تشنّ إسرائيل، منذ تشرين الأوّل 2023، عُدواناً شاملاً على مُجمل مقوّمات حياة السكّان الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة. وفي إطار هذا العدوان، يجري انتهاك منهجي وواسع النطاق لحقوق الإنسان الخاصة بالسكان الفلسطينيّين، وعلى رأسها الحقّ الأساسيّ الأوّل - الحقّ في الحياة. لقد أدّى العُنف الفتّاك والمُنفلت الذي تمارسه القوّات المسلّحة التابعة للنظام الإسرائيليّ، والتي تشمل الجيش وميليشيات المستوطنين، إلى ارتفاع غير مسبوق في قتل الفلسطينيّين وخاصّة في قتل الأطفال والفتيان على هذه القوّات. خلال سنتين وثمانية أشهر مضت منذ 7 تشرين الأوّل 2023 وحتى 7.6.26 قتلت قوّات إسرائيليّة 235 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة، و5 آخرين قُتلوا بأيدي مستوطنين. خلال العام 2025 وحده، وهو الفترة التي تركّز عليها هذه الدّراسة، قتلت القوّات الإسرائيليّة 54 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربية.
في 5.1.25 دخلت مركبات "جيب" عسكريّة إلى مخيّم عسكر للّاجئين فرشقتها بالحجارة مجموعة من الفتية بضمنهم معتزّ مدني (16 عاماً)، كما ألقى فتىً آخر نحوها عُبوة ناسفة بدائيّة الصّنع. بدورهم، أطلق الجنود النار نحو الفتية وأصابوا معتزّ مدني. نُقل معتزّ إلى مستشفى رفيديا في مدينة نابلس، وهناك فارق الحياة.فاطمة مدني (52 عامًا)، والدة معتزّ، أمّ لأربعة، أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي في 16.3.26 فقالت:في يوم الأحد المُوافق 5.1.25، نحو السّاعة 7:00 صباحاً، أيقظت ابني معتزّ كي يستعدّ للذهاب إلى المدرسة. نهض معتزّ فوراً واستحمّ. كان يحبّ الترتيب والنظافة كثيراً ويعدّ ملابسه وأغراضه مُسبقاً في ساعات المساء. قبّلني وخرج من المنزل.قبل أن يخرج، قال لي إنّه قد يتأخّر في العودة لأنّه سيذهب مع أصدقائه إلى دوّار المدينة في نابلس لحضور احتفالات انطلاقة حركة "فتح"، وأنّهم سوف يتجوّلون في المدينة ويأكلون الشاورما. طلبت منه أن لا يتأخّر لأنّ عليه واجبات مدرسيّة وامتحاناً في مادّة التكنولوجيا فقال إنّ الامتحان سهل وسوف يحصل فيه على علامة عالية.في وقت لاحق من ذلك اليوم، بعد السّاعة 15:30 بقليل، اتّصلت به فقال إنّه موجود في المخيّم مع أصدقائه. طلبت منه أن يجلب لي بعض الحاجيّات فجاء بسرعة ومعه الأغراض التي طلبتها. طلب منّي مصروف جيب. قلت له "لقد أعطيتك مصروفك في الصّباح" فذكّرني أنّني وعدته بأنّني سأدلّله في هذا اليوم. ناولته النقود فابتسم ابتسامة واسعة تعبيراً عن السرور والرّضى.في المساء، نحو الساعة 18:30، كانت شقيقاتي وابنتي نجاح عندي وبعدما غادرن، سمعت أنّ قوّات الجيش تتواجد في منطقة تلّ عسكر، في شرق المخيّم. اتّصلت بمعتزّ وسألته أين هو فقال إنّه في المخيّم يشتري ساندويشة سجق، فهو يحبّه كثيراً. قلت له إنّ الجيش في المخيّم فقال إنّه سيرجع فوراً، مثلما كان يفعل دائماً.لكنّ معتزّ لم يرجع. حاولت الاتصال به عدّة مرّات لكنّه لم يردّ. أخبرت زوجي وابني مُراد فخرجا ليبحثا عنه. نحو السّاعة 19:40 شاهدت على "تلغرام" تقريراً عن جريح في منطقة التلّ. هاتفت زوجي وابني مُراد، وكذلك والدة أحد أصدقاء معتزّ لكنّها قالت إنّ ابنها خارج المنزل. لاحقاً تبيّن أنّه سقط شهيدًا فصرت أرتجف من الخوف - لماذا لم يرجع؟ لماذا لا يردّ؟عندما عاود ابني مُراد الاتّصال بي قال لي إنّه قد وجد مُعتزّ. أخبرته أنّ هناك شهيدًا فطمأنني قائلاً إنّ الشهيد شابّ في الـ22 من عُمره، وفقاً لما أخبره أحد المُسعفين. بعد ذلك بوقت قصير جاء سلفي وقال إنّ الجيش قبض على معتزّ وضربه ضرباً مبرحاً وهو الآن في المستشفى.بدّلت ملابسي فوراً وتوجّهت مع زوجي إلى المستشفى. عندما اتّصل زوجي بصديق له يعمل هناك علمنا أنّ معتزّ قد استُشهد. أغمي عليّ لشدّة ما صُدمت بالنبأ المُفجع، وأفقت في المستشفى. لم أستطع أن أصدّق. طلبت أن أراه - كان ممدّداً على سرير ومغطّىً بقماش رقيق، دون قميص، بعد أن كان قد خضع لمحاولات إنعاش. رأيت مكان الإصابة تحت عنقه وفي الصّدر. ظللت أشمّه وأحتضنه حتى أبعدوني عنه.أعادوني إلى المنزل، ومنذ تلك اللحظة بدأت فترة طغت فيها علينا آلام الفقدان والحنين للذكريات. الألم يشتدّ يوماً بعد يوم والشوق يزداد ويزداد. أنا وزوجي نعيش الآن وحدنا في المنزل. كان معتزّ ابننا الأصغر والمدلّل. هو الوحيد الذي بقي معنا في المنزل. أخوه الأكبر مُراد (32 عاماً) وأخته نجاح (24 عاماً) متزوّجان وأخوه محمد (30 عاماً) مسجون منذ 12 عاماً. كان حُضور معتزّ يخفّف وحدتي ويبدّد وحشة المنزل.كان معتزّ كلّ عالمنا: ولد بشوش ويُساعد في كلّ شيء، خاصّة لأنّ زوجي مريض منذ سنين طويلة. كان معتزّ يلبّي كلّ احتياجات المنزل - مشتريات، مُعاملات وإجراءات في البلديّة ودائرة الخدمات. كان معتزّ ولداً لطيفاً يحبّ الناس. كان يحبّ أولاد إخوته وخاصّة روز ابنة مُراد. كان يدّخر من مصروفه كي يشتري لها شوكولاتة.لقد تغيّرت حياتنا تماماً. كان يُفترض أن يتقدّم معتزّ في هذه السّنة لامتحانات التوجيهي. كلّما سمعت حديثاً عن التلاميذ تخيّلته بينهم.
في 7.1.25، أثناء مداهمة عسكريّة لبلدة طمّون ومخيّم اللّاجئين المجاور، مخيّم الفارعة، حاول سليمان قطيشات وشخص آخر أن يضعا عبوات متفجّرة، ويزعم الجيش أنّهما كانا مسلّحين أيضاً. أطلقت عليهما طائرة إسرائيليّة صاروخاً وقتلت كليهما.مصطفى قطيشات (50 عاماً)، والد سليمان، أب لأربعة، أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عارف دراغمة في 30.3.26 فقال:في صباح يوم 7.1.25 خرج سليمان من المنزل باكراً جدّاً وذهب إلى منزل جدّه، وهو غير بعيد عن منزلنا. بعد وقت قصير انتشرت بين الأهالي وعلى شبكات التواصُل الاجتماعيّ أقاويل عن دُخول قوّات من الجيش والوحدات الخاصّة إلى البلدة، وقد وُصف الوضع بأنّه صعب إذ ينتشر الجيش في كلّ مكان في طمّون وأنه داهم أيضاً مخيّم الفارعة للّاجئين.بعد ذلك قيل لي إنّ سليمان خرج من منزل جدّه، ولم أعرف إلى أين ذهب. بقيت في المنزل ولم أخرج، لأنّني سمعت أنّ أناساً كثيرين عالقون في الشارع بسبب المداهمة العسكريّة ولا يستطيعون العودة إلى منازلهم.ثمّ انتشرت أقاويل عن طائرة استهدفت شبّاناً، من بينهم ابني سليمان. قالوا إنّه مصاب وقد تمكّن من السّير والابتعاد قليلاً ثمّ نُقل إلى المستشفى. قالوا أيضاً أنّ شخصاً آخر أصيب واستُشهد وأنّ الجيش أخذ جثمانه.حين خرج الجيش من المخيّم توجّهت فوراً إلى المستشفى في طوباس، ولكن حين وصلت كانوا قد أعلنوا وفاة ابني متأثراً بإصابته البالغة. أخذنا جثمانه وعُدنا إلى البلدة حيث شيّعناه إلى مثواه الأخير. تغمّده الله بواسع رحمته.لم أكن أعرف أن سليمان مطلوب للجيش. كان سليمان محبوباً لدى الجميع، مهذباً وخلوقاً. عندما أنهى الصفّ العاشر ترك المدرسة، وكان يعمل أحياناً في الزراعة ويساعدني. كنّا، أنا ووالدته، نوصيه دائماً أن يحرص على نفسه.لا يغيب هذا اليوم عن بالي، ولا عن بال والدته وإخوته. نشتاق إليه دائماً ونفتقده في كلّ مناسبة وكلّ عيد. كان فتىً صالحاً يخشى الله. رحيله كسر قلوبنا ونحن إلى اليوم لا نستوعب أنّه رحل عنّا إلى الأبد، لكن هذا هو نصيبنا وقدرنا.في جنازته رأيت أصدقاءه، شبّاناً وفتياناً، يبكون عليه. وقفوا جميعًا إلى جانبنا يواسوننا. كان سليمان تقيّاً طاهراً. وضعت صورته في الصالون. عندما أنظر إليه في الصورة يخيّل إليّ أنّه يكلّمني ويكلّم عائلته، كأنّه لا يزال بيننا. وجهه يشعّ نوراً. لقد كان فتىً في مُقتبل العُمر لكنّ الاحتلال قتله في بلدته، بل داخل حارته.بعد ذلك أيضاً لم يتركنا الاحتلال في حالنا. جاءوا بعد نصف سنة واعتقلوا أخاه عز الدين، دون أيّ سبب، ولا يزال رهن الاعتقال الإداريّ إلى يومنا هذا. هُم يستخدمون شتّى الأعذار لتبرير أفعالهم بما في ذلك قتل الأطفال والمداهمات.أنا ووالدته وإخوته نتذكّره دائماً. نذكر كلّ لحظة جميلة عشناها معه منذ أن وُلد وحتى يوم استشهاده. كانت أمّه تعانقه دائماً. كان فلذة كبدنا وقطعة من قلبنا. أدعو الله أن يرحمه ويتقبّله في جنّاته ويجمعنا به في الآخرة.
في يوم الأربعاء، 8.1.25، قرابة الساعة 6:00 صباحًا، اقتحمت قوّات إسرائيليّة مدينة طوباس وبلدة طمّون وقرية العقبة في الأغوار الشماليّة. في العقبة اعتقلت القوّات شابّين في منزلهما. وفي طوباس حاصرت القوّات منزلًا، وبعد فشلها على ما يبدو في اعتقال الشخص المطلوب، اعتقلت أخاه للضغط عليه لتسليم نفسه.خلال اقتحام طمّون نشبت مواجهات بين مسلّحين فلسطينيّين والقوّات الإسرائيليّة في المنطقتين الجنوبيّة والشرقيّة من البلدة. ونحو الساعة 10:00 أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخًا أدّى إلى مقتل ثلاثة أبناء عمّ، اثنان منهم طفلان، بجوار منزلهم، وهم: آدم بشارات (23 عامًا)، وحمزة بشارات (10 سنوات)، ورضا بشارات (8 سنوات). بعد نحو 10 دقائق من إطلاق النار وصلتْ قوّات إسرائيليّة إلى المكان وأبعدت أقارب القتلى إلى أحد المنازل. ثمّ قامت القوّات بأخذ بطانيّات من المنزل، ولفّتْ الجثث الثلاث بها وأخذتها من المكان. أعيدت الجثث إلى العائلة في وقت لاحق من اليوم نفسه عن طريق مكتب الارتباط الفلسطينيّ.في التحقيق الميدانيّ الذي نشره الجيش بعد ذلك بنحو ثلاثة أسابيع، ادّعى الجيش بأنّ طائرة شخّصت الشابّ والطفلين الذين قُتلوا كمَن يقومون بزرع عبوات ناسفة. وبحسب الجيش، فقد تمّ تشخيصهم كذلك إثر معلومات استخباراتيّة، لكن لم يتمّ العثور لاحقًا على أيّ عبوات ناسفة في المكان. وزعم التحقيق الميدانيّ الذي نشره الجيش بأنّه "بناء على التشخيص في وقت الحادثة كان من الصعب تحديد أنّ هؤلاء كانوا قاصرين".جمعت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي الإفادتين في 29.1.25:فداء بشارات (41 عامًا)، أمّ لخمسة، بينهم رضا بشارات، قالت في إفادتها:في 8.1.25، قرابة الساعة 6:00 صباحًا، استيقظتُ وأعددتُ وجبة الإفطار. أيقظتُ الأولاد حتّى يتمكّنوا من الاستعداد للمدرسة. ثمّ أبلغتني إيمان بأنّ الدراسة أُلغيت بسبب اقتحام الجيش.في الساعة 8:30 تقريبًا خرجتُ مع ابني رضا (8 سنوات) لزيارة أخت زوجي إيمان. كان رضا وحمزة (10 سنوات) ابن إيمان يلعبان معًا بعض الوقت، ثمّ خرجا للعب في ساحة صغيرة بين البيوت، وهما عادةً ما يلعبان فيها. أخذتُ أنا وأخت زوجي نتحدّث في تلك الأثناء، وفي الخلفيّة كنّا نسمع طنين طائرة بدون طيّار. نحن معتادون على هذا الصوت، خاصّة أثناء الاجتياحات التي يشنّها الجيش.قرابة الساعة 9:30 خرجتُ من منزل إيمان وعدتُ إلى البيت. رأيتُ في الطريق رضا وحمزة يلعبان، وبجانبهما آدم الذي كان يجلس وينظر في هاتفه. بمجرّد دخولي البيت سمعتُ انفجارًا قويًّا أفزعني كثيرًا وهزّ المنطقة بأكملها. عدتُ على الفور إلى الخارج ورأيتُ أختَي زوجي، إيمان وعبلة، أمّ آدم، واقفتين بجانب الطفلين اللذين كانا على الأرض تغطّيهما الدماء. اقتربتُ ورفعتُ ابني. كان الدم يسيل من رأسه ورقبته وكان يئنّ. صرختُ طالبةً أن يحضروا سيّارة إسعاف، وفجأةً جاء جنود. قال أحدهم بالعربيّة إنّهم سيقدّمون له الإسعاف الأوّليّ. أبعد الجنود عبلة وولديها أبيّ وإسراء اللذين حضرا إلى المكان بعد استيقاظهما بسبب الانفجار.واصلت حمل ابني، ولكنّني كنت أعلم بأنّه مات. بعد ذلك بوقت قصير أحضر الجنود بطانيّات من منزل عبلة وقاموا بتغطية القتلى الثلاثة. لم يحاولوا تقديم الإسعاف الأوّليّ لهم أو حتّى فحصهم. كان من الواضح أنّهم ماتوا. أخذوهم على نقّالات وغادروا المكان. كانت الساعة 10:30 تقريبًا. بعد ذلك غادر الجيش المنطقة. وفي ساعات ما بعد الظهر سلّموا الجثث الثلاث عن طريق مكتب الارتباط الفلسطينيّ، عند حاجز تياسير. بعد صلاة العشاء أجرينا لهم جنازة ثمّ دفنوا في مقبرة القرية.كان رضا ابننا الوحيد. وُلِد بعد أربع بنات. كان أمير الصفّ والابن المدلّل. أراد دائمًا أن نزور القدس، ولكن بسبب الوضع لم نتمكّن من فعل ذلك. كان يقول لي: "سأشتري سيّارة، وآخذك إلى القدس وأشتري لك كلّ ما تريدين". كان قريبًا جدًّا منّي، وكان دائمًا يقبّل يدَيَّ ورأسي. رغم أنّه كان لا يزال صغيرًا، إلّا أنّ تفكيره كان أكثر تطوّرًا من تفكير أصدقائه. شعرتُ بأنّه صديقي. أشعر به كلّ يوم ينأى ويبتعد عنّي أكثر فأكثر. يا ربّي، كم هو صعب ومرعب ولا يطاق استيعاب أنّه لن يعود. أخذوه منّي، من أخواته، من بيته. لم يفعل شيئًا، ومات فقط لأنّ أحد الجنود أخطأ، أو ربّما أراد قتل فلسطينيّ، ولا يهمّ إن كان ذلك الشخص مطلوبا كبيرًا أو مجرّد ناشط مسلّح. كان من الممكن أن أُقتل أنا أيضًا هناك، فقد مررتُ بجانبهم قبل القصف بلحظات قليلة.عبلة بشارات (49 عامًا)، أمّ لستّة، بينهم آدم بشارات، قالت في إفادتها:في 8.1.25 استيقظتُ نحو الساعة 5:30 صباحًا. جهّزتُ ابني سعيد (10 سنوات) لمغادرة المنزل، وركب هو الحافلة متّجهًا إلى المدرسة في الساعة 6:45. لم يذهب أُبيّ (16 عامًا)، الطالب في الصفّ الحادي عشر، إلى المدرسة في ذلك اليوم، لأنّه تمّ إلغاء الدراسة بسبب وجود الجيش في المنطقة. أغلقتُ هاتف أُبيّ وأوصدتُ النوافذ حتّى يتمكّن من مواصلة النوم. غادرتُ المنزل نحو الساعة 9:00 صباحًا لزيارة أختي عبير. دعوتُ ابني آدم (23 عامًا) لتناول القهوة معنا بعد أن يشحن بطاقة الكهرباء الخاصّة بنا [بطاقة تُستخدَم للدفع لشركة الكهرباء مُسبقًا].جلستُ عند أختي. عندما قدّمتْ لنا القهوة أخبرتُها بأنّ آدم من المفروض أن يأتي، فأجابت بأنّه عندما يصل سنقوم بإعداد القهوة مرّةً أخرى. في تلك اللحظة سمعنا انفجارًا قويًّا جدًّا هزّ أركان البيت. خرجنا بسرعة لرؤية ما حدث. رأيتُ أخت زوجي، إيمان (39 عامًا)، تصرخ مستغيثةً وهي تحمل ابنها حمزة البالغ من العمر عشر سنوات، والذي كان مُغطّى بالدماء. ورأيتُ ابني أُبيّ وابنتي إسراء (27 عامًا) اللذين استيقظا من نومهما وخرجا بعد سماعهما صوت الانفجار. ورأيتُ أيضًا شابًّا، لم أتعرّف عليه في البداية، وكان مُلقى على الأرض.عندما اقتربتُ رأيتُ أنّه ابني، آدم. كان يُغرغِر وسقط رأسه جانبًا. عرفتُ أنّه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. رأيتُ أخت زوجي فداء (41 عامًا) قد جاءت هي أيضًا وكانت تصرخ طالبة إحضار سيّارة إسعاف لعلاج ابنها، رضا (8 سنوات). وفجأةً حضر إلى المكان نحو عشرين جنديًّا، وصوّبوا أسلحتهم نحوي وأجبروني على الابتعاد عن آدم. ابتعدتُ أنا وأبيّ وإسراء مسافة عشرين مترًا تقريبًا، ووقفنا قرب مدخل منزلي. بدت الدهشة على وجوه الجنود عندما رأوا الطفلين القتيلين وآدم. دخل الجنود إلى عدد من منازل الحيّ، بما في ذلك منزل فداء، وأخذوا منها بطانيّات وغطّوا القتلى الثلاثة بها.أمرنا الجنود بالدخول إلى المنزل. كنتُ أرتعد، حتّى أنّني لم أبكِ من هول الصدمة. حاول أبيّ الاتّصال بسيّارة إسعاف. كنتُ قلقة عليه، كلّ ما أردتُه هو حمايته حتّى لا يحدث له شيء. رأيتُه هو أيضًا مصدومًا، وكان وجهه أصفر وكان يكزّ على أسنانه.بعد نحو 40 دقيقة من القصف غادر الجنود المكان وأخذوا القتلى الثلاثة معهم. علمتُ لاحقًا بأنّهم نقلوهم على نقّالات، ثمّ قاموا في وقت لاحق بتسليمهم إلى مكتب الارتباط الفلسطينيّ في حاجز تياسير. بعد ذلك جاء جميع جيراننا وأقاربنا وأصدقائنا إليّ إلى منزلي؛ لم أعلم كيف سمعوا بما حدث. في تلك الأثناء غادر الجيش القرية.لم أستطع استيعاب ما حدث. صلّيتُ أن أستيقظ وأكتشف أنّ كلّ هذا كان مجرّد كابوس، لكنّه كان حقيقيًّا. فقدتُ ابني آدم، الرابع بين إخوته. كان يعمل مع والده في منطقة الأغوار، وكان عادة ما يغيب عن المنزل لمدّة أسبوع ثمّ يعود. اعتدتُ على رؤيته عائدًا، لكنّه الآن ذهب ولن يعود. قتلوه أمام بيتنا، أمام عينَيّ. نحن جميعًا في المنزل نحاول إخفاء حزننا عن بعضنا البعض، ولكنّ الصمت يسود المنزل. لا أحد يتكلّم. اختفت الأحاديث والابتسامات، وكلّ ما بقي لي هو ذكريات من آدم.قبل يومين من مقتله فقط عاد آدم من العمرة. كان يخطّط للعودة إلى العمل في الأسبوع المقبل فقط، لكي يستريح ويقضي بعض الوقت معنا. قال إنّه اشتاق لنا كثيرًا.في الآونة الأخيرة بدأ زوجي ببناء منزل جديد لنا وللأولاد في أحد أحياء القرية. قبل أن يُقتل آدم كنتُ متحمّسة جدًّا للانتقال إلى ذلك المنزل، ولكن الآن أنا أريد البقاء في هذا المنزل. أجلس كلّ يوم بجانب بقايا دمه، أنظر باستمرار إلى المكان الذي قُتل فيه وأتذكّر كيف رأيتُه ينزف على الأرض بجانب أبناء عمّه. لم أعد أريد شيئًا من هذه الحياة، لم أعد أريد شيئًا سوى ذكرى آدم.
في 14.1.25 أطلقت طائرات إسرائيليّة صواريخ على مجموعة من الأشخاص أثناء جلوسهم حول موقد نار في ساحة أحد المنازل في مخيّم جنين للّاجئين، والذي كان الجيش قد قطع عنه الكهرباء قبل ذلك بشهر ونصف الشهر. قُتل جرّاء إطلاق الصواريخ محمود أشرف مصطفى غربيّة وأربعة ناشطين في تنظيمات مسلحة إضافة إلى شخص آخر، كما أصيب أربعة أشخاص بجروح. نفّذ الجيش العمليّة في وقت لم تتواجد فيه قوّات في المخيّم ولم تقع أيّة مواجهات.سميرة غربية (46 عاماً)، والدة محمود، أمّ لستّة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 27.3.26 فقالت:نحن نقيم في مخيّم جنين للّاجئين، قرب دوّار العودة في الجهة الغربيّة من المخيّم. استُشهد ابني محمد في الفترة التي كانت السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل تنفّذان معاً عمليّة عسكريّة في مخيّم جنين لإلقاء القبض على مقاومين شباب مطلوبين للجهتين، لإسرائيل والسلطة الفلسطينيّة. كانت قوّات الأمن الفلسطينيّة تحاصر المخيّم وهُم الذين فصلوا المخيّم عن شبكة الكهرباء.في 14.1.25، قبل استشهاده بوقت قصير، استيقظ محمود وأعدّ "نسكافيه" لي ولأخواته ولنفسه، وفي العادة أنا التي أعدّ القهوة لنا جميعاً في كلّ صباح. في ذلك اليوم ظلّ في البيت حتى المساء. بسبب انقطاع الكهرباء والطقس البارد كان الجيران يتجمّعون مساءً في السّاحة ويشعلون مواقد النار للتدفئة. وكان الأولاد يأتون وكلّ يجلب معه الشاي أو القهوة والبسكويت أو الكعك الذي أعدّوه في المنزل.نحو السّاعة 22:00، حين كان زوجي يجلس في الخارج قرب موقد النار، كنت أجلس في المنزل مع ابنتيّ وجاراتٍ أتين لزيارتنا. فجأة صُدمنا لسماع انفجار صاروخ أطلقته مسيّرة إسرائيليّة. بفعل انفجار الصّاروخ تحطّم زجاج النوافذ في منزلنا وتناثرت شظايا الزجاج علينا ونحن جالسات في غرفة الصالون.دبّ الذّعر فينا ونهضت فوراً راكضة إلى الخارج حيث يجلس زوجي وابني مع الجيران حول الموقد ليستدفئوا بنيرانه. المشهد الذي رأيته عندما خرجت كان مرعباً، لكنّ المُرعب حقّاً كان رؤية ابني محمود ملقىً على الأرض، بعد أن أصابته شظايا اخترقت رأسه وجسمه ومزّقتهما تمزيقاً.كان محمود ولداً هادئاً وخجولاً. عندما كانت صديقاتي أو جاراتي يأتين لزيارتي كان يخجل ويخرج مغادراً، رغم أنّني كنت أحثّه أن يبقى في المنزل. كانت علاقته بوالده قويّة جدّاً وكان يرافقه أينما ذهب. كان يحبّ أن يُضحكنا، أنا وأخواته، ليُدخل الفرحة إلى قلوبنا.كان محمود يحبّ القطّ الاسكتلنديّ خاصّتي ويعتني به دائماً، يجلب له الطعام الخاصّ بالقطط ويأخذه إلى الطبيب البيطري ويواظب على الاعتناء به. للأسف الشديد، قُتل أيضاً قطّنا الحبيب إذ أصابته شظايا الصّاروخ الذي قتل ابني.في ذلك المساء استُشهد أيضاً أربعة شبان آخرين، جيران لنا. ثلاثة منهم إخوة.بعد أسبوع على استشهاد محمود أغارت قوّات إسرائيليّة على المخيّم وطردت جميع سكّانه. نزحنا واضطررنا إلى المكوث في مراكز إيواء للنازحين حتى تمكّنا من استئجار شقّة لنا. الآن، أنا وزوجي وبناتنا نقيم في حيّ الهدف في مدينة جنين.
في 21.1.25، بعد أن اقتحمت قوّات إسرائيليّة مدينة جنين ومخيّم جنين للّاجئين في أوّل أيّام الحملة العسكريّة المسمّاة "الجدار الحديديّ" في شمال الضفة الغربيّة، أطلق أفراد القوّات النار على معتزّ أبو طبيخ حين كان يستقلّ درّاجة كهربائيّة في حيّ الغبز في مدينة جنين، في منطقة اندلعت فيها مُواجهات. أصيب معتزّ في بطنه وأخلي إلى مستشفى ابن سينا في المدينة، وهناك توفّي بعد وقت قصير متأثّراً بجراحه. في اليوم نفسه قتلت القوّات في مدينة جنين ومخيّم جنين تسعة أشخاص آخرين بضمنهم قاصر، وشخصاً آخر في قرية تِعنّك المجاورة، كما أصابت القوّات أربعين شخصاً آخرين بجراح بضمنهم طبيب وممرّض.
في 26.1.25 أطلق مُستعربون من وحدة حرس الحدود النار على آدم صُب لبن وشخصين آخرين في مخيّم قلنديا للّاجئين بدعوى أنّه ألقوا نحوهم عُبوة قرب حاجز قلنديا، وفقاً لبيان الشرطة. أخلي الجرحى إلى مستشفىً في رام الله، وبعد وقت قصير توفّي آدم متأثراً بجراحه. والدة آدم، أمّ لثلاثة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة في 30.3.26 فقالت: كان آدم، الذي استُشهد وهو في الـ16 من عُمره، بكر أولادي الثلاثة. كان تلميذاً في الفرع الأدبيّ لكنّه كان شغوفاً بالسيّارات ويخطّط أن يتعلم السّياقة لتُصبح معه رُخصة قيادة ومن ثمّ يشتري سيّارة. وكان مثل جميع الشباب، يحلم أن يقيم منزلاً ويؤسّس عائلة. أكثر ما كان يميّز آدم طيبة قلبه وشفقته، وحيث أنّنا نعيش منفصلين عن والده، كان يشعر بمسؤوليّة تجاهي وتجاه أخيه وأخته الأصغر منه. أكثر ما كان يطمح إليه هو أن يجد عملاً يستطيع من مدخوله أن يشتري لنا منزلاً في المستقبل، عوضاً عن السكن في شقة مستأجرة كحالنا اليوم. فقدان آدم كان ولا يزال فاجعة كبرى ألمّت بنا. لقد ذهب آدم ولن يملأ أحد الفراغ الذي تركه. لقد ترك موته فيّ جُرحاً غائراً من الصّعب أن يشفى. أرى وجهه منعكساً في وجوه أخيه وأخته. أشعر أحياناً أنّني لن أستطيع تحمّل ألم غيابه. بعد أن ربّيته طيلة 16 عاماً فقدته بسبب رصاصة غادرة أطلقها جنديّ إسرائيليّ. ما يعزّيني وسط هذا الألم أنّني لست وحيدة، إذ هناك مثلي آلاف الأمّهات الفلسطينيّات اللّواتي فقدن أبناءهنّ فقط لأنّهم فلسطينيّون ولأنّهم اختاروا الحياة. قبل بضعة أيّام مررت قرب دكّان البقالة الصغير قرب منزلنا وأحسست بقلبي يتمزّق بفعل عاصفة الذكريات التي ألمّت بي. صاحب الدكّان شخص مسنّ، وقد كان آدم يساعد جيراننا وخاصّة المسنّين منهم. رأيته يبكي يوم استُشهد آدم. لقد ترك آدم فراغاً هائلاً في قلبي وقلب أخويه ووالده، لكنّنا نحاول، أنا ووالده، أن نملأ الفراغ الذي تركه غيابه في قلب ولدينا الصغيرين. رغم الصّعوبة ورغم مرور أكثر من سنة على استشهاده ما زلت أشعر كأنّ آدم لم يفارقنا أبداً.
