مظاهرات

ارتفاع حاد بعدد الفلسطينيين الذين قُتلوا بجوار الشريط الحدودي في غزة

الاشتباه بأنّ أوامر إطلاق النار تسمح بإطلاق الرصاص القاتل على مواطنين لا يشكلون أيّ خطر

قُتلت آمنة قديح (57 عامًا) من سكان بلدة خُزاعة، يوم الجمعة الموافق 28/2/2014، برصاصة في بطنها أثناء اقترابها من الشريط الحدودي. وقال أفراد عائلتها للباحث الميداني في بتسيلم خالد عزايزة إنّ قديح، والتي تعاني من مرض نفسي شاركت في زفاف عائليّ في بلدة خُزاعة جنوب-شرق القطاع، بجوار منطقة الشريط الحدودي، ولم تعد إلى البيت برفقة أفراد عائلتها الذين اكتشفوا غيابها وبدأوا بالبحث عنها. وقرابة الساعة العاشرة ليلا سمع أفراد العائلة صوت رصاص وشاهدوا قنابل مضيئة وسيارة جيب تابعة للصليب الأحمر بجوار الشريط. وقرابة السادسة صباحًا عثر أفراد العائلة على جثة قديح التي أصيبت برصاصة في بطنها، وهي قريبة جدًا من الشريط الحدودي مقابل برج حراسة إسرائيليّ. وليس من الواضح ما إذا كانت قديح قد قتلت على الفور أم أنها احتضرت لساعات نتيجة النزيف. وقال الناطق العسكريّ لصحيفة "هآرتس" إنّ قوة عسكرية إسرائيلية أطلقت الرصاص صوب شخص كان يقترب من الشريط الحدودي جنوب القطاع ولم يستجب لنداءات التوقف. وقالت القوة إنها شخّصت إصابة الشخص. ولم يوضح الناطق العسكري في ردّه السبب من وراء عدم تقديم العناية الطبية لقديح الأمر الذي كان بإمكانه إنقاذ حياتها.

وتندرج هذه الحالة ضمن أربع حالات إضافية وقعت في الأشهر الثلاثة الأخيرة، قُتل فيها مواطنون من قطاع غزة لم يشاركوا في الاقتتتال، برصاص قوات الأمن تجاه مواطنين كانوا يمكثون بجوار الجهة الفلسطينية للشريط الحدودي. ومنذ نهاية كانون الثاني 2013 وحتى منتصف كانون الأول قُتل بجوار الشريط الحدودي فلسطينيّ واحد قام باجتيازه وهو يحاول الدخول إلى إسرائيل من دون تصريح.

وبدءًا من النصف الثاني من شهر كانون الأول طرأ ارتفاع على عدد الذين أصيبوا بالرصاص الحيّ بجوار الشريط الحدودي. وقد وثق محمد صباح، الباحث الميداني في بتسيلم، وابتداءً من 20/12/2013، عدد الذين أصيبوا بجوار الشريط الحدودي إذ بلغ 55 شخصًا، منهم 43 أصيبوا بالرصاص الحيّ و10 برصاص معدني مغلف بالمطاط واثنين جراء إصابتهما بقنبلة غاز في الرأس. كما تشير معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى وجود ارتفاع حاد في عدد الحوادث التي أصيب فيها مواطنون برصاص حيّ بجوار الشريط الحدودي في غزة، وذلك منذ النصف الثاني من شهر كانون الأول 2013.

في جميع الحالات الأخيرة التي قُتل فيها مواطنون فلسطينيون بجانب الشريط ادّعت جهات عسكرية اُقتبست في الإعلام أنّ إطلاق الرصاص تمّ جراء مكوثهم في منطقة محظورة ونتيجة لحدوث تخريبات في الشريط الحدودي:

