خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
تلّ، محافظة نابلس: مستوطنون يهاجمون عائلة كانت تقطف ثمار الزيتون في المنطقة B ويرجمون امرأة بالحجارة حتى وقعت وأغمي عليها. وحارس مستوطنة يُطلق الرّصاص الحيّ نحو أفراد العائلة، يهين امرأة وزوجها ويهاجم المرأة
سيّارة أحمد أبو حمادة بعد الهجوم. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم
في يوم السبت المُوافق 1.11.25، نحو السّاعة 7:30، خرج سبعة مُزارعين أقارب من بلدة تلّ لقطف ثمار الزيتون في كرْم لهُم يقع جنوبَ البلدة، في منطقة مصنّفة B وفقاً لاتفاقيّات أوسلو.
نحو السّاعة 16:00، جاء ثمانية مستوطنين وأخذوا يرشقون المُزارعين بالحجارة.
تمكّن ثلاثة مُزارعين من الفرار في اتّجاه البلدة وانطلق الباقون يركضون في اتّجاه كسّارة قريبة واختبأوا فيها.
بعد نحو نصف السّاعة اتّصل بهم أحد الأقارب هاتفيّاً وأخبرهم أنّ المستوطنين قد غادروا المكان. خرج المزارعون من مخبئهم، لكن عندها وصلت إلى المكان مركبة ترجّل منها حارس مستوطنة "يتسهار"، الذي يعرفه أهالي المنطقة باسم "يعقوب"، وراح يُطلق الرّصاص الحيّ.
فرّ المُزارعون في اتّجاهات مُختلفة. بعد ذلك مباشرة صرخ "يعقوب"، الذي كانت ترافقه مركبة أخرى مع خمسة جنود، وأمر اثنين من المُزارعين، هُما الزوجان أحمد أبو حمادة (51 عاماً) وأحلام رمضان (41 عاماً) أن يتوقّفا، ثم أشار إليهما بإصبعه بأن يجلسا على الأرض. انصاع الاثنان وركعا على الأرض وعندئذ ركل "يعقوب" أحلام بقوّة في ظهرها ثمّ أمسك برأسها وأوقعها أرضاً وهو يثبّت رأسها إلى الأرض.
بعد وقت قصير حضرت إلى المكان (ف)، شقيقة أحلام.
أمر "يعقوب" والجنود الثلاثة بأن ينهضوا ثم اقتادوهم سيراً على الأقدام مسافة نحو 200 متر، حتى وصلوا إلى موقع كان يقف فيه نحو 20 جنديّاً وقرابة عشرة مستوطنين آخرين.
قام أحد المستوطنين باستجواب المزارعين وسألهم ماذا يفعلون في المكان.
في المقابل، عثر المستوطنون الثمانية الذي بدأوا الهجوم على رُلى رمضان (36 عاماً)، التي كانت تختبئ في مكان قريب، فأخذوا يرشقونها بالحجارة من قطعة أرض مرتفعة قليلًا. وقعت رُلى أرضاً وفيما كانت مُلقاة على الأرض في حالة من الصّدمة وعاجزة عن الكلام، سمعت المستوطنين يقولون إنّها قد ماتت، ثمّ غادروا المكان. ظلّت رُلى مستلقية في مكانها خشية أن يعود المستوطنون ويهاجموها مرّة أخرى. بعد نحو عشر دقائق، تجرّأت رلى على النهوض وانضمّت إلى أقاربها في المكان الذي كان يحتجزهم فيه المستوطنون والجنود.
بعد أن وصلتْ إلى المكان، سمح الجنود لأفراد العائلة أن يعطوها الماء ثمّ أخلوا سبيلهم.
عندما عادوا إلى سيّارتهم، تبيّن لهم أنّ المستوطنين قاموا بتخريبها وحطّموا زجاج نوافذها. مع ذلك، قادوا السيّارة وتوجهوا إلى مستشفى رفيديا حيث تمّ تقديم العلاج لهم وتسريحهم في اللّيلة نفسها.
سجّلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي إفادات بعض المزارعين:
رُلى رمضان (36 عاماً)، أمّ لأربعة:
في يوم السبت المُوافق 1.11.25، نحو السّاعة 7:30 صباحاً، ذهبت مع ستّة من أفراد العائلة إلى أرض لنا ورثناها عن المرحوم أبي. تقع هذه الأرض في الجانب الجنوبيّ من البلدة، في منطقة تسمّى صفحة السيرة، وتبلغ مساحتها 7 دونمات وفيها ما يقارب 120 شجرة زيتون مثمرة. وهي مصنّفة ضمن المنطقة B وفقًا لاتّفاقيّات أوسلو ونحن معتادون أن نعمل هناك بدون مشاكل.