في 29.1.25، في إطار عمليّة "الجدار الحديديّ" العسكريّة في شمال الضفة الغربيّة، أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخاً نحو ساحة منزل جهاد بني مطر، في قرية طمّون، بينما كان يجلس في السّاحة مع مجموعة آخرين من رفاقه الناشطين، مثله، في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ. جرّاء الصاروخ، قُتل جهاد بني مطر وتسعة آخرون جميعهم ناشطون في الجناح العسكريّ نفسه، بضمنهم شقيقان، كما جُرح شخص آخر.
في 1.2.25، في إطار عمليّة "الجدار الحديديّ" العسكريّة في شمال الضفة الغربيّة، أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخاً نحو سيّارة كانت تقلّ شابّين في بلدة قباطية وقتلت كليهما على الفور. كما جُرح جرّاء الانفجار الفتى ضياء سباعنة (15 عاماً) حين كان يجلس داخل سيّارة خارج دكّان قريب يعود لعائلته؛ وقد جرحت شظايا الصّاروخ والد الفتى، الذي كان في تتمّة الشارع في سيّارة أخرى تعود للعائلة، ليس بعيداً عن السيّارة التي كان فيها ابنه. تمّ إخلاء ضياء ووالده إلى أحد المستشفيات، وبعد أن رقد ضياء قيد العلاج في المستشفى مدّة أسبوعين ونصف توفّي متأثراً بجراحه في 17.2.25.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي إفادات حول هذه الحادثة:"ي. ن." (75 عاماً)، أب لستّة، من سكّان قباطية، أدلى بإفادته في 20.3.25 فقال:في 1.2.25 كنت في محلّي التجاريّ الذي يقع قرب مدرسة البنات. نحو السّاعة 8:45 سمعت دويّ انفجار قويّ قبالتي على الشارع. خرجت لكي أرى ما الذي يجري في الشارع الرئيسيّ المقابل للمحلّ فشاهدت سيّارة خاصّة تحترق والأرض من حولها مليئة بالشظايا، عدا عن عشرات الشظايا التي اخترقت بوّابة حديديّة في منزل مُجاور.كان في داخل السيّارة المستهدفة شابّان قُتلا وكان جسداهما مقطّعين. بعد أن أخذ الأهالي يتجمّعون في المكان علمنا أن الشابّين هما صالح زكارنة وعبد الهادي كميّل، من سكّان قباطية.في الجهة المقابلة من الشارع كان الفتى ضياء سباعنة داخل سيّارة عائلته، قبالة دكّان والدته. أصابت شظايا ضياء في رأسه، كما جُرح والده، رغم أنّه كان حين الانفجار في سيّارة أخرى عبر الشارع - علماً أنّ عرض الشارع أكثر من 15 متراً. أخلى الأهالي الجريحَين إلى المركز الطبّي في البلدة. كذلك جُلبت إلى المركز الطبّي نفسه بقايا جثّمانيّ الشابّين اللذين قتلهما الصاروخ.بعد 17 يوماً توفّي الفتى أيضاً، متأثراً بجراحه.إضافة إلى ذلك، سبّب انفجار الصّاروخ أضراراً للممتلكات وحطّم زجاج نوافذ المنازل المجاورة. كذلك، تحطم زجاج الواجهة الأماميّة لدكّان أدوات التجميل الذي تملكه عائلة سباعنة وتهدّمت. كما تضرّرت سيّارات كانت متوقّفة في الشارع في ذلك الوقت.أحمد سباعنة (42 عاماً)، والد ضياء، أب لأربعة، أدلى بإفادته في 20.3.25 فقال:في 1.2.25، نحو السّاعة 8:45، حين كنت في طريقي إلى المنزل عائداً من عملي في مدينة طوباس توقّفت قبالة دكّان زوجتي - "الضياء للمنتجات التجميليّة والمنظفات" - كي آخذ منها مفاتيح المنزل. يقع الدكان في جنوب البلدة، قرب مدارس البنات. رأيت ابني ضياء يجلس داخل سيّارتنا الثانية قرب الدكّان. أنا كنت في الناحية الأخرى من الشارع.فجأة حدث أمرٌ مروّع! أطقت مُسيّرة صاروخاً على سيّارة مرّت في الشارع قربي، بين سيّارتي وسيّارتنا الأخرى التي كان يجلس فيها ضياء. هالني المنظر وصدمني. انفجر الصاروخ على بُعد أقلّ من متر منّي وقد أصابتني شظايا منه في أذني ووجهي. من شدّة الرّعب والخوف هربت في اتّجاه الشمال من اللحظة التي تمكّنت فيها من مغادرة السيّارة. خرجت منها عبر الباب الأماميّ الأيمن.لم أستوعب ما يجري لأنّني كنت في حالة صدمة. السيّارة التي تفجّرت كانت قادمة من جهة الشمال وكان في داخلها الشابّان صالح زكارنة وعبد الهادي كميّل، وقد قُتل الاثنان من ضربة الصّاروخ. تجمّع الناس حول سيّارة الشابّين، التي كانت تحترق، فركضت أنا إلى هناك لكي يروا أنّني أصبت أنا أيضاً. في هذه كنت لا أعلم بعد أنّ ابني، الذي كان جالساً في السيّارة في الجهة الأخرى من الشارع، قد أصابته شظيّة في رأسه.بعد ذلك، حين عُدت إلى الدكّان لكي أفحص وضع زوجتي وأولادي الذين كانوا معها هناك، رأيت ضياء مُغمىً عليه في داخل السيّارة. لم ندرك في البداية أنّ شظيّة أصابت رأسه. ظننّا أنّه قد أغمي عليه من شدّة الخوف حين انفجر الصّاروخ.أحد الأقارب أخذني وضياء إلى المركز الطبّي في قباطية حيث فحصوا جراحنا ثمّ نقلونا في سيّارتي إسعاف إلى مستشفى الرّازي في جنين.تبيّن أنّ ضياء مصاب بشظية اخترقت دماغه من الجهة اليسرى. أبقوه للعلاج في مستشفى الرّازي، ولكن بعد يومين نقلوه إلى مستشفى ابن سينا، في جنين أيضاً، وهناك وضعوه في غرفة العناية المشدّدة. في اليوم التالي، 17.2.25، توفّي ضياء متأثراً بجراحه.أما أنا، فقد أبقوني في المستشفى ليلة واحدة. قال الأطبّاء إنّه لا يمكن إخراج الشظية التي قرب أذني لأنّها قريبة جدّاً من عصب الوجه ويجب أن أتعايش معها. أمّا الشظايا الأخرى فقالوا إنّها سوف ستخرج تلقائيّاً بمرور الوقت.تضرّرت واجهة دكّاننا أيضاً. كان من الممكن أن أفقد كلّ عائلتي في ذلك اليوم، لا أريد حتى أن أتخيّل ذلك.
في 1.2.25، خلال عمليّة "الجدار الحديديّ" العسكريّة في شمال الضفة الغربيّة، قُتل أحمد سعدي (14 عاماً) عندما أطلقت طائرة إسرائيليّة صاروخاً عليه وعلى أفراد أسرته حين كانوا واقفين قرب منزلهم. أصيب اثنان من أقاربه بجروح. بعد عدّة ساعات، أطلق الجيش صاروخاً آخر على مكان مُجاور وقتل اثنين من أقارب الفتى كانا يستقلّان درّاجة ناريّة. لم تتواجد خلال الغارتين قوّات من الجيش في مدينة جنين أو في مخيّم جنين للّاجئين.نهاية سعدي (49 عاماً)، والدة أحمد، أمّ لأربعة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 27.3.26 فقالت:كان ابني أحمد تلميذاً في الصفّ التاسع في مدرسة الحيّ الشرقيّ. كان هادئاً جدّاً ومحبوباً، أحبّته العائلة والجيران. كان يحبّ مساعدة الآخرين فإذا طلب منه أحد الجيران معروفاً لم يتردّد في مدّ يد المساعدة. وكان أحمد صبيّاً جميل المحيّا، أحبّ إخوته وأخواته. كان أصغر أولادي لكنّه رغم صغر سنّه كان يحبّ مرافقة من هُم أكبر منه.لم يبق لنا منه سوى الذكريات الجميلة. جميع أبناء العائلة والجيران كانوا يحبّونه كثيراً. كان يرغب في أن تكون له درّاجة ناريّة، لكنّنا خفنا عليه، أنا وزوجي. شعرنا أنّ هذا خطير وخاصّة بسبب الأحداث التي وقعت في مدينة جنين والمخيّم. ولذا، لم نسمح له. كان أحمد يحبّ أيضاً أن يلعب كرة القدم مع أصدقائه. كثيراً ما كانوا يلعبون في الشارع الواسع القريب من منزلنا.استُشهد أحمد جرّاء إصابته بشظايا صاروخ أطلقته مسيّرة إسرائيليّة حين كان جالساً أمام منزلنا مع إخوته وأقارب من العائلة. قتلوه دون أن يرتكب أيّ ذنب أو يؤذي أحداً. الصّاروخ الذي أطلقوه لم يميّز بين طفل وبالغ، وقد جُرح من جرّائه أيضًا عدّة شبّان آخرين كانوا جالسين أمام منزلنا. منذ أن استُشهد أحمد أزور قبره باستمرار، في المقبرة الشرقيّة في جنين.
في 12.2.25، قُتل محمد أبو عابد حين شارك في اشتباك مسلّح بين ناشطين مسلّحين والجيش الإسرائيليّ أثناء مداهمة لمخيّم نور شمس للّاجئين في نابلس، في إطار حملة "الجدار الحديديّ" في شمال الضفة الغربيّة. في ذلك الاشتباك قُتل شخص آخر، ووفقاً لادّعاء الجيش أصيب جنديّ بجروح متوسّطة. كان ناشطاً في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ.إسرائيل تحتجز جثمانه.
في 21.2.25 دهم جنود أحد أحياء مدينة الخليل وخلال المُداهمة أطلقوا النار على الطفل أيمن الهيموني (12 عاماً) حين خرج من بيت جدّه ومعه أخوه (10 سنوات) ليذهبا إلى منزل خالهما المُلاصق. وفقاً لتحقيق بتسيلم، أراد الاثنان العودة إلى منزل الجدّ بعد أن تبيّن لهُما وجود جنود في المنطقة، وحين استدار الطفلان ليعودا أطلقت النيران فأصيب أيمن في ظهره ووقع أرضاً. حاول الخال إخلاء الطفل لكنّ جنوداً اقتربوا منه وأطلقوا النار نحوه فاضطرّ إلى التراجُع. بعد عدّة دقائق غادر الجنود المكان فتمكّنت العائلة من إخلاء أيمن في سيّارة خاصّة إلى المستشفى وهناك أقرّ الأطبّاء وفاته.سجّلت باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري الإفادات التالية:نديم عجلوني (28 عاماً)، خال أيمن، أب لولدين، أدلى بإفادته في 25.2.25 فقال:أقيم في حيّ جبل جوهر في جنوب مدينة الخليل. أعمل في البناء في الضفة الغربيّة وأقيم مع والديّ.في 21.2.25 جاءت شقيقتي أنوار (29 عاماً) لزيارتنا مع أولادها: أيمن (12 عاماً)، أيسر (10 سنوات)، تيا لارا (5 سنوات)، وأيّان (سنتان).نحو السّاعة 18:30 كانت أنوار تهمّ بالمغادرة لتعود إلى منزلها هي وأولادها، ولكن قبل أن يخرجوا طلب أخي أشرف من ابنها أيمن أن يوصل مبلغاً من المال إلى أخي طارق، الذي يقيم في المنزل المُقابل.بعد أن خرج أيمن مع أخيه أيسر إلى هناك علمت أنّ الجيش في الخارج فلحقت بهما فوراً. كان أيمن على بُعد 10 أمتار منّي. رأيته وأيسر يصعدان درج المنزل، عائدين. كان يلهث. وعندها سمعت طلقة واحدة ورأيت أيمن يسقط على الدّرج. هبطت الدرج مُسرعاً إليه.في تلك اللّحظة رأيت أضواء كشّافات الجنود وكانوا يتقدّمون على الشارع المؤدّي إلى المنزل. حملت أيمن ومشيت مسافة 4 أمتار تقريباً واجتزت البوّابة الحديديّة التي على يمين المنزل. عندئذٍ أطلق الجنود النار في اتّجاهي فاضطررت أن أضع أيمن على الأرض وأبتعد نحو شارع جانبيّ، لكي لا يُطلقوا النار عليّ.رأيت أمام واجهة منزلنا ثلاثة جنود فاستدرت ومشيت حتى المدخل الخلفيّ للمنزل ومن هناك صرخت أنادي أفراد العائلة ليخرجوا لأنّ أيمن أصيب. خرج أفراد العائلة من المنزل يركضون نحو الشارع.كانت شقيقتي أنوار، والدة أيمن، ذاهبة مع إخوتي إلى الشارع، وأخذوا يصرخون على الجنود. وقف الجنود نحو دقيقتين ثمّ انسحبوا عندما صرخت أنوار عليهم.أخذنا أيمن إلى مستشفى محمد علي المُحتسب الحكوميّ، في جنوب مدينة الخليل. حاول الأطبّاء إجراء عمليّات إنعاش له لكنّهم اضطرّوا إلى إعلان وفاته بعد نصف ساعة على وُصوله إلى هناك. قالوا إنّ الرّصاصة اخترقت ظهره وخرجت من عُنقه.في اليوم التالي جاءت مركبات "جيب" عسكريّة وتوقّفت عند مدخل المنزل. تجوّل الجنود في المنطقة المحيطة بالمنزل وبعد وقت قصير غادروا المكان.أنوار الهيموني (29 عاماً)، والدة أيمن، أمّ لأربعة، أدلت بإفادتها في 25.2.25 فقالت:يعمل زوجي، ناصر، في مكتب الرئاسة في مدينة رام الله. رُزقنا بأربعة أولاد: البكر أيمن (12 عاماً) والذي استُشهد في 21.2.25، والثلاثة الآخرون هُم: أيسر (10 سنوات)، تيا لارا (5 سنوات) وأيان (سنتان).يوم أن استُشهد أيمن ذهبت مع الأولاد لزيارة والديّ في حيّ جبل جوهر، في جنوب مدينة الخليل. أعطى أخي أشرف مبلغاً من المال لابني أيمن وطلب منه أن يوصله إلى أخي طارق، الذي يقيم في منزل قبالة منزل والديّ. وضع أشرف المبلغ في حقيبة صغيرة علّقها على كتف أيمن وطلب منه أن يذهب ويعطي الحقيبة لأشرف قبل أن نخرج عائدين إلى منزلنا.خرج أيمن من منزل والديّ مع أخيه الصغير أيسر (10 سنوات). في تلك اللّحظة سمعت أنّ جيش الاحتلال يتواجد في الحيّ. خفت على حياة ولديّ فاتّجهت إلى النافذة لكي أرى ما الوضع في الخارج وأناديهما ليعودا إلى المنزل.حين نظرت من النافذة سمعت طلقة واحدة على الأقلّ. ذُعرت وركضت بسُرعة نحو الباب وتبعني إخوتي ووالداي. خرجنا إلى الدّرج المؤدّي للشارع، قبالة مدخل منزل أخي طارق.ركض أيسر إلينا مذعوراً وقال "اليهود طخّوا أيمن!". شاهدت ثلاثة جنود يحيطون بأيمن الذي كان ملقىً على الأرض ويوجّهون إليه أضواء كشّافاتهم. كان أيمن قرب البوّابة.اقتربت من أيمن وأنا أصرخ على الجنود "ماذا فعلتم بابني؟!"، قال لي أيمن بصوت خافت مُتعَب "ماما، الجنود طخّوني". من شدّة الصّدمة رُحت أصرخ على الجنود "من فيكم الذي أطلق النار على ابني؟!". في هذا الوقت حمل أحد إخوتي أيمن إلى السيّارة وانسحب الجنود.أدخل إخوتي أيمن إلى السيّارة بسُرعة وانطلقوا إلى المستشفى، فيما تبعت أنا الجنود وواصلت الصّراخ عليهم "من فيكم الذي قتل ابني؟!". لحقتهم مسافة 200 متر تقريباً حتى وصلت إلى الشارع الرئيسيّ، الكسّارة، حيث كان عدد من الجنود رُحت أصرخ عليهم أيضاً.في تلك اللّحظة أخذني أحد أقاربنا في سيّارة وتوجّهنا إلى مستشفى محمد علي المحتسب. عندما وصلنا كان أيمن في قسم الطوارئ والأطبّاء يحاولون إنعاشه. حاولوا بكلّ الطرق طوال نصف ساعة تقريباً لكنّهم اضطرّوا في النهاية إلى الإعلان عن وفاة أيمن. بعد ذلك نُقل إلى المستشفى الحكوميّ في الخليل.كان أيمن في الصفّ السّابع، قتله الجنود بدم بارد إذ إنه لم يفعل شيئاً ولم يرشق حجارة نحوهم.ناصر الهيموني (39 عاماً)، والد أيمن، أب لأربعة، أدلى بإفادته في 25.2.25 فقال:في يوم الجُمعة المُوافق 21.2.25 حين كنت في مكان عملي اتّصلت زوجتي لتخبرني أنّها سوف تذهب لزيارة والديها في حيّ جبل جوهر، في جنوب الخليل.في مساء اليوم نفسه، عند السّاعة 19:00 تقريباً، اتّصل بي أقاربي وأخبروني أنّ ابني أيمن أصيب بنيران أحد جنود الاحتلال قرب منزل خاله، طارق العجلوني.خرجت من العمل مع صديق لي وسافرنا في سيّارته. عندما وصلنا إلى حاجز "الكونتينر" في شمال غرب بيت لحم، أمر الجنود وعناصر حرس الحدود صديقي أن يُطفئ المحرّك ويُناولهم بطاقة هويّته، ثمّ أخذوا يفتّشون السيّارة. بعد ثوانٍ معدودات تقدّم إليّ شرطي من حرس الحدود وأخذ بطاقة هُويّتي للفحص. بعد دقيقتين عاد إليّ يركض ومن خلفه شرطيّ وشرطيّة آخران من حرس الحدود. كانوا يصوّبون بنادقهم نحوي والشرطيّ الأوّل يصرخ بي "اخرج من السيّارة ويداك على رأسك".فعلت ما أمرني به. في اللّحظة التي خرجت فيها من السيّارة أمرني أن أخلع ملابس كلّها لكنّني رفضت. في النهاية وبعد جدال بيننا أمرني أن أنزع فقط الجاكيت الذي كنت أرتديه، وعندئذٍ سألني "ما صلة القرابة بينك وبين الطفل الذي قتلناه؟".في تلك اللّحظة دخلت في حالة من الصّدمة. فجأة تبيّن لي أنّ أيمن قد فارق الحياة. عندما أجبت الشرطيّ، الذي كان يتحدّث العربيّة، "إنّه ابني" قالي لي "سنجعلك تلحق به، إن شاء الله".بدأ بيننا شجار كلاميّ وقد صرخ عليّ الشرطيّ وحاول أن يهاجمني بسلاحه. بعد ذلك أمرني أن أتقدّم نحو غرفة من الإسمنت قرب الحاجز وأوقفني عند مدخل الغرفة. بعدئذٍ جاءت شرطيّة من حرس الحدود وتحدّثت معه. حين سألته عنّي قال لها بالعبريّة "قتلنا ابنه" فأخذت تضحك وترقص. صرخت عليها أرجو لها الموت هي أيضاً.دفعني الشرطيّ إلى داخل الغرفة ودخل من بعدي. أعتقد أنّه كان ينوي أن يضربني لكنّ شرطيّاً آخر جاء في تلك اللّحظة يركض وفي يده جهاز الهاتف. وضع هذا الشرطيّ الهاتف على أذني وكان المتحدث ضابط مخابرات (شاباك)، كما قدّم نفسه. قال لي: "ألله يعوّضكوا عن صبركم"، وأضاف: "إنّه طفل ونحن آسفون، لقد قُتل خطأ". بعد ذلك سألني "لماذا تعود إلى الخليل الآن؟". قلت له "لكي أرى ابني وأدفنه" فقال لي "نحن نراقبك، ولدى أيّ تصرّف خاطئ من جانبك سآتي إلى منزلك وأعتقلك". قلت له "ولماذا تفعل ذلك هناك؟ اعتقلني منذ الآن" فأجابني "كلا. الآن اذهب وادفن ابنك، وإن فعلت شيئاً، فسوف أعتقلك".بعد ذلك أخلى سبيلي وواصلت طريقي إلى الخليل.وصلت إلى المستشفى الحكوميّ في الخليل وهناك رأيت ابني في غرفة الموتى. طلبت أن يُجروا له تشريح جثّة في معهد الطبّ الجنائيّ. لاحقاً، حين تفقّدت جثمان ابني رأيت في ظهره وصدره علامات جُروح ناجمة عن إطلاق نار.
في 26.2.25 أطلق جنود النار على حامد نزال (16 عاماً) حين رشق حجارة نحو "حاجز إيال" مع فتيان آخرين. أخلى مُسعفون جثمانه بعد مُرور رُبع ساعة على إطلاق النار. لم يقدّم الجنود أيّ إسعاف طبّي للفتى الجريح.
في 2.4.25 دخلت إلى بلدة سيلة الحارثيّة مركبتان عسكريّتان مدرّعتان فرشقهما فتيان وشبّان بالحجارة والعُبوات بدائيّة الصُّنع، وكان بضمنهم عمر زيّود. أطلق الجنود النيران من مدفع رشّاش مثبّت على إحدى المركبتين فأصابوا عمر زيود في ظهره وقتلوه على الفور، كما أصابوا فتياناً آخرين بجروح وغادروا بعد دقائق دون تقديم أيّ إسعاف طبّي للمُصابين.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سّعدي الإفادات التالية:"م. ط."، من سكّان البلدة، قال ما يلي في 3.4.25:في يوم الأربعاء المُوافق 2.4.25، نحو السّاعة 15:45، عندما كنت في مكان عملي - مغسلة سيّارات تقع عند مدخل بلدة سيلة الحارثيّة بجوار شارع حيفا ـ جاءت ناقلتا جُند من نوع "إيتان" من جهة الشرق على طول شارع حيفا. مرّت الناقلتان من أمام مغسلة السيّارات وتابعتا السّير في طرق زراعيّة داخل مرج ابن عامر ومنطقة قرية التعِنِّك. من ثمّ واصلتُ عملي كالمعتاد.بعد ربْع ساعة تقريباً فوجئت بناقلتي الجنود تعودان من جهة الغرب، تلتفّان على الدوّار وتتوقّفان إلى يمينه ومقدّمة كلّ منهما متّجهة إلى الغرب. لم أرَ جنوداً خارج المركبتين. ظلّوا في داخلهما.بعد وقت قصير أخذ يتوافد إلى المكان فِتيان وأطفال ويتجمّعون على بُعد نحو 100-150 متراً من ناقلتي الجنود، قرب سور المدرسة الثانويّة. أخذوا يرشقون الحجارة نحو المركبتين، كما ألقوا عُبوات بدائيّة الصّنع.ردّ الجنود بإطلاق قنابل غاز مُسيل للدّموع نحو الأطفال والفتيان، ثمّ أطلقوا نحوهم بضع طلقات من السّلاح المثبّت فوق ناقلة الجنود فأصابوا ثلاثة أطفال.علمت لاحقاً أنّ طفلاً منهم يُدعى عمر عامر زيّود أصيب في الصّدر. أعتقد أنّه فارق الحياة فورَ إصابته، لأنّه لم يتحرّك بتاتاً.أدهشني أنّ الجنود بعد أن أصابوا الأطفال وأوقعوهُم أرضاً غادروا المكان واتّجهت الناقلتان غرباً في اتّجاه معسكر سالم. لم يترجّل منهما أيّ جنديّ، لا قبل إطلاق النار ولا بعده. يبدو أنّهم غادروا المكان لأنّهم شاهدوا الأطفال يُصابون ويقعون أرضاً.بعد مُرور بضع دقائق على إصابة الأطفال جاءت سيّارات إسعاف تابعة للهلال الأحمر وأخلتهُم إلى مستشفى ابن سينا، وهناك أعلن رسميّاً عن وفاة الطفل عمر عامر زيّود نتيجة إصابته بعيار ناريّ في الصّدر.رنين زيود (41 عاماً)، والدة عمر، أمّ لخمسة، أدلت بإفادتها في 26.3.26 فقالت:في 2.4.25 نهض ابني عمر باكراً، تناول الفطور وبقي في المنزل. لاحقاً، في ذلك الصّباح، سألني ماذا سأعدّ لطعام الغداء فقلت له "هي أكلة تحبّها أنت كثيراً - كبسة!". بقي عمر معنا ولعب مع أخته الصغيرة.بعد أن انتهيت من إعداد الطعام تناولنا الغداء معاً. طلب عُمر منّا بعض النقود لأنّه يريد أن يشتري بعض الأشياء. نحن نقيم عند المدخل الشرقيّ لسيلة الحارثيّة، قرب الشارع الرئيسيّ، شارع حيفا. في ذلك الوقت لم تقع مشاكل ولم يكن تواجُد عسكريّ في المنطقة فأعطيناه بعض النقود وخرج عُمر من المنزل كي يلتقي أصدقاءه ويشتري بعض الأشياء.بعد دقائق معدودة على خُروجه علمنا عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ قوّة عسكريّة إسرائيليّة تُداهم القرية. ارتعدتُ خوفاً ورُعباً، خاصّة أنّ التقارير أوضحت أنّ القوّة تجوب أحياء البلدة. اتّصلت بعُمر كي أطمئنّ عليه وأطلب منه أن يعود إلى المنزل لئلّا يُصيبه مكروه. حاولت عدّة مرّات لكنّه لم يردّ.في تلك اللحظات، بدأ أشخاص يتّصلون بزوجي ويُخبرونه بأنّ عُمر قد أصيب. حاول إخفاء الخبر عني وخرج من المنزل مُسرعاً كي يستطلع الأمر. ولكن عندها، أخذ أقارب لنا يتوافدون فجأة إلى منزلنا فأيقنت بالتأكيد أنّ مكروهًا قد حصل لابني. لكنني لم أعرف بشكل مؤكد أنّه قد استُشهد نتيجة إصابته بالرّصاص، إلى أن أخبرني أقارب لنا بصريح العبارة: عُمر أصيب بالرّصاص واستُشهد. في اليوم التالي جاؤوا بجثمانه من المستشفى وشيّعناه إلى مثواه الأخير في مقبرة البلدة.كان ابني عمر فتىً مهذّباً وخَلوقاً يحترم كبار السن وكان فتىً ذكيّاً. أحبّ كثيراً أن يلعب كرة القدم، وقد انضمّ إلى فريق شبيبة في نادي البلدة الرياضيّ. كان يحبّ التواجُد في الملعب، وكانت أسعد أوقاته تلك التي يمضيها في لعب كرة القدم.كان أصدقاؤه كثيرين وجيّدين. هُم يأتون لزيارتنا للاطمئنان علينا ومُواساتنا وقضاء بعض الوقت معنا. أنا أزور قبر ابني عُمر باستمرار، أتلو هناك الأدعية وآيات من القرآن. كان ذا قلب طيّب للغاية. أنا أشتاق إليه شوقي إلى أغلى وأعزّ ما أملك في هذه الحياة.ما زلت أذكر كيف كان يُكرم ضيافة أصدقائه عندما يأتون لزيارته في منزلنا. كان كريماً للغاية، بشوشاً، ويظلّ "رايح جاي" يقدّم لهم ما لذّ وطاب من الأطعمة التي لدينا.فقدان ابني عُمر ضربة قاسية، فاجعة تُثقل على قلبي. في غيابه يخيّم عليّ الأسى والحزن العميق.
