزل. عندما يتمّ تزويد الكهرباء بشكل منتظم وفق جدول 8 ساعات وصل و-8 ساعات قطع يكون الوضع أفضل قليلاً لأنّنا على الأقلّ نعرف مسبقاً متى ستنقطع الكهرباء ومتى تعود. عندما تصل الكهرباء في الصّباح الباكر أخرج من البيت لزيارة والدتي وفي الطريق أشتري لها ولنا ما نحتاجه ثمّ أساعدها في المنزل. الكثير من أصدقائنا وأقاربنا لا يستطيعون زيارتنا لأنّ المصعد لا يعمل ومن الصّعب صعود الدّرج وهبوطه. ذات مرّة زارتنا والدتي وعلقت عندنا حتى اليوم التالي بسبب انقطاع الكهرباء. الآن أزمة الكهرباء اشتدّت أكثر وتفاقمت بسبب تعطيل محطّة توليد الكهرباء قبل نحو أسبوع وخفض ساعات تزويد الكهرباء إلى 3 - 4 يوميّاً بحيث تنقطع لمدّة تقارب 18 ساعة متواصلة. هذه كارثة بالنسبة إليّ. أنا لا أخرج من المنزل بتاتاً إلّا لحاجة طارئة أو ضروريّة. صعود الدّرج يستغرق رُبع السّاعة وهبوطه أيضاً يتطلّب وقتاً. أتوقّف لأستريح كلّ بضع درجات لأنّ الدّرج مُتعب جدّاً. أحياناً تتوفّر الكهرباء في اللّيل بالذّات عند السّاعة 23:00 مثلاً وأنا في هذا الوقت أكون قد نمت. عندما أستيقظ في الصّباح تكون الكهرباء قد انقطعت والفرصة قد ضاعت. أحياناً وإذا كنت مضطرّة أظل مستيقظة لكي أقوم بأعمال المنزل التي تحتاج كهرباء، مثال غسل الملابس وخبز العجين والكيّ وشحن المصابيح والهواتف الخلويّة. نظامنا اليوميّ تُمليه ساعات توفّر الكهرباء وهذا أمرٌ مُمضّ. مدخولي الشهري يبلغ نحو 100 دينار (ما يقارب 470 شيكل ولذلك لا أستطيع شراء مولّد كهرباء صغير للمنزل ولا تركيب نظام توليد كهرباء شمسيّ. في اللّيل عندما تكون الكهرباء مقطوعة والمراوح لا تعمل أبقى مستيقظة بسبب شدّة الحرّ. أحياناً ننام أنا وابنتي أحلام على بلاط الأرضيّة. وأحياناً تصل الكهرباء لفترة قصيرة جدّاً فلا يُسعفني الوقت لشحن بطّاريّات مصابيح الـ LED وهذه تفرغ بطّاريّاتها خلال وقت قصير قرابة 2 - 3 ساعات. في الأمس بقينا كلّنا بدون إنارة في اللّيل. الوضع سيّء إلى درجة أنّني أفكّر في استخدام الشمع رغم المخاطر المترتّبة على ذلك.

29 تشرين الأول/أكتوبر 2020

מזח דייגים בעיר עזה. צילום: מוחמד סבאח, בצלם

قطاع غزة

الغوص في أعماق اليأس: معاناة عائلات الصيّادين وبائعي الأسماك في قطاع غزّة جرّاء سياسات إسرائيل

في 12.8.20 قلّصت إسرائيل مساحة الصّيد في جنوب قطاع غزّة من 15 ميلاً بحريّاً إلى 8 بحجّة إطلاق بالونات حارقة من قطاع غزّة وفقاً لتصريحات رسميّة. في 16.8.20 أغلقت إسرائيل البحر تمامًا أما الصيادين وفي 2.9.20 فتحته لمسافة 15 ميلًا بحريًا. إنّ مبرر الجهات الرسمية لفرض هذه التقييدات هو إطلاق البالونات الحارقة من قطاع غزة. هذه ليست المرة الأولى وبالطبع لن تكون الأخيرة التي تحدّد فيها إسرائيل مسافة الصيد لهذا السبب. هذا الإجراء وهو بمثابة عقاب جماعيّ يضاف إلى ما سبقه من قيود فرضتها إسرائيل على صيّادي الأسماك في القطاع منذ فرضت الحصار في العام 2007: اعتقال الصيّادين ومصادرة مراكبهم ومنع استيراد الموادّ الخام اللّازمة لإصلاح وترميم المراكب - وإطلاق النّار على مراكب الصيّادين بحجّة تخطّي مساحة الصّيد التي تسمح بها. قُتل جرّاء هذه