آمنة الزّوارعة (42 عاماً أمّ لخمسة في سن 14- 23 عاماً) من سكّان بيت لاهيا. قصفت إسرائيل منزلها في 13.5.21. في إفادة أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، حدّثت آمنة عن حياتها منذ ذلك الحين
10 أيار/مايو 2022
يقضي زوجي إبراهيم الزوارعة (54 عاماً) حُكماً بالسّجن لمدّة 16 عاماً في إسرائيل. بقيت له أربع سنوات حتى يتحرر من السجن. حتى العام 2021 كان لنا منزل كبير مؤلّف من ثلاثة طوابق لكنّه تعرض للقصف في الحرب الأخيرة. منذ ذلك الحين وضعي صعب جدّاً، ماليّاً ونفسيّاً. أنا لا أصدّق ما جرى لنا. كنا نمتلك منزلاً خاصاً بنا وفجأة أصبحنا مُشرَّدين. منذ ذلك الوقت لم أعرف الرّاحة أبداً.
قُصف منزلنا في 13.5.21. دمّروه تماماً. عندما حصل القصف كنت مع الأولاد في زيارة لدى أقرباء لنا. عند السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل تقريباً علمت عبر وسائل الإعلام أنّ الجيش الإسرائيليّ قد قصف منزلنا ونحو تسعة مبانٍ سكنيّة أخرى في المنطقة. في وقت القصف كان ابني عبد الله في صالون الحلاقة الذي كان يديره في منزلنا.
سمعنا عن سقوط شهداء من عائلة الطناني وعائلة المدهون فخفنا كثيراً على عبد الله. توجّه إخوتي إلى هناك بسرعة والحمد لله أنهم وجدوه خارج المنزل. كان خائفاً جدّاً وفي حالة نفسيّة سيّئة. عندما أتوا به كانوا يحملونه. كان في حالة صعبة.
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى منزلي فوجدته كومة من رمال وحجارة. ذهب هباءً جميع المال والجُهد الذي بذلته في إقامة هذا المنزل. شعرت بأنّني أنهارُ وأفقد كلّ عالمي. لقد بذلت كلّ مالي ووقتي طوال سنين في بناء هذا المنزل من أجل أولادي.
عندما خرجنا لزيارة أقربائنا في ذلك اليوم، لم نأخذ شيئاً معنا. تحوّل المنزل إلى أنقاض ودُفن من تحتها أثاثنا كّله وجميع أغراضنا التي لن نحصل عليها ثانية، أبداً. المنزل نفسه مُحي عن وجه الأرض. الدّمار الذي رأيته في منزلنا وفي المنطقة كلّها سبّب لي يأساً عارماً وحُزناً عميقاً. أصبحنا، أنا وأولادي، بحاجة إلى علاجات نفسيّة وكنّا مضطرين إلى تناول الأدوية المهدّئة لعدة أشهُر، وعلى الأخصّ ابني عبد الله (23 عاماً) الذي شاهد المنازل وهي تتهاوى أمام عينيه ورأى جثث الشهداء الذين سقطوا في المنطقة. حتى اليوم لا يستطيع النوم لأنه يعاني من كوابيس.
بعد قصف منزلنا أقمنا في منزل والديّ. كانت تلك الأيّام صعبة جدّاً. كانت أعصابنا تالفة وكنّا نبكي ليلاً ونهاراً.
عائلة أهلي كبيرة والمنزل كان مكتظّاً جدّاً. ولأنّني لم أحتمل المُكوث هناك بدأت البحث، بعد بضعة أشهُر، عن شقّة للإيجار لي ولأولادي. استأجرت شقّة في منطقة الشيخ زايد في بيت لاهيا لقاء 200 دولار شهريّاً. في الشهر الأوّل دفعت بدل الإيجار من جيبي الخاصّ ثمّ حصلنا على 2,000 دولار من وكالة الغوث لدفع رسوم إيجار المنزل وشراء أثاث وملابس لي وللأولاد. فقدنا جميع الأدوات الكهربائية الثمينة وقطع الأثاث التي كانت لدينا. هذا المبلغ لم يكن كافياً لشراء كلّ ما كنّا نحتاج إليه لإعالة الأسرة فاقتنينا بعض الأثاث الضروريّ فقط. في كانون الأوّل الماضي حصلنا على دفعة ثانية من وكالة الغوث بقيمة 2,500 شيكل بدل الإيجار عن أربعة أشهر لكن هذا لا يغطي فواتير الكهرباء والماء.
أسرتنا مؤلّفة من ستّة أفراد ومساحة المنزل لا تكفينا. توجد غرفتا نوم فقط وصالون ومطبخ ومرحاض. لا توجد تدفئة ولا مياه ساخنة. في معظم الوقت لا توجد مياه جارية حتى مما يضطرنا إلى الذهاب إلى منزل والديّ للاستحمام. أحياناً نسخّن المياه بواسطة الغاز. وإضافة إلى هذا كله، المنزل بعيد عن مدارس أولادي مما يجعل الحياة أكثر صعوبة.
وضعنا الماليّ صعب جدّاً. بنيت هذا المنزل من مالي رويداً رويداً ثمّ أتوا ودمّروه خلال لحظة واحدة. كانت التكاليف مرتفعة ولذلك اقترضت مبالغ كبيرة لكي أبني المنزل وتراكمت على كاهلي ديون كثيرة. كنّا نخطّط للانتقال إلى الطابق الثاني لكن الحرب سبقتنا فنشبت قبل ذلك.
اختار عبد الله عروساً وعقدنا خطوبتهما لككننا لا نملك المال اللّازم لإقامة العُرس وتزويجهما ولا أعرف أين سيقيمان بعد الزواج. فقد خسر صالون الحلاقة خاصّته ويعمل الآن أجيراً لدى حلّاق آخر في المدينة. لا أحد يسمع صرختنا. نحن مدنيّون أبرياء. لماذا قصفوا منزلي؟ لماذا شرّدونا؟ الحياة صعبة بدون منزل خاص بنا وبدون استقرار. نحن لا ذنب لنا في هذه الحرب. لم نتلقّ أيّة إنذارات أو تحذيرات بل لم يُعطونا مُهلة حتى لكي نُخلي بعض الأغراض من المنزل. انقلبت حياتنا رأساً على عقب.
أفكّر طوال الوقت بالمنزل وتُراودني ذكريات حُلوة من حياتنا هناك حين كانت الأسرة كلّها مجتمعة حولي. أتذكّر سطح المنزل كيف كانت تغمره الشّمس. هناك ذكريات جميلة في كلّ زاوية من المنزل، كيف كنّا نعيش ونستقبل الضّيوف. همّي الأساسيّ اليوم هو أن أبني من جديد منزلاً خاصاً بنا، من أجلي وأجل أولادي.