في 14.4.25، عندما تواجد جنود في شرفة في الطابق الثاني من بناية تقع على الشارع الرئيسيّ في مخيّم الجلزّون للّاجئين، أطلقوا النيران نحو مجموعة من الشبّان وهم يفرّون من مركبتي "جيب" عسكريّتين بعد أن قام شبان برشقهما بالحجارة خلال مُواجهات. من غير المعروف ما إذا كان مالك حطّاب (17 عامًا) كان قد شارك مالك في المُواجهات أم لا، لكنّ رصاص الجنود أصابه في بطنه. حاولت امرأة تُقيم في الجوار مساعدته لكنّها اضطرت إلى التراجع إلى منزلها حين أطلق الجنود النار نحوها أيضاً. تم نقل مالك حطّاب إلى المستشفى الاستشاريّ في رام الله حيث أجريت له عمليّة جراحيّة، لكنّ الأطباء اضطروا إلى إعلان وفاته بعد بضع ساعات. وقد أصيب برصاص الجنود شابّان آخران، أحدهما قاصر.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة الإفادات التالية:صديق مالك حطاب، قال في 25.4.25:في يوم الإثنين المُوافق 14.4.2025، عند السّاعة 00:25، كنّا مجموعة أصدقاء، سبعة أو ثمانية، في منطقة السّوق وسط مخيّم الجلزّون للّاجئين، شمال رام الله. كنّا جالسين في مقهىً نتحدّث ونلعب الورق (الشَّدّة)، وكان من ضمن المجموعة مالك حطّاب الذي أصيب بنيران جنود الاحتلال واستُشهد لاحقاً نتيجة إصابته.عند السّاعة 00:30 نُشر على شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ قوّات من جيش الاحتلال داهمت المخيّم وتتواجد في منطقة المدارس جنوب شرق المخيّم، قرب منزل عائلة صافي، قريباً من الشارع الرئيسيّ، شارع نابلس - رام الله. في مُوازاة ذلك قُطع التيّار الكهربائيّ عن المخيّم.فور علمنا بذلك، غادرنا المقهى وتوجّهنا نحو المنطقة التي قيل إنّ الجيش متواجد فيها. اقتربنا من منزل عائلة صافي لكننا لم نرَ أيّ جندي فرجعنا باتّجاه منطقة السّوق. كانت الشوارع مُعتمة جدّاً وشبه خالية من الناس.جلست مع مالك وبقيّة الأصدقاء في منطقة السّوق. فجأة ظهرت مركبتا "جيب" عسكريّتان على بُعد 25-30 متراً منّا. قبل اقترابهما، لم نسمع صوت قدومهما ولم نرَهما، لأنّ مصابيحهما كانت مطفأة والمنطقة كلّها مُعتمة.عندما انتبهنا للمركبتين هربنا وتفرّقنا فركض كلٌّ منا إلى جهة. بعد مضيّ 5 دقائق تقريباً التقينا في حارة القيسيّة قرب السّوق وعندها رأينا مصابيح المركبتين العسكريّتين تُضاء، لكن لم أرَ جنوداً يترجّلون منها.في تلك اللّحظة أخذ شبّان يرشقون حجارة نحو المركبتين من مسافة 30-35 متراً تقريباً. لم يخرج الجنود ولم يُطلقوا النار. بعد مضيّ نحو 5 دقائق، أخذت المركبتان تستديران. ظننّا أنّهما على وشك الخُروج عبر الشارع الرئيسيّ فتقدّمنا باتّجاه حارة جبينة / شارع دار صافي كي نرشقهم بالحجارة أثناء انسحابهم.فقط بعد أن تقدّمنا مسافة 55-60 متراً باتّجاه الشارع الرئيسيّ ولاحظنا أنّ المركبتين العسكريّتين لا تمرّان من هُناك، فهمت أنّهم لم ينسحبوا أصلاً. مكثنا بانتظار أن يأتوا، وفي تلك الأثناء سمعنا إطلاق رصاص حيّ قريباً منّا - كثيف ومتواصل. ظننت في البداية أنّهم يُطلقون الرّصاص من داخل المركبتين، ولكن عندما حاولت الخروج من الزقاق أطلِقت نحوي رصاصتان، ففهمت أنّ الرّصاص يأتي من الشارع الرئيسيّ.اضطررت إلى تسلّق سور ارتفاعه 6-8 أمتار كي أقفز منه إلى الجهة الأخرى. عندما هبطتُ في الجهة الأخرى جُرحت رجلاي ويدي اليسرى.بعد أن قفزت رأيت على بُعد 2-3 أمتار منّي شخصاً ملقىً على الأرض وسط الشارع يحاول الزّحف ويصرخ من الألم. دقّقت النظر وإذ به صديقي مالك حطّاب، لكنني لم أجرؤ على الاقتراب منه خشية أن يُطلق الجنود النار عليّ.في ذلك الوقت فُتح باب أحد المنازل ونادت امرأة على مالك تدعوه أن يقترب، وفي تلك اللّحظة أطلقت نيران نحو المنزل فاضطرت أن تعود وتدخُل إلى المنزل.حاولت أن أتقدّم نحو مالك كي أُبعده من هناك لكنّني وجدت صعوبة في ذلك نتيجة الإصابات في رجليّ ويدي، إضافة إلى أنّ الجنود كانوا يُطلقون النار نحو كلّ من يحاول الاقتراب. فقط بعد مضيّ 10 دقائق تقريباً تمكّنت من سحب مالك من يده وجرّه إلى مخبأ قريب. قلبته على ظهره فرأيت جُرحاً في بطنه. قمت بفكّ حزامه ورفع قميصه وحاولت أن أوقف النزيف، وأنا أصرخ طالباً المُساعدة.بعد 5 دقائق تقريباً، انسحب الجيش وتوقّف إطلاق الرّصاص، وعندها أدخلنا مالك إلى السيّارة الخاصّة التي أتت إلى الموقع وانطلقنا به إلى المستشفى الاستشاريّ، عن طريق قرية جِفنا. في الطريق لاحظت أن نفَسَه يصبح ثقيلًا. عندما كلّمته كي يبقى يقظاً قال لي "افتح الباب. أنا أختنق" ثمّ غاب عن الوعي.عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا مالك إلى قسم الطوارئ. قال الطبيب إنّ حالته صعبة للغاية وهناك نزيف داخليّ خطير. أجروا له عمليّات جراحية طوال 4 ساعات ثمّ نقلوه إلى غرفة العناية المشدّدة. عند السّاعة 22:30 أعلن الأطبّاء أنّه توفّي متأثّراً بجراحه.عبد الحكيم نخلة (62 عاماً)، من سكّان مخيّم الجلزّون للّاجئين، قال في 16.4.25:اقيم وحدي في حيّ الوكالة في مخيّم الجلزّون للّاجئين، على الشارع الرئيسيّ قرب مكتب وكالة الغوث (أونروا). تقع شقّتي في الطابق الثاني من بناية ذات ثلاث طوابق: الطابق الأرضي من تحتي عبارة عن مخازن والطابق الثالث خالٍ غير مأهول. توجد في شقّتي شُرفة تطلّ على الشارع الرئيسيّ في المخيّم.في يوم الإثنين المُوافق 14.4.25، عند السّاعة 1:15 أيقظني دويّ إطلاق رصاص في المخيّم، وكان الصّوت قريباً من منزلي. خمّنت أنّ الأصوات لا بدّ آتية من الشارع الرئيسيّ. سمعت ما يقارب 10 طلقات متواصلة ولم أسمع أصواتاً أخرى. نهضت فوراً وفتحت نافذة غرفة نومي، المُطلّة على الشارع الرئيسيّ، فوق "سوبر ماركت البركة"، ولكن لم ألاحظ أيّ شيء غير عاديّ.ظننت في البداية أنّ من أطلق الرّصاص عناصر من جهاز الأمن الفلسطينيّ لأنّني سمعت من قبل أنّهم سيقومون بحملة ضدّ السيّارات غير القانونيّة، وفي اليوم السّابق كانوا في قرية جِفنا الواقعة شماليّ المخيّم.بعد مضيّ نحو 15 دقيقة تلقّيت مكالمة هاتفيّة من قريب لي يُبلغني أنّ الجنود متواجدون على شرفة شقّتي في الطابق الثاني، المطلّة على الشارع الرئيسيّ. عندما سألته عن مصدر هذه المعلومة قال إنّ مجموعات محلّيّة تداولتها في شبكات التواصُل الاجتماعيّ، وأنّه قد رآهُم أيضاً على الشرفة ثمّ رآهُم يهبطون الدرج ويغيبون عن ناظريه. في البداية لم أجرؤ على الاقتراب من النوافذ المقابلة للشرفة، كي لا يُطلقوا النار عليّ، ولكن في النهاية - بعد نصف ساعة تقريباً، اقتربت من النافذة وتبيّن لي أنّ الجنود قد غادروا.نحو السّاعة 5:30، بعد أن عُدت من صلاة الفجر في المسجد، تفقّدت الوضع حول المنزل فوجدت البوّابة الخلفيّة مفتوحة، رغم أنّني أغلقها دائماً قبل ذهابي إلى النوم. أغلقت البوّابة وتوجّهت إلى الشرفة التي قيل لي إنّ الجنود كانوا عليها فوجدت على أرضيّة الشرفة 8 رصاصات فارغة (خراطيش). عندئذٍ تيقّنت تماماً أنّ الجنود كانوا على الشرفة عند الفجر. جمعت خراطيش الرّصاص، صوّرتها بواسطة كاميرا هاتفي ثمّ رميتها.بعد ذلك شاهدت شريط فيديو يظهر فيه فتىً ملقىً على الأرض في الزقاق المُقابل لشرفة منزلي التي تواجد فيها الجنود ثمّ وجدت فيها خراطيش الرّصاصات التي أطلقت نحو مالك حطّاب، الفتى الذي استُشهد، والشبّان الذين كانوا معه. علمت أيضاً أنّ شابّين آخرين أصيبا بجروح جرّاء إطلاق النيران.شخص آخر من سكّان مخيّم الجلزّون، وصل إلى المنطقة وأصيب برصاص الجنود، قال في 16.4.25:في اللّيلة ما بين 14 و15 نيسان 2025، عند منتصف اللّيل تقريباً، عندما كنت في المطعم خاصّتي في شمال المخيّم، على الطريق بين المخيّم وقرية جِفنا، علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ قوّة من جيش الاحتلال داهمت المخيّم من الناحية الجنوبيّة، عبر المنطقة التي توجد فيها المدارس. في الوقت نفسه قُطعت الكهرباء في المخيّم.بعد مضيّ 5 دقائق تقريباً انتشر في شبكات التواصُل الاجتماعيّ خبر عن قوّة أخرى داهمت المخيّم من شَماله، حيث الطريق التي تهبط في اتّجاه قرية جِفنا. أغلقت المطعم فورًا، لأنّه يقع على طريق جِفنا، وأردت العودة إلى منزلي.خرجت راجلاً في اتّجاه منزلي الكائن في وسط المخيّم. كانت الطريق مُعتمة بسبب انقطاع الكهرباء. عندما وصلت إلى منطقة السّوق، وسط المخيّم، شاهدت مركبتين عسكريّتين تسيران على الشارع الرئيسيّ باتّجاه وسط المخيّم فاخترت طريقاً بديلة تمرّ عند المسجد الذي على الشارع الرئيسيّ، على بُعد نحو 100 متر من المكان الذي كان فيه الجنود.صادفت في طريقي مجموعة شبّان، 7-8 شبّان، وكان معهم مالك حطّاب، الفتى الذي استُشهد لاحقاً. كانوا واقفين ويبحثون عن طريق يفرّون منه ولم نعرف في أيّ اتّجاه نذهب، لأنّ الأخبار عن مكان الجنود كانت متضاربة.بعد دقيقتين تقريباً، نشر على شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ المركبتين العسكريّتين توقّفتا وسط المخيّم في منطقة السّوق. لم يكن في استطاعتنا رؤية المنطقة لأنّها مُتوارية خلف المباني والحوانيت. انتظرنا قليلاً في منطقة المسجد، ثمّ علمنا من شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ قوّة عسكريّة أخرى تتقدّم باتّجاه منطقة السّوق. عندئذٍ أخذنا نتقدّم عبر أحد الأزقّة باتّجاه حارة القيسيّة، وتبعد عنّا مسافة 75-80 متراً تقريباً.بعد ذلك انتقلت إلى حارة جبينة (أو حارة دار صافي)، قرب الشارع الرئيسيّ. يوجد هناك سور يُحيط بقطعة أرض خالية فاختبأت قربه عندما سمعت القوّة قادمة.في تلك اللّحظة عاد التيّار الكهربائي لبضع ثوانٍ ثمّ انقطع ثانية، وفوراً بعد ذلك أطلق رصاص نحونا في حارة دار صافي، وكذلك نحو شبّان آخرين كانوا واقفين في الأسفل، في حارة القيسيّة.حين بدأ إطلاق الرّصاص أحسست بأنّني أصبت، وقد وقعت على الأرض - ظهري في اتّجاه الشارع الرئيسيّ ووجهي في اتّجاه السّوق. رأيت الشبّان الذين كانوا معي يفرّون إلى شارع جانبيّ اسمه أبو الصّابونة. لاحظت أنّ النيران أتت من ناحية الشارع الرئيسيّ ولكن لم أرَ الجنود.استمر إطلاق النار، بشكلٍ مُتتالٍ في البداية، ثمّ بشكل متقطّع، بينما كنت ملقىً هناك لا أقدر على النهوض.بينما كنت ملقىً على الأرض سمعت صوتاً يصرخ بالعبريّة "تعال!". ظننت أنّ الجنود يقتربون منّي فأجبرت نفسي على النهوض في مُحاولة للفرار إلى زقاق مُتوارٍ، لكنّني وقعت مرّة ثانية وبقيت هُناك نحو 5-7 دقائق، أنزف وخائف من أن يصلوا إليّ ويعتقلوني.بعد ذلك جاءت امرأة من المخيّم، ساعدتني على النهوض وأدخلتني إلى منزلها. مكثت عندهُم 25 دقيقة تقريباً، لأنّه ما كان بالإمكان نقلي إلى المستشفى فوراً بسبب وجود الجنود. لاحقاً جاء شابّان وأخذاني إلى سيّارة خاصّة انطلقت بي عبر منطقة الملعب إلى أن التقينا سيّارة إسعاف نقلني طاقمها بدوره إلى المستشفى الاستشاريّ.في المستشفى أدخلوني إلى قسم الطوارئ وخدّروني. عندما استيقظت علمت أنّ مالك حطّاب أصيب بجُروح بالغة في بطنه جرّاء النيران التي أطلقها الجنود وأصابتني أنا أيضاً.أجريت لي عمليّة في رجلي اليُمنى، وفي الأسبوع القادم يُفترض أن أخضع لعمليّة زرع بلاتين في رجلي. وجد الأطبّاء شظايا كثيرة داخل جسمي، بما ذلك في يديّ ورجليّ.في اليوم نفسه أعلن الأطبّاء أنّ الفتى مالك حطّاب توفّي متأثّراً بجراحه، وكان ذلك بعد مُرور ساعات معدودة على إدخاله إلى غرفة العناية المشدّدة.
في 17.4.25، أطلق جنود النار من كمين نحو الفتى جهاد عديلي وشخصين آخرين عندما رشقوا حجارة نحو شارع 505 قرب أوصرين وقتلوا جهاد عديلي وشخصاً آخر. الشخص الثالث الذي كان معهم لم يُصب.إسرائيل تحتجز جثمان الفتى.
في 23.4.25 بينما داهم جنود مُشاة قرية اليامون واقتحموا أحد منازل القرية، تجمّع في المقبرة المُجاورة 10-12 طفلاً وفتىً بضمنهم محمود أبو الهيجاء (12 عاماً) وأخذوا يرشقون حجارة نحو شُرفة المنزل، عن بُعد نحو 50 متراً. علمت بتسيلم من شاهد عيان أنّ أحد الجنود أطلق عدّة رصاصات نحو الفتية والأولاد فأصيب الطفل محمود أبو الهيجاء وسقط أرضاً، ثمّ حمله عدد من الفتية والأولاد إلى خارج المقبرة ومن هناك أخلته سيّارة خاصّة إلى المركز الطبّي في القرية وهناك فارق الحياة. بعد إخلائه بوقت قصير جاءت مركبة "جيب" عسكريّة، صعد إليها الجنود ثمّ غادرت المركبة المنطقة.نظميّة أبو الهيجا (52 عاماً)، والدة محمود، أمّ لأربعة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 26.3.26 فقالت:في صباح يوم 23.4.25 خرج ابني محمود (12 عاماً) من منزلنا الواقع وسط البلد في اليامون، قرب المسجد القديم، متوجّهاً إلى مدرسته. كان تلميذًا في الصفّ السّابع في مدرسة البنين الإعداديّة. عند الظهر عاد إلى المنزل وقال إنّه تناول الطعام مع بعض الأصدقاء. بعد الصّلاة خرج مرّة أخرى لكي يلعب مع أصدقائه في الجوار.نحو السّاعة 16:00 جاء أصدقاؤه إلى منزلنا وأخبروني أنّ محمود أصيب برصاص قوّات إسرائيليّة داهمت بلدتنا. بعد لحظات، وقبل أن أتمالك نفسي من الصّدمة، علمت أنّه أصيب في البطن والفخذ وأخلي إلى المستشفى في جنين وهناك فارق الحياة.كان محمود ابننا البكر. كان طفلاً بشوشاً يحبّ الحياة ويحبّ اللّعب. لكنّه أحب بشكل خاصّ السّباحة وكان يطلب من والده أن يأخذه إلى برك السّباحة في منطقتنا. كما كان يعتني بالحيوانات الأليفة وبضمنها قطّ صغير وُلد لتوّه. كان يعتني به جيّداً. كان محمود يحبّ رُكوب الخيل أيضاً وكان يخرج مع أصدقائه لركوب الخيل في أماكن مخصّصة مقابل مبلغ من المال. كان يرغب في شراء "سكوتر ركل (كوركينت) ليتنقّل بواسطته لكنّ ظروفنا المادّية لم تسمح.عندما كان يراني مُنهكة كان يحتضنني ويساندني ويعتني بي. كان متعلّقاً بي كثيراً ويُرافقني في زياراتي الاجتماعيّة لدى الأقارب في جنين. كان ابني البكر، وقد رُزقت به بعد زواجنا بـ 13 سنة عانيت خلالها من مشاكل في الإنجاب. كان مجيئه مصدر فرح عظيم لكلّ العائلة.بعد استشهاد محمود بقي لنا أخوه إبراهيم (10 سنوات)، ابننا الوحيد الذي تبقّى لنا من بعده، وأختاه تالا (11 عاماً) ونور (6 سنوات). هُم في حُزن دائم عليه ويشتاقون إليه كثيراً. إبراهيم لا يزال طفلاً، لكنّه يتصرّف كإنسان بالغ لأنّه يحاول أن يملأ الفراغ الذي تركه رحيل محمود. ابنتاي تسألانني طوال الوقت عن محمود وتقولان إنّهما مُشتاقتان إليه كثيراً.
في 15.5.25، خلال مداهمة عسكريّة لبلدة طمّون، حاصر الجنود بناية مكونة من ثلاثة طوابق واستهدفوها بصواريخ محمولة على الكتف. في داخل البناية كان قد استحكم مسلّحون فلسطينيّون، بضمنهم رضا بني عودة. خلال تبادُل النيران الذي اندلع في المكان قُتل رضا وأربعة فلسطينيّين آخرين. خلال العمليّة هدمت القوّات جزءاً كبيراً من البناية وجعلوها غير صالحة للسّكن. وكما في عمليّات أخرى سابقة، جلب الجيش في نهاية العمليّة جرّافة عسكريّة حمّلت على كفّها جثامين الفتى رضا عودة والثلاثة الآخرين الذين قُتلوا معه ثمّ راحت الجرّافة تجوب بهم شوارع البلدة ثمّ شوارع البلدات المجاورة. وفقاً لمزاعم الجيش الإسرائيليّ، اعتُقل خلال العمليّة أربعة فلسطينيّين في بلدة طمّون ومدينة طوباس المجاورة. كان ناشطاً في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ.إسرائيل تحتجز جثمانه.سماهر بني عودة (49 عاماً)، والدة رضا، أمّ لأربعة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عارف دراغمة في 30.3.26 فقالت:في 14.5.25، قبل مقتله بيوم واحد، جاء رضا إلى المنزل وبدأ يتصرّف بطريقة غير معهودة منه. جلس معي ومع أفراد آخرين من الأسرة طوال ساعات. شعرنا بأنّه يتمعّن في الجميع. إضافة إلى ذلك، ذهب لزيارة أخيه، تحدّث كثيراً وسأل أسئلة كثيرة. في وقت ما من ذلك اليوم قال لي إنّه يُريد بنطالاً جديداً فقلت له "سيذهب والدك ويشتري لك".كان رضا يضحك ويلعب مع أولاد أخته دائماً. كذلك أحبّ أن يتصوّر مع الجميع. في معظم الأيّام كان يخرج ويعود في وقت متأخر في المساء، لكنّه في ذلك اليوم بقي في المنزل طوال اليوم. في المساء، استحمّ وارتدى ملابس جديدة ثمّ سألني "كيف أبدو في هذه الملابس يا أمّي؟" فأجبته "ما شاء الله! أنت جميل وكلّ ما ترتديه يبدو جميلاً عليك". لاحقاً، نظرت إليه وأنا في المطبخ وقلت "ما شاء الله!". شعرت كأنّي أراه للمرّة الأولى بعد غياب طويل ورأيت نوراً في وجهه. عندئذٍ جاء إليّ وقال لي: "انظري إليّ، هل أنا جميل؟" ثمّ راح يقبّلني ويعانقني. أخرجتُ زجاجة عطر خاصّة بأخيه ورُحت أرشّ العطر عليه وهو يقول لي: "يكفي عطراً يا أمّي".خرج رضا من المنزل بعد أن تناولنا طعام العشاء. نظرت إليه كأنّني أودّعه. قلت له: "حفظك الله يا ابني". لا أعرف إلى أين ذهب في تلك اللّيلة. في الصّباح، استيقظت باكراً جدّاً لكي أوقظ والده وأعدّ له طعام الفطور. بعد ذلك، قبل أن أعود إلى النوم، فتحتُ هاتفي لكني لم أر ما يُنبئ عن عمليّة عسكريّة أو ما شابه لجيش الاحتلال في طمّون. في العادة، لا يمرّ أسبوع دون أن يقوم جيش الاحتلال بمداهمات في منطقة طمّون. أطفأت الهاتف وعدت إلى النوم.نحو السّاعة 7:00 صباحاً، حين كنت لا أزال نائمة، اتّصلت أختي وقالت إنّ الجيش قد داهم البلدة وقامت قوّات خاصّة بمحاصرة أحد المنازل. وأضافت تنصحني أن أتّصل برضا وأطمئنّ عليه إذا كان موجوداً خارج المنزل. اتّصلت برضا لكنّه لم يردّ. بعد ذلك توالت مكالمات أخرى من أقاربنا يسألونني عن رضا: "هل هو في المنزل؟".. "هل هو بخير؟". كان أشرف، أخوه، لا يزال نائماً. أيقظته وأخبرته أنّ الجيش اقتحم البلدة وأنّ رضا خارج المنزل، لكنّه لم يكترث - لم يخطر في باله أن يحدث لرضا أيّ سوء. بعد ذلك، أثناء انشغالي في إعداد الفطور لابني وبناتي، اتّصل أحدهم بأشرف وقال له: "صلّوا من أجل رضا وادعوا له". جاء أشرف إليّ وقال بانفعال: "أطفئي الغاز يا أمّي، أطفئي الغاز! لا أريد أن أتناول طعاماً". ثمّ راح يجوب المنزل بقلق ظاهر وهو يردّد مراراً وتكراراً: "صلّي وادعي من أجل رضا يا أمّي". سألته: "هل حصل شيء لرضا؟" فأجاب أنّ رضا موجود مع الشباب في المنزل الذي حاصره الجيش. أخذت أبكي.أخذ الناس يتوافدون على منزلنا ويحاولون مواساتي. قالوا إنّ جميع الشباب بخير وأنّهم سوف يخرجون من المنزل سالمين. بعد ذلك جاء خبر استشهاد ابني رضا، الذي لم يبلغ بعد سنّ الـ 18. طفل بريء، رقيق القلب، مُرهف.. كلّ الصّفات الجميلة اجتمعت فيه. صرت ألوم نفسي: لماذا لم أعانقه عندما خرج؟ لماذا سمحت له أن يخرج؟ ورُحت أسأل نفسي أسئلة وأتحدّث مع نفسي. تخيّلته يعود إليّ الآن ويدخل المنزل. تسمّرت عيناي على الباب والنوافذ. صرت أراه في كلّ زاوية من زوايا المنزل، وأبكي دون توقّف. الله وحده كان يعلم بحالي في تلك اللّحظات. لكنّ الله تبارك وتعالي أخذه إليه. استُشهد رضا مع الآخرين.في عيد الفطر الأخير، قبل أن يستشهد رضا، كنّا معاً وأمضينا أيّاماً جميلة سويّة، لكن في عيد الأضحى لم يكن رضا معنا. بكيت كثيراً في أيّام العيد ولم أستطع أن أفرح.أخذوا رضا والآخرين، وما زالت سلطات الاحتلال تحتجز جثامينهم. أنا أتعذّب كلّ يوم وأدعو الله كلّ يوم أن يُعيدوا لنا جثمانه. أريد أن أقبّل رضا وأحتضنه. أريد أن أحتضن قبره، لكنّ الاحتلال ما زال يحتجز جثمانه. في هذا الوضع أحسّ كأنّ رضا يُقتل كلّ يوم من جديد، لأنّ حتى جثمانه بعيد عنّي. أتذكره في كلّ دقيقة. لا أعرف أين هو الآن، فالاحتلال يحتجز جثمانه مثلما يحتجز جثامين عشرات الشهداء.أناشد جميع المنظمات الإنسانيّة ومنظمات حقوق الإنسان أن يتدخّلوا ليساعدونا في استعادة جثمان رضا كي نتمكّن من دفنه. أنا أعاني وجسدي المريض لا يتحمّل. لا أستطيع العيش دون أن أرى جثمان ولدي وأدفنه هنا في بلادنا وأزور قبره كأنّني أراه في كلّ يوم.أصابتني الصدمة حين أتاني خبر استشهاده، لكنّني مؤمنة بالله والقضاء والقدر. أنا أشتاق إليه كثيراً وأريد أن أحتضنه أو حتى أن ألمس قبره. أنظر إلى الباب كلّ بضعة أيّام كأنّني أنتظر عودته إليّ، وأقول: "جاء رضا، ذهب رضا". لكنّهم لم يمكّنونا من دفنه حتى اليوم. فقط إذا دفنّاه سيهدأ قلبي قليلاً، سأشعر أنّه لا يزال بيننا بشكل أو بآخر، حتى لو كان داخل قبره.
في 16.5.25 أطلق عناصر شرطة النار على الفتى محمد أبو لبدة (17 عاماً)، من سكّان البلدة القديمة، في باب السلسلة في البلدة القديمة، وأردوه قتيلًا. زعمت الشرطة أنّ أفرادها أطلقوا النار بعد أن طعن الفتى شرطيّاً وأصابه بجراح متوسّطة.تحتجز إسرائيل جثمانه.
في 17.5.25 أطلق جنود النار من كمين على نضال شغنوبي وفتيين آخرين حين كانوا يرشقون حجارة نحو شارع 60. أصيب نضال بجروح خطيرة وأصيب أيضاً صديقاه لكنّهما تمكّنا من الفرار ثمّ أخلاهما بعض الأهالي إلى سيّارتيّ إسعاف انطلقتا بهما إلى مستشفىً في مدينة نابلس. شرع الأهالي في البحث عن نضال لكنّهم لم يستطيعوا الاقتراب من المكان لأنّ الجنود الذين تواجدوا هناك أطلقوا الرّصاص في الهواء ومنعوا إخلاءه في سيّارة إسعاف.إسرائيل تحتجز جثمانه.والد نضال روى ما يلي في إفادة أدلى بها في 28.3.26 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي:عندما كان نضال في سنّ سنتين حصل الطلاق بيني وبين والدته، وبعد ذلك تزوّجت ثانية. نضال يُقيم معنا ويزور والدته مرّتين كلّ شهر ويبقى عندها عدّة أيّام.في يوم السّبت الموافق 17.5.25، نحو السّاعة 11:00، عاد نضال من زيارة استمرّت ثلاثة أيّام لدى والدته المُقيمة في مخيّم عسكر للّاجئين في مدينة نابلس. عاد مسروراً ومنفعلاً، وقد أراني بطاقة الهويّة الأولى التي أصدرت له في نابلس قبل مجيئه بيومين. طلب أن أنظر إلى صورته وأقول له كيف يبدو في الصورة. قلت له إنّه يبدو جيّداً. كان نضال متأثراً لكونه قد أصبح بالغاً يحمل بطاقة هُويّة. أنا أيضاً شعرت كذلك - لقد أصبح أطول منّي وقد واكبت سيرورة بلوغه يوماً بعد يوم. كان يحلق دائماً كي يظهر شعر شاربه ولحيته أوضح، وكنّا نضحك على هذا الأمر.نحو السّاعة 16:30 تناولنا معاً طعام الغداء، أنا وهو فقط. حدّثني عن زيارته لوالدته وقال لي إنّه قد زار أيضاً أخواله في نابلس. عند السّاعة 18:00 جاء صديقه يزن وخرج الاثنان معاً ليتجوّلا في القرية. ارتدى نضال كعادته ملابس أنيقة وتعطّر ثمّ خرج تاركاً بطاقة هويّته الجديدة في المنزل، لأنّه خاف أن تضيع منه. خرج نضال ولم يعُد.نحو السّاعة 22:00 هاتفني شخص من أهالي القرية وأخبرني أنّ نضال أصيب وعليّ أن آتي إلى الناحية الشماليّة من القرية. توجّهت إلى هناك فوراً. عندما وصلت شاهدت عدداً من الأهالي وحوالي 3-4 جنود واقفين على الشارع. سألت أحد الجنود عمّا حدث فطلب أن يرى بطاقة هويّتي. قلت له إنّني أريد أن أرى الشخص الجريح فأشار نحو كرم زيتون مُجاور وقال: "هذا مخرّب". قلت له: "أين ابني؟ أريد أن أراه" وواصلت التقدّم نحو المكان، لكنّ الجنديّ أعدّ سلاحه للإطلاق ومنعني من الاقتراب وهو يهدّد أن يُطلق النار عليّ. قلت له إنّني والده وإنّ ابني ليس سوى ولَد.اتّصل الجنديّ بشخص ما ثمّ ناولني الهاتف فكلّمني شخص قال إنّه الضابط المسؤول عن المنطقة. قال لي الضابط، باللّغة العربيّة: "صلّ من أجل ابنك وادعُ له بالرّحمة" ففهمت من كلامه أنّ نضال قد استُشهد. أردت فقط أن أرى ابني وأعرف ما الذي حدث له - كيف ولماذا أطلقوا عليه النار وأين أصيب.كانت هناك أيضاً مركبات عسكريّة وسيّارة إسعاف تابعة لـ "نجمة داوود الحمراء"، على شارع 60 المجاور. أسندني بعض السكان وحاولوا تهدئتي. هاتفت مكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ فقالوا إنّ مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ قد أطلعهم على الحادثة وأخبرهم بوفاة ابني. سألتهم عن موضع الإصابة في جسد ابني فقالوا إنّه لا معلومات لديهم بهذا الخصوص.أنا أعاني من مصاعب نفسية منذ استشهاد نضال - أميل إلى الانزواء وأتصعّب في العمل رغم انّني مسؤول عن إعالة أسرتي. لا يوجد لي مصدر دخل ثابت وأسرتي تعيش في ضائقة اقتصاديّة صعبة جدّاً.لم أرَ ابني حتى هذا اليوم. لم يسمحوا لي أن أراه بعد أن أصيب، ولا بعد أن فارق الحياة. عندما كان ملقىً في داخل الكرْم لم يسمحوا لي أن أقترب منه أو أنظر إليه وما زلت لا أعلم أين أصيب في جسده. لم يُعيدوا لنا جثمانه ولم يسمحوا لنا بأن نلقي عليه نظرة وداع أو أن نشيّعه إلى مثواه الأخير.