النيران نحو سبعة صيّادين وجُرح المئات حتى الآن. قطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزّة انهار منذ زمن جرّاء هذه القيود ونتيجة لذلك لم يبق سوى 4,000 يعملون في الصّيد اليوم (بينما كان في قطاع غزّة 10,000 صيّاد قبل عشرين عاماً) وهؤلاء يعملون في ظروف خطيرة وقاهرة فرضتها عليهم إسرائيل، بالكاد يتمكّنون من إعالة أسرهم التي تدهور مستوى معيشتها إلى درجة الفقر المدقع. أدناه إفادات نساء وأمّهات صيّادين وبائعي أسماك من قطاع غزة يصفن مرارة العيش في هذا الواقع المطبوع بتقلّبات الحاضر وغموض المستقبل - استمعت إليها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. تصف النساء في إفاداتهنّ قلقهنّ الدّائم على أمن وسلامة أعزّائهنّ في عرض البحر ويفصّلن تبعات القيود التي تفرضها إسرائيل على سبُل كسب الرّزق والمصاعب الاقتصاديّة التي يواجهنها في تدبير احتياجات الأسرة - وهي مصاعب من المتوقّع أن تتفاقم جرّاء الآثار الاقتصاديّة لوباء الكورونا. أدناه إفادة انتصار الصّعيدي (52 عاماً) من مخيّم الشاطئ للاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أبناء - أدلت بها في 5.8.20 محدّثة عن المصاعب الاقتصاديّة والمآسي التي حلّت بها وبأسرتها: تزوّجت من مروان في 1984 وكان صيّاداً من قبل. هذه مهنته الوحيدة. كذلك أبنائي وأعمامهم يعملون في الصّيد. في البداية كان وضعنا الاقتصاديّ ممتازاً والعمل في الصّيد لم يكن محفوفاً بالمخاطر. في تلك الأيّام لم يكن الجيش يطلق النّار على الصيّادين ولم يعتقلهم ولم يصادر مراكبهم ومعدّاتهم. مساحة الصّيد كانت واسعة ولهذا كان الصيّادون يعودون بصيد وفير. كان مدخول زوجي عالياً إذ كان يكسب 2,000 – 3,000 شيكل في الأسبوع. لم ينقصنا شيء ولم يثر قلقي شيء. كان زوجي يعمل على حسكة خاصّة به ومنذ كان ولدانا خضر والسيّد صغيرين كان يأخذهما معه إلى البحر ويعلّمهما مهنة الصّيد ومع ذلك كنت مرتاحة ولم أخشَ على حياتهم. لكنّ الوضع تغيّر منذ الحصار. مع تقليص مساحة الصّيد تدهور وضعنا كثيراً. صار الصيّادون يخاطرون بحياتهم لكي يجلبوا لقمة العيش لأسرهم وصرت أخاف كثيراً على زوجي وأبنائي - ربّما يطلقون عليهم النّار وقد يعتقلوهم أو يصادروا معدّاتهم إلخ. كلّما سمعت عن إطلاق نار على الصيّادين في البحر أمضي السّاعات في قلق شديد إلى أن أرى أبنائي وأطمئنّ أنّهم بخير ولكي يهدأ قلبي أذهب إلى الميناء وأنتظرهم هناك وحين أراهم يهبطون من المركب سالمين أعود إلى المنزل". في العام 2012 توقّف زوجي عن العمل في الصّيد بسبب مشاكل في ظهره ومنذ ذلك الحين أصبح ابنانا المعيلان الوحيدان للعائلة. هما متزوّجان ولكلّ منهما أولاد وأسرة وجميعنا نعيش في بيت واحد. لقد اضطررت إلى بيع مصاغي بسبب الأوضاع الاقتصاديّة القاسية التي انتابتنا وفوق ذلك استدنت المال من الأقارب وما زلنا مدينين حتى اليوم لأنّنا لم نتمكّن من تسديد الدّين. في العام 2017 اعتقلوا خضر ولم نعرف عنه شيئاً إلّا بعد مرور عشرة أيّام إذ تبيّن أنّه رهن الاعتقال. جلبوه إلى محاكمة وحكموا عليه بالسّجن لمدّة سنة وأربعة أشهر. قالوا إنّ السّبب هو تجاوزه مساحة الصّيد المسموحة