نجوى نصير (38 عاماً، أمّ لستّة في سنّ 10 -22 عاماً) من سكّان بيت حانون. قصفت إسرائيل منزلها في 14.5.21 وعن حياتها منذ ذلك الحين تحدّثت إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد
10 أيار/مايو 2022
في 14.5.21 عند منتصف اللّيل تقريباً، حشرنا أنفسنا جميعاً في إحدى الغرف. خفنا من القصف وأردنا أن نكون مع بعضنا البعض. سمعنا انفجارات كان دويّها يشتدّ أكثر فأكثر، لكنّنا في تلك اللّحظات لم نتوقّع بتاتاً أن تُقصف حارتنا. فجأة أخذ البيت يميد. كانت النوافذ والجدران تهتزّ وتساقطت علينا قطع منها وكان غبارٌ كثير. شعرت وكأنّ القيامة قد قامت. هربنا من المنزل بسُرعة وركضنا حتى وصلنا إلى مستشفى بيت حانون. أثناء الرّكض أصابتنا الشظايا. كانت تلك ليلة مُرعبة حقّاً وحتى اليوم يصعب عليّ التفكير بها. شعرت بأنّنا على وشك الموت.
أصيبت كنّتي في الرأس وأصبت أنا إصابة طفيفة في اليد كما أصيبت ابنتي آية (18 عاماً) في الرّجلين. وأصيب زوجي تيسير (44 عاماً) وهو متقاعد من عمله في السّلطة الفلسطينيّة في عدّة مواضع من جسمه. عندما غادرنا المستشفى ذهبنا إلى منزل ابنتي في شارع النفق في مدينة غزّة وبقينا هناك إلى أن انتهت الحرب.
"عندما عدت إلى منزلي لم أصدّق ما رأته عيناي. كنت مصدومة. ليتني ما رأيت الذي رأيته. أحسست بأنّني أختنق. لقد تحطّم قلبي. لم يكن هناك سوى كومة خرائب وحجارة ولم أتمكّن من إنقاذ أي شيء. لم تكن هنالك حيطان أو أبواب أو نوافذ. كان ذلك مشهداً بشعاً جدّاً. كانت لدينا ثلاث غرف نوم وصالون ووحدتا مرحاض ومطبخ وكانت كلها مؤثّثة ومجهّزة: كنبات وأغطية وأدوات كهربائية وكلّ ما يلزم المنزل. ضاع كلّ شيء ضاع في رمشة عين. منزلنا الذي شقينا في إقامته، مملكتنا، قصفته طائرات الجيش الإسرائيليّ دون أيّ مبرّر ودون سابق إنذار. لم يتبقّ لنا أي شيء".
بدأنا ببناء هذا المنزل قبل ثماني سنوات. كان طابقاً واحداً مساحته نحو 150 متراً مربّعاً سكنّا فيه مع جميع أولادنا. ابني محمد يسكن عندنا مع زوجته وابنهما خالد (سنة وشهران).
بعد القصف مباشرة استأجرنا شقّة مساحتها نحو 80 متراً مربّعاً. ندفع 170 دولار تقريباً بدل إيجار شهريّ. توجد في الشقة غرفتان وصالون ومطبخ ومرحاض. محمد استأجر منزلاً منفرداً له ولأسرته. لا يوجد لدينا أثاث في الشقة الجديدة لكنّنا حصلنا على بعض التجهيزات والأدوات وموادّ التنظيف من جمعيّات ومؤسّسات رفاه. جميع الملابس التي حصلنا علينا موجودة الآن في أكياس لأنّ لا خزائن لدينا ولا كنبات ولا أسرّة. إحدى بناتي سوف تتزوّج بعد أسبوعين ولا أعرف كيف سنستقبل الضّيوف وكيف يمكن أن نفرح أصلاً في وضع كهذا حيث لا منزل لائق ولا استقرار في الحياة.
الوضع في غزّة كارثيّ. لا يوجد أيّ إعمار بل وُعود كاذبة فقط. حياتنا مُريعة. منذ فقدت منزلي، أشعر بأنّني أختنق وقلبي محطّم. العيش في شقّة مستأجرة صعب عليّ وليست لدي رغبة لي في أيّ شيء. وضعنا الاقتصاديّ متردٍّ جدّاً ولا أستطيع شراء الحاجيّات الأساسيّة للشقّة الجديدة. لقد تراكمت علينا دُيون تخصّ المنزل ولا نزال نسدّدها حتى اليوم. على خلفيّة هذه الدّيون سُجن زوجي مراراً وتكراراً. أنا أبكي كثيراً بسبب وضعنا.
أملي هو أن أعود للسّكن في منزل خاصّ بي. فقدان المنزل والحياة التي كنت معتادة عليها يصعبان عليّ كثيراً. لم تبقَ لي سوى ذكريات ثماني سنوات من الاستقرار وهدأة البال. كنت أحبّ جوّ المنزل واستقبال أقاربنا فيه حين يحلّون ضيوفاً علينا. تصعب عليّ رؤية أولادي ينتابهم الخوف كلّما سمعوا هدير الطائرات أو دويّ القصف. يختبئون أو يهرعون إليّ ويلتصقون بي. هُم أيضاً يحلمون بالعودة إلى منزل خاصّ بنا.
كلّما ذهبت إلى حيث كان منزلنا أشعر بأنّ قلبي يحترق. لا توجد هناك أيّة منازل الآن. تحوّل المكان إلى ملعب لكرة قدم. نحن مثل جميع الذين هُدمت منازلهم نحلم بالعودة إلى منزل خاصّ بنا ونتوق لحياة أفضل. لقد أصبحنا مشتّتين مشرّدين لا راحة بال ولا استقرار. بتنا مُنهكين نفسيّاً.