في 2.6.25 أطلق جنود الرّصاص من كمين نصبوه في أرض زراعيّة مجاورة لشارع 5056، قرب قرية سنجل، وقتلوا الفتى يوسف فقها. وفقاً لإفادة أدلى بها أمام بتسيلم شخص يُقيم بالقرب من موقع الحادثة، ووفقاً لتوثيق الحادثة في تسجيلات كاميرات المراقبة في منزل الشاهد، يظهر أنّ مجموعة كبيرة من الجنود قد نصبت كميناً في الموقع منذ ساعات الصّباح؛ وعند السّاعة 13:32 سُمعت طلقتا رصاص، ثمّ بعد مضيّ نحو 7 دقائق أطلقت رصاصتان أخريان. وتُظهر التسجيلات بعد إطلاق الرّصاص جنديّين يقفان فوق يوسف فقها وهو ملقىً على الأرض جريحاً. بعد مضيّ عشر دقائق على إطلاق الرّصاص في المرة الثانية جاءت ثلاث سيّارات إسعاف عسكريّة، غطّى الجنود جسد يوسف فقها وحملوه إلى إحدى سيّارات الإسعاف. فورَ تحرّك سيّارات الإسعاف مُغادرة، توجّه جنديان إلى المنزل المُجاور وطلبا مشاهدة تسجيلات كاميرات المُراقبة. وفقاً لإفادة الشاهد، حين نظر إلى التسجيلات سويّة مع الجنود رأى الفتى يوسف فقها، قبل سماع صوت الطلقتين الأوليين بنحو دقيقة واحدة، يسير في اتّجاه شارع 5056 ثمّ يعود إلى الوراء بضعة أمتار ويختبئ بين أشجار الزيتون مدّة 7 دقائق تقريباً؛ وفي تلك الأثناء مرّت في الشارع ثلاث سيّارات تحمل لوحات ترخيص إسرائيليّة ولم يتعرّض لها يوسف فقها بأيّ شكل من الأشكال. قام الجنود بمحو التسجيلات بعد أن أعادوا مشاهدتها عدّة مرّات. في أعقاب الحادثة زعم الجيش أنّ يوسف فقها حاول رشق حجارة نحو الشارع.لا يزال جثمان يوسف محتجزاً لدى إسرائيل.أدناه إفادتان سجلهما باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة، من صاحب المنزل المُجاور ومن والد الفتى يوسف فقها.أحد سكّان القرية (45 عاماً)، أدلى بإفادته غداة الحادثة قائلاً:أنا أقيم في حيّ المزيرعة، في الجهة الشماليّة من بلدة سنجل. يقع منزلي على شارع 5056 المؤدّي إلى شارع 60 وإلى مستوطنتي "معليه لِفونا" و"جِفعات هروئيه". شارع 60 معروف أيضًا باسم "شارع نابلس القديم".في الأيّام العشرة التي سبقت الحادثة، أي منذ يوم السّبت المُوافق 24.5.25، لاحظت حركة جنود غير عاديّة حول منزلي، وذلك في أعقاب ادّعاءات مستوطنين بشأن رشق حجارة نحو سيّارات. خلال الأيّام المذكورة اقتحم الجنود منزلي عدّة مرّات لأنّني قمت بتركيب كاميرات مراقبة بهدف حماية المنزل بعد هجمات شنّها مستوطنون.في يوم الاثنين المُوافق 2.6.25، لاحظتُ منذ ساعات الصّباح تواجدًا وتحركات لجنود حول منزلي وفي داخل الأرض الزراعيّة المُقابلة لمنزلي وتبعد عنه مسافة 20-25 متراً. خشية أن يقتحم الجنود منزلي مرّة أخرى، أرسلت رسالة تنبيه إلى مجموعة القرية.عند السّاعة 12:54، بينما كنت واقفاً على سطح المنزل، رأيت أربعة جنود يجلسون في الأرض الزراعيّة المقابلة لنا ويموّهون أجسادهم بواسطة قطع قماش بألوان الصحراء. بعد دقائق معدودة شاهدت أيضاً طائرة مُسيّرة، ثمّ نزلتُ عن السّطح ودخلتُ المنزل.عند السّاعة 13:32 سمعت طلقتين بفارق بضع ثوانٍ بين الأولى والثانية. خرجت إلى السّاحة لكني لم أشاهد شيئاً. بعد ذلك نظرت عبر النوافذ ولم ألحظ أيّة تحرّكات استثنائيّة.عند السّاعة 13:39 هاتفت أحد أصدقائي وطلبت منه أن ينشر تنبيهاً للأهالي، خشية حدوث اقتحام عسكريّ. بعد ذلك فوراً، عندما خرجت مرّة أخرى إلى السّاحة، سمعت طلقتين أخريين وكان دويّهما أكثر قوّة وأقرب مكاناً. شاهدت جنديّين يهبطان من الأرض الزراعيّة في اتجاه الشارع وسمعت أحدهما يقول للجنديّ الثاني باللّغة العبريّة "من هُنا، تعال".دخلت إلى المنزل ورُحت أتابع ما يجري عبر شاشات كاميرات المُراقبة. شاهدت شخصاً جريحاً ملقىً تحت شجرة على بُعد 10-15 متراً من المنزل وكان الجنديّان يقفان بجانبه لمدّة دقيقة أو دقيقتين، ثمّ يعودان إلى الأرض الزراعيّة.نحو السّاعة 13:50 جاءت مركبتان عسكريّتان، إحداهما مركبة طبّية. أخرج الجنود نقّالة وغطّوا الجريح. عند السّاعة 14:13 نقلوه إلى سيّارة إسعاف كانت قد جاءت قبل ذلك بوقت قصير، ثمّ غادرت سيّارات الإسعاف المكان.بعد ذلك مباشرة جاء أربعة جنود إلى منزلي، دخلوا المنزل وألقوا قفّازات في سلّة النفايات. طلب الجنود أن أريهم تسجيلات كاميرات المُراقبة وأن أرْجع الشريط إلى الوراء. شاهدنا في التسجيلات فتىً صغيراً بملابس سوداء يمشي في طريق زراعيّة ويصل إلى محاذاة الشارع ثمّ يعود إلى الوراء ويقف تحت شجرة زيتون، قرب سور حجريّ منخفض، لمدّة 7 دقائق تقريباً. خلال ذلك الوقت، مرّت في الشارع سيّارات ولم يحدث أي شيء.جاء جنود آخرون وسألوا هل يظهر شيء في أشرطة التسجيل فأجابهم الجنود الذين شاهدوا التسجيلات: "كلا، فقط أنّه خلف الشجرة". صوّر أحد الجنود الفيديو ثمّ حاولوا أن يمسحوا التسجيلات.بعد ذلك جاء شرطيّ حرس حدود وأراني في الهاتف صورة الفتى الجريح، الذي بدا أنّه قد فارق الحياة. عرفت أنّه شخص من عائلة فقها ولكن قلت إنّني لا أعرفه.لاحقاً جاء ضابط، أثنى على أحد الجنود قائلاً: "قد أبليت بلاءً حسناً". بعد ذلك أمروني أن أبقى في الغرفة في حين كانوا يُواصلون الفحص. قاموا أيضاً بفحص هاتفي وسألوني هل صوّرت شيئاً.ظلّ الجنود في المنزل حتى السّاعة 15:20 تقريباً ثم غادروا، وفورَ ذلك أبلغت السلطات الفلسطينيّة وأرسلت رسالة إلى أهالي القرية كي أطمئنّ على أولادهم. عندما فحصت الكاميرات تبيّن لي أنّ جميع التسجيلات قد مُسحت.بعد نحو سّاعة نشرت وسائل إعلام إسرائيليّة أنّ الجيش قتل "مخرّباً في الـ 16 من عُمره" كان يرشق حجارة - وهذا يُناقض تماماً ما شاهدتُه في التسجيلات. وبعد الحادثة بنحو سّاعتين علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ الفتى المغدور هو يوسف عبد الكريم فقها (14 عاماً). ما زال جثمانه محتجزاً لدى السّلطات الإسرائيليّة.والد يوسف (48 عاماً)، أب لستّة، قال في إفادة أدلى بها في 10.6.25:أنا مُزارع، ونحن نُقيم في بلدة سنجل الواقعة شمال شرق رام الله. أنا وزوجتي أنجبنا ستّة أولاد، ثلاثة منهم تحت سنّ الـ18 بمن فيهم يوسف.وُلد المرحوم يوسف في 12.8.2010. كان تلميذاً في الصف التاسع في مدرسة البنين الثانوية في سنجل. كان يحبّ السيّارات كثيراً، خاصّة BMV، وكان يرغب أن يُصبح ميكانيكيّ سيّارات ولذلك خطّطنا لنقله إلى مدرسة صناعيّة.في يوم الاثنين المُوافق 2.6.25، نحو السّاعة 13:00، علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ ولداً قد أصيب في الجهة الشماليّة من البلدة، لكن لم يُعلنوا من هُو. نحو السّاعة 14:00 أخذت ترد أخبار أنّ الجريح هو ابني محمد (16 عاماً)، لكنّ محمد كان في ذلك الوقت في المنزل جالساً قبالتي. اتّصلوا بي من البلديّة للتحقّق من الخبر فقلت لهم إنّ محمد جالسٌ قبالتي، وأعطيتهم رقم هُويّته لكي يتأكّدوا.في ذلك الوقت لم يكن يوسف في المنزل، لكنّني ظننت أنّه موجود في مركز البلدة ولم يخطر في بالي أنّه في الناحية الشماليّة من البلدة. بعد نحو سّاعة، قرابة السّاعة 15:00، أخذت ترد أخبار أنّ الجيش أخطأ في التعرّف وأنّ الفتى الجريح هو ابني يوسف.في تلك المرحلة اتّصلوا بي مرّة أخرى من البلديّة وأخبروني أنّ الجيش تواصل مع مكتب التنسيق الفلسطينيّ وطلب أن يأتي رئيس البلديّة وحده إلى معسكر حوّارة من أجل التعرّف على الفتى. طلبت البلديّة منّي مُستند تعريف آخر يؤكّد هويّة ابني يوسف، للتعرّف عليه. سافر رئيس البلديّة إلى معسكر حوّارة وهناك تعرّف على الفتى المغدور وأكّد أنّه ابني يوسف.مرّ أكثر من أسبوع وحتى الآن لم تسلّمنا السلطات الإسرائيليّة جثمان ابني، ولذلك لم نُقم بيت عزاء لاستقبال المعزّين. نحن جميعاً - أبناء أسرته وأصدقاؤه - لم نلق عليه نظرة وداع كما ينبغي. حتى الآن لا أعرف أين هو ولا ماذا فعلوا بجثمانه؛ جميع الإجراءات تتمّ عبر البلديّة. أنا أطالب بحقّي في تسلّم جثمان ابني كي نلقي عليه نظرة وداع أخيرة ثمّ نشيّعه إلى مثواه الأخير.لا شيء يمكنه أن يبرّر قتل فتىً في الـ 14 من عمره.
في 23.6.25 أطلق جنود النار من داخل مركبة "جيب" مدرّعة نحو عمار حمايل بعد أن رشق حجراً نحو المركبة من تلّة تُشرف على الشارع. فرّ صديقه الذي كان معه من المكان حين رآه يسقط أرضاً. تمّ إخلاء عامر، الذي كان قد فارق الحياة، في سيّارة إسعاف فلسطينيّة وصلت إلى المكان بعد تنسيق مع مكتب التنسيق والارتباط. أقرّت وفاته في مستشفىً في مدينة رام الله.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة إفادات حول الحادثة.صديق عمار قال في إفادة أدلى بها في 25.6.25:في يوم الإثنين المُوافق 23.6.2025، عند السّاعة 14:15، هاتفني صديقي عامر وطلب أن ألاقيه عند السّاعة 14:30 في وسط القرية. نهضت فوراً، رتّبت أموري وتوجّهت إلى هناك. التقينا وذهبنا سويّة إلى مقهى في وسط القرية يملكه عمّه محمد حمايل، اسمه "مقهى اللّيغا". شرع عامر ينظّف ويجهّز المقهى لاستقبال الزبائن، وفي أثناء عمله تحدّثنا عن أوضاعنا في فلسطين.عندما أنهى عمار تجهيز المقهى ليفتح أبوابه عرض عليّ أن نذهب لنشرب شيئاً في مكان يقع في غرب المدينة اسمه "مِسْك". ذهبنا إلى هناك راجلَين ثمّ وجدنا المكان مغلقاً. اقترح عمار أن نذهب إلى منطقة تطلّ على شارع 449. خرجنا إلى تلك المنطقة راجلَين أيضاً وعندما وصلنا إلى أرض زراعيّة تبعد عن الشارع مسافة 150-200 متر، أشار عمار يلفت انتباهي إلى جنود يرتدون الزيّ الأسود كانوا هناك. شاهدت أيضاً مركبة شرطة إسرائيليّة، باللّونين الأزرق والأبيض، متوقّفة قبالتنا.وضع أحد الجنود بندقيّته على المركبة بوضعيّة قنص وصوّب السلاح نحو المكان الذي كنّا فيه. اختبأنا فوراً على تلّة عالية بحيث لا يمكن رؤيتنا من الشارع أو من الطرف الجنوبيّ للشارع الرئيسيّ الذي كان فيه الجنود. اختبأنا وصرنا من حين لآخر نطلّ لنراقب مركبة الشرطة - مرّة أنا ومرّة عمار، كي نرى هل غادروا أم لا.بعد نحو 10 دقائق غادرت مركبة الشرطة في اتّجاه تل العاصور، لكنّ عمار ظلّ قلقاً. قال لي إنّه يحسّ بوجود جيش في المنطقة. رغم ذلك تقدّمنا قليلاً حتى أصبحنا على مسافة 100-150 متراً من شارع 449. وقفنا فوق تلّة أعلى من الشارع قليلاً، ومن تحتنا كانت تلّة أقلّ ارتفاعاً ومن خلفها الشارع.في تلك اللحظة شاهدنا سيّارة بيضاء تصعد من "شارع ألون" / عين سامية في اتّجاه تل العاصور. أعتقد أنّها كانت سيّارة مستوطنين لأنّ الشارع يُعتبر شارعاً أمنيّاً ولا يُسمح للفلسطينيّين بالمرور منه. كانت السيّارة تسير بشكل غريب وليس بشكل مستقيم كالمعتاد، لكنّها واصلت في اتّجاه تلّ العاصور. أعتقد أنّ المستوطنين الذين كانوا فيها قد انتبهوا إلى وجودنا في المكان.تابعنا الجلوس في مكاننا، وبعد 10 دقائق تقريباً على مرور السيّارة البيضاء المذكورة شاهدنا مركبة عسكريّة ترفع علم إسرائيل قادمة من الشرق متّجهة نحو معسكر تل العاصور. هذه المركبة نحن نعرفها. نسمّيها "دوريّة الأعلام" بسبب علم إسرائيل المرفوع عليها، وهي معروفة عندنا في القرية على أنّها السيّارة التي تقلّ عادة أكثر الجنود عُنفاً وشرّاً.في تلك اللحظة اتّصل بي والدي فرجعت بسُرعة مسافة 30-40 متراً في اتّجاه القرية. أجبت على المكالمة، وعندما سألني أين أنا قلت له إنّني ألعب كرة قدم مع عمار في ملعب القرية. قلت ذلك لأنّني خفت كثيراً.في أثناء المكالمة نظرت نحو عمار فوجدته ينظر إليّ. كان لا يزال واقفاً في المكان نفسه حيث تركته، أقرب إلى الشارع الالتفافيّ. ثمّ عندما استدرت في اتّجاه القرية سمعت فجأة طلقتين فاستدرت مجدّداً نحو عمار وإذ به قد صار مطروحاً على الأرض. انطلقت أركض فارّاً من المكان في اتّجاه القرية عبر الأراضي الزراعيّة. أثناء الرّكض سمعت شخصاً يصرخ بصوت عالٍ "توقّف!"، لكنّني واصلت الفرار ولم أنظر إلى الوراء.عندما وصلت إلى منازل القرية اتّصلت بعمار فلم يردّ. وحيث أنّه بعد أن وقع ظلّ دون حراك ولم يصدر عنه صوت، استنتجت أنّ إصابته كانت قاتلة، أي أنّه فارق الحياة. وفعلاً، سمعت لاحقاً أنّه استُشهد فذهبت إلى مجمّع فلسطين الطبّي لكي أودّعه.عاهد سميرات (48 عاماً)، من سكّان سلواد، وهو المُسعف الذي أخلى عامر إلى المستشفى، قال في إفادة أدلى بها في 26.6.25:في يوم الثلاثاء المُوافق 24.6.25، نحو السّاعة 17:30، اتّصل شبّان من قرية كفر مالك وأبلغوني عن جريح يحتجزه الجيش قرب الشارع الالتفافي المارّ جنوبيّ القرية.توجّهت إلى هناك من سلواد في سيّارة إسعاف ومعي المُسعف سهيل حامد وابني المُسعف محمد سميرات. ذهبنا عن طريق قرية دير جرير. وصلنا إلى المدخل الغربي - الرئيسيّ لقرية كفر مالك، القريب من معسكر الجيش المسمّى "تلّ العاصور". هذا المدخل مغلق ببوّابة حديديّة منذ أكثر من سنة. توجّهت إلى هناك لأنّ الشبّان قالوا إنّ جيش الاحتلال سوف يسلّمني الجريح هناك.عندما وصلنا، خلال خمس دقائق، رأينا هناك سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطينيّ، ولكن لم نشاهد أيّة قوّات من جيش الاحتلال.استغرقنا العثور على الجريح وقتاً، وفي النهاية فهمنا أنّه موجود قرب الشارع الالتفافيّ الموصل بين "شارع ألون" ومعسكر الجيش "تل العاصور". توجّهت في سيّارة الإسعاف إلى هناك رغم أنّه شارع أمنيّ وينتشر على جانبيه عدد من البؤر الاستيطانيّة، حتى وصلت إلى حُرش كثيف. كانت متوقّفة على طول الشارع الالتفافيّ أربع مركبات عسكريّة ومركبة "تندر" عسكريّة بيضاء اللّون. لم أشاهد سيّارات إسعاف إسرائيليّة أو مركبة عسكريّة طبّية.اعترضت المركبة العسكريّة الأولى طريقنا وأعاقتنا طوال خمس دقائق. بعد ذلك وجّهني جنديّ إلى المركبة الأخيرة وهناك أمرني جنديّ أن أعود إلى وسط الشارع. عدت إلى الوراء، توقّفت وخرجت. فوراً تقدّم منّي جنديّ عرّف عن نفسه باللّغة العبريّة، قال لي إنّ الجريح قد فارق الحياة وطلب منّي أن أجلب سرير الإسعاف (النقّالة). بعد ذلك أشار نحو تلّة عند الطرف الشماليّ للشارع، لجهة كفر مالك.سِرنا إلى حيث أشار، مشيًا - أنا والمُسعف سُهيل وابني محمد. مشينا مسافة 100-150 متراً ووصلنا إلى تلّة مرتفعة قليلاً عن الشارع. أشار أحد الجنود معيّناً بالضبط المكان الذي يوجد فيه الجريح، وعندما وصلنا إلى هناك - عند السّاعة 18:05، رأيت فتىً ملقىً على الأرض مطروحاً على ظهره. كان يرتدي بنطالاً أسود وينتعل في إحدى قدميه "شبشب" وقدمه الأخرى حافية. كان صدر الفتى مكشوفاً ويبدو كأنّ أحدهم قد مزّق قميصه، لكنني لم أجد ما يدلّ على إجراء أيّ تدخل إسعافيّ - شاش طبّي، كفوف أو معدّات طبّية تدلّ على محاولة تقديم إسعاف أوّليّ. كان هناك جنديّ عرّف عن نفسه قائلاً إنّه طبيب، لكنّه لم يكن يرتدي كفوفاً. لم يُظهر الفتى أيّاً من علامات الحياة.رأيت النمل قد اعتلى جسد الفتى فاستنتجت من ذلك أنّه ملقىً هناك منذ وقت طويل.فحصت الفتى فوجدت ثُقباً صغيراً، مدخل الرّصاصة، فوق منتصف القلب بقليل. ورأيت ثُقباً آخر كبيراً، مخرج الرّصاصة، على يسار عُنقه من الأمام. عندما وضعناه على النقالة أخذ الدم يخرج من جسمه، وهذا يدلّ على وجود نزيف داخليّ.أخذناه إلى سيّارة الإسعاف وانطلقنا به إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. عند وصولنا أقرّ الأطبّاء وفاته رسميّاً. بعد أن أجروا له صور CT وصور أشعّة أكّد لي أحد الأطبّاء أنّ الرّصاصة دخلت جسد الفتى من الظهر واخترقت قلبه ثمّ خرجت من عُنقه. لاحقاً علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ الشهيد هو عمار حمايل (14 عاماً) من كفر مالك.معتزّ حمايل (46 عاماً)، والد عمار، أب لأربعة، أدلى بإفادته في 25.6.25 فقال:أعمل موظّفاً حكوميّاً في جهاز الأمن الفلسطينيّ، وأربّي أيضاً الأغنام لتشكّل لنا مصدر دخل إضافيّ.كان ابني المرحوم عمار تلميذاً في الصفّ السّابع في مدرسة البنين في كفر مالك. عموماً، كان تلميذاً متفوّقاً يحصّل علامات ممتازة. وقد تلقّى طوال أربع سنوات تدريبات "مواي تاي" (ملاكمة تايلنديّة) ومثّل منتخب الـ"مواي تاي" الفلسطينيّ ثلاث مرّات ونال ميدالية برونزيّة عالميّة في العام 2023، إضافة إلى ميداليات وكؤوس نالها في بُطولات محلّية. كان طموحه أن يواصل مسيرته الرياضيّة ليُصبح محترفاً على المستوى العالميّ.في يوم الإثنين المُوافق 23.6.25، ما بين السّاعة 12:30 والسّاعة 13:00، حين كنت في عملي في مكتب الوزارة في الطيبة، اتّصل بي عمار وقال إنّه رأى السجائر التي أدخّنها متوفّرة في القرية ويريد أن يشتري لي علبة، لأنّه سمعني أتذمّر من انقطاع هذا النوع في القرية. طلبت منه أن يشتري لي علبة ويضعها في منزل جدّته، في وسط القرية، قبل أن يخرج لقضاء الوقت مع أصدقائه.أنهيت عملي عند السّاعة 14:40 وسافرت عائداً إلى كفر مالك. عندما وصلت إلى منزل والدتي وجدت علبة السجائر وقد وضعها عمار على طرف النافذة. استرحت قليلاً وتناولت طعام الغداء، وبعد ساعة تقريباً أخرجت الأغنام إلى المرعى. ظننت أنّ عمار وأصدقاءه يلعبون في القرية في ذلك الوقت.نحو السّاعة 16:40 هاتفني صديق لي وحدّثني عن إطلاق نار في الجهة الجنوبيّة من القرية، قرب شارع 449 الالتفافيّ. لم أكترث للأمر كثيراً وتابعت رعي الأغنام بصحبة صديق آخر من القرية.عند السّاعة 17:00 اتّصلت بي زوجتي وقالت إنّ عمّار غائب عن المنزل منذ وقت طويل وهي لا تعرف أين هو. حاولت الاتصال به مرّات كثيرة حتى فُتح الخطّ أخيراً نحو السّاعة 17:30، ولكن ردّ عليّ شخص يتحدّث العبريّة عرّف عن نفسه قائلاً إنّه الضابط "أبو النّمر". سألته هل ابني عمار عنده معتقداً أنّه معتقل. سألني "من أنت؟" فقلت له إنّني والد عمار. سألني ما اسمي فقلت له "معتزّ مصطفى". عندئذٍ قال لي إنّ عمار قد أصيب بجروح طفيفة وأغلق الخطّ.طلبت من صديقي الذي رافقني إلى المرعى أن يتّصل بهاتف عمار فأجاب الشخص نفسه وعرّف عن نفسه قائلاً "أبو النّمر". ابتعد عنّي صديقي بضعة أمتار وواصل الحديث مع الضابط. تحدّث الاثنان مدّة خمس دقائق تقريباً. لكن عندما ابتعد صديقي لكي يتحدّث مع الضابط، راودني إحساس بأنّ عمار قد استُشهد.عندما أنهى صديقي المكالمة سافرت إلى منزلي في وسط القرية ومن هناك سافرت في سيّارة صديق لي إلى مدخل القرية الرئيسيّ الذي يُفضي إلى شارع 449 الالتفافيّ، علماً أنّ المدخل مغلق.توجد نقطة عسكريّة في بداية الشارع الذي يؤدّي من المدخل الرئيسيّ إلى داخل القرية، والجيش يمنعنا من الاقتراب. أوقفنا السيّارة قبالة الجنود على بُعد 10-15 متراً منهم وقلت لهم إنّني والد الفتى الجريح. عندئذٍ تقدّم إليّ جنديّ يتحدّث العربيّة وطلب بطاقة هُويّتي. بعد ذلك قال لي إذا كنت أريد أن أرى ابني عمار عليّ أن أطلب من شبّان القرية الابتعاد عن المنطقة.طلبت من الشبّان أن يبتعدوا ومن ثمّ سمح لي الجنود بالاقتراب. رافقني ذلك الجنديّ مع أربعة جنود آخرين إلى شارع 449. من المكان الذي وقفت فيه مع الجنود شاهدت سيّارة إسعاف ولكن لم أتمكّن من تمييزها، هل هي فلسطينيّة أم إسرائيليّة.قلت للجنود إنّني أريد أن أرى ابني. قال لي الجنديّ الذي يتحدّث العربيّة إنّ سيّارة الإسعاف قد أخذته إلى المستشفى. سألت الضابط عن موضع إصابة ابني عمار فأجاب إنّه لا يعرف وقال إنّ المستشفى سوف يتّصل بي ويُطلعني على حالة عمار. بعد ذلك أعاد لي بطاقة هُويّتي وطلب منّي مغادرة المنطقة.كنت ما زلت لا أعلم أنّ عامر قد استُشهد. سافرت إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وفي الطريق إلى هناك اتّصل صديق بي وأخبرني أنّ عمار قد فارق الحياة نتيجة إصابته برصاصة اخترقت ظهره وخرجت من عُنقه.في اليوم التالي، 24.5.25، شيّعنا عمار إلى مثواه الأخير في المقبرة الشماليّة في القرية.