وأنّه فعل ذلك مرّات ومرّات من قبل ولم يتمكّنوا من القبض عليه سوى الآن. لقد عانيت كثيراً حين كان خضر في الحبس. في البداية كنت أبكي ليلاً نهاراً لم تغمض لي عين في اللّيالي ولم أذق طعم الفرح. وحين كنت أذهب لزيارته في السّجن كنت أبكي وأبكي - في الطّريق إلى السّجن أبكي وأثناء الزيارة أبكي وأبكي في طريق العودة. كانت تلك أيّاماً عصيبة حقّاً. حين اعتقلوا خضر صادروا أيضاً الحسكات ولمّا أعادوها كانت تالفة تماماً وبدون المعدّات - مجرّد خشب. بعد إطلاق سراح خضر وعودته إلى العمل حلّت بنا مصيبة: قبل سنة ونصف تقريباً في 20.2.19 خرج خضر للصّيد وفي اللّيل سمعنا أنّ الجيش الإسرائيليّ يطارد الحسكات وقد أخذ إحداها إلى ميناء أسدود. قال لي ابني السّيد إنّ خضر قد اعتُقل ولكنّ إحساسي كان ينبئني أنّه أصيب. مضت أربعة أيّام ولم أعرف شيئاً عن مصير ابني. أخلي سبيل الصيّادين لكنّ خضر لم يعد معهم. لاحقاً اتّضح أنّه أصيب برصاصة "مطّاطية" في عينه اليمنى وفقد بصره تمامً في كلتي عينيه. كان في مستشفى في إسرائيل ولم أره. رأيته للمرّة الأولى حين أعادوه إلى غزة - إلى مستشفى الشفاء - فأجهشت بالبكاء. منذ أن حدث ذلك أعيش هذه المأساة ويملأ قلبي الحزن على خضر لأنّه أصبح حبيس المنزل بين أربعة جدران عاطلاً عن العمل وعاجزاً عن إعالة أسرته. وضعه الاقتصاديّ سيّء جدّاً، مأساوي حقّاً، فهو لا يتلقّى مخصّصات جرحى أو دعماً من أيّة جهة كانت سوى بعض المتصدّقين الخيّرين يقدّمون له مبالغ صغيرة هنا وهناك. الأدوية وحدها التي يحتاجها تكلّف 150 شيكل شهريّاً. كذلك وضعه النفسيّ متردّ جدّاً. خضر لا يحبّ الخروج من المنزل في حالته هذه. إنّه يبقى حبيساً طوال اليوم وفي اللّيالي لا ينام. تنتابه حالات من العصبيّة. ليته أصيب في أيّ موضع آخر من جسده غير العينين لأنّ فقدان البصر أمرٌ صعب جدّاً وخاصّة بالنسبة إلى شابّ في مثل عمره. هو لا يزال في سنّ الـ32. أنا الأكثر تأثّراً بوضع خضر من بين جميع أفراد العائلة. أعتني به وأعيل أولاده. لم تجلب لنا مهنة الصّيد سوى المصائب والمآسي ووجع القلب. كنوز البحر بقيت في البحر وبقيت أنا مع وجعي على ابني الذي عاد من البحر تاركاً وراءه نور عينيه. ابني السيّد (33 عاماً) يعمل اليوم صيّاداً أجيراً وأحياناً يستأجر مركب صيد ويعمل لحسابه الخاصّ. مدخول العائلة الآن لا يتجاوز 500 شيكل شهريّاً وهذا لا يكفي لاحتياجات عائلتنا الكبيرة. أنا أتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعيّ مبلغ 1,800 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر وهي لا تكفي لتسديد الديون أيضاً. المشكلة هي أنّه لا توجد مجالات عمل أخرى في ظلّ الظروف الاقتصادية الصّعبة السّائدة في قطاع غزّة. حتى أحفادي الأطفال يقلّدون آباءهم أثناء اللّعب، يبنون حسكات صغيرة وآلات لغزل الشبك. يقولون: "نحن ذاهبون إلى العمل" "احترسوا من الجيش والرّصاص" وهكذا. أنظر إليهم وأقول لهم "إيّاكم والعمل في هذه المهنة. بتّ أخاف عليكم أكثر من خوفي على آبائكم!". أتمنّى أن تتحسّن الأوضاع ونعيش أيّاماً أفضل وأدعو من الله أن يعيد لخضر نور عينيه وأن تتحسّن نفسيّته. أدناه إفادة