نحو السّاعة 16:00 بدأ زوجي بنقل ثمار الزيتون التي قطفناها، لكي نُنهي العمل ونعود إلى البيت. كانت قد تبقّت شجرة زيتون واحدة لم نقطفها بعد. رأيتُ ابني (ح) يركض نحونا وهو يصرخ "مستوطنون! مستوطنون!". سألته إن كان يمزح، فأجابني "كلّا، أمّي. المستوطنون هنا! اركضوا بسُرعة!". في تلك اللحظة، بدأت الحجارة تتساقط علينا. كان هناك ثمانية مستوطنين تقريبًا. ركضتُ، سوية مع شقيقتيّ وسلفي أحمد، في اتّجاه كسّارة تبعد نحو 200 متر، لكي نختبئ هناك ريثما يُغادر المستوطنون المكان.
بعد نصف ساعة، اتّصلت بزوج شقيقتي (ف) لكي أفهم إن كان يمكننا الخروج من مخبئنا فقال إنه يعتقد أن المستوطنين قد غادروا. عدنا، أنا وشقيقتاي. في الطريق، رأيتُ مركبة "تندر" بيضاء. ظننت أنّها تعود لسكان القرية أو قد لمكتب التنسيق والارتباط، لكن اتّضح أنّها سيّارة مستوطن. رأيت نحو 8-10 جنود قادمين سيراً على الأقدام وظننت أنّهم قادمون لنجدتنا. على بُعد قرابة 100 متر منّا، رأيتُ مجموعة أخرى من المستوطنين فتملّكني الرُّعب.
ركضنا في أرض صخريّة وصعدنا إلى تلّة. هذه منطقة زراعيّة جبليّة. من مكاني هناك سمعت 10-15 طلقة لكنني لم أقدر على الرّكض والفرار من هناك وصارت شقيقتاي تصرخان بي أن أتحرّك. قلت لهُما أن تتابعا وأنني سوف ألحق بهما. رأيتُ المستوطنين يقتربون فارتجفتُ من شدّة الخوف. جلست خلف شجرة وعندما مرّوا قربي حبستُ أنفاسي حتى اختفوا. بقيت هناك قرابة نصف سّاعة ساد خلالها الهدوء. ثمّ سمعت ضجيج مركبتهم فافترضتُ أنّهم قد غادروا. نهضتُ وأخذت أتقدّم نحو مكان معيّن، على أمل أن أجد فيه بقيّة أفراد عائلتي. لكن لم أكد أقطع مسافة 20 متراً حتى فوجئت بثمانية مستوطنين يتواجدون في قطعة أرض مرتفعة عنّي. كانوا ملثمين ويرتدون ملابس مدنيّة. أخذ المستوطنون يرجمونني بالحجارة وأنا أصرخ وأتوسّل إليهم أن يتوقّفوا. لكنّهم واصلوا رجْمي حتى وقعت أرضاً لا أقدر على الحراك ولا الكلام. ارتبط لساني. سمعت أحد المستوطنين يقول "لقد ماتت. لقد ماتت" ثمّ غادروا.
بقيت ملقاة هناك مدّة عشر دقائق. أحسست غباشاً في العينين وجفافاً في الفم. في نهاية الأمر استجمعت قواي ونهضت بصعوبة، ثمّ عدت لأفتّش عن بقيّة أفراد العائلة. بعد أن تقدّمت مسافة 50-60 متراً، زحفًا، شاهدت مجموعة جنود وعدداً من السيّارات. رأيت أيضاً بضعة أشخاص فنصبتُ قامتي ولوّحت لهُم بيديّ وناديت باسم زوجي. عندئذٍ سمعت أحدهم يقول لي "يا مرَة! يا مرَة!". انهرتُ وجلست على الأرض لا أقدر على الوقوف، وأشعرت بأنّني على وشك الإغماء. كنت مغمضة العينين حين سمعت شخصاً يقول "قومي!". فتحت عينيّ فرأيت من حولي 5-6 جنود فازددتُ رُعباً. أمرني الجنديّ أن أنهض فقلت له إنّني لا أقدر على النهوض. كنت أشعر أنّ ناحية جسمي اليسرى كلّها مشلولة.
ركنتُ رأسي على الحجارة وأغمضتُ عينيّ ثم سمعت صوتاً يقول "رُلى، قومي!". حين فتحت عينيّ كان أمامي زوج شقيقتي أحلام، أحمد أبو حمادة. طلب منّي أن أنهض فقلت له إنّني لا أستطيع ذلك. قال لي: "هيّا. استجمعي قواكِ وانهضي"، ثمّ ناولني ماءً فشربت منه قليلاً. أراد أن أنهض لكي نغادر المكان فنهضت.