في 25.6.25 اقتحم جنود بلدة اليامون، وفي الوقت نفسه تقريباً جاء الفتى ريان حوشيّة وابن عمّه الفتى أيضاً، إلى صالون حلاقة في وسط البلدة ووجدوه مغلقاً. في تلك الأثناء اندلعت في المنطقة مُواجهات تخلّلها إطلاق نار، إلقاء عُبوات بدائيّة الصّنع ورشق حجارة من قبل الأهالي نحو الجنود. عندما علم ريان وابن عمّه أن الجيش قد داهم المنطقة وأن الجنود قد استولوا على منزل في المنطقة، دخل الفتَيان إلى شارع فرعيّ، دون أن يعلما أنّ مجموعة جنود قد تموضعت على سطح مبنىً مُجاور. عندما وصلا إلى زاوية الزقاق المُقابل للمنزل أطلق أحد الجنود النار عليهما من مسافة 30-40 متراً وأصاب ريان حوشيّة الذي وقع أرضاً على الفور. فرّ ابن عمّه من المكان، بينما قام السكان بإخلااء ريان إلى سيّارة إسعاف انطلقت به إلى المستشفى، حيث أعلنت وفاته. سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي الإفادات التالية: ابن عمّ ريّان حوشيّة أدلى بإفادة في 26.6.25 فقال: في يوم الأربعاء المُوافق 24.6.25، نحو السّاعة 15:30 ذهبت مع ابن عمّي ريان حوشيّة من حارتنا في غرب بلدة اليامون متّجهين إلى صالون حلاقة في وسط البلدة، قرب المسجد القديم. عندما وصلنا إلى صالون الحلاقة وجدناه مغلقاً ولم نعرف ما السّبب. في الوقت نفسه تقريباً، داهمت قوّات من الجيش البلدة، وخاصّة المنطقة الشرقيّة منها، وقد علمت أنّهم اقتحموا أحد المنازل بهدف اعتقال شابّ "مطلوب". اندلعت مُواجهات بين الشبان وقوّات الجيش الإسرائيليّ، وضمن ذلك إطلاق نيران من قِبل شبان مسلّحين، تفجير عُبوة ناسفة ورشق حجارة نحو مركبات عسكريّة. دخلت مع ريان إلى شارع فرعي قريب من المسجد القديم، ولم نعرف أنّ هناك جنودًا على سطح أحد منازل عائلة عبد المالك. عندما وصلنا إلى زاوية شارع تبعد 30-40 متراً غربيّ المكان الذي تواجد فيه الجنود أخذ أحد الجنود يُطلق النيران نحونا. كنت آنذاك أسبق ريان بخطوتين أو ثلاث، وقد تمكّنت من الفرار حين سمعت صوت الرّصاص. أمّا ريان فقد أصابه الرّصاص وسقط أرضاً. علمت أنّ عدداً من الأهالي أخلوا ريان إلى سيّارة إسعاف كانت تنتظر في المكان، وقد رأيناها قبل إطلاق النيران. كذلك علمت أنّه استُشهد جرّاء إصابته بالرّصاص في الرأس والعُنق وأماكن أخرى من جسمه. بعد تسلّم جثمانه من المستشفى شُيّع ريان إلى مثواه الأخير. شاهد عيان آخر، من سكّان اليامون، أدلى بإفادته في 26.6.25 قائلاً: عصرَ يوم الأربعاء المُوافق 25.6.25 حين كنت واقفاً خارج منزلي، أثناء مداهمة قوّات الجيش الإسرائيليّ للبلدة، كانت سيّارة إسعاف تقف في مكان قريب. اقتحمت القوّات منزل شابّ "مطلوب" يقع شرق مركز القرية، وكانت مركبات عسكريّة تجوب شوارع وأزقّة البلدة. رشق شبّان حجارة وعُبوات بدائيّة الصّنع نحو المركبات العسكريّة، وسمعت في الشوارع إطلاق رصاص حيّ وانفجار قنابل صوت وقنابل غاز مُسيل للدّموع. نحو السّاعة 15:30 شاهدت فتيين اثنين يمرّان أمام منزلي. آنذاك لم أعرف أنّ هناك جنود على أحد الأسطُح قبالتنا. عندما أصبح الاثنان في مكان يمكن رؤيتهما من ذلك السّطح - فجأة أطلقت نحوهم من هناك بضع أعيرة ناريّة. تمكّن أحد الفتيين من الفرار شمالاً، لكنّ الفتى الثاني، ريّان، أصابته عدّة رصاصات، إحداها في العُنق. مشى الفتى عدّة خطوات إلى الوراء ثمّ وقع أرضاً، على بُعد نحو 15 متراً منّي. ركضت إليه مع آخرين من الأهالي وطواقم الإسعاف، ومن ثمّ أخلاه المُسعفون إلى "مركز الهدف الطبّي" في اليامون. بعد نحو رُبع ساعة من إطلاق النار على ريّان غادر الجنود البلدة، دون أن يعتقلوا أحداً. زكيّة حوشيّة (39 عاماً)، والدة ريان، أمّ لخمسة، أدلت بإفادتها في 26.3.26 فقالت: ما زلت أذكر كيف استيقظ ابني ريان في يوم الأربعاء المُوافق 25.6.25، وبعد أن تناول فطوره سافر مع والده إلى جنين لأنّ زوجي، تامر، أراد شراء خضار وفواكه لدكّانه. عاد الاثنان من جنين قرب الظهر. بعد أن تناولنا طعام الغداء أعددت لعائلتي صحن فواكه وبطّيخ، ولاحقاً انضمّ إلينا أصدقاء ريان. جلسنا معاً وتناولنا الفواكه. كنّا مسرورين في جوّ من الفرح. نحو السّاعة 14:30، ونحن في المنزل، في غرب اليامون، علمنا عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ قوّة عسكريّة قد داهمت البلدة. في ذلك الوقت كان ريان قد استبدل ملابسه وخرج مع أصدقائه ليلعبوا ويُمضوا الوقت في البلدة، كعادتهم. نحو السّاعة 16:00 تداولت شبكات التواصُل أخباراً عن شابّ من بلدتنا أصيب وأخلي إلى المستشفى في جنين. بعد لحظات، عاد ابني أنور (17 عاماً) إلى المنزل وأخبرني أنّ الشابّ الذي أصيب هو ريان، وقد استُشهد. وقع عليّ هذا النبأ المُفجع كالصّاعقة وأصابني دُوار شديد. حين هممت بالخروج من المنزل فقدت وعيي ووقعت أرضاً من شدّة الصّدمة. خلال بضع دقائق أخذ الناس يتجمّعون في منزلنا، أقارب وجيران، وكان يبدو عليهم أنّهم تلقّوا وحققوا من نبأ استشهاد ابني ريان. كان ريان يحبّ الحيوانات وقد اعتدنا أن يجلب إلى المنزل أيّ جرو يجده. كان يعتني به ويعطيه حليباً ليشرب حتى يكبر، وكان يدرّبه. كان يستمتع بذلك كثيراً. كان ريان يحبّ أخته لُجَيْن (7 سنوات). هي وحيدة وكان يدلّلها كثيراً ويعتني بها بشكل غير عاديّ. كان يُعاملها بصبر ولُطف ويوليها أشدّ الاهتمام. لم يكن يسمح لأيٍّ كان أن يضايقها أو يؤذيها. كان ريان ذا قلب طيّب. حتى أنّه كان إذا غضب أو احتدّ لأمرٍ ما، راجع نفسه واعتذر فوراً إذا وجد أنّه أخطأ بحقّ أحدهم؛ لكنّه من جهة ثانية كان جريئاً يعبّر عن آرائه بشجاعة. منذ أن استُشهد ريان أفكّر فيه كلّ يوم وأبكي على فقدانه. في غياب ريان غاب الفرح عن منزلنا.
في 1.7.25 أطلق جنود النار على الفتى أمجد عوّاد (16 عاماً) وقتلوه، خلال مواجهات مع فتيان وشبّان رشقوهم بالحجارة وأطلقوا مفرقعات ناريّة نحو قوّات إسرائيليّة في دوّار المنارة في وسط البلد، وذلك بعد أن داهمت القوّات المدينة واعتقلت أربعة فلسطينيّين.
في 6.7.25 أطلق جنود النار على فِتيان رشقوا حجارة نحو قوّات إسرائيليّة أثناء انسحابها من مخيّم عسكر للّاجئين في نابلس لدى انتهائها من مُداهمة للمخيّم. أصيب جرّاء نيران الجنود الفتى إياد شلختي وفَتيان آخران. نُقل إياد في سيّارة خاصّة إلى مستشفى رفيديا في نابلس، وبعد ثلاثة أيّام توفّي متأثّراً بجراحه.شُروق شلختي (32 عامًا)، والدة إياد، أم لخمسة، أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي في 7.8.25 فقالت:تزوّجت وأنا في سن 15 عامًا وأقمت مع زوجي طيلة سنوات في غرفة في منزل والديه، في ظروف صعبة للغاية. كان إياد مولودي الأوّل، وحين وُلد، في العام 2011، كان أوّل فرحة في حياتي. كان الشيء الجميل الوحيد الذي خفّف عنّي أعباء السّنين. أولادي هُم كلّ عالمي. لا أريد من هذه الحياة شيئاً سوى أن يكبروا وتتحسّن حياتنا.قبل أربع سنوات أصيب زوجي بسرطان العظام، ومنذ ذلك الحين أخذت حالته الصحّية تتدهور بشكل كبير. لم تعد لديه قدرة على العمل وهو يحتاج إلى رعاية جسديّة ونفسيّة مكثّفة. في هذه الظروف اضطرّ ابني إياد إلى ترك المدرسة رغم صغر سنّه. أجبرته الظروف على أن يكبر بسُرعة. بدلاً من أن يذهب إلى المدرسة أو يلعب مثل أبناء جيله، صار يعمل كي يعيلنا ويعيل إخوته. لم يكن لدينا أيّ مصدر دخل آخر، فإذا وجد إياد عملاً أكلنا وإن لم يجد بقينا بلا طعام.كان إياد يعمل في جمع زُجاجات المشروبات الفارغة، ويبيعها في أكياس مقابل 10 شواقل فقط لكلّ كيس. كان يخرج للعمل عند السّاعة 4:00 فجراً ويعود في الـ10:00 صباحاً. أحياناً كان يخرج مرّة ثانية في المساء ليعمل بضع ساعات إضافية ويكسب 30 شاقلاً تقريباً. كان يحبّ أن يلعب البلياردو وكرة القدم.في يوم الأحد المُوافق 5.7.25، نحو السّاعة 16:00، خرج إياد من المنزل كي يجمع الزجاجات. نحو السّاعة 21:00، وأنا في المنزل، أحسست كأنّ شيئاً يخنقني. عندما جاء حمي ونادى زوجي بأن يدخل إليه في منزله، شعرت بأنّ شيئًا قد حدث. لم أتابع أيّة أخبار لأنّنا لسنا مرتبطين بشبكة الإنترنت.عندما عاد زوجي من الخارج أخبرني أنّ إياد قد أصيب. أخذت أصرخ وأرجو الله أن يحفظ لي ابني. توجّهت إلى المستشفى وعندما وصلت كان إياد في قسم الطوارئ. قالوا لي إنّه مُصاب في رجله فظننت أنّه سوف يشفى. حتى أنه تحدّث معي. قال لي إنّه يشعر بألم في رأسه وبطنه.قيل لي إنّه يحتاج إلى عمليّة جراحيّة طويلة. استمرّت العمليّة ساعات كثيرة، حتى السّاعة 5:00 فجراً. خرج الأطبّاء وقالوا إنّه سيكون على ما يُرام. عندما أخرجوه من العمليّة فتح إياد عينيه لكنّه كان غائباً عن الوعي. حاولت أن أكلّمه لكنّه لم يُبد أيّة استجابة.نقلوه إلى غرفة العناية المشدّدة. وقفت خارج الغرفة أقرأ آيات من القرآن وأدعو وأرجو الله أن ينجح الأطبّاء في إنقاذ إياد ابني. لكنّني كنت أشعر أنّ إياد يبتعد عنّي أكثر فأكثر. سألت الطبيب فقال لي إنّ إصابة إياد خطيرة جدّاً حيث تمزّقت شرايين في بطنه وإنّه لن يعيش أكثر من ساعات.بينما كنت أنتظر هناك أغمي عليّ عدّة مرّات وفي النهاية أخذني زوجي إلى المنزل. تلك اللّيلة كانت أطول وأصعب ليلة مرّت عليّ في حياتي. لم تغمض لي عين.عند السّاعة 7:00 صباحاً رنّ جرس الهاتف… أخبروني أنّ إياد فارق الحياة. نزل خبر هذه الفاجعة عليّ مثل صاعقة دمّرت كلّ ما هو جميل في حياتي. كان ابني على عتبة الشباب، رأيته يكبر أمام عينيّ، صوته يتغيّر، شعر لحيته ينمو وقد أصبح أطول منّي. كانت تملأني السعادة لرؤيته يكبر ويُصبح رجُلاً. كنت أنظر إليه غيرَ مصدّقة! والآن فقدته.أذهب إلى سريره وأبكي ولا أستطيع النوم. كلّ شيء في المنزل يذكّرني به. لم تعد لدي طاقة حتى لإعداد الطعام ولا رغبة لدي في القيام بأيّ شيء. كما فقد أولادي أيضاً شهيّتهم للطعام.إخوته يسألون عنه طوال الوقت. والده يقول إنّه لا يريد أن يعيش. يريد أن يلحق بإياد.كان إياد بصحبة فتيان من جيله يمضون الوقت في الناحية الشرقيّة من المخيّم مع فتيان من جيله، وهو المكان الوحيد الذي توجد فيه أشجار. يطلّ هذا المكان على قريتي عزموت ودير الحطب وشارع حوّارة - روجيب. يذهب الشباب إلى هناك كي يجلسوا في ظلال الأشجار بعيداً عن الجلبة والاكتظاظ.يذهب الجيش إلى هناك عمداً لكي يستفزّ الشبّان ثمّ يقتلهم دون سبب. ما ذنب هؤلاء الأولاد؟ ألا يحقّ لهم أن يعيشوا طفولتهم وأن يلعبوا ويفرحوا؟ لماذا قتلوه؟ لماذا حرموني من ابني، من نور عينيّ؟
في 18.7.25، خلال اقتحام عسكريّ لبلدة يعبد، اقترب عمرو كبها إلى المكان الذي تواجدت فيه القوّات فطلب منه جنود أن يتوقّف وأطلقوا النار في الوقت نفسه. أصيب عمرو أثناء فراره من المكان. بعد أن وقع أرضاً منع الجنود طاقم الإسعاف من الوُصول إليه، وحين جاء والده إلى المكان بعد سماعه نبأ إصابة ابنه، أطلق الجنود النار في الهواء لكي يمنعوه من الاقتراب. رغم ذلك، تقدّم الأب نحو ابنه، الذي كان لا يزال على قيد الحياة، وعندئذٍ ضربه الجنود بأعقاب بنادقهم، كبّلوا يديه وأجلسوه قرب ابنه. احتجز الجنود الأب وابنه على هذا النحو لأكثر من نصف ساعة ورفضوا خلالها تقديم الإسعاف للطفل الجريح أو السماح بإخلائه، وأمروا الأب أن يصمت كلّما توسّل إليهم. في تقرير نشرته وسائل الإعلام زعم الجيش أنّ عمرو ألقى عُبوة ناسفة نحو القوّات وأنّه قد عُثر على عُبوة أخرى في المكان.عايدة كبها (42 عاماً)، والدة عمرو، أمّ لأربعة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 26.3.26 فقالت:أذكر أنه في صباح يوم الجمعة المُوافق 18.7.25, أيقظ علي، زوجي، عمرو من نومه وكان طفلاً في الـ 13 من عُمره، ابناً وحيداً بين أخواته الثلاث. أخذ زوجي يُداعبه لكي "يُصحصح" بسُرعة. كنّا ننتظر عمرو لكي نتناول الفطور ونشرب "نسكافيه" سويّة. بعد أن نهض عمرو انضمّ إلينا وإلى أختيه ليليان وريان. طلب زوجي من عمرو أن يُرافقه إلى حفل زفاف أحد أقاربنا.بعد ذلك سألني عمرو ماذا سأعدّ لوجبة الغداء وعندما قلت له إنّني سأعدّ دجاجاً محشيّاً فرح كثيراً لأنّها من الأكلات المفضّلة لديه. عندما حان وقت صلاة الجمعة ذهب عمرو إلى المسجد المجاور لمنزلنا في حيّ الكروم، وهو الحيّ الشماليّ في البلدة. بعد أن عاد من المسجد، وكنت قد أنهيت إعداد طعام الغداء، تجمّعنا وتناولنا الغداء معاً.نحو السّاعة 16:00 قرّرت الذهاب لزيارة والدَي زوجي المُقيمين في حيّنا. قال لي عمرو إنّه سيلتقي أصدقاءه ليتسلّوا بألعاب الحاسوب، وأنّه يُريد أيضاً أن يشتري كنافة. عندما وصلت إلى منزل والدَي زوجي سألتني إحدى قريباتي عن عمرو فقلت لها إنّه قد ذهب ليلتقي أصدقاءه في مقهى إنترنت يقع في حيّ أبو شملة، وسط بلدة يعبد. قالت لي إنّ قوّات عسكريّة تقوم بمداهمة أحياء وشوارع في يعبد فتملّكني الذعر. شعرت أنّ موجة من الهلع تُغرقني. حاولت الاتّصال بعمرو عدّة مرّات لكنّه لم يردّ.بعد ذلك اتّصلت بزوجي علي وقلت له إنّني أحاول الاتّصال بعمرو، وعمرو لا يردّ على هاتفه. بعد أن أنهينا المكالمة اتّصل بي زوجي مرّة أخرى ليخبرني أنّ عمرو لا يزال مع أصدقائه في مقهى الإنترنت ويريد العودة إلى المنزل ليتجنّب حدوث مشاكل مع الجيش. بعد أن تحدّثت مع زوجي شاهدته يمرّ في الخارج بسيّارته وافترضتّ أنّه في طريقه إلى عمرو كي يُحضره إلى المنزل.بعد بضع ثوانٍ علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ الجيش أطلق النار على شابّ صغير في منطقة "جمعيّة أصدقاء المريض"، وسط يعبد. هذا المكان يقع على الطريق التي يُفترض أن يمرّ بها عمرو لكي يعود إلى المنزل.كنت مطمئنّة بعد أن شاهدت زوجي ذاهباً ليجلب عمرو وشعرت ببعض الارتياح. وعندما سمعت عن الشابّ الذي تعرّض لنيران الجيش لم يخطر في بالي أنّه عمرو، بل وأشفقت على أمّه ودعوت الله أن يُعينها ويصبّرها. لم أكن أعلم أنّ هذه الأمّ التي دعوت الله لأجلها هي أنا! لكنّ قلب الأمّ لا يكنّ ولا يهدأ أبدًا. هاتفتُ قريبة لي تقيم في جوار المكان الذي أصيب فيه الشابّ، وفقاً لما نُشر. سألتها ما الذي يجري في مُحيط منزلها فقالت إنّ هناك شابّاً مُلقىً على الأرض وأنّ جنوداً قد أطلقوا النار عليه. استخدمت قريبتي المصطلح "رشّوه" أي أنّهم أصابوه برصاص كثير. سألتها هل تعرف اسم الشابّ فقالت إنها لا تعرف.فور انتهائي من الحديث معها أخذ هاتفي يرنّ دون توقّف، وكلّ من يتّصل يسألني عن عمرو. انتابني الذعر وتسارعت دقات قلبي بشدّة. غادرت منزل والدَي زوجي على الفور وتوجّهت إلى منزلي الذي يبعد نحو 200 متر. في طريقي إلى المنزل، كان كل من يمرّ بجانبي ينظر إليّ، أمّا الرّعب الحقيقيّ فقد دبّ بي حين صاح طفل صغير "عمرو مات!". في تلك اللحظة، شعرت بقشعريرة وبرد قارس يسري في جسدي. وصلت إلى المنزل بصُعوبة وحين وصلت وجدته مكتظًا بالجيران والأقارب، عندها أدركت أن الشابّ الجريح المجهول الهوية هو ابني الوحيد، عمرو.كانت تربطني بابني عمرو علاقة صداقة عميقة وحبّ كبير. كان يعامل أخواته بحنوّ، يعتني بهنّ كثيراً ويحاول أن يُفرحهنّ دائماً.كان يحبّ الملوخيّة بشكل خاصّ ويطلب منّي دائماً أنّ أعدّها له. في ليالي الصّيف، عندما كان يسهر حتى وقت متأخّر، كنت أضع طبقاً من البطيخ قرب سريره، لأنّه كان يحب البطّيخ كثيراً. أذكر أنّني أعطيت عمرو 25 شاقلاً في اليوم الذي قُتل فيه، وقد فوجئت حين أخبرني ابن عمّه (4 سنوات) أنّ عمرو أعطاه 5 شواقل. أفرحني هذا كثيراً، رغم أنّ المبلغ زهيد.لا يمكن أن أنسى اللحظة التي رأيت فيها جثمان ابني. كانت جروح عميقة في عنقه ورجليه وتسع رصاصات قد اخترقت جسده.حياتنا بعد عمرو يكتنفها الحزن. لم يبق لديّ أمل في شيء. ابني عمرو كان فتىً يحبّ الحياة وكنّا أنا وزوجي نحبّه غاية الحُبّ ونلبّي جميع احتياجاته بسرور.
في 22.7.25، اقتحم جنود منزلاً في مدخل بلدة قباطية وقام الفتى إبراهيم نصر وفتيان آخران برشق حجارة نحو مركبة "جيب" عسكريّة كانت متوقّفة عند مدخل المنزل. أطلق الجنود النار نحو الفتية فأصيب نصر وفرّ إلى داخل كرْم زيتون وهناك وقع أرضاً. بعد ذلك أخلاه مُسعفون إلى مستشفىً في مدينة جنين حيث أعلنت وفاته. تمكن الفتيان الآخران من الفرار. في تسجيلات إحدى كاميرات المراقبة يظهر جنود يطاردون الفتية الثلاثة ويُطلقون النار.منال موسى (47 عاماً)، والدة إبراهيم، أمّ لثلاثة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 28.3.26 فقالت:في اليوم الذي استُشهد فيه، كان إبراهيم قد ذهب إلى مزرعة في قرية مِركة ليساعد أخاه غير الشقيق الذي كان يعمل هناك، وعاد إلى المنزل عند الظهيرة تقريباً. بعد أن استحمّ وتناول الطعام قال لي إنّه يريد أن يذهب لزيارة صديق له بعد أن خرج من المستشفى حيث تلقّى العلاج عدّة أيّام إثر سقوطه عن حصان.بعد ذلك قالوا إنّ جنديّاً أطلق النار على إبراهيم وأصابه في صدره فاستُشهد على الفور.كان إبراهيم طيّب القلب، مجتهداً ومثابراً في دراسته. كان من الطلّاب المتفوّقين في مدرسة عمر بن الخطّاب الثانويّة، حتّى أنّه حصل في نهاية سنته الدراسيّة الأخيرة على شهادة امتياز.كان طبعُه "بَيْتوتي"، أحبّ قضاء الوقت معي وكان يرافقني عندما كنت أذهب لزيارة أهلي في قرية مِركة المجاورة، لأنّه كان يحبّ جدّته كثيراً. وهي أيضاً كانت تحبّه كثيراً.كذلك، كان يحبّ شقيقته مريم التي تصغره بسنتين. كان يعتني بها دائماً ويشتري لها حلويات ونقارش من دكّان البقالة. كان لدى إبراهيم "سكوتر ركل" (كوركينت) وكان يهوى رُكوبه، إذ كان يخدمه في إجراء مُعاملات للعائلة أو شراء خضار وفواكه واحتياجات أخرى.خلال العطلة الصيفيّة كان يربّي الصيصان ويعتني بها جيّداً. كنت أرى الفرح والرّضا على محيّاه وهو يراقبها تكبر.
في 23.7.25 أطلق جنود النار من كمين وقتلوا أحمد علي صلاح ومحمد خالد عيسى قرب جدار الفصل في الخضر. زعم الجيش الإسرائيلي أنّهما رشقا زجاجات حارقة نحو شارع 60. في شريط الفيديو الذي تداولته شبكات التواصُل الاجتماعيّ تظهر في المكان سيّارة إسعاف ويُسمع صوت إطلاق رصاص.إسرائيل تحتجز جثمانيّ الفتيين.
في مساء يوم 23.7.25 كان محمد مبروك متّجهاً ليساعد والده في بسطة الخضار خاصّته. في ذلك الوقت كانت قوّات الجيش وحرس الحدود وجهاز الأمن العامّ (الشاباك) تنفّذ مداهمة لمدينة نابلس ومخيّمات اللّاجئين استمرّت نحو 20 ساعة. في طريقه إلى بسطة الخضار التقى محمد ابن خاله، وحين علم الاثنان أنّ القوّات تقترب من المنطقة اختبآ في أحد الأزقّة؛ ثمّ دخلت إلى الزقاق نفسه مركبتا "جيب" - واحدة تابعة للجيش والثانية لحرس الحدود. ترجّل جنود من إحدى المركبتين وأطلقوا على محمد مبروك وابلاً من الرّصاص، 10-15 رصاصة تقريبًا.وقع محمد أرضاً على الفور، ثمّ أخلاه شاهد عيان إلى سيّارة إسعاف انطلقت به إلى المستشفى، وهناك توفّي بعد يومين متأثراً بجراحه.سجّلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي إفادات من شهود عيان ومن والدة محمد مبروك:عبد الغني (17 عاماً)، ابن خال محمد مبروك، قال في إفادة أدلى بها يوم 28.7.25:أقيم مع أهلي في المخيّم وأعمل في البناء مع والدي.في يوم الأربعاء المُوافق 23.7.25، نحو السّاعة 18:00، حين كنت أتجوّل في المخيّم، قرب عيادة وكالة الغوث (أونروا) التقيت ابن عمّتي محمد مبروك وقال لي إنّه في طريقه ليساعد والده في بسطة الخضار.في تلك اللّحظة سمعنا ضجيج سيّارات، وقال الناس إنّ الجيش قادم وأخذوا يغادرون المنطقة بسُرعة. نظرنا حولنا ولكن لم نرَ شيئاً. توقّفنا في أحد الأزقّة لكي نتابع من هناك ما يجري. كنّا على بُعد نحو 100 متر فقط من مدخل المخيّم، من جهة الشارع الرئيسيّ. عندها، شاهدت مركبتي "جيب" إسرائيليّتين - واحدة تابعة لحرس الحدود والثانية تابعة للجيش، ترجّل منهما جنود فابتعدت إلى زقاق دار الطابون. كانوا على بُعد نحو 100 متر منّي.بعد أن ابتعدت سمعت طلقات متتالية، نحو 10-15 رصاصة، ورأيت محمد يقع أرضاً عند مدخل البسطة إذ كان لا يزال واقفاً هناك. أخذ الدم ينزف منه بغزارة، كأنّها ماسورة قد تمزّقت. جرّه أحد الأشخاص إلى داخل الزقاق وهو يصرخ "إسعاف! إسعاف!" ويطلب المساعدة. أخذ ذلك الشخص محمد إلى سيّارة الإسعاف. كان الدم يملأ ملابسه كلّها، والأرض أيضاً كانت مغطّاة بالدم.لم أعرف ماذا أفعل. كنت مصدوماً. لم أستوعب ما الذي جرى ولماذا أطلقوا الرّصاص. من ناحيتي، لم يكن هناك أيّ تفسير. بالكاد رأينا الجنود الذين أطلقوا الرّصاص دون سابق إنذار. انتبهتُ إلى أن مركبتيّ "الجيب" قد غادرتا المكان. لقد أطلقوا النار دون سبب وإنما فقط لأنهم أرادوا أن يقتلوا.نُقل محمود إلى المستشفى الجامعيّ، وكنا ندرك نظراً للنزيف الشديد أنّ حالته حرجة جدّاً. توجّهت إلى المستشفى وبقيت معه. صلّيت ورجوت الله أن ينقذه، لكنّه فارق الحياة بعد يومين، في صباح يوم الجمعة. كنت في صدمة تامّة، كيف يكون بجانبي ويتحدّث معي ويصبح فجأة داخل القبر؟!سعيد يونس (46 عامًا)، أب لخمسة، أحد سكّان المخيم، أدلى بإفادته في 28.7.25 فقال:أنا عاطل عن العمل منذ أن فقدت عملي في إسرائيل في أعقاب الحرب على غزة.في يوم الأربعاء المُوافق 23.7.25، نحو السّاعة 18:00، حين كنت أتجوّل في المخيّم قرب عيادة وكالة الغوث (أونروا) اتّصلت بي زوجتي وطلبت أن أعود إلى المنزل لأنّ الجيش متواجد قرب المخيّم، ولأنّها خافت أن تكون وحدها مع الأولاد. قلت لها إنّني موجود في المخيّم ولا يوجد شيء، لكنّها أجابتني أنّها سمعت أناساً في الشارع يقولون إنّ الجيش على الشارع الرئيسيّ. قلت لها: "لا تقلقي، ها أنا عائد إلى المنزل".في طريق عودتي إلى منزلي، الذي يقع على الشارع الرئيسيّ قرب مخبز القُطب، رأيت مركبتيّ "جيب" إسرائيليّتين - واحدة تتبع لحرس الحدود والثانية للجيش - وقد ترجّل منهما جنود. دخلت إلى زقاق دار الطابون - لكي أتجنّب المرور قرب المركبتين العسكريّتين اللّتين كانتا على بُعد نحو 100 متر منّي، وعندئذٍ سمعت طلقات رصاص متتالية، وشاهدت الفتى محمد مبروك يقع أرضاً والدّم ينزف من رجله.سحبته إلى داخل الزقاق ورُحت أفكّر إلى أين يمكنني أن آخذه، لأنّ الجيش كان عند مدخل المخيّم. صرخت "إسعاف! إسعاف!". كان الفتى ينزف بشدّة. حملته وجريت به بين المنازل حتى وصلت إلى مخرج آخر، حيث كانت سيّارة الإسعاف في الانتظار. بعد أن أدخلته إلى السيّارة انطلقت به إلى المستشفى الجامعي. ولكن، بالنظر إلى شدّة النزيف، كان واضحاً أنّ إصابته خطيرة جدّاً. في صباح يوم الجمعة فارق الحياة.خولة مبروك (51 عامًا)، والدة محمد، أمّ لسبعة، أدلت بإفادتها في 7.8.25 فقالت:كان ابني محمد روح البيت لأنّه هو مَن كان يملأه فرحاً. ومع أنّه كان من أبنائي الصّغار كان يعتني بأبيه ويساعده كثيراً. زوجي مُصاب منذ طفولته بشلل الأطفال (بوليو)، لديه إعاقة بنسبة 90% ويستخدم العكّازات. كان محمد يساعده في كلّ شيء، وخاصّة لأنّ منزلنا فيه درجات كثيرة وزوجي يحتاج مساعدة في كلّ خطوة. كان محمد متّكأ وسنداً لوالده.كان أيضاً قلب البيت النابض، يدعم ويساند الجميع. كنّا نشعر بأنّه شخص بالغ يمكن الاعتماد عليه، لكنّه كان في الوقت نفسه صاحب نكتة ويحبّ الدّعابة كطفل صغير - كان يُضحك الجميع ويرسم البسمة على وجوه الكبار والصّغار.في يوم الأربعاء المُوافق 23.7.25، بعد أن انتهيت من إعداد الطعام، قلت لمحمد أنّني سأجلب له الطعام ليتناول غداءه ثمّ يأخذ الطعام لوالده كي يأكل هو الآخر. رفض محمد أن يأكل في المنزل. قال لي: "سأتناول الطعام مع أبي".نحو السّاعة 17:30 خرج ابني محمد (15 عاماً) من المنزل، وكان والده آنذاك يجلس في دكّان صديق له عند مدخل المخيّم. في ذلك اليوم أعددت مسخّن (دجاج محمّر) وشوربة فريكة. كان محمد يحبّها.خرج محمد ولم يعُد.نحو السّاعة 18:00 اتّصل زوجي وقال لي إنّ محمد قد أصيب. صُدمت لأنّه لم تقع أيّة حوادث استثنائيّة، وكان الجيش أصلاً في منطقة أخرى من المدينة. خرجت من المنزل وأنا أصرخ وأبحث عمّن يقلّني إلى المستشفى.تطوّع أحد أقاربنا وأوصلني إلى مستشفى "النجاح". وهناك، وجدتُ محمد مستلقياً على سرير في قسم الطوارئ وحوله أطبّاء وممرّضات وأجهزة. منعوني من الاقتراب وطمأنوني أنّه سيكون بخير. لكن من شدّة خوفي كنت أرتجف وأسناني تصطكّ ببعضها البعض. كيف لا أخاف وأنا أرى ابني ممدّدًا في السرير غائباً عن الوعي ودون حراك؟حاولوا أن يُخرجوني من قسم الطوارئ. فهمت ممّا قيل أنّ قلبه قد توقّف وأنّه أصيب في الشريان الرئيسيّ في الفخذ ويحتاج إلى عدّة عمليّات. انتظرت حتى السّاعة 01:00 بعد منتصف اللّيل لتلقي أيّة إشارة أو استجابة، لكن دون فائدة.بعد السّاعة 01:00 قالوا لي إنّه قد عاوده النزيف وأعضاؤه الداخليّة أخذت تتلف الواحد تلو الآخر ممّا أدّى إلى فشل كلويّ. قالوا لي أيضاً أنّه إذا اجتاز الـ 72 ساعة القادمة فسوف يزول عنه الخطر.في السّابعة من صباح يوم الجمعة، عندما كنت في المنزل، بلغني نبأ استشهاده. قالوا لي "ترحّمي عليه".كانت تلك فاجعة كبيرة. لقد غادرنا محمد طفلاً صغيراً بريئاً، يحبّ الحياة، يحبّ الضحك والمُزاح. لقد قتلوا كلّ ما هو جميل في بيتنا، قتلونا كلّنا معه. لم يعد أي شيء الآن مثلما كان. يقول زوجي لي: "سوف أموت. لا أريد أن أعيش. أريد أن أذهب إليه".كان محمد مثل صديق لوالده وكان يرافقه دائماً. حدث كلّ هذا في فترة عانينا فيها الكثير لأنّ أخاه حسن (27 عاماً) كان مسجوناً منذ سنة بأمر اعتقال إداريّ، وقبل ذلك بخمسة أيّام مدّدوا اعتقاله لستّة أشهُر أخرى.تزوّجت ابنتي آمنة (32 عاماً) قبل عدّة أشهُر، وشقيقها حسن لم يحضر عرسها بسبب اعتقاله. نحن محرومون من الفرح. حياتنا كلّها معاناة بسبب الاحتلال الذي يفرض نفسه على حياتنا ويحرمنا أولادنا.