  • في يوم الجمعة الموافق 20/12/2013، قُتل عودة حمد (27 عامًا) رميًا بالرصاص وهو يعمل في جمع النفايات والمعادن في مزبلة بيت حانون. ووفقا لتحقيق بتسيلم فقد أصيب حمد برأسه برصاصة حيّة قرابة الساعة 15:20، فيما كان عودة حمد يقصّ مقطعًا من السياج الشائك الذي يسبق الشريط الحدودي. وقال أخوه رداد حمد لبتسيلم إنه لم يسمع قبل إطلاق هذه الرصاصة أيّ نداءات تحذير أو إطلاق للرصاص في الهواء. أُطلقت رصاصات أخرى بعد ذلك من برج المراقبة العسكري الذي يقع على بعد قرابة 400 متر من الموقع، أصابت رداد حمد في يده. وقد نُقل عودة حمد إلى المستشفى في بيت حانون وتوفي متأثرًا بجراحه بعد وصوله بقليل. وقال الناطق بلسان الجيش: "في ظهيرة يوم الجمعة حضر عدة مشبوهين إلى الشريط الحدودي، إلى منطقة محظورة، وقاموا بتخريبات فيه عدة مرات. حاولت القوة التي مكثت في الموقع إبعادهم عدة مرات ولما استمروا في تخريب الشريط، قامت القوة بإجراء اعتقال مشتبه به أصيب فيه أحد المشبوهين".

  • في يوم الخميس الموافق 2/1/2014، كان الفتى عدنان أبو خاطر (16 عامًا)، يمشي برفقة عدة شبان آخرين في منطقة قريبة من الشريط الحدودي شرقي جباليا. وقد أصيب أبو خاطر برصاص في بطنه أطلقه الجنود وتوفي متأثرًا بجراحه في اليوم التالي. ووفق جهات عسكرية اُقتبست في هآرتس، فإنّ الشبان حاولوا تخريب الشريط الحدودي ولذلك أصيب أحدهم في قدمه.

  • في يوم الجمعة الموافق 24/1/2014، قتل بلال عويضة (19 عامًا) رميًا بالرصاص، وهو من سكان بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، على بعد عدة أمتار من الشريط الحدودي. المنطقة التي قُتل فيها عويضة معروفة كمنطقة هادئة والكثير من السكان يأتون إليها من أجل الاستجمام والتنزّه. ووفق تحقيق بتسيلم فقد تنزّه عويضة في المنطقة مع رفاقه واقتربوا من الشريط الحدودي والتقطوا لأنفسهم صورًا بجانبه بهواتفهم المحمولة {إلى الصور: رابط 1، رابط 2، رابط 3}. عندما اقترب الشبان من الكاميرا المنصوبة على الشريط أُطلقت طلقة واحدة باتجاههم من صوب البرج العسكري المجاور، وأصابت صدر عويضة. وقد نُقل إلى مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا حيث توفي هناك. وقالت جهات عسكرية اُقتبست في موقع ynet "في ساعات الظهيرة تجمّع عشرات الفلسطينيين بجوار الشريط الحدودي شماليّ القطاع في منطقة محظورة وألحقوا الضرر في الشريط الحدودي. ووفق أقوال الجيش فقد أصيب اثنان من المشتبه بهم أثناء محاولات إبعادهم برصاص قوات الجيش الإسرائيلي. الجيش لن يسمح بإلحاق الضرر بالشريط الحدودي أو بأمن دولة إسرائيل وبمواطنيها".

  • في يوم الخميس الموافق 13/2/2014، أصيب إبراهيم منصور (35 عامًا)، من سكان مدينة غزة، شرقي المدينة وعلى بعد نحو 100 متر من الشريط الحدودي. وكان منصور لحظة إصابته يعمل في جمع الحصى والرمل برفقة أشخاص آخرين. ووفق تحقيق بتسيلم، أُطلقت صوبهم قرابة الساعة 14:30 عدة رصاصات من برج عسكري مُحاذٍ. وقد أصيب منصور في رأسه كما أصيب أحد العمال الآخرين في قدمه إصابة طفيفة. ونُقل الاثنان لتلقي العناية الطبية في مستشفى الشفاء في مدينة غزة، وبعد فترة وجيزة أُعلنت وفاته. وقالت جهات عسكرية اُقتبست في هآرتس: "أطلقت القوة الرصاص باتجاه عدة فلسطينيين اقتربوا من الشريط الحدودي شماليّ القطاع. ووفقا للجيش فقد حاول الفلسطينيون إلحاق الضرر بالشريط ومكثوا في منطقة محظورة".