نورا نعمان (22 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لطفلين - أدلت بها محدّثة عن خوفها على زوجها الصيّاد مؤمن (31 عاماً) وعن المصاعب الاقتصاديّة: عندما يتوجّه مؤمن إلى عمله ينتابني الخوف ألّا يعود فلا أهدأ إلّا حين أراه عائداً إلى المنزل. في بداية العام 2018 خرج مؤمن للصيد. مرّت ساعات طويلة ولم يعد. خشيت على سلامته عندما سمعنا من صيّادين أقارب لنا أنّ الجيش اعتقله. بكيت وخفت كثيراً. حينذاك كان شقيقه معتقلاً لدى الجيش الإسرائيليّ أيضاً. خفت ألّا يعود مؤمن إلينا. كان ابني محمّد في ذلك الوقت رضيعاً ابن 7 أشهر فقط. ثلاثة أسابيع مرّت ولم نعرف إلى أين أخذوا مؤمن. طوال تلك الفترة كنت بالكاد أتناول الطعام أو أنام. في النهاية أخلي سبيل مؤمن. عندما رأيته داخلاً إلى المنزل لم أصدّق عينيّ وأجهشت بالبكاء. احتضنته والسّعادة تغمرني. بعد الاعتقال عاد مؤمن إلى عمله في الصّيد رغم المخاطر فهذه مهنته الوحيدة. في الفترة ما بين السّنوات 2013 - 2017 صادر الجيش ثلاثة مراكب له ولعائلته - لم يعيدوا منها حتى اليوم سوى واحداً. في العام الماضي اقتنى إخوة زوجي مركب صيد وصار زوجي يعمل معهم - خمسة إخوة يعملون على مركب واحد. يتلقّى زوجي 150 شيكل في نهاية كلّ أسبوع وهذا مبلغ لا يكفي لأسرة مؤلّفة من 4 أنفار، خاصّة وأنّ أولادنا صغار وهناك احتياجات يوميّة لهم، مثل الفوط الصحّية والحليب. حياتي كلّها قروض واستدانة من العائلة والأصدقاء. تتلقّى حماتي مبلغ 750 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر من وزارة الرّفاه توزّعها على أبنائها. وما يكسبه زوجي يذهب كلّه لتسديد الدّيون فهو يستدين أحياناً حين يحتاج إلى شراء شبك ومجاديف وعندما يبيع السّمك يسدّد قسطاً من الدّين. عندما أسمع عن إطلاق نار على الصّيادين أتّصل فوراً بإخوة زوجي لكي أطمئنّ على مؤمن ولكنّني لا أطمئنّ إلّا حين يعود إلى المنزل. قبل خروجه إلى البحر يوصيني مؤمن بنفسي وبأولادنا الصّغار لأنّه مثلي يخشى أن يقتلوه أو يعتقلوه وهذا يوتّرني أكثر فأكثر فأقول له "لا تتحدّث هكذا، ستعود بالسّلامة بإذن الله". "أحياناً أقول لمؤمن ليتك تعمل في مهنة أخرى بسبب مخاطر البحر وخطر الجيش الإسرائيليّ. أطلب منه أن يبحث عن عمل آخر ويتخلّى عن البحر. عندئذٍ يجيبني مؤمن قائلاً إنّ الوضع في القطاع سيّء ولا يوجد عمل آخر غير الصّيد ويطلب منّي أن أتحلّى بالصّبر والأمل بأن نشهد أيّاماً أفضل". أدعو الله أن يُبعد الجيش الإسرائيليّ عن زوجي وعن جميع الصيّادين وأتمنّى أن تتحسّن أوضاعنا لكي نستطيع تأمين مستقبل أولادنا الصّغار ونوفّر لهُم احتياجاتهم. كذلك أدعو الله أن يحفظ زوجي ويحميه فلا يُصاب. أدناه إفادة عُلا الصّعيدي (36 عاماً) من مخيّم الشاطئ في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أولاد - أدلت بها محدّثة عن زوجها الصيّاد ومشقّات مهنته: زوجي أحمد في الـ42 من عمره ويعمل صيّاداً منذ زواجنا قبل 18 عاماً. إنّها مهنة شاقّة ورغم أنّ عائلتي هي عائلة صيادين إلا أنّني لا أحبّ هذه المهنة لأنّها خطيرة جدّاً ولكن بما أنّها مصدر رزقنا الوحيد فنحن مضطرون إلى تقبّلها على