في 23.7.25، بعد أن دهم الجيش بلدة قباطية وسحب قوّاته، اعتلى فتيان تلّة في بلدة عرّابة المُجاورة ومن هناك رشقوا حجارة نحو مركبات عسكريّة أثناء انسحابها. خرج جنود من إحدى المركبات وطاردوا الفتيان داخل كروم الزيتون وهُم يُطلقون نحوهم النيران فقتلوا الفتى إبراهيم حمران وتمكّن بقيّة الفتيان من الفرار. وصل المُسعفون إلى المكان بعد ساعة على إطلاق النيران وأخلوا إبراهيم حمران إلى المستشفى وهناك أقرّ الأطبّاء وفاته.منال حمران (48 عاماً)، والدة إبراهيم، أمّ لستّة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سّعدي في 28.3.26 فقالت:في عصر يوم 23.7.25 قال لي ابني إبراهيم، الذي استُشهد وعمره 13 عاماً ونصف العام، إنّه خارج ليلعب ويمضي الوقت مع أصدقائه. هُم يلتقون عادة في ساعات العصر كي يلعبوا كرة القدم في ملاعب المدرسة الثانويّة، أو لكي يتجوّلوا في شوارع البلدة وأزقّتها.عند السّاعة 15:30، في اليوم نفسه، أخذت تنتشر في شبكات التواصُل الاجتماعيّ أخبار مفادها أنّ طفلاً أصيب بنيران الجيش الإسرائيليّ وأن سيّارة إسعاف فلسطينيّة أخلته إلى مستشفى جنين الحكوميّ وقد فارق الحياة قبل وُصوله إلى هناك.كان إبراهيم طفلاً قويّ الجسم وممشوقًا. كان اجتماعيّاً جدّاً وأحب كثيراً أن يلعب كرة القدم. كان حارس مرمىً في فريق محلّي. وكان يطلب منّي دائماً أن أعدّ له مأكولات يحبّها وخاصّة مع اللّحوم.كان أصغر أولادي وكان يعتني بأخواته وتربطه بهنّ علاقة ممتازة.كان طفلاً طيّب القلب. كلّما أعطيته مصروف جيب كي يشتري حلويات و"تشيبس" كان يشتري بسطرمة ويُطعمها للقطط في السّاحة. كنت أرى كم هو سعيد حين يدلّل القطط بدلاً من أن يشتري أشياء لنفسه، ومدى حبّه لها.منذ أن غاب ابني عنّا قبل أكثر من ثمانية أشهُر ونحن لا نتوقّف عن التفكير فيه والتحدّث عنه. كلّنا حزانى ومتألّمون لفقدانه.
في 8.9.25، حين سمع أهالي مخيّم جنين عن انسحاب الجيش من المخيّم - بعد شهرين من العمليّات العسكريّة في إطار حملة "الجدار الحديديّ" التي شنها الجيش الإسرائيليّ في شهر كانون الثاني - عاد بعضهم إلى منازلهم ليتفقّدوها ويأخذوا منها بعض احتياجاتهم، بعد أن اقتلعهم الجيش منها عُنوة. أثناء خروجهم من المخيّم، حين كانوا قرب ساتر ترابيّ غافلين عن وُجود الجيش في المكان، جاءت مركبة عسكريّة وأطلق جنود النيران نحوهم، علماً أنّه لم تقع في المنطقة آنذاك أيّة مواجهات. قُتل من جرّاء تلك النيران فتَيان في الـ14 من عمرهما هُما إسلام مجارمة، الذي أصيب لدى خروجه من المخيّم مع أفراد أسرته بعد أن زاروا منزلهم المهدّم، ومحمد مسقلة الذي جاء إلى المكان بدافع الفضول. أخلي الاثنان إلى مستشفىً في جنين وهناك أقرّ الأطبّاء وفاتهما. كما أصيب جرّاء النيران شخصان آخران بجراح. وقد زعم الجيش أنّ الجنود أطلقوا النار نحو أشخاص اشتُبه بأنّهم يشكّلون خطراً.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السعدي إفادتيّ والدة مسقلة ووالد مجارمة.جيهان مسقلة (35 عاماً)، والدة محمد، أمّ لثلاثة، أدلت بإفادتها في 28.3.26 فقالت:كان ذلك يوماً أليماً. كان ابني قد أنهى لتوّه يومه الأوّل في الصفّ التاسع. عاد من المدرسة، تناول الغداء مع العائلة، ثمّ استأذنني ليذهب ويمضي ساعات العصر مع أصدقائه. قال إنه ذاهب إلى مطعم شاورما شهير يُدعى "هبّ الرّيح"، يقع في شارع حيفا. أثناء وجوده في المطعم سمع الناس يقولون إنّ الجيش الإسرائيلي قد انسحب من مخيّم جنين. علمتُ من أصدقائه أنه اعتذر لهم وقال إنه ذاهب إلى شارع حيفا، القريب من مخيّم جنين، لأنّه كان يرغب في رؤية النازحين العائدين. لكنّ كلام الناس كان مجرّد إشاعة وانتشرت؛ وبينما كان محمد قادمًا من جهة حيّ الزهراء إلى الطرف الشرقيّ من المخيّم، ظهر فجأة جنود إسرائيليّون في مركبات "جيب" عسكريّة. خرج الجنود من المركبات وأطلقوا النار فقتلوا ابني، محمد مسقلة، وفتىً آخر يُدعى إسلام مجارمة.كان ابني محمد فتىً مهذّباً حسن المعشر. أثناء استقبال المعزّين بوفاته جاءت امرأة مسنّة وحدّثتني أنّ محمد مرّ بقربها قبل وفاته بثلاثة أيّام وعرض عليها أن يساعدها في حمل أكياس الخضار والفواكه. قالت لي إنها بدورها قد عرضت عليه مبلغاً من المال لكنّه رفض وقال لها إنّه يساعدها نظراً لسنّها ولوزن الأكياس الثقيل.كان معتاداً أيضاً على مرافقة والده، الذي يعمل في تركيب القرميد، لكي يساعده. بدلاً من أن يقوم والده بجميع الأعمال كان محمد بكلّ ما أمكنه القيام به ليخفّف عنه. ويخبرني زوجي أيضاً انّ محمد كان يحاول دائماً، ما أمكنه، أن يخفّف عنّي ولا يُثقل عليّ كثيراً. كذلك كان محمد يحبّ الاعتناء بصغار الكلاب وكان يعرف كيف يدرّبها. كانت فرحته بادية للعيان أثناء تعامله مع الحيوانات.كان محمد من التلاميذ المتفوّقين في الصفّ الثامن، الذي أنهاه قبل استشهاده بوقت قصير.عبد العزيز مجارمة (52 عاماً)، والد إسلام، أب لستّة، أدلى بإفادته في 28.3.26 فقال:في 8.9.25, عندما كنت في دكّاني في السوق التجاري، وسط مدينة جنين، أخبرني ابني إسلام أنّ أهالي مخيّم جنين للّاجئين، وفقاً لما يُنشر في شبكات التواصُل الاجتماعيّ، قد بدأوا يدخلون المخيّم والعودة إلى منازلهم، بعد أنّ غادر الجيش الإسرائيليّ المخيّم.نحو السّاعة 17:30 عدت إلى المنزل، إلى الشقّة التي استأجرناها في مدينة جنين بعد طردنا ونزوحنا عن المخيّم، ومن هناك ذهبت إلى المخيّم مع زوجتي وابني إسلام وأخي. أوقفت السيّارة قرب مستشفى جنين الحكوميّ، ومن هناك واصلنا السير راجلين، وفي الطريق مررنا بساتر ترابيّ وضعه الجيش عند مدخل المخيّم. هكذا تمكنّا من الوصول إلى منزلنا في شمال شرق المخيّم بعد غياب قسريّ استمرّ تسعة أشهُر.جاء أشخاص آخرون إلى منازلهم لكي يتفقّدوا أوضاعها، وبحسب تقديري كان هناك 50-60 شخصاً. تفقّدنا المنزل ووجدنا أنّ وضعه صعب جدّاً بسبب التخريب الذي قام به جنود الاحتلال أثناء اقتحام المخيّم. كان المنزل يحتاج ترميماً وتنظيفاً جدّيّين.مكثنا في المنزل نصف ساعة تقريباً، أخذنا منه بضعة أغراض أساسيّة نحتاجها وخرجنا عائدين إلى مدينة جنين. عُدنا راجلين في اتّجاه المدخل الشرقيّ لمخيّم جنين، حيث السّاتر الترابيّ، على بُعد 50 متراً من مستشفى جنين الحكوميّ.عندما وصلنا إلى السّاتر الترابيّ جاءت فجأة مركبتا "جيب" عسكريّتان، تقدّمتا من داخل المخيّم مُسرعتين وتوقّفتا على بُعد نحو 100 متر منّا، ثم ترجّل الجنود من المركبتين. ذُعر الأهالي المتواجدون هناك، والذين كانوا قد عادوا للتوّ من المخيّم بعد أن تفقّدوا منازلهم وأخذوا يفرّون نحو الجهة الأخرى من السّاتر الترابيّ، وعندئذٍ أخذ الجنود يُطلقون النار عليهم.نحن أيضاً حاولنا اجتياز السّاتر الترابيّ، لكن قبل أن نتمكّن من ذلك رأيت ابني إسلام يقع أرضاً بعد أن أصابته إحدى الرّصاصات. حمله بعض الأهالي إلى قسم الطوارئ في المستشفى المُجاور، لكنّ ابني كان قد فارق الحياة نتيجة لجروحه البالغة فما كان من الأطبّاء هناك سوى أن أقرّوا وفاته.كان ابني إسلام فتىً طيّباً وحسن المعشر. كان يحبّ أخواته الثلاث ويعتني بهنّ دائماً، يلعب معهنّ ويساعدهنّ. وكان أيضاً تلميذاً مجتهداً.كان إسلام يحبّ الحيوانات وخاصّة القطط. كان يعتني بقطط المنزل، يجلب لها الطعام ويهتمّ بها بشكل دائم.
في 30.10.25، قرب ساتر ترابيّ وضعه الجيش عند المدخل الجنوبيّ لبلدة سلواد، أطلق جنود النار على يامن حامد، (15 عاماً). لم تتّضح مُلابسات الحادثة، ولم يكن هناك شهود عيان. بعد أن أصيب، منع الجنود طوال 25-30 دقيقة سيّارة الإسعاف من الوصول إليه، ثمّ سمحوا لمُسعف أن يتقدّم نحوه راجلاً. في طريقه إليه، سأل المُسعف الجنود عن وضع الفتى المُصاب، وهناك تسجيل لصوت أحد الجنود يجيبه قائلاً: "الحمدُ لله، مات". نُقل يامن حامد إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله حيث أعلنت وفاته بعد وصوله بوقت قصير. الطبيب الذي فحص جثمان يامن كتب في تقريره عن وُجود ثقوب رصاص في صدره وكتفه، إضافة إلى كسرين في فقرات العُنق يدلّان على التواء العُنق. زعم الجيش أنّ النيران أطلقت على يامن حامد بعد أن أضرم النار في جسم مشبوه. سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة الإفادات التالية: عاهد اسميرات (48 عاماً)، المُسعف الذي أخلى يامن حامد، أدلى بإفادته في 5.11.25 فقال: في يوم الخميس المُوافق 30.10.25، عند السّاعة 23:00، حين تداولت شبكات التواصُل الاجتماعيّ خبراً عن جريح قرب حاجز ترابيّ عند مدخل البلدة الجنوبيّ، توجّهت إلى هناك في سيّارة إسعاف ومعي ابني مُناضل، المُسعف هو أيضاً، ومُسعف ثالث اسمه أحمد حامد. وصلنا خلال أقلّ من دقيقتين. عندما وصلت إلى الشارع الرئيسيّ المؤدّي إلى المدخل الجنوبيّ والمغلق بساتر ترابيّ منذ 7.10.23، شاهدت شخصاً يشير لي بيده أنِ اقتربْ. بسبب الظلام ظننته أحد سكّان البلدة، ولكن حين أصبحت على بُعد نحو 10 أمتار منه تبيّن لي أنّه جنديّ. كان يصوّب نحوي سلاحه ويصرخ عليّ أنِ ابتعدْ. استدرت بسيّارة الإسعاف وعُدت في اتّجاه الطريق المؤدّية إلى مدرسة السّلام، على بُعد نحو 100-150 متراً من السّاتر الترابيّ. عندما وصلت إلى هناك شغّلت صافرة الإنذار وطلبت من الشبّان أن يبتعدوا، تجنّباً لأيّ احتكاك مع الجنود. اتّصلت أيضاً بمكتب التنسيق والارتباط المدنيّ الفلسطينيّ وأبلغتهم عن وُجود جريح يمنعنا الجنود من الوصول إليه. طُلب منّي أن أنتظر. بعد ذلك تقدّمت مجدّداً، مسافة قصيرة كي أفحص الطريق، فأطلق الجنود رصاصتين. لا أعرف هل كانت النيران موجّهة إلينا أم أطلقت في الهواء. تراجعت مرّة أخرى وطلبت من الشبّان أن يُزيحوا مركباتهم. بعد ذلك اتّصلوا من مكتب التنسيق العسكري الفلسطينيّ، طلبوا تفاصيل ومرّة أخرى قالوا انتظر. بعد 7-10 دقائق تلقّيت إذناً بالاقتراب. تقدّمت في سيّارة الإسعاف ومندوب مكتب التنسيق معي على الخطّ. عندما اقتربت صرخ بي جنديّ "توقّف!". قلت له عبر مكبّر الصوت أنّ معي إذن بالاقتراب، لكنّه أمرني أن أتوقّف مكاني. رأيت جنوداً يقفون من حول كتلة غامقة اللّون ملقاة على الأرض، في وسط الطريق. كان بعضهم يوجّه إلى الكتلة أضواء هواتفهم. لم يسمحوا لي أن أترجّل من سيّارة الإسعاف. بعد مضيّ 6-7 دقائق تقدّم نحوي جنديّ وأمرني أن أرجع إلى الوراء. بعد أن رجعت مسافة 60-70 متراً، أمرني الجنديّ أن أنزل من سيّارة الإسعاف وأقترب راجلاً. سألته باللغة العبريّة "هل الفتى على قيد الحياة؟" فأجاب "الحمدُ لله، مات". تقدّمت نحو الفتى، وكان ملقىً على ظهره وسط الطريق، قبالة الساتر الترابيّ. كان عارياً سوى من سرواله الدّاخليّ، ولم تظهر عليه أيّ من علامات الحياة. عندما فحصت، رأيت ثلاث إصابات بالرّصاص: إصابتان في الكتف اليسرى، وواحدة بين الصّدر والبطن من جهة اليسار. لم أرَ جُروح مخارج للرّصاص. لاحظت أيضاً وجود جُرح سطحي في العُنق، ربّما حدث عندما خلعوا عنه ملابسه. بعد ذلك ترجّل المُسعفان الآخران من سيّارة الإسعاف ونقلنا الفتى إلى نقّالة. عندما حرّكناه لاحظت أنّ عنقه تتحرّك بشكل غير طبيعيّ، كأنّها ليست ثابتة. لم ألاحظ ما يدلّ على محاولة سابقة لتقديم علاج له، مثل قفازات أو ضمادات شاش طبّي. نحو السّاعة 23:30 أخلينا الفتى إلى مستشفىً في رام الله حيث أعلنت وفاته. أثناء فحص جثمانه قال لنا الأطبّاء عن حدوث انسداد في مجرى الهواء نتيجة كسرين في العُنق، إضافة إلى كُسور في الأضلاع وإصابتين بالرّصاص - واحدة تحت الصّدر وواحدة في الكتف الأيسر. طبيب العظام في مجمّع فلسطين الطبّي، الذي فحص يامن حامد لدى وصوله إلى المستشفى، أدلى بإفادته في 30.10.25 فقال: بعد وُصول الفتى يامن حامد إلى مجمّع فلسطين الطبّي أجرينا له صور CT وتبيّن أنّه أصيب برصاصتين: الرصاصة الأولى في الجهة اليسرى تحت القلب، والرّصاصة الثانية في الكتف اليسرى واخترقت الرّئتين مسبّبة نزيفاً فيهما. الرّصاصتان معاً سبّبتا كسوراً في القفص الصّدري. هذه الإصابة في حدّ ذاتها خطيرة وقاتلة إذا لم يقدّم علاج أو تدخل طبّي خلال 3-5 دقائق تؤدّي إلى توقّف عمل القلب والرّئتين، ثمّ إلى انهيار وظائف الجسم كلّها وبالتالي إلى الموت. إضافة إلى الأضرار الناجمة عن الإصابة بالرّصاص وجدنا لدى يامن كسراً في منطقة العُنق سببه التواء العنق (Twisting Injury) وقد سبّب هذا كسرين في فقرتي العُنق 4 و-5. إن حقيقة عدم وُجود جُروح خروج الرصاصات وبقائها في داخل الجسم تدلّ على أن إطلاق الرّصاص تمّ، على ما يبدو، من مسافة بعيدة نسبيّاً.
في 2.11.25 دخل جنود في ثلاث مركبات "جيب" عسكريّة إلى بلدة بيت فوريك في محافظة نابلس فرشقهم عدد من الشبّان بالحجارة. خرج جنديّ من إحدى المركبات وألقى قنبلة صوت نحو الشبّان، ثمّ استدار وأطلق النار نحو جميل حنني وأصدقائه الذين كانوا واقفين عند زاوية الشارع ولم يُشاركوا في رشق الحجارة. أصيب جميل في بطنه ونُقل إلى عيادة الصداقة في الجانب الآخر من الشارع. لكنّ الجنود اقتحموا العيادة ولم يتسنّ نقل جميل إلى المستشفى إلّا بعد مُرور دقائق عديدة، بعد أن غادر الجنود. نُقل جميل حنني إلى مستشفى رفيديا وفي اليوم التالي توفّي هناك متأثّراً بجراحه.سجلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي إفادة أحد أصدقاء جميل حنني وإفادة والد جميل:صديق جميل حنني، قال في 5.11.25:أنا تلميذ في المدرسة الثانويّة في بيت فوريك. في يوم الأحد زارني صديقي جميل حنني (17 عاماً). نحو السّاعة 21:35 خرجنا من منزلي الواقع في غرب البلدة وذهبنا في اتجاه منزله. عندما وصلنا إلى الشارع الرئيسيّ، قرب مركز الصّداقة الطبّي، فوجئنا بثلاث مركبات عسكريّة قادمة من وسط البلدة. لم نعرف هل نتوقّف أم نُواصل السّير. رأينا أنّ حجارةً رُشقت نحوهم من ناحية وسط البلدة وخفنا أن نمرّ فاختبأنا بين البنايات.توقّفت سيارات "الجيب" على بُعد نحو 100 متر منّا. ثمّ قرّرت أن أجتاز الشارع وأنتقل إلى الجهة الأخرى، وفقط عندما وصلت انتبهت أنّ جميل لم يتبعني وظلّ واقفاً على الرّصيف. في تلك اللّحظة ترجّل جنديّ من إحدى سيارات "الجيب" وألقى قنبلة صوت نحو الشبّان الذين كان يقفون في امتداد الشارع، ثمّ مشى حول سيارة "الجيب" ووقف قبالة الشباب الذين كانوا أمام مركز الصّداقة وأطلق النار. سمعت طلقة واحدة فقط. فرّ الشبّان إلى الدّاخل وهُم يصرخون "جريح! جريح!". شاهدتهم يحملون شابّاً ويُدخلونه إلى المركز الطبّي.على الفور دخل عدد من الجنود إلى المركز الطبّي، ثمّ خرجوا. بعد عدّة دقائق سمعت صافرة سيّارة الإسعاف التي انطلقت من المركز، ومن ثمّ انسحب الجنود من البلدة. عندها فقط علمت أنّ الجريح هو صديقي جميل حنني. أصابه رصاصُهم في البطن. كنت أرغب في زيارته لكن قيل لي إنّ وضعه حرج جدّاً. بعد ذلك علمت أنّ استُشهد.عاطف جميل حنني (56 عامًا)، والد جميل، أب لأربعة، أدلى بإفادته في 16.3.26 فقال:في يوم الأحد المُوافق 2.11.25، نحو السّاعة 18:00، أيقظت ابني جميل من نومه وقلت له أنّنا سنذهب لزيارة جدّه، أنا وأمّه. ناولته وصفة طبّية ومبلغ 50 شاقلاً كي يشتري لي دواءً من الصيدليّة، ثمّ خرجنا من المنزل.عندما كنّا في منزل والدَي زوجتي، نحو السّاعة 21:30، علمت أثناء تصفّح شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ الجيش داهم القرية. اتّصلت بجميل لكنّه لم يردّ فظننت أنّه عاد للنوم.نحو السّاعة 22:00 اتّصلوا بي من المركز الطبّي في البلدة وأخبروني أنّ ابني جميل جريح وقد نقلوه إلى المستشفى. توجّهت على الفور مع زوجتي وعدد من الأقارب إلى المستشفى في نابلس. لا أعرف حقّاً كيف وصلنا إلى هناك. كانت تلك لحظات لا تُنسى. بحثت عنه في المستشفى في كلّ مكان حتى قيل لي إنّه في غرفة العمليّات، وأنّه أصيب بطلقتين في الظهر تسببتا بضرر كبير في عموده الفقريّ وأعضائه الدّاخليّة.حاولوا أن يهدّئوني، قالوا لي إنّه سوف يتخطّى الأمر ويشفى، لكنّني فهمت من الأجواء خارج غرفة العمليّات واحتياجهم إلى وحدات دم كثيرة أنّ الوضع خطير. جاء إلى المستشفى أناس كثيرون - أقرباء لنا وأصدقاء وعدد من الأهالي - ممّا عزّز مخاوفي. شعرت بالعجز وقلّة الحيلة. ابني يرقد في الداخل وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً من أجله.نحو السّاعة 1:00 بعد مُنتصف اللّيل خرج طبيب وقال لنا إنّهم قد تمكّنوا من وقف النزيف وأنّ جميل سيُنقل إلى غرفة العناية المشدّدة. في وقت لاحق، توقّف قلبه وفارق الحياة. قالوا لي إنّ هذه المرّة كانت الثالثة التي يتوقّف فيها قلبه. لا يوجد ما هو أصعب من أن تُفجَع بخبر وفاة ابنك.كان جميل قرب الصيدليّة في الشارع الرئيسيّ، بعد أن اشترى الدّواء واستعدّ لاجتياز الشارع والعودة إلى المنزل. وجدت في جيبه شيئين هُما الآن من أغلى ما أملك لأنّهما آخر ما لمسته يداه: الدّواء ومبلغ 17 شاقلاً بقيّة من الـ50 التي أعطيته إيّاها. علمت لاحقاً أنّه فوجئ بوجود الجيش في الشارع وأنّهم أطلقوا النار دون أيّ سبب سوى تعطّشهم للدّماء. لم يقم الجنود بأيّ نشاط عسكريّ ولم يعتقلوا أحداً. جابوا شوارع البلدة قليلاً فقط وأنهوا جولتهم بقتل طفل بريء ثمّ غادروا. يتصرّفون كأنّهم خارجون في رحلة صيد، بفارق أنّ هؤلاء صيّادو بشر. هُم لا يولون حياتنا أيّة قيمة.بعد بضعة أيّام اتّصلوا بي من الشرطة الإسرائيليّة. تحدّث معي شخص باللّغة العربيّة وقال إنّه يُريد أن يعرف ما الذي جرى. قلت له "اسأل جنودك لماذا قتلوا ابني. أنا لا أريد شيئاً سوى أن أعرف لماذا قتلوا ابني. كان في استطاعتهم أن يُطلقوا النار على الجزء السفليّ من جسمه، كان يمكنهم أن يعتقلوه، أن يضربوه - كان في استطاعتهم أن يفعلوا أيّ شيء فلماذا اختاروا أن يرموه برصاصتين فتّاكتين. لماذا؟!".قال لي الشرطيّ إنّه يُريد أن يُساعدني. قلت له: "أعدْ لي ابني إذن! أنا أصلاً لا أثق بكم!". جنودهم لا يتصرّفون وفق أهوائهم أو اعتبارات تخصّهم وإنّما وفقاً لأوامر عسكريّة تسمح لهم أن يسفكوا الدماء دون تحمُّل أيّة مسؤوليّة عن ذلك. على العكس - مَن يقتل فلسطينيّاً يحظى بالتهاني والترقية على ما يبدو. هذه هي سياستهم. في الحرب ضدّ إيران أيضاً وجّهوا أولى ضرباتهم إلى مدرسة ابتدائيّة للبنات. ماذا فعلت لهُم تلك الطفلات البريئات؟ العام كلّه يعرف هذا ولكن لا أحد يفعل شيئاً. ما زالت النيران تشتعل في قلبي ممّا فعلوه بابني. أنا لا أصدّق أنّه رحل ولن يعود.كان جميل فتىً مفعماً بالحياة. كان يحبّ كرة القدم وكرة السلّة وكان يستأجر ملعباً هو وأصدقاؤه، عادة، وقد شارك في بُطولات في نابلس. كان يحبّ السيّارات ويحلم أن يقتني ذات يوم سيّارة BMW. أسميته على اسم والدي، جميل، وكان بالفعل طفلاً وفتىً جميلاً - اسمٌ على مُسمّى.منذ أن استشهد تبدّلت أحوالنا وتغيّرت حياتنا. كلّما جالت عيناي في غرفة الأولاد أحسست بغيابه. أين هو جميل؟ كيف اختطفوه منّا ومن إخوته؟أولادي يبكونه طوال الوقت وعندما يرون أمّهم تبكي يخرجون من المنزل - خاصّة أخوه محمد (16 عاماً) الذي كان الأقرب إليه سنّاً وعاطفة. كانا صديقين ويُمضيان معًا أوقاتاً كثيرة.مرّ علينا شهر رمضان وعيد الفطر وجميل ليس بيننا، وكان ذلك أمراً صعباً للغاية. كلّما تذكّرت جميل والطريقة التي قصفوا بها عُمره جُنّ جُنوني. الألم يعتصر قلبي عندما أنظر إلى سريره الفارغ وإخوته نيامٌ كلّ في سريره. نحن نزور قبره بشكل شبه يوميّ. لا أستطيع أن أبقى بعيداً عنه، كأنّ رجليّ تقودانني إلى هناك دون تفكير منّي.لقد قتلوه ولن يتحمّل أحد وزر الجريمة. هؤلاء الجنود لا يولون اعتباراً لشيء. لا فرق لديهم بين كبير وصغير. من ناحيتهم، جميعُنا مستهدَفون.لم يسلم حتى من تجربة الاعتقال. أتى جميل معي للعمل في منطقة الطيرة داخل "الخط الأخضر"، بعد أن بحثت طويلاً عن عمل في الضفة الغربيّة ولم أجد بسبب تدهور الأوضاع الاقتصاديّة التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوماً. لم يبق لديّ خيار سوى أن أبحث عن عمل في داخل إسرائيل، حتى ولو بدون تصريح. قال لي جميل "خذني معك لأعمل في فترة الصيف. أساعدك بدلاً من الجلوس في المنزل خلال العُطلة". وفعلاً، أتى معي. في اليوم الأوّل عملنا، وفي اليوم الثاني دهموا الشقّة التي كنّا نائمين فيها واعتقلونا. اعتُقل جميل لمدة 25 يوماً، وأنا لمدة شهرين. بعد ذلك حدّثني أنّهم ضربوه وأنّهم كانوا في أثناء العدّ - في قسم القاصرين في سجن "هداريم" - يبطحونهم على الأرض ويُجبرونهم على إصدار أصوات حيوانات. في يوم إخلاء سبيله ضربوه ورشّوا عليهم رذاذ الفلفل. حدّثتني أمّه أنّه خرج من السجن نحيلاً جدّاً. مرّ بهذه التجربة المريرة رغم صغر سنّه، ثمّ أتى جنود مجرمون وقصفوا عُمره. هُم لا يُريدون أن يبقى فلسطينيّ واحد على قيد الحياة. منذ أن تولّى "بن جفير" منصبه قبل أربع سنوات أصبح الوضع صعباً جدّاً والقتل غير المبرّر يزداد ويزداد. هُم يقتلون ثمّ يدبّجون الأعذار والمبرّرات لأفعالهم. قالوا في الإعلام العبري إنه قُتل "مخرّب" أو "إرهابيّ" - كيف لطفل أعزل أن يكون مخرّباً أو إرهابيّاً؟! هذه قمّة الجنون والاستهتار بحياة الإنسان.أنا أتساءل دائماً: لماذا لا يكون أولادنا مثل بقيّة الأولاد في العالم؟ لماذا كُتب عليهم أن يمرّوا بهذه التجارب الفظيعة؟ لماذا يُجبَرون على عبور الحواجز العسكريّة وتحمّل التنكيل في كلّ مكان - في الشوارع، في الطرق، في الأحياء، وحتى في داخل منازلهم لا يجدون الأمان؟ باستطاعة أيّ جنديّ أن يقتحم باب دارك ليسحبك ويسحب أولادك من فراشهم وينكّل بهم. لا تشعر بالأمان في أيّ مكان، بل تشعر بأنّك عُرضة لتهديد دائم وبأنك عاجز لا تقدر على حماية أولادك.