بصعوبة بالغة تمكّنت من الوصول إلى سيّارة أحمد، التي كان زجاج جميع نوافذها محطّماً ومقاعدها مغطّاة بقطع الزجاج. كانت شقيقتاي في داخل السيّارة. قلت لهما إنّني مُنهكة وأحتاج إلى سيّارة إسعاف. قالتا إنّ المستوطنين أصابوا أحلام في ظهرها. كما أصيبت شقيقتي (ف) أيضًا بحجر في الظهر. انطلقنا إلى المستشفى في نابلس، وفي الطريق لاقتنا سيّارة إسعاف فانتقلنا إليها. أراد الأطبّاء أن أبيت في المستشفى لإتمام العلاج لكنّني طلبت تسريحي على مسؤوليّتي، لأنّ أولادي كانوا قلقين جدّاً وأردت العودة إلى المنزل بأسرع وقت مُمكن.
أحمد أبو حمادة (51 عاماً)، أب لستّة:
الصورة
أحمد أبو حمادة بعد الهجوم. تصوير: سلمى الدّبعي، بتسيلم
في يوم السبت المُوافق 1.11.25، نحو السّاعة 7:30 صباحاً، جئنا إلى قطعة أرض تقع في الطرف الجنوبيّ من البلدة لكي نقطف ثمار الزيتون.
عند السّاعة 16:00 كنت هُناك مع زوجتي، أحلام رمضان (41 عاماً) وشقيقتيها وزوجيهما. منذ خطبت أحلام في العام 2001 اعتدت أن أرافقها وعائلتها كلّ عام لقطف ثمار الزيتون في هذه الأرض. يوم القطاف كان دائماً يوم مرَح للعائلة والأطفال، وكنّا نذهب جميعاً - صغاراً وكباراً. تقع الأرض في المنطقة المصنّفة B، ولذلك لم يتطلّب الوصول إليها تنسيقاً ولم نتعرّض لمشاكل من قبَل المستوطنين. لا توجد مستوطنات قريبة.
قطفنا ثمار الزيتون في جوّ هادئ وكنّا على وشك إنهاء العمل إذ بقيت شجرة واحدة لم نقطفها. وكنّا قد حمّلنا ثمار الزيتون التي قطفناها في سيّارتي، التي أوقفتها عند طرف الأرض البالغة مساحتها 7 دونمات. فجأة جاء خليل يصرخ من بعيد: "اركضوا! المستوطنون هُنا!". في البداية لم نصدّقه. ظننّاه يمزح. ولكن سرعان ما أخذت تنهال علينا حجارة المستوطنين. شاهدت نحو ثمانية مستوطنين يرشقوننا بالحجارة. كانوا يرتدون ملابس سوداء، ولم أنتبه هل كانوا مسلّحين أم لا فنحن جميعاً هربناً بسُرعة. ولأنّ الأرض جبليّة اضطررنا أن نهرب في اتّجاه معاكس للمكان الذي تركنا فيه السيّارة. اختبأنا في المنطقة وبقينا هناك إلى أن أبلغنا أشخاص من العائلة أنّ المستوطنين قد غادروا المنطقة.
خرجنا من مخبئنا ولم نكد نمشي بضعة أمتار، وإذ بسيّارة بيضاء تقترب منّا. ظننتها سيّارة تابعة لمكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ، وأنّهم جاءوا ليُساعدونا. لكن فوجئنا بأنّها سيّارة حارس مستوطنة "يتسهار"، المدعو "يعقوب". أطلق النار نحونا فركضنا بين الصخور والأشواك. كنت أشعر أن الرّصاص يمرّ من أمام رأسي. سمعت 10-15 طلقة. كانت (ف) تتقدّمنا ورُلى الأخيرة من خلفنا وكانت تقول لنا طوال الوقت: "لا أقدر على المشي أكثر. يجب أن أرتاح قليلاً".
