قطاع غزة

والآن، حان وقت الطّمس

الصورة
רחוב אל-וחדה שהופצץ על-ידי ישראל בעיר עזה. צילום: מוחמד זענון, אקטיבסטילס

انتهى قصف قطاع غزّة لهذه الجولة، والآن تأتي مرحلة الطّمس - كأنّما جزءاً من الإجراءات. يمكننا أن نتوقّع من إسرائيل أن تعلن قريباً أنّها تعكف على فحص قصف هنا أو هناك ممّا تعتبره "أحداث استثنائيّة". بعد مضيّ بضعة أشهر على ذلك سوف يُعلن المدّعي العامّ العسكريّ ما توصّل إليه من نتائج: كلّ شيء جرى وفقاً للقانون سوى حادثة أو اثنتين سيقرّر أن يتّخذ ضدّ المتورّطين فيهما إجراءات، وعلى الأغلب ستكون هذه رمزيّة تقريباً. وربّما سوف يوصي المدّعي العامّ العسكريّ على تدقيق إجراء معيّن أو صقل أحد إجراءات التصديق العسكريّة.

تستند توقّعاتنا هذه على أداء إسرائيل في ظروف مشابهة سابقة. تُدار التحقيقات دائماً على يد الجيش ولذلك يبقى المسؤولون السياسيّون - ممّن صدّقوا على سياسة القصف وأصدروا تعليمات استخدام القوّة العسكريّة الفتّاكة - في منأىً عن أيّ تحقيق أو استدعاء للمساءلة والمحاسبة. كذلك لم يحدث أبداً أن تمّ التحقيق مع كبار العسكريّين المسؤولين عن تطبيق هذه السياسة والمدّعي العامّ العسكريّ الذي يصدّق على قانونيّتها. وبسبب هذا الأداء لم يحدث أبداً أن خضع للتحقيق أيّ من المسؤولين عن وضع السياسة التي أسفرت عن انتهاكات متكرّرة لحقوق الإنسان.

لقد أنيطت التحقيقات التي جرت حتى اليوم بخصوص جولات القتال السّابقة في قطاع غزّة بجهاز إنفاذ القانون العسكريّ وقد أثبت هذا أنّه جهاز طمس للحقائق ليس إلّا. أمّا الإجراءات الجنائيّة التي تمّ اتّخاذها نتيجة لهذه التحقيقات فهي كما يلي:

  • في أعقاب "الرّصاص المصبوب" قرّر المدّعي العامّ العسكريّ أنّ كلّ شي سار وفقاً للقانون في جميع الأحداث التي تمّ التحقيق فيها ما عدا ثلاثة: في واحد من الثلاثة أدين جنديّ بسرقة بطاقة اعتماد بنكيّة وحُكم عليه بالسّجن مدّة سبعة أشهر ونصف وخفض رُتبته. في الحادثة الثانية أدين جنديّان باستخدام طفل كدرع بشريّ وحُكم عليهما بالسّجن مدّة ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ وخفض رُتبتهما. في الحادثة الثالثة وهي مقتل امرأتين (أمّ وابنتها) أدين جنديّ باستخدام السّلاح على نحوٍ مخالف للقانون وحُكم عليه بالسّجن مدّة 45 يوماً. هذا ما أسفرت عنه التحقيقات مع انتهاء جولة قتلت إسرائيل خلالها 1,391 فلسطينيّا بضمنهم على الأقلّ 759 لم يشاركوا في القتال ومن هؤلاء 318 طفلاً وفتىً تحت سنّ الـ18. فوق ذلك هدمت إسرائيل في تلك الجولة أكثر من 3,500 منزل وشرّدت بذلك عشرات آلاف الأشخاص كما ألحقت أضراراً هائلة بالمباني ومنشآت البنية التحتيّة.
  • في أعقاب "الجُرف الصامد" قرّر المدّعي العامّ العسكريّ أنّ كّل شيء سار وفقاً للقانون ما عدا حادثة واحدة أدين جرّاءها ثلاثة جنود بسرقة 2,420 شيكل وحُكم عليهما بتنفيذ خدمات لفترات تراوحت بين شهرين وأربعة أشهر. هناك عدد من الأحداث ما زال قيد أنواع شتّى من الفحص والتدقيق. هذا هو وضع التحقيقات مع انتهاء جولة قتلت إسرائيل خلالها 2,203 فلسطينيّين بضمنهم 1,372 لم يشاركوا في القتال ومن بين هؤلاء 528 تحت سنّ الـ18. هذا إضافة إلى 18,000 منزلًا دمّرتها إسرائيل تماماً أو ألحقت بها أضراراً بليغة وشرّدت بذلك أكثر من 100,000 فلسطينيّ.
  • "مظاهرات العودة" ما زال الجيش يحقّق فيها. حتى الآن أدين جنديّ واحد قتل بنيرانه فتىً في الـ14 بتهمة تجاوُز الصّلاحيّات إلى حدّ تعريض حياة إنسان للخطر وحُكم عليه بتنفيذ خدمات لفترة شهر. نتحدّث هنا عن مظاهرات قتلت خلالها قوّات الأمن وخاصّة عبر القنص عن بُعد 223 فلسطينيّاً بضمنهم 46 تحت سنّ الـ18، إضافة إلى جرح 8,079 فلسطينيّاً بالرّصاص الحيّ.