في 6.11.25، عند السّاعة 21:53، دخلت إلى قرية الجديرة قوّة عسكريّة من الجيش الإسرائيليّ عن طريق معبر الجيب، وتقدمت مباشرة إلى شمال القرية، المجاور لجدار الفصل. في مُوازاة دخول القوّة سُمع من ناحية جدار الفصل صوت إطلاق نيران كثيفة نفذته قوّة عسكريّة كانت تمكث في المكان. بعد وقت قصير على وُصول القوّة الأخرى إلى الجدار، أطلق جنود النار مرّة أخرى وأصابوا فتيين من سكّان القرية في سنّ 16 عامًا، هُما محمد أتيم ومحمد قاسم. التحقيق الذي أجرته بتسيلم يُظهر أن الفتيين وصلا إلى المكان كي يرشقا زجاجة حارقة نحو شارع 45 المارّ بالقرب من المكان. بعد إطلاق الرّصاص غادر الجنود المكان وهم يأخذون معهم الفتيين الجريحين. في السّاعات التي تلت الحادثة ولدى تواصُله مع مكتب التنسيق الفلسطينيّ أنكر الجيش أنّه يحتجز الفتيين، لكنّه غيّر روايته لاحقاً في اللّيلة نفسها وقال في البداية إنّ الفتيين معتقلان وأحدهما مُصاب في رجله، ثمّ أبلغ أنّ الفتيين مصابان بجروح بالغة. في اليوم التالي، نحو السّاعة 11:00، أبلغ مكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ الأسرتين أنّ الفتيين قد فارقا الحياة متأثرين بجراحهما.تحتجز إسرائيل جثمانيّ الفتيين.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة إفادتين أدلى بهما والدا الفتيين:والد الفتى محمد أتيم، أدلى بإفادته في 30.3.26 فقال:أنا والد محمد، الذي كان في الـ16 من عمره عندما علمنا رسميّاً بوفاته عبر الجهات الفلسطينيّة المسؤولة، في 7.11.25. محمد أنهى الصفّ السّابع وترك المدرسة. رفض أن يكمل تعليمه لأنه لم يحبّ الدراسة. بدلاً من ذلك أراد أن يعمل معي في المنجرة الخاصّة بي، لكي يتعلّم منّي الصّنعة ويساعدني. كان محمد رغم صغر سنّه يتصرّف كإنسان بالغ ويحبّ أن يتحمّل المسؤوليّة. كنت أصرف له راتباً شهريّاً لقاء عمله لكنّه كان يُعيد لي معظم المبلغ لأنّه أراد أن يُسهم في إعالة الأسرة ولم يعجبه أن يساعد في ذلك إخوته الكبار فقط. كان يحبّ أن يتدرّب في النادي الرياضيّ، وكان يخرج في كلّ يوم بعد انتهاء دوام العمل ليلتقي أصدقاءه في القرية.في يوم مقتله خرج محمد من المنزل كعادته. قبل أن تقع الحادثة بنحو سّاعة اتّصلت بي زوجتي وطلبت أن أتّصل بمحمد وأطلب منه ألا يتأخّر في العودة إلى المنزل. اتّصلت به وتحدّثنا. قال لي إنّه يلعب مع أصدقائه في مركز القرية. لم أعرف أنّ تلك المحادثة كانت الأخيرة بيننا وأنّني سأتلقّى من بعدها الخبر المُفجع.بعد تلك المحادثة بساعة تقريباً، تواردت تقارير عن إطلاق نيران كثيف من قبل قوّات الاحتلال قرب الجدار. لم يخطر في بالي أنّ ابني محمد هو الضحيّة، لكنّ زوجتي شعرت بأنّ هناك سوءًا قد حصل وراحت تحاول الاتصال بمحمد، لكنّه لم يجب. قالت إنّ المخاوف تساورها. حاولت أنا أيضاً الاتصال به ولم أتلقّ أيّ ردّ. لاحقاً، تبيّن أنّه نسي هاتفه في المكان الذي كان يلعب فيه مع صديقه، الذي استُشهد سويّة معه. طوال ساعات كانت شبكات التواصُل الاجتماعيّ تنشر أخباراً متضاربة حول تفاصيل الحادث قرب الجدار، ولم تتوفّر معلومات من مصدر موثوق بشأن هُويّة الأشخاص الذين كانوا هناك وما الذي جرى هناك بالضبط وما مصير أولئك الأشخاص.فيما بعد أخذت تنتشر أسماء الأشخاص الذين أطلقت قوّات الاحتلال النار عليهم، وكان من بينها اسم محمد ابني. عندئذٍ، انقلبت أحوالنا في المنزل وخيّم علينا حزن ثقيل وتوتّر. أخوات محمد وأمّه بكينه رغم أنّنا لم نعرف هل الأخبار الواردة صحيحة أم لا. حاولت أن أتمالك نفسي أمام زوجتي وأولادي، لكنّني كنت على حافّة الانهيار وكنت أعلم أنّني قد أنهار في أية لحظة.تأكّد الخبر وعندئذٍ ارتفعت أصوات البكاء أكثر. وأنا أيضاً لم أستطع أن أحبس دموعي بعد سماع النبأ المُفجع.لقد فقدنا محمد، لكنّه لا يزال معنا بمعنىً ما. ما زلت أشعر بوجوده في المنزل وفي المنجرة. لديّ الكثير من الذكريات معه. ولكن ما هو أصعب من فقدانه أنّ إسرائيل تحتجز جثمانه وتمنعنا من إلقاء نظرة أخيرة على محمد ومن ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. حالُنا كحال مئات العائلات الثكلى المحتجزة جثامين أبنائها لدى سلطات الاحتلال.والد محمد قاسم، قال في 30.3.26:أنا والد محمد، الذي استُشهد وهو في الـ16 من عُمره. كان محمد طالباً في المدرسة الثانوية، القسم الأدبيّ، ولم يحدث أن اعتُقل أو أصيب قبل حادثة استشهاده. كان محمد يحبّ كرة القدم ويتابع بانتظام كلّ ما يجري في عالم كرة القدم. كان اجتماعيّاً طيّب المعشر، وكان يوميّاً يُتمّ واجباته المدرسيّة ثم يخرج ليمضي الوقت مع أصدقائه في القرية.كان محمد يساعدنا كثيراً أنا وزوجتي؛ وحيث أنّني أعمل في أراضي الـ 48 (إسرائيل)، كان محمد دائماً يساعد والدته في المنزل. كان يأتي في السيّارة إلى معبر الجيب لكي يقلّني إلى المنزل لدى عودتي من العمل. كان محمد يقدّم المساعدة كلّما استطاع ذلك، لكنّ قدره أن يستشهد مع صديقه قرب جدار الفصل. زعم جيش الاحتلال أنّهما حاولا إلقاء زجاجة حارقة نحو الشارع الرئيسيّ المجاور.إضافة إلى الألم الفظيع على وفاة محمد، يؤلمني أيضًا أنّ سلطات الاحتلال تحتجز جثمانه منذ أن استُشهد. لم يكتفوا بقتله وصديقه، لم يكتفوا بنشر رواية تخدم مصالحهم، بل قرّروا أيضاً أن يمنعونا من إلقاء نظرة وداع عليه ودفنه بشكل لائق وكما هو مُتّبع. أضف إلى ذلك الألم الذي سبّبوه لنا كلّما نشروا رواية مُغايرة لما قبلها: في ليلة الحادثة قالوا تارة إنّه معتقل، وتارة أخرى إنّه جريح، وفقط لاحقاً أبلغوا الجهات الفلسطينيّة الرسميّة أنّه وصديقه قد قُتلا بنيران الجيش. إلى اليوم، والدته لا تصدّق أنّه قد مات. تقول: "ما لم أتسلّم جثمانه وأشمّه لن أصدّق روايتهم".أن تفقد ابناً لهو أمرٌ في غاية القسوة. كنت أحلم أن أراه يكبر ويتزوّج ويُنشئ عائلة مثل بقيّة الشبّان ونحظى نحن برؤية أحفادنا. لكنّ رصاص قوّات الاحتلال أخذه منّا خلال لحظة. كلّ واحد منّا يحاول أن يبدو متماسكاً أمام البقيّة، لكنّني أحياناً أجد نفسي مهزوزاً أمام ذكرياته التي تملأ أرجاء المنزل.
في 6.11.25 اقتحم جنود بلدة اليامون الواقعة في محافظة جنين واندلعت بالتالي مواجهات استولى الجنود من بعدها على أسطح عدد من المنازل. كان مُراد أبو سيفين ملثّماً ويهمّ بإلقاء عُبوة بدائيّة الصّنع نحو الجنود فأطلقوا النار عليه وانفجرت العُبوة التي كان يحملها في يده. بعد إطلاق النار والانفجار منع الجنود الوصول إلى مُراد. في شريط فيديو تداولته شبكات التواصُل الاجتماعيّ يظهر الأهالي وهُم يحملون غطاء رأسه المضمرج بدمائه وفيه أربعة ثقوب.إسرائيل تحتجز جثمانه.شادية أبو سيفين (61 عاماً)، والدة مُراد، أمّ لـ12، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 26.3.26 فقالت:في 5.11.25 استيقظ ابني مُراد باكراً وذهب إلى مدرسته. كان تلميذاً في الصفّ العاشر في ثانويّة اليامون. خرج من منزلنا، الكائن في الحيّ الغربيّ في اليامون، نحو السّاعة 7:30 صباحاً وعاد عند السّاعة 13:00 تقريباً. لم يتناول وجبة الغداء في المنزل لأنّه، على ما يبدو، تناول شيئاً في "كافتيريا" المدرسة.نحو السّاعة 14:00 خرج مُراد مع زوجي، فوزي، إلى جنين كي يساعده في تحضير موادّ البناء اللّازمة لبناية نقوم بإنشائها هناك.عاد الاثنان في المساء. استحمّ مُراد وتناول طعام العشاء وقال إنّه ذاهب ليمضي بعض الوقت مع أصدقائه، ثمّ غادر المنزل.حوالي الساعة 22:30، حين كانت ابنتي وزوجها عندنا، تصفّحنا شبكات التواصُل الاجتماعيّ لنطّلع على الأخبار. معظم الناس في منطقتنا يُتابعون الأخبار على شبكات التواصُل الاجتماعيّ بشكل دائم، بسبب المُداهمات المتكرّرة التي يشنّها الجيش الإسرائيليّ على البلدة والأحياء السكنيّة. توتّرنا كثيراً عندما رأينا تقارير عن مداهمة أحياء البلدة وسقوط شهيد برصاص الجنود الإسرائيليّين.استمرّت الأخبار تتوالى، وعندما دقّقت النظر في الصّور في هاتفي، شاهدت شابّاً ملقىً على الأرض جريحاً، وهالني أنّه كان مُراد ابني. كانت تلك لحظة مُفجعة لم أشهد في حياتي أشدّ منها إيلاماً. كان مُراد "قْريد العُشّ" أي المدلّل لكونه أصغر الأبناء.رغم صغر سنّه كان مُراد حازماً وذا شخصيّة قويّة. إن أراد شيئاً يناله بكلّ ثقة ومهارة. ورغم أنّ وضعنا الاقتصاديّ مستقرّ كان إذا رغب في شيء يُحاول قدْر مُستطاعه أن يحصل عليه بمجهوده الخاصّ.كان مُراد يرغب بشدّة أن يكون له حصان، وكان مُصمّماً على ذلك رغم مخاوفنا أنا ووالده خشية أن يُصاب بأذىً أثناء الرّكوب. في النهاية تمكّن من ذلك واقتنى بمساعدة أخيه مُهراً صغيراً ثمّ بدأ يتدرب على رُكوبه. كان مُستمتعاً جدّاً بتلك التجربة.كان مُراد مهذّباً ويهتمّ لأمري دائماً. كان إذا رآني قد مللت أو أحزنني شيء يجلس بجانبي، يربّت على كتفي ويحاول أن يُفرحني.أكثر ما يؤلمني أنّ الجيش الإسرائيليّ أخذ جثمان مُراد وما زال يحتجزه منذ ذلك الحين. ما يؤلمني إلى هذا الحدّ أنّني لم أتمكّن من وداعه واحتضانه حتى وهو شهيد. كلّ ما أتمنّاه هو أن أتسلّم جثمانه لندفنه في مقبرة العائلة ومن ثمّ أداوم على زيارة قبره لأدعو له وأقرأ الفاتحة لروحه.
في 13.11.25 أطلق جنود النيران من كمين وقتلوا بلال بعران ومحمد أبو عياش أثناء تواجدهما داخل أرض زراعيّة في جنوب البلدة، حيث كانا يعملان. وفقاً لأقوال الجيش، أطلقت النيران على الاثنين حين كانا يمسكان زجاجات حارقة، وفي الصورة التي نشرها الجيش تظهر جثة بلال بعران وهو ملثّم وبالقرب منه زجاجة حارقة. وفي صورة أخرى تظهر جثة محمد أبو عياش وبالقرب منها جنديّ. في شريط الفيديو الذي نُشر على شبكات التواصُل الاجتماعيّ يظهر أحد الفتيين وهو يركض داخل الحقل ثمّ يُسمع صوت إطلاق رصاص.تحتجز إسرائيل جثمانيّ الفتيين.
في 16.11.25، أثناء مداهمة عسكريّة لمخيّم الفارعة للّاجئين، أطلق جنود النار على جاد الله جهاد جاد الله الذي كان متوجّهاً إلى منزله برفقة اثنين من أصدقائه، هما فتيان أيضاً، بعد أن سمعوا عن مداهمة المخيّم. أصابت شظايا الرّصاص أحد الصديقين. رأى والدا جاد الله وإخوته ابنهم مُلقىً على الأرض جريحاً، ولكن حين أرادت والدته التقدّم نحوه طردها الجنود وأطلقوا النار في الهواء. طوال أربعين دقيقة تقريباً، منع الجنود إخلاء جاد الله دون أن يقدموا له، هم أنفسهم، أيّ علاج طبّي. في شريط فيديو نُشر على شبكات التواصُل الاجتماعيّ يظهر جاد الله الجريح وهو يتلوّى على الأرض والجنود يقفون بجانبه مُتجاهلين وجوده تماماً. وفي شريط فيديو آخر يلمس جنديّ جسد الفتى الجريح ولكن لا يظهر أنّه يقوم بإسعافه. وفقاً لمزاعم الجيش، حاول جاد الله أن يؤذي الجنود أثناء قيامهم بمهمّتهم في المخيّم. بعد مرور أربع ساعات على إطلاق الرّصاص أبلغ مكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ العائلة أنّ جاد الله توفّي متأثراً بجراحه.إسرائيل تحتجز جثمانه.جهاد جاد الله (42 عاماً)، والد جاد الله، أب لثمانية، أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عارف دراغمة في 23.11.2025 فقال:أنا لاجئ من أراضي الـ48 وأقيم الآن مع عائلتي في منزل متواضع في مخيّم مكتظّ تقيم فيه مئات العائلات في ظروف صعبة، ومعظم الناس بالكاد يتدبّرون معيشتهم.خلال الأشهُر الأخيرة ازدادت المداهمات العسكريّة للمخيّم بحيث نشهد كلّ أسبوع مداهمة أو نشاطاً عسكريّاً آخر، وفي كلّ حدث كهذا يسقط عندنا جرحى وشهداء. لا يمكن دائماً ملاحظة وجود القوّات، بسبب الاكتظاظ والأزقّة الضيّقة.في صباح يوم 16.11.25 كان الأولاد في المدرسة، وأنا وزوجتي في المنزل. نحو السّاعة 14:00 عاد الأولاد من المدرسة وتناولنا معاً طعام الغداء. كذلك عاد ابني جاد الله إلى المنزل، لكنّه قال إنّه قد تناول الطعام ولا يشعر بالجوع.في وقت لاحق من ذلك اليوم تابعنا حياتنا في المنزل كالمعتاد. قال جاد الله إنّه يريد الذهاب إلى النادي الذي يلعب فيه "بلياردو" وألعاباً أخرى مع أصدقائه. يقع النادي على بُعد 300-400 متر من منزلنا، عند طرف الشارع الذي يخرج من وسط المخيّم.خرج جاد الله إلى النادي نحو السّاعة 15:00. بعد ذلك علمنا عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ عن نشاط عسكريّ في المخيّم وانتشار جنود في المنطقة. فجأة سمعنا عدّة طلقات رصاص. ذُعرت زوجتي وقالت فورًا إن جاد الله قد أصيب. كان حدْسها قويّاً. في محاولة منّي لتهدئة روعها قلت لها إنه لم يحدث أي شيء.صعدت بسُرعة إلى الطابق الثاني حيث توجد نافذة تطلّ على مدخل الزقاق المقابل للنادي، ثمّ لحقت بي زوجتي ومن هناك رأينا ابننا - عرفناه من ملابسه - ملقىً على الأرض يلوب ويتلوّى، ومن حوله جنود كثيرون.كنّا جميعاً مصدومين. صعد الأولاد أيضاً ورأوا أخاهم ملقىً على الأرض محاطاً بالجنود. لم يكن في وُسع أيّ منّا أن يفعل شيئاً أو أن يقترب. وقد منع الجنود سيّارة الإسعاف من الوصول إليه، من كلتي جهتي المخيّم، ولا يقدموا له هم أي علاج طبّي.حاولت زوجتي أن تذهب إلى هناك وتقترب من جاد الله، لكنّ الجنود أمروها أن تعود أدراجها وأطلقوا الرّصاص في الهواء. ظلّ ابني ملقىً في المكان جريحاً طوال ساعة تقريباً وهو يتلوّى من الألم. خلال ذلك الوقت كان من الممكن إسعافه وتقديم العلاج له.بعد ذلك جلب الجنود حصيرة ووضعوا جاد الله عليها ثمّ حملوه فيها إلى سيارة "الجيب".بقينا نحن في انتظار سماع أي خبر، والدقائق تمرّ كأنّها ساعات. بعد ساعات عدّة أبلغونا من مكتب التنسيق والارتباط أنّ ابننا قد استُشهد. لا أعرف كيف كان وضعه الصحّي حين أخذه الجنود وغادروا. لقد أطلقوا الرّصاص عليه - عدد كبير من الجنود، مسلّحون - ولم يسمحوا لأحد أن يقترب منه ويُسعفه.لقد قتلوا ابني بدم بارد. لا أعرف لماذا أطلقوا عليه النار. كانوا بجانبه وكان بإمكانهم إلقاء القبض عليه بدلاً من إطلاق الرّصاص دون أيّ سبب. لم تقع أيّة مواجهات في المكان ولم يفعل ابني شيئاً.نحن أناس عاديّون، مُنشغلون بشؤوننا وليست لدينا مشاكل مع أحد.كان ابني تلميذاً، ولداً بريئاً. لقد قتلوه وسلبونا إيّاه. أنا لا أعرف حتى على وجه التأكيد أنّه قد قُتل فعلاً. أريد أن أرى ابني، أريد أن يعيدوا إليّ جثمانه.
في 2.12.25 وخلال عملية لاعتقاله، أطلق جنود النار على مهنّد زغيّر، حين كان يقود سيّارة، وقتلوه. وفقاً لما زعمه الجيش، فقبل مقتله بساعات معدودة دهس مهنّد مجنّدة عند حاجز غرب مدينة الخليل. ووفقاً لتقارير وسائل إعلام أصيبت المجندة بجروح طفيفة. وجاء في بيان الجيش أيضاً أنّ مهنّد زغيّر أصيب برصاص الجنود وفرّ من المكان وقاد السيّارة بطريقة عرّضت الجنود للخطر.
في 13.12.25 داهم جنود بلدة اليامون واندلعت هناك مُواجهات. بعد أن ألقى محمد عباهرة (17 عاماً) عُبوة بدائيّة الصّنع نحو الجنود في الشارع وحاول الفرار، أطلقت عليه النيران جنود كانوا قد استولوا على منزل مُجاور. بعد إطلاق النار جرّ الجنود جثمانه إلى مدخل أحد المنازل ومنعوا طاقم الإسعاف الفلسطينيّ من الوصول إليه. بعد نحو عشر دقائق تم تحميل جثمانه في مركبة عسكريّة. كان ناشطاً في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ. إسرائيل تحتجز جثمانه. عايدة عباهرة (41 عاماً)، والدة محمد، أمّ لخمسة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 26.3.26 فقالت: ابني محمد، والذي اعتدت مناداته بـ "حمّودة" تحببًا، كان مولودي الأوّل، وقد رُزقت به بعد ثلاث سنوات على زواجنا أنا وإياد، زوجي. كان محمد تلميذاً مجتهداً وقد انتظرنا أنا وزوجي بفارغ الصّبر أن يُنهي المرحلة الثانويّة ويحصل على شهادة التوجيهي لكي يبدأ بالتالي التعليم الجامعيّ. لكنّ القدَر شاء غير ذلك إذ قتله الجيش الإسرائيليّ قبل أن يُتمّ المرحلة الثانويّة. استُشهد محمد في يوم السّبت المُوافق 13.12.25. أذكُر أنّه طلب منّي في اليوم السّابق أن أساعده في فهم نصّ عن حياة الرّوائي الروسيّ دوستويفسكي، مطلوب منهم ضمن المنهاج الدراسيّ في اللّغة العربيّة. أبدى محمد اهتماماً بهذا النصّ الذي يتحدّث عن أصحاب الفكر النقديّ تجاه النظام الحاكم لكنّ الحكومة قمعتهم وحين علمت بمخطّطاتهم الثورية اعتقلت شرطتها المتظاهرين. كان دوستويفسكي أحد هؤلاء، وقد حُكم عليه بالإعدام غير أنّه في يوم تنفيذ الحُكم وحين كان رأسه تحت المقصلة تمّ إلغاء الحُكم واستبداله بُحكم مخفّف هو السّجن لأربع سنوات مع الأشغال الشاقّة. ما زلت أذكر ردود فعل محمد ابني على هذا النصّ وكيف كان في غاية التركيز ومنغمساً فيه تماماً. عندما كنت أشرح له القصّة أحسست به يتلقّاها بشغف. ولأنّني مختصّة في العلوم الاجتماعيّة تمكّنت من شرحها له بشكل مبسّط. القصّة تحكي عن سجين محكوم بالأشغال الشاقّة، وبعد أن أمضى من محكوميّته 4 سنوات يقرّر أن يغيّر حياته ويبدأ بكتابة مذكّراته. يومذاك قال لي محمد: "أمّي، بعد أن شرحتِ لي القصّة بدأت أفهم مغزاها: ’لقد وُلد، عاش ومات‘ أو بالأحرى - هو ’وُلد، عاش ولم يمُتْ‘. سألته: "أيّ واحدة تفضّل من بين قصّتي الحياة؟" فأجاب إنّه يختار الخيار الثاني: ’وُلد، عاش ولم يمُتْ‘، وتابع يوضح لي: "لأنّ هناك أفرادًا في المجتمع يستطيعون القيام بأعمال تنفع الآخرين فيتركون من بعدهم ميراثاً يفيد الأجيال القادمة. ومن يدافع عن أرضه ووطنه يترك من بعده ميراثاً جميلاً". في يوم استشهاده، استيقظ محمد باكراً ثمّ تناول طعام الفطور مع إخوته وأخواته، وظلّ في المنزل يدرس طوال اليوم لأنّه كان قد بدأ للتوّ السّنة الأخيرة من المرحلة الثانويّة. في ذلك اليوم ذهبت لزيارة شقيقتي المُقيمة في قرية مثلّث الشهداء، لأنّها وضعت مولودها حديثاً. عندما كنت هناك اتّصلت بمحمد - مكالمة فيديو عبر "واتساب" - كي أطمئنّ عليه، وتحدّث معه أيضاً أبناء شقيقتي. كان قد أكل لتوّه زيت زيتون مع زعتر ولبنة، وهي أكلة يحبّها كثيراً. كان يطلب منّي دائماً أن أعدّ له وجبة كهذه. بعد ذلك عُدت إلى منزلي في اليامون كي أرتّب شؤون المنزل وأعتني بالأولاد وأساعدهم في واجباتهم المدرسيّة استعداداً لليوم الدراسيّ التالي في الغد، يوم الأحد. نحو السّاعة 20:30 قال لي محمد إنّه قد أنهى دروسه ووظائفه ويريد أن يخرج ليلتقي أصدقاءه في الحيّ. كان ذلك أمراً اعتياديّاً. نحن معتادون على أنّ يخرج ويلتقي مع أصدقائه، يمضي معهم بعض الوقت ويعود إلى المنزل. نحو السّاعة 21:30 أعددت طعام العشاء لأسرتي، وكان محمد لا يزال في الخارج مع أصدقائه. اتّصلت به وأرسلت له رسالة عبر "واتساب" لكي أطلب منه العودة إلى المنزل وتناول العشاء معنا، لكنّه لم يردّ، وحتى لم يكن واضحاً هل انتبه إلى مكالمتي ورسالتي. أخذ يُساورني القلق. أرسلت رسائل هاتفيّة إلى أقارب زوجي، إخوته وأخواته، أسألهم هل جاء محمد اليوم لزيارة أيّ منهم. في ذلك الوقت لم يكن هنالك تواجُد عسكريّ في اليامون، ولم يخطر في أذهاننا أنّ محمد قد سافر إلى بلدة سيلة الحارثيّة المُجاورة. عندما لم يردّ محمد على أيّ من المكالمات أو الرسائل، استبدّ بي الخوف والقلق. خوف طبيعيّ في حالة كلّ أمّ. خرجت وزوجي من المنزل ورُحنا نلفّ وندور في الحيّ كي نفهم ما الذي يجري ونبحث عن محمد. صادفنا شخصاً فسألناه ما الذي يجري في المنطقة، فأخبرنا عن مداهمات عسكريّة في سيلة الحارثيّة وأنّ الجيش الإسرائيليّ أصاب شخصين بجُروح ولا تُعرف هويّتهما بعد؛ وقال إنّ هذه الأخبار تداولتها شبكات التواصُل الاجتماعيّ. عندما سمعت ذلك تملّكني الرّعب إذ خشيت أن يكون أحد الجريحين ابني محمد. عندما عُدت إلى المنزل وجدت أنّ أقاربنا قد أخذوا يتوافدون إلى منزلنا. قبل أن يُخبروني بأيّ شيء، عرفت من تعابير وجوههم أنّ محمد قد استُشهد. وفعلاً، أخبروني أنّ الجيش الإسرائيليّ أطلق عليه الرّصاص الحيّ وقتله. أحسست بقلبي يتفجّر ألماً وأجهشت بالبكاء. كان محمد يعرف دائماً كيف يخلق جوّاً رائعاً فيمتلئ المنزل بهجة وضحكاً. كان دائماً يدلّل أخته الصغيرة، كوثر، التي كانت تلميذة في الصفّ الأوّل. قتل الجنود ابني وما زال الجيش يحتجز جثمانه. أنا أتوسّل مجيء اللّحظة التي يسلّموننا فيها جثمانه كي نودّعه وندفنه في مقبرة البلدة فأتمكّن من زيارة قبره. أولادي يمرّون بفترة عصيبة. يسألون عن محمد طوال الوقت. ابني يحيى (14 عاماً) يعاني من نفسيّة مضطربة منذ أن استُشهد أخوه. حتى شعر رأسه آخذ في التساقُط. هو أكثر من يُعاني من فقدان محمد.