رأيتُ "يعقوب" ومعه 5-6 جنود، بدا لي أنّهم مستوطنون يرتدون زيّ الجيش. أخذ "يعقوب" يصرخ علينا وفهمت من حركاته أنّه يأمرنا بالجلوس على الأرض. جلسنا على الأرض، أنا وأحلام زوجتي. استمرّ "يعقوب" يصرخ بالعبريّة ويؤشّر بيديه بطريقة فهمت منها أنّه يريد أن ننبطح على بطوننا ووجوهنا نحو الأرض. عندما شرعت أشرح لزوجتي تراجع "يعقوب" خطوة إلى الوراء وركل ظهر زوجتي، وكان ينتعل جزمة ثقيلة. عندما صرخت أحلام من الألم أمسك برأسها وألقى بها على الأرض بعُنف. في تلك اللّحظة انبطحت أنا أيضاً على بطني ووجهي إلى الأرض. ظننت أنّ "يعقوب" والجنود سوف يقتلوننا. قلت لزوجتي بصوت منخفض أن تقرأ الشهادتين فصرخ بي "يعقوب" بالعبريّة يأمرني أن أصمت. لم يسمح لنا أن نتفوّه بكلمة. أحاط "يعقوب" والجنود بنا، لكنّ الجنود لم يفعلوا بنا شيئاً ولم يكلّمونا. "يعقوب" فقط الذي كان يُهاجمنا.
بعد نحو خمس دقائق على احتجازنا من قبَل "يعقوب" جاءت (ف) شقيقة زوجتي وهي تزحف ثمّ استلقت بجانب أحلام. لم يتوجّه إليها "يعقوب" بأيّة كلمة. لاحقاً أخبرتنا أحلام أنّ المستوطنين الذين هاجمونا كانوا لا يزالون في المنطقة وأنّها خشيت أن يقبضوا عليها وهي وحدها. سألني "يعقوب" هل يوجد آخرون منّا فقلت له "توجد امرأة أخرى"، وكنت أقصد رُلى، فردّ يقول لي "لا يوجد". أصرّيت أنّه توجد امرأة في المنخفض تحت. مرّ تقريباً نصف ساعة ونحن على الأرض لا نقدر أن نتحرّك ولا نعرف ماذا سيكون مصيرنا. عندئذٍ أمرنا "يعقوب"، بالعبريّة، أن ننهض ونسير خلفه. حين تبعناه سار الجنود من ورائنا. كنت أمسك بيد أحلام وهي تُمسك بيد شقيقتها. كنّا مُنهكين جدًا ونسير بصُعوبة وكلّما توقّفت أحلام أو شقيقتها (ف) كان الجنود يصرخون بنا، بالعبريّة، أن نواصل السّير.
مشينا مسافة 200 متر تقريباً، إلى أن وصلنا إلى مكان فيه مركبتا "جيب" عسكريّتان وقرابة 20 جنديّاً – كانوا جنوداً "حقيقيّين" هذه المرّة وليس أولئك الذين كانوا يُرافقون "يعقوب". في مكان قريب وقف نحو عشرة مستوطنين جميعهم كانوا يرتدون ملابس بيضاء. سألنا أحد الجنود المستوطنين "من منكم يتكلّم العربيّة؟" فقام مستوطن مسلّح بمسدّس وقال لي: "أنا أريد أن أسألك سؤالاً. فقط أجبني على السؤال". سألني ما اسمي ولماذا أتينا إلى الأرض ومن الذين معي. قلت له إن هاتين هما زوجتي وشقيقتها وأوضحتُ له أنّنا نقوم بقطف ثمار الزيتون في أرضنا. عندما رنّ جرس هاتفي أخذ المستوطن الهاتف منّي وسألني من الذي يتصل بي. قلت له إنّه سائق التراكتور الذي يُفترض أن يأتي ليأخذ ثمار الزيتون. سألني المستوطن إن كان سيأتي فعلًا فقلتُ لا، لأنّ الوقت قد أصبح متأخرًا وحلّ الظلام.
في تلك اللّحظة رأيتُ رُلى، شقيقة زوجتي. تقدم الجنود نحوها وقال لي مستوطن "قلتَ لي إنّه لا أحد آخر هنا"، فأجبته: " قلتُ مراراً ليعقوب إن معنا امرأة أخرى". ناداني أحد الجنود وطلب أن أجلب زجاجة ماء. أخذت زجاجة ماء من سيّارتي، التي حطّم المستوطنون كلّ زجاجها، توجّهت نحو رُلى وناولتها الماء. كانت متبعة جدّاً ولم تستطع النهوض. توسلتُ إليها أن تقوم. قامت وهي تمشي بصعوبة وتقع فوق الأشواك. أمسكتها وأسندتُها حتى وصلنا إلى سيّارتي.
سافرنا في اتّجاه نابلس وفي الطريق لاقتنا سيّارة إسعاف قام طاقمها بإسعاف زوجتي وشقيقتيها رُلى و(ف). كانت زوجتي تشكو من آلام في الظهر بينما تلقّت رُلى، على ما يبدو، ضربات في كلّ أنحاء جسمها. عُدنا في اللّيل.