هناك جهات رسميّة تقلّل من شأن هذه التحقيقات زاعمة أنّ جميع ممارسات إسرائيل قانونيّة. لكنّها مع ذلك على استعداد لإجراء مثل هذه التحقيقات لأنّها تخدم في الردّ على النقد الموجّه لإسرائيل من قبَل المجتمع الدوليّ وفي منع تدخّل محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لهذه المسألة اليوم راهنيّة أكثر من ذي قبل إذ قرّرت مدّعية محكمة الجنايات فتح تحقيق ضدّ إسرائيل جرّاء ممارساتها في المناطق المحتلّة - ذلك أنّه لا يمكن لمحكمة الجنايات إجراء هذا التحقيق إذا قرّرت إسرائيل أن تجري هي نفسها تحقيقاً يتمتّع بالمصداقيّة وأن تحاسب من يثبت تورّطهم في انتهاكات.

ولكن لا يكفي القول أنّ ما تقوم به الأجهزة العاملة في إسرائيل هو "تحقيقات" لكي تُعتبَر كذلك. العقل السّليم وكذلك اتّفاقيّة روما التي تعمل بموجبها محكمة لاهاي يميّزان بين التحقيقات التي تسعى فعلاً لسبر غور الحقيقة والحالات التي لا تريد الدولة التحقيق فيها أو لا تستطيع ذلك. التحقيق مع بضعة جنود من ذوي الرّتب المنخفضة وغضّ الطرْف عن المسؤولين الحقيقيّين عن السّياسة التي طُبّقت في غزّة ونتائجها - بما في ذلك كبار المسؤولين السياسيّين والعسكريّين - لا يمكن اعتبارُه تحقيقاً يسعى للحقيقة لأنّه لا يقترب من استيفاء الشروط المطلوبة.

إضافة إلى ذلك، الفرضيّة الأساسيّة لدى الجهات الرسميّة - ومفادُها أنّ جميع ممارسات إسرائيل قانونيّة - هي فرضيّة باطلة. صحيح انّ القصف يصدّق عليه مستشارون قضائيّون وتعليمات إطلاق النّار تسندها آراء خبراء في القانون ولكنّ هذا لا يكفي.

لقد تمّت بلورة القانون الإنسانيّ الدوليّ على يد دول صاغت معاً قواعد هدفها تقليص معاناة المدنيّين والأضرار اللّاحقة بهم أثناء الحروب. الآراء القانونيّة التي تلوّح بها إسرائيل - والتي تسمح بأمور كثيرة وحتى بقتل عائلات بأكملها وقصف بُنىً ومنشآت مدنيّة - هي أبعد ما يكون عن احتمال تحقيق هذه الأهداف. إنّها آراء تُفرغ القانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون حقيقيّ إذ هي تستند إلى تأويلات مُراوغة وغير معقولة يبرّر الخبراء بواسطتها استهداف المدنيّين والبُنى المدنيّة على نطاق واسع. بدلاً من الرّجوع إلى القانون الإنسانيّ الدوليّ لأجل تقليص العُنف يرجع إليه المستشارون القضائيّون الإسرائيليّون لتبرير العُنف بالذّات. لقد ارتكبت إسرائيل مرّة أخرى جرائم حرب في قطاع غزّة. هذه الجرائم يجب التحقيق فيها كما ينبغي ويجب فرض عقوبات على منفّذيها لأنّ في ذلك أوّلاً إنصاف للضّحايا وعائلاتهم وثانياً ضمانة لعدم اتّباع سياسة مماثلة في المستقبل طالما أنّها تستجرّ دفع ثمن لا تقوى إسرائيل على تحمّله.

 

مواد مقترحة

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.

14 حزيران/يونيو 2023

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.

14 حزيران/يونيو 2023