يرفض الجيش الإسرائيلي نشر أوامر إطلاق النار التي تصدر للجنود ولذلك ليس باستطاعة بتسيلم معرفة ما هي التعليمات التي يعملون وفقها. ومع ذلك ومن خلال الردود الرسمية المنشورة في الإعلام، يُثار الاشتباه بأنّ هذه الأوامر تسمح أيضًا بإطلاق الرصاص الحيّ في أوضاع لا تشكّل خطرًا على حياة أفراد القوات الأمنية: في جميع الحالات أعلاه، ادّعت الجهات العسكرية أنّ الجنود أطلقوا الرصاص لأنّ الفلسطينيين مكثوا في منطقة محظورة وحاولوا إلحاق الضرر بالشريط الحدودي.

لكنّ هذا التسويغ لا يمكن أن يبرّر إطلاق الرصاص الحي، وفي حال وجود أمر يسمح بمثل هذا حقًا، فهو أمر غير قانونيّ. قوات الأمن تملك بالطبع صلاحية وحتى واجب العمل من أجل الدفاع عن المنطقة الحدودية ومنع العمليات ضد المواطنين الإسرائيليين، بما في ذلك محاولات اختراق مناطقها وزراعة الألغام على امتداد الشريط الحدودي، إلا أنهم لا يملكون صلاحية تحقيق هذه الغايات عبر المسّ بأشخاص لا يشكّلون خطرًا على أمان أحد.

إن المناطق المحاذية للشريط الحدودي والتي عرّفها الجيش بأنها مناطق محظورة للدخول، يستخدمها سكان القطاع من أجل احتياجات مدنية واضحة ومتنوّعة: لكسب الأرزاق والتنزه أو لإجراء النشاطات الاحتجاجية.

في الأشهر الأخيرة يحضر إلى المنطقة الواقعة شرق مخيم جباليا للاجئين شبان كثيرون، وخصوصًا أيام الجمعة. بعضهم يتنزّهون في المكان أو يرتاحون، وبعضهم يبيعون المشروبات والحلويات، والبعض يلقي الحجارة باتجاه الشريط الحدودي أو يحاولون تعليق أعلام فلسطين عليه وإحراق الإطارات. وفي حالات قليلة، يقوم بعض الشبان حتى بإلقاء الزجاجات الحارقة باتجاه الشريط وباتجاه الجنود الذين يقومون بالدوريات على طوله. يُنظر إلى مدونة التصوير التابعة لبتسيلم.

إذا أخذنا هذا الواقع بالحسبان، فإنّه يُحظر على الجهاز الأمنيّ التعامل مع هذه المنطقة على أنها منطقة اقتتال فقط، والتعامل مع كل شخص يمكث فيها باعتباره خطرًا أمنيًا، ويجب عليه وضع أوامر إطلاق النار بما يلائم ذلك. ومن ضمن سائر الأمور، يجب على الجيش أن يُوضح للقوات الأمنية الحظر المطلق المضروب على استخدام الرصاص الحيّ كوسيلة لإبعاد السكان الفلسطينيين الذين لا يشكلون خطرًا على أحد في المناطق الواقعة على طول الشريط الحدودي. إلى جانب ذلك، يجب على الجيش تجهيز القوات الفاعلة على امتداد الشريط الحدودي بوسائل ملائمة لمواجهة المظاهرات أو التجمّعات ذات الطابع المدنيّ. لكن ما دام الشبان لا يشكّلون خطرًا على أحد ولا يحاولون إلحاق الضرر بالشريط الحدودي، يُمنع استخدام هذه الوسائل ضدّهم. وفي حال وجود اشتباه حقيقيّ بوقوع ضرر للشريط الحدودي يحق للجنود استخدام وسائل أقلّ فتكًا، إلا أنّ إطلاق الرصاص الحيّ ممنوع إلا في حال تشكيل خطر حقيقيّ على الحياة.

توجّهت بتسيلم إلى النيابة العسكرية مطالبة بفتح تحقيقات جنائية تتعلق بملابسات قتل الخمسة.

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب

قطاع غزة

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط. في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21. بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين. نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل: في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: : تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها. أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي. أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21 أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز. بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى. عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان. في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى: كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي. نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن. عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر. في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل. في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد. كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.

28 تشرين الأول/أكتوبر 2021