مخاطرها. نحن نمرّ الآن بأزمة ماليّة. عندما بدأ الحصار انخفض مدخول زوجي إلى 700 شكيل شهريّاً واليوم لا يتجاوز مدخوله الـ500 شيكل شهريّاً رغم أنّه يشقى في عمله. هذا مبلغ ضئيل جدّاً ولا يكفي لمعيشتنا. في الماضي كنت أتلقّى كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر مخصّصات من وزارة الرّفاه بقيمة 1,800 شيكل لكنّهم خفضوا المبلغ بعد أربع سنوات إلى 700 شيكل. هذه المبالغ لا تكفي لمعيشتنا ولا حتى لاحتياجاتنا الأساسيّة اليوميّة أو لملابس العيد لأولادنا. منذ تفشى وباء الكورونا ازداد الوضع سوءاً لأنّ الأزمة الاقتصاديّة في قطاع غزّة تفاقمت والناس يشترون الأسماك بكميّات أقلّ من ذي قبل. كذلك انخفض عدد القادمين إلى القطاع من خارجه ولذلك قلّت المناسبات الكبيرة وبالتالي انخفض الطلب على السّمك. يعمل زوجي على مركب يملكه أخوه. يخرج نحو السّاعة 15:00 ويعود بعد السّاعة 3:00 فجراً. عندما يخرج زوجي للصّيد أدعو الله أن يحفظه ويحميه من الجيش ورصاص الجنود. لا أطمئن إلّا حين يعود إلى المنزل أو يتّصل بي. طالما هو في عرض البحر أظلّ فريسة الخوف والقلق عليه وخاصّة حين أسمع صوت إطلاق الرّصاص نحو الصيّادين. أتوتّر كثيراً وأتّصل به فوراً لكي أتأكّد أنّه بخير. كذلك أولادنا يخافون ويقلقون كثيراً عندما يسمعون صوت الرّصاص. يتساءلون تُرى من الذي اعتُقل من الصيّادين ويتمنّون ألّا يكون والدهم. أنا أحاول أن أهدّئ من روعهم وأقول لهم "صبراً، بابا سوف يعود" وإذا تأخّر زوجي في العودة يذهب ابني أنس (9 سنوات) إلى ميناء غزة وينتظره هناك لشدّة خوفه وقلقه عليه. الصّيد أسوأ مهنة لرجُل بالنسبة للزّوجات. أخشى على زوجي من برد الشتاء القارس وأخاف عليه من مخاطر البحر ولكن أكثر ما يقلقني إطلاق الرّصاص على الصيّادين. اليوم الذي أسمع فيه من الناس عن حادثة إطلاق نار على الصيّادين يمضي عليّ وشعور يرافقني بأنّني سأفقد زوجي في كلّ لحظة وأظلّ أصلّي وأدعو الله أن يعيده إلينا سالماً معافى. "لقد سبق أن اعتقل الجيش زوجي عدّة مرّات وكانت الأخيرة في العام 2018. في العام 2007 ظلّ رهن الاعتقال نصف سنة. كما صادر الجيش لنا مركبين وأربعة محرّكات ولا تزال محتجزة في ميناء أسدود. في معظم الأحيان لا يعيد الجيش المراكب والمحرّكات التي يصادرها". ليت حالنا يتحسّن. أتمنّى أن يعيدوا لنا المراكب المصادرة فيُصبح لزوجي مركب خاصّ به. وحبّذا لو يوسّعوا المساحة المسموح فيها الصّيد. أطلب العيش الكريم وأن نقدر على تأمين مستقبل أولادنا وتوفير احتياجاتهم وتحقيق أمانيهم. وأتمنّى أن يعملوا في مجال آخر غير الصّيد البحريّ لأنّه مهنة شاقّة ومحفوفة بالمخاطر. أدناه إفادة أ.م. (49 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين، وهي أمّ لتسعة أبناء وزوجها يعمل بائع أسماك - أدلت بها محدّثة عن تأثير الوضع على عمل زوجها: تزوّجت في العام 1989. زوجي يعمل في الصّيد وبيع الأسماك منذ أن كان في الـ12 من عمره. كان يعمل مع والده بائع الأسماك ومع أقاربه الصيّادين. لدينا تسعة أبناء تتراوح أعمارهم بين 6 و-29 عاماً ونقيم قرب الشاطئ. كثير من أقاربنا يعملون في الصّيد البحريّ. في السّنوات الأولى