في 15.12.25 ترجّل جنود من مركبة "جيب" وأطلقوا النار من مسافة نحو 30 متراً على الفتى عمّار تعامرة في بلدة تقّوع في محافظة بيت لحم، بعد أن رشق حجارة نحو سيارة "الجيب" العسكرية التي كانت محصّنة. نُقل عمّار في سيّارة خاصّة إلى عيادة في البلدة ومن هناك إلى المستشفى في بيت جالا حيث أقرّ الأطبّاء وفاته.
اضغطوا على الخريطة أو القائمة لقراءة قصص الأطفال والفِتيان الذين قُتلوا، وكذلك إفادات شهود عيان وأفراد من عائلاتهم ونتائج التحقيقات حولها
هذا النطاق غير المسبوق في قتل الأطفال والفتيان الفلسطينيّين على أيدي قوّات إسرائيليّة هو نتيجة لسياسة إطلاق النار المطبّقة اليوم في الضفة الغربيّة، وهي سياسة أكثر انفلاتًا وتساهلًا حتّى ممّا كانت عليه في الماضي. ولا يحاول المسؤولون عن هذه السياسة إخفاءها، بل يمنحونها الدّعم المُؤسّساتي الكامل، وهو ما تشهد عليه أقوال قائد المنطقة العسكرية الوُسطى، آفي بلوط، الذي خرج يتبجح علانية بالقول "نحن نقتل كما لم نقتل منذ 1967". وتدل تصريحات بلوط، الذي ادعى بأنّ "96% من القتلى ضالعون في أعمال إرهابيّة"، وهو ادّعاء تكشف معطيات بتسيلم حول ملابسات قتلهم أنّه محض كذب، على منهجيّة الأجهزة الإسرائيليّة في وسْم الفلسطينيّين الذين تقتلهم القوّات الإسرائيليّة بـ "مخرّبين" أو "ناشطين إرهابيّين"، حتى لو كانوا مدنيّين لم يشاركوا في القتال، بل وحتى حين يكون الضحايا أطفالًا لم يشكّلوا خطراً على أحد. ذلك أن تعريفهم بهذا الشكل يوفر حصانة مؤسّسيّة للقتل، فعليًا على أرض الواقع.
لا تكتفي المنظومة الإسرائيلية بتبرير القتل بأثر رجعيّ فقط، بل هي تمتنع أيضًا، امتناعًا تامًا، عن تقديم المسؤولين إلى المحاكمة. وتفيد معطيات منظمة "يش دين" بأنه لم يُعرَف عن تقديم أية لوائح اتهام في حالات القتل التي وقعت في الضفة الغربية منذ بدء الحرب في تشرين الأول 2023، غير أنّ الحصانة المضمونة سلفاً وإفلات المتورّطين في تنفيذ هذه الجرائم من واجب الخضوع للمُساءلة والمُحاسبة ليست محصورة في الجانب القضائيّ وحده، بل تتجسد أيضًا في "الحصانة الجماهيرية" التي يحظى بها منفذو هذه الجرائم وتنبع من اللامبالاة التي يبديها الجمهور الإسرائيليّ حيال قتل الأطفال الفلسطينيّين. وفي هذا السّياق، لا يمكن الفصل بين الارتفاع الحادّ في حالات قتل الأطفال في الضفة الغربيّة بأيدي قوّات إسرائيليّة ومقتل أكثر من 21,000 طفل وطفلة فلسطينيّين قتلتهم إسرائيل ضمن حرب الإبادة الجماعية التي تنفذها في قطاع غزّة منذ تشرين الأوّل 2023. وحقيقة أنه حتى هذه الأعداد الهائلة لم تُثِر مطالبة لدى الرّأي العامّ الإسرائيليّ بتغيير سياسة القتل هذه، تدلّ على عُمق عمليّات تجريد الإنسان الفلسطينيّ، أيّ فلسطينيّ، من إنسانيته في أوساط الرأي العام الإسرائيلي. هذه هي العمليّات التي تتيح نشوء واقع يُصبح فيه قتل الأطفال أمراً عاديّاً وروتينيّاً.
الصورة
الأطفال والفِتيان الذين قتلتهم إسرائيل في الضفة الغربية خلال العام 2025. الصور قدمتها العائلات مشكورة
التاريخ الدمويّ لقتل الأطفال والفتيان
نطاق القتل الذي نشهده منذ بداية الحرب في تشرين الأول 2023 يذكّرنا بنطاق القتل الذي جرى توثيقه خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بل يفوقه، بالمقارنة مع طول الفترة الزمنية. فآنذاك، خلال أقلّ من أربع سنوات ونصف السنة، الفترة ما بين تشرين الأوّل 2000 و8.2.2005 (تاريخ التوقيع على اتفاقيّات شرم الشيخ التي تُعتبر نقطة النهاية الرسميّة لفترة الانتفاضة)، قتلت قوّات إسرائيليّة 251 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة. كما قُتل، خلال الفترة نفسها، خمسة آخرون بأيدي مستوطنين.
تركّز هذه الدراسة على العام 2025، الذي قتلت إسرائيل خلاله 54 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة. للمقارنة: منذ انتهاء الانتفاضة الثانية في 9.2.2005 وحتى نهاية العام 2021 ـ أي، على امتداد نحو 17 عاماً ـ قتلت قوّات إسرائيليّة 194 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة؛ كما قُتل عشرة آخرون بأيدي مواطنين إسرائيليّين، إضافة إلى اثنين آخرين لم تتمكّن بتسيلم من تحديد مَن قتلهما، جنود أم مواطنون. وخلال العامين 2023 و2024، سُجّلت ذروة غير مسبوقة في قتل الأطفال والفتيان: في العام 2023 قُتل 120 طفلاً وفتىً، 80 منهم خلال أقلّ من ثلاثة أشهر، منذ 7.10.23 وحتى نهاية تلك السّنة. وفي العام 2024 قُتل 89 طفلاً وفتىً.
رغم الهبوط في عدد الأطفال والفتيان الذين قتلتهم إسرائيل في العام 2025، مقارنة مع العامين السّابقين له، كان هذا العام (2025) أحد الأعوام الأكثر دمويّة على امتداد العقدين الماضيين. فبالمقارنة مع الفترة من 2005 حتى 2021، التي قُتل خلالها 13 طفلًا وفتًى فلسطينيًا بالمتوسط خلال السنة الواحدة، بأيدي جنود ومواطنين إسرائيليين، حصل خلال العام 2025 ارتفاع بأكثر من أربعة أضعاف، إذ قُتل خلاله 3 أطفال في سنّ بين 2-9 سنوات، وقُتل 9 أطفال في سنّ 10-13، و17 فتىً في سنّ 14-15، و16 فتىً في سنّ 16 و9 فتيان في سنّ 17.
الصورة
هذا الارتفاع الحاد في حالات قتل الأطفال والفتيان بدأ في العام 2022. في ذلك العام، بلغ عدد القتلى أكثر من ضعفيّ عددهم في العام الذي سبقه: من 16 في العام 2021 إلى 34 في العام 2022. حدث هذا الارتفاع قريبًا من موعد نشر تقرير عن تسهيلات في تعليمات الجيش لإطلاق النار في نهاية العام 2021. وفقاً لذاك التقرير، سُمح للجنود، ضمن ما سُمح لهم، بإطلاق النيران الفتّاكة (أي بهدف القتل) نحو راشقي الحجارة، وهو الأمر الذي كانت التعليمات تحظره قبل ذلك. وسمحت التعليمات الجديدة أيضًا بإطلاق النيران الفتّاكة على من يلوذ بالفرار بعد الاشتباه بأنّه قام برشق حجارة لكنه لم يعد يشكل خطرًا ـ وهو أمر مخالف للقانون الدوليّ. بعد 7.10.2023 سُجّل تطرّف إضافيّ آخر في سياسة إطلاق النار، نجم عنه كما ذُكر أعلاه ارتفاع حادّ إضافيّ في عدد القتلى. حصل هذا التطرّف على خلفيّة الرغبة في الانتقام وتعميق نزع إنسانية الفلسطينيّين في الخطاب الإسرائيليّ وفي المجتمع الإسرائيليّ (أنظروا القسم تحت عنوان "التحريض على الإبادة الجماعية ونزع الصفات الإنسانيّة منذ تشرين الأوّل 2023"، في تقرير إبادتنا، تمّوز 2025).
منذ بداية شهر كانون الثاني 2026 وحتى يوم 7.6.26، قتلت القوّات الإسرائيليّة 12 طفلاً وفتىً فلسطينيّاً في الضفة الغربيّة - بضمنهم شقيقان في سنّ 5 و6 سنوات في بلدة طمّون، وطفل رضيع في سنّ 7 أشهُر في مدينة الخليل، قتلتهم قوّات إسرائيليّة أطلقت النيران في الحالتين على السيّارتين اللتين كانت العائلتان تستقلهما. إضافة إلى ذلك، أطلق مستوطن النار على فتىً في الـ14 عمره وقتله.
الصورة
عدد الأطفال والفتيان الذي قُتلوا بأيدي عناصر إسرائيليّة في الضفة الغربيّة منذ نهاية أيلول 2000 حتى نهاية العام 2025
توزيع مُلابسات قتل الفتيان والأطفال في العام 2025
يبيّن تحليل وتوزيع الملابسات التي قتلت فيها قوات إسرائيلية جميع أولئك الأطفال والفتيان أنّ اثنين فقط من بين القتلى الـ 54 في العام 2025 كانوا مسلّحين بسلاح ناريّ عندما قُتلا. أربعة آخرون ألقوا عُبوات متفجّرة بدائيّة الصّنع نحو قوّات إسرائيليّة، وفتىً واحد هاجم شرطيّاً بسكّين. وقتلت نيران القوّات 13 طفلاً وفتًى بينما كانوا يرشقون حجارة نحو شوارع أو نحو قوّات محصّنة جيّداً، من دون أن ترد أنباء عن وقوع أيّة إصابات بينها. في المقابل، كان هنالك 21 طفلاً وفتًى قتلتهم القوّات بينما لم يُشاركوا في أيّة مواجهات حتى عندما اندلعت في مُحطيهم مواجهات تخلّلها رشق حجارة أو إلقاء عبوات متفجرة أو إطلاق رصاص حيّ. وفي 12 حالة أخرى قُتل فيها أطفال وفتيان، زعم الجيش الإسرائيليّ أنّهم حاولوا المسّ بالقوّات بواسطة إلقاء زجاجات حارقة أو عُبوات متفجّرة أو رشق حجارة، إلا أنّّ المعلومات التي جمعتها بتسيلم لم تمكِّن من دحض هذه الادّعاءات أو تأكيدها. وهناك فتىً واحد آخر كان هدفًا لعمليّة اغتيال. وقُتل 47 من الفتيان والأطفال جرّاء إطلاق رصاص حيّ، بينما قُتل الآخرون ـ سبعة أطفال وفتيان - نتيجة قصف جوّي.
من بين الضحايا، هناك 11 طفلاً وفتىً قُتلوا بنيران أطلقت من كمائن: اثنان بينما كانا يرشقان حجارة نحو شارع؛ اثنان آخران زعم الجيش أنّهما رشقا حجارة لكنّ التحقيق الذي أجرته بتسيلم لم يُسفر عن نتيجة قاطعة تدحض هذا الادّعاء أو تؤكّده؛ فتىً واحد قُتل جرّاء إطلاق النار عليه حين مرّ قرب مكان كان الجنود ينصبون فيه كمينًا ورغم أنه لم يفعل أي شيء؛ وستّة آخرون قُتلوا بعد أن ألقوا، وفقاً لادّعاءات الجيش، زجاجات حارقة. وفي هذه الحالات أيضًا، لم يُسفر تحقيق بتسيلم عن نتيجة قاطعة تؤكّد هذه الادّعاءات أو تدحضها.
وقُتل تسعة قاصرين آخرين، بضمنهم طفلتان، خلال مداهمات نفذها الجيش لبلدات فلسطينيّة. خلال تلك المداهمات، لم تنفَّذ أيّة اعتقالات ولم تندلع أيّة مواجهات. طفلة واحدة قُتلت وهي في داخل منزلها، بينما قُتل طفلان قرب منزليهما، وأربعة آخرون كانوا عابري سبيل، وواحد آخر في مكان عمله، والأخير زعم الجيش أنّه حاول إلقاء عُبوة. ولم يُسفر تحقيق بتسيلم عن نتيجة قاطعة تؤكّد هذا الادّعاء أو تدحضه.
وقُتل أربعة قاصرين خلال عمليّات اعتقال. كان أحدهم هو المطلوب، فيما شارك آخر في تبادل لإطلاق النار خلال العمليّة، ورشق الثالث حجارة نحو مركبة "جيب" عسكريّة وكان الرّابع عابر سبيل.
وقُتل سبعة قاصرين جرّاء قصف جوّي، بضمنهم واحد زرع عبوة متفجّرة، اثنان "تم التعرف عليهما"، خطأ، أنّهما قاما بزرع عُبوة متفجّرة، وأربعة كانوا في ساحة منزلهم أو في الشارع.
وقُتل فَتَيان آخران بعد أن هاجما قوّات إسرائيليّة أو اشتُبه بأنّهما فعلا ذلك. أحد الفتيين هاجم شرطيّاً بسكّين، بينما ادعى الجيش بأن الفتى الثاني حاول دَهْس جنديّ، إلا أنّ تحقيق بتسيلم بَيّن أنّ هذا الادّعاء لا ينسجم مع وقائع الحادثة.
قُتل 18 طفلاً وفتىً آخرين خلال مُواجهات، 12 منهم في مواجهات تخلّلها رشق حجارة فقط: ثمانية من هؤلاء رشقوا حجارة نحو قوات جيش أو شرطة، وبضمنهم أربعة رشقوا حجارة نحو مركبات عسكريّة محصّنة، اثنان رشقا حجارة نحو منازل اقتحمها جنود واثنان آخران رشقا حجارة نحو جنود أو عناصر شرطة - في إحدى هاتين الحالتين، استهدف رشق الحجارة في البداية مركبة "جيب" محصّنة ثم استمرّ أيضًا بعد خروج الجنود منها. ثلاثة من الفتيان لم يشاركوا في أية مُواجهات وبالنسبة لفتىً آخر، ليس مؤكّداً إن كان قد شارك في مواجهات أم لا. وقُتل ستّة قاصرين آخرين أثناء مواجهات تخلّلها أيضًا إلقاء عُبوات أو إطلاق رصاص حيّ: أحدهم شارك في تبادل إطلاق النار، ثلاثة ألقوا عُبوات، واحد لم يشارك في المُواجهات وفتى آخر صوّب قلم "ليزر" نحو جنود.
القاصرون الثلاثة المتبقّون قُتلوا في ملابسات تختلف عن تلك التي ذُكرت أعلاه: واحد قُتل بالرّصاص حين رشق حجارة نحو حاجز عسكريّ، واحد قُتل بالرصاص عندما ألقى، وفقاً لادّعاء الجيش، عُبوة متفجرة ـ لم تستطع بتسيلم تأكيد هذا الادّعاء أو دحضه ـ وقُتل الثالث بالرصاص لأنّه ـ حسب ادعاء الجيش الذي لم يكن بالإمكان تأكيده أو دحضه ـ اشتُبه بإشعال شيء ما قرب سَدّة ترابيّة.
منع العلاج الطبّي أو إعاقته
في رُبع الحالات تقريباً، 13 طفلاً وفتىً، أخَّرَ الجيش أو منَع تماماً وصول الطواقم الطبية أو السكان الذين حاولوا إسعاف أو إخلاء الجرحى. في أربع حالات على الأقل مُنع الوصول طيلة عدة دقائق، بما في ذلك حالة اقتحم فيها الجنود العيادة التي نُقل إليها الجريح وأعاقوا نقله من هناك إلى المستشفى. في أربع حالات، مُنعت إمكانية الوصول لفترة طويلة استمرّت 20-40 دقيقة، وفي خمس حالات أخرى مُنعت إمكانية الوُصول طوال مدة زمنية غير معلومة. في تسع حالات على الأقلّ، وثّقتها بتسيلم، أطلق جنود الرصاص الحيّ في الهواء، أو نحو الأهالي والطواقم الطبّية حتى، بهدف منعهم من الاقتراب من الجرحى لتقديم العلاج الطبّي لهُم أو لإخلائهم إلى المستشفيات.
في الحالات التي قام فيها جنود بإخلاء الجرحى من المواقع، مُنع تماماً وُصول السكان والطواقم الطبّية الفلسطينيّة. في هذه الحالات، من غير المعروف ما إذا كان الجنود الإسرائيليون قد قدّموا للجرحى أيّ علاج طبّي قبل إقرار وفاتهم متأثرين بجراحهم، أو إن كانت قد جرت أيّة محاولات لإنقاذ حياتهم.
احتجاز الجثامين
تفيد المعطيات المتوفرة حتى 29 حزيران 2026 بأنّ إسرائيل ما زالت تحتجز جثامين 18 طفلاً وفتىً من أصل 54 قتلهم جنودها وتمنع ذويهم من إلقاء نظرة وداع عليهم ثم دفنهم. ويندرج احتجاز جثامين الأطفال ضمن سياسة طويلة الأمد تعتمد اختطاف الجثامين واحتجازها كوسيلة ضغط وورقة مساومة، الأمر الذي يخالف أحكام القانون الدوليّ. فحرمان العائلات من حقّها في دفن أحبّتها المتوفّين وإقامة طقوس الحداد عليهم وزيارة قبورهم يجعل ألم الفقدان مُضاعفاً ومن الصعب تحمّله، فكم بالحريّ حين يتعلّق الأمر بأطفال وفِتيان.
* اضغطوا على الخريطة أو القائمة أعلاه لقراءة قصص الأطفال والفِتيان الذين قُتلوا، وكذلك إفادات شهود عيان وأفراد من عائلاتهم ونتائج التحقيقات حولها
في 2.6.25 أطلق جنود الرّصاص من كمين نصبوه في أرض زراعيّة مجاورة لشارع 5056، قرب قرية سنجل، وقتلوا الفتى يوسف فقها. وفقاً لإفادة أدلى بها أمام بتسيلم شخص يُقيم بالقرب من موقع الحادثة، ووفقاً لتوثيق الحادثة في تسجيلات كاميرات المراقبة في منزل الشاهد، يظهر أنّ مجموعة كبيرة من الجنود قد نصبت كميناً في الموقع منذ ساعات الصّباح؛ وعند السّاعة 13:32 سُمعت طلقتا رصاص، ثمّ بعد مضيّ نحو 7 دقائق أطلقت رصاصتان أخريان. وتُظهر التسجيلات بعد إطلاق الرّصاص جنديّين يقفان فوق يوسف فقها وهو ملقىً على الأرض جريحاً. بعد مضيّ عشر دقائق على إطلاق الرّصاص في المرة الثانية جاءت ثلاث سيّارات إسعاف عسكريّة، غطّى الجنود جسد يوسف فقها وحملوه إلى إحدى سيّارات الإسعاف. فورَ تحرّك سيّارات الإسعاف مُغادرة، توجّه جنديان إلى المنزل المُجاور وطلبا مشاهدة تسجيلات كاميرات المُراقبة. وفقاً لإفادة الشاهد، حين نظر إلى التسجيلات سويّة مع الجنود رأى الفتى يوسف فقها، قبل سماع صوت الطلقتين الأوليين بنحو دقيقة واحدة، يسير في اتّجاه شارع 5056 ثمّ يعود إلى الوراء بضعة أمتار ويختبئ بين أشجار الزيتون مدّة 7 دقائق تقريباً؛ وفي تلك الأثناء مرّت في الشارع ثلاث سيّارات تحمل لوحات ترخيص إسرائيليّة ولم يتعرّض لها يوسف فقها بأيّ شكل من الأشكال. قام الجنود بمحو التسجيلات بعد أن أعادوا مشاهدتها عدّة مرّات. في أعقاب الحادثة زعم الجيش أنّ يوسف فقها حاول رشق حجارة نحو الشارع.
لا يزال جثمان يوسف محتجزاً لدى إسرائيل.
أدناه إفادتان سجلهما باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة، من صاحب المنزل المُجاور ومن والد الفتى يوسف فقها.
أحد سكّان القرية (45 عاماً)، أدلى بإفادته غداة الحادثة قائلاً:
أنا أقيم في حيّ المزيرعة، في الجهة الشماليّة من بلدة سنجل. يقع منزلي على شارع 5056 المؤدّي إلى شارع 60 وإلى مستوطنتي "معليه لِفونا" و"جِفعات هروئيه". شارع 60 معروف أيضًا باسم "شارع نابلس القديم".
في الأيّام العشرة التي سبقت الحادثة، أي منذ يوم السّبت المُوافق 24.5.25، لاحظت حركة جنود غير عاديّة حول منزلي، وذلك في أعقاب ادّعاءات مستوطنين بشأن رشق حجارة نحو سيّارات. خلال الأيّام المذكورة اقتحم الجنود منزلي عدّة مرّات لأنّني قمت بتركيب كاميرات مراقبة بهدف حماية المنزل بعد هجمات شنّها مستوطنون.
في يوم الاثنين المُوافق 2.6.25، لاحظتُ منذ ساعات الصّباح تواجدًا وتحركات لجنود حول منزلي وفي داخل الأرض الزراعيّة المُقابلة لمنزلي وتبعد عنه مسافة 20-25 متراً. خشية أن يقتحم الجنود منزلي مرّة أخرى، أرسلت رسالة تنبيه إلى مجموعة القرية.
عند السّاعة 12:54، بينما كنت واقفاً على سطح المنزل، رأيت أربعة جنود يجلسون في الأرض الزراعيّة المقابلة لنا ويموّهون أجسادهم بواسطة قطع قماش بألوان الصحراء. بعد دقائق معدودة شاهدت أيضاً طائرة مُسيّرة، ثمّ نزلتُ عن السّطح ودخلتُ المنزل.
عند السّاعة 13:32 سمعت طلقتين بفارق بضع ثوانٍ بين الأولى والثانية. خرجت إلى السّاحة لكني لم أشاهد شيئاً. بعد ذلك نظرت عبر النوافذ ولم ألحظ أيّة تحرّكات استثنائيّة.
عند السّاعة 13:39 هاتفت أحد أصدقائي وطلبت منه أن ينشر تنبيهاً للأهالي، خشية حدوث اقتحام عسكريّ. بعد ذلك فوراً، عندما خرجت مرّة أخرى إلى السّاحة، سمعت طلقتين أخريين وكان دويّهما أكثر قوّة وأقرب مكاناً. شاهدت جنديّين يهبطان من الأرض الزراعيّة في اتجاه الشارع وسمعت أحدهما يقول للجنديّ الثاني باللّغة العبريّة "من هُنا، تعال".
دخلت إلى المنزل ورُحت أتابع ما يجري عبر شاشات كاميرات المُراقبة. شاهدت شخصاً جريحاً ملقىً تحت شجرة على بُعد 10-15 متراً من المنزل وكان الجنديّان يقفان بجانبه لمدّة دقيقة أو دقيقتين، ثمّ يعودان إلى الأرض الزراعيّة.
نحو السّاعة 13:50 جاءت مركبتان عسكريّتان، إحداهما مركبة طبّية. أخرج الجنود نقّالة وغطّوا الجريح. عند السّاعة 14:13 نقلوه إلى سيّارة إسعاف كانت قد جاءت قبل ذلك بوقت قصير، ثمّ غادرت سيّارات الإسعاف المكان.
بعد ذلك مباشرة جاء أربعة جنود إلى منزلي، دخلوا المنزل وألقوا قفّازات في سلّة النفايات. طلب الجنود أن أريهم تسجيلات كاميرات المُراقبة وأن أرْجع الشريط إلى الوراء. شاهدنا في التسجيلات فتىً صغيراً بملابس سوداء يمشي في طريق زراعيّة ويصل إلى محاذاة الشارع ثمّ يعود إلى الوراء ويقف تحت شجرة زيتون، قرب سور حجريّ منخفض، لمدّة 7 دقائق تقريباً. خلال ذلك الوقت، مرّت في الشارع سيّارات ولم يحدث أي شيء.
جاء جنود آخرون وسألوا هل يظهر شيء في أشرطة التسجيل فأجابهم الجنود الذين شاهدوا التسجيلات: "كلا، فقط أنّه خلف الشجرة". صوّر أحد الجنود الفيديو ثمّ حاولوا أن يمسحوا التسجيلات.
بعد ذلك جاء شرطيّ حرس حدود وأراني في الهاتف صورة الفتى الجريح، الذي بدا أنّه قد فارق الحياة. عرفت أنّه شخص من عائلة فقها ولكن قلت إنّني لا أعرفه.
لاحقاً جاء ضابط، أثنى على أحد الجنود قائلاً: "قد أبليت بلاءً حسناً". بعد ذلك أمروني أن أبقى في الغرفة في حين كانوا يُواصلون الفحص. قاموا أيضاً بفحص هاتفي وسألوني هل صوّرت شيئاً.
ظلّ الجنود في المنزل حتى السّاعة 15:20 تقريباً ثم غادروا، وفورَ ذلك أبلغت السلطات الفلسطينيّة وأرسلت رسالة إلى أهالي القرية كي أطمئنّ على أولادهم. عندما فحصت الكاميرات تبيّن لي أنّ جميع التسجيلات قد مُسحت.
بعد نحو سّاعة نشرت وسائل إعلام إسرائيليّة أنّ الجيش قتل "مخرّباً في الـ 16 من عُمره" كان يرشق حجارة - وهذا يُناقض تماماً ما شاهدتُه في التسجيلات. وبعد الحادثة بنحو سّاعتين علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ الفتى المغدور هو يوسف عبد الكريم فقها (14 عاماً). ما زال جثمانه محتجزاً لدى السّلطات الإسرائيليّة.
والد يوسف (48 عاماً)، أب لستّة، قال في إفادة أدلى بها في 10.6.25:
الصورة
يوسف فقها. صورة قدمتها العائلة مشكورة
أنا مُزارع، ونحن نُقيم في بلدة سنجل الواقعة شمال شرق رام الله. أنا وزوجتي أنجبنا ستّة أولاد، ثلاثة منهم تحت سنّ الـ18 بمن فيهم يوسف.
وُلد المرحوم يوسف في 12.8.2010. كان تلميذاً في الصف التاسع في مدرسة البنين الثانوية في سنجل. كان يحبّ السيّارات كثيراً، خاصّة BMV، وكان يرغب أن يُصبح ميكانيكيّ سيّارات ولذلك خطّطنا لنقله إلى مدرسة صناعيّة.
في يوم الاثنين المُوافق 2.6.25، نحو السّاعة 13:00، علمت عبر شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ ولداً قد أصيب في الجهة الشماليّة من البلدة، لكن لم يُعلنوا من هُو. نحو السّاعة 14:00 أخذت ترد أخبار أنّ الجريح هو ابني محمد (16 عاماً)، لكنّ محمد كان في ذلك الوقت في المنزل جالساً قبالتي. اتّصلوا بي من البلديّة للتحقّق من الخبر فقلت لهم إنّ محمد جالسٌ قبالتي، وأعطيتهم رقم هُويّته لكي يتأكّدوا.
في ذلك الوقت لم يكن يوسف في المنزل، لكنّني ظننت أنّه موجود في مركز البلدة ولم يخطر في بالي أنّه في الناحية الشماليّة من البلدة. بعد نحو سّاعة، قرابة السّاعة 15:00، أخذت ترد أخبار أنّ الجيش أخطأ في التعرّف وأنّ الفتى الجريح هو ابني يوسف.
في تلك المرحلة اتّصلوا بي مرّة أخرى من البلديّة وأخبروني أنّ الجيش تواصل مع مكتب التنسيق الفلسطينيّ وطلب أن يأتي رئيس البلديّة وحده إلى معسكر حوّارة من أجل التعرّف على الفتى. طلبت البلديّة منّي مُستند تعريف آخر يؤكّد هويّة ابني يوسف، للتعرّف عليه. سافر رئيس البلديّة إلى معسكر حوّارة وهناك تعرّف على الفتى المغدور وأكّد أنّه ابني يوسف.
مرّ أكثر من أسبوع وحتى الآن لم تسلّمنا السلطات الإسرائيليّة جثمان ابني، ولذلك لم نُقم بيت عزاء لاستقبال المعزّين. نحن جميعاً - أبناء أسرته وأصدقاؤه - لم نلق عليه نظرة وداع كما ينبغي. حتى الآن لا أعرف أين هو ولا ماذا فعلوا بجثمانه؛ جميع الإجراءات تتمّ عبر البلديّة. أنا أطالب بحقّي في تسلّم جثمان ابني كي نلقي عليه نظرة وداع أخيرة ثمّ نشيّعه إلى مثواه الأخير.