بعد زواجنا لم تكن المنافسة كبيرة في تجارة الأسماك وكان صيد الأسماك وفيراً. كان زوجي يخرج إلى سوق الأسماك في الثالثة فجراً فيجلب المنزل كميّات كبيرة من الأسماك من التجّار والصيّادين يغسلها ويرتّبها ثمّ يذهب بها إلى السّوق. عموماً كان ينجح في بيع البضاعة كلّها خلال ساعتين تقريباً ويعود إلى المنزل. كان مدخولنا جيّداً إذ تراوح بين 3,000 و-4,000 شيكل شهريّاً. طوال سنوات كثيرة تمتّعنا بمستوى معيشة عالٍ. اقتنينا منزلاً خاصّاً بنا وكان فيه كلّ ما أحتاجه وحتى أنّني اقتنيت لنفسي مصاغاً ذهبيّاً. ربّينا هنا بناتنا وأبناءنا خلال الفترة التي كانت الأعمال فيها جيّدة فلم ينقصهم شيء. كنّا مرتاحين نعيش في حُبور وسعادة. تغيّرت أحوالنا قبل نحو 13 عاماً عندما فُرض الحصار على قطاع غزة. في أعقاب الحصار خفتت حركة البيع والشراء في الأسواق وقلّصوا مساحة الصّيد وأحياناً منعوا الصّيد تماماً وقلّ السّمك وارتفعت أسعاره بالنسبة للتجّار والمستهلكين. في السّابق كان الناس يشترون في الصّيف - موسم كثرة الأسماك - 4 - 5 كغم أمّا اليوم فيشترون فقط كغم واحداً أو اثنين. أحياناً يعود زوجي إلى البيت ومعه نصف البضاعة أو حتى كلّها. لكي يتفادى كساد البضاعة يبقى لساعات طويلة في السّوق أحياناً حتى العصر أو المغرب ولكن عبثاً. والأنكى أنّ الأسماك الكاسدة تفسد أحياناً لأّنه لا يمكن حفظها في ثلّاجات بسبب مشاكل الكهرباء. منذ الحصار تدهور وضعنا الاقتصاديّ كثيراً. لا يملك زوجي بسطة أو دكّاناً في السّوق وإنّما هو يستأجر مساحة متر أو مترين مقابل عشرة شيكل لليوم الواحد. جميع أولادنا يعملون في بيع الأسماك مع والدهم ولكنّ مدخولهم جميعاً لا يتعدّى الـ1,500 شيكل شهريّاً - ونحن عائلة مؤلّفة من 14 نفراً. اثنان من أبنائنا متزوّجان وأحدهما أب لولدين ولكنّنا نقيم جميعاً في المنزل نفسه. نحن لا نتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه رغم أنّنا عائلة كثيرة الأولاد وذلك لأنّ زوجي ليس أجيراً. لقد بعت جميع مصاغي. في الماضي اقتنيت أرضاً ولكنّني اضطررت لبيع قطعة مساحتها 250 متراً لكي أسدّد الديون وأزوّج أولادي. أحد أبنائي كان طالب جامعة لكنّه أوقف تعليمه لأنّنا لم نتمكّن من دفع القسط الدراسيّ. ومنذ تفشّى وباء الكورونا تدهور الوضع أكثر فأكثر: المطاعم والفنادق تكاد لا تشتري الأسماك لأنّها تُغلق لفترات طويلة وكذلك لا يوجد زوّار من الخارج في غزّة لأنّ المعابر مغلقة. لقد أضرّ هذا بعمل زوجي في السّوق. ينغّصني كثيراً أنّني لا أستطيع توفير احتياجات أبنائي. أنا لم أقدر على شراء ملابس لهم في العيد وفي بداية السنة الدراسيّة فاضطرّوا لاستخدام أغراض السنة الفائتة: الملابس والحقائب وحتى الأحذية. كم يتألّم قلبي لهذا فقد كان بودّي أن أشتري لهم كلّ شيء جديد لكنّ الوضع لا يسمح. كلّما طلبوا شيئاً مثل المشاركة في رحلة أظلّ أماطلهم وقلبي يتقطّع - لأنّني أريد أن أرى السّعادة والفرح في أعينهم. لهذه الأسباب أنا في اكتئاب عميق وأشعر بالاختناق ولكنّني أدرك من ناحية أخرى أنّه لا يوجد عمل آخر لا لزوجي ولا لأبنائي فلا يبقى سوى أن نأمل تحسّن أوضاعنا.

9 أيلول/سبتمبر 2020