منذ أن كان فارس رضيعًا وغزّة تنوء تحت الحصار الإسرائيليّ. لقد شهد حروبًا ثلاثة. لم تكن طفولته لتشبه طفولة أطفال العالم الآخرين. لقد رأى الدبّابات الإسرائيليّة وسمع قصف الطائرات وطلقات الرّصاص الحيّ… كما أنّه ترعرع في عتمة انقطاعات الكهرباء. في يوم الثلاثاء الموافق 5.10.18 ونحو الساعة 18:0 جاء شبّان إلى باب منزلنا وأخبروني أنّ فارس أصيب بجراح طفيفة في الكتف. ظننت أنّ إصابته ليست خطيرة ولكن فجأة رأيت تجمّعًا كبيرًا من الأقارب والجيران قرب المنزل. قالوا لي إنّ إصابة فارس ليست خطيرة ولكن أخذ ينتابني القلق فطلبت من أبناء إخوة زوجي أن يقولوا لي الحقيقية وأن يخبروني إن كان فارس قد استُشهد، فقالوا لي نعم.
الأقوال أعلاه أدلت بها والدة فارس، فاطمة السّرساوي البالغة من العمر 43 عامًا، في إفادة أدلت بها يوم 1.11.18 أمام الباحثة الميدانيّة لدى بتسيلم ألفت الكرد. السيّدة فاطمة متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد، وقد أدلت بإفادتها في أعقاب مقتل ولدها فارس ابن ال13 عامًا بنيران قوّات الأمن خلال مظاهرة جرت في 5.10.18 قرب الشريط الحدودي شرقيّ مدينة غزة.
لم يكن السّرساوي الضحيّة الوحيدة. هناك على الأقل 31 قاصرًا قُتلوا منذ بدأت مظاهرات "مسيرات العودة" قرب الشريط الحدودي في قطاع غزة يوم 30.3.18. من هؤلاء الضحايا هناك 21 تحت سنّ الـ16 وثلاثة لم يتجاوز عمر الواحد منهم 11 عامًا. في شهر تشرين الأوّل نشرنا نتائج تحقيق أجرته بتسيلم حول ملابسات مقتل أربعة قاصرين وفي ما يلي نتائج تحقيق حول ملابسات مقتل أربعة قاصرين آخرين.
عدد المشاركين في المظاهرات الاحتجاجيّة العارمة التي تجري منذ ذلك الحين يتراوح بين مئات وعشرات الآلاف في كلّ مظاهرة. خلال هذه المظاهرات، التي تجري عادة في أيّام الجمعة، يحاول جزء من المتظاهرين برشق الحجارة وتخريب الشريط وبعضهم تجاوزه كما يلقى بعضهم القنابل اليدوية والعبوات محلية الصنع والزجاجات حارقة نحو عناصر قوّات الأم المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. في الجهة الأخرى من الشريط ينتشر عناصر قوّات الأمن ويطلقون من خلف تحصيناتهم الغاز المسيل للدّموع والرصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. منذ بدأت موجة المظاهرات الحاليّة قُتل بنيران عناصر قّوات الأمن أكثر من 180 متظاهرًا بينهم 31 قاصرًا على الأقلّ وجُرح أكثر من 5,800 متظاهر. الغالبية العظمى من القتلى والجرحى لم تشكّل أيّ خطر على عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. هذه الأعداد الهائلة من القتلى والجرحى هي نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في المنطقة المتاخمة للشريط الذي يعزل قطاع غزّة، وفي المظاهرات التي تجري قربه. ومع أنّ النتائج الفتّاكة لهذه السياسة الإجراميّة معروفة سلفًا، ترفض السلطات الإسرائيليّة تغيير تعليمات إطلاق النار، ممّا يؤكّد استهتارها بحياة الفلسطينيّين وعدم اكتراثها بموتهم. عوضًا عن ذلك، يدعم رئيس الحكومة ووزرائه مواصلة تطبيق هذه التعليمات، ويواصل الجيش العمل بموجبها - بل هو يعزّزها عبر منظومة الطّمس التي يديرها والتي تضمن ألّا يحاسَب أحد على قتل الفلسطينيّين، سوى في حالات نادرة جدًّا.
أدناه، جزء من الإفادات المعلّقة بأربع من القاصرين الـ31 الذين قتلتهم إسرائيل حتى تاريخ 5.11.18: ناصر مصبح البالغ من العمر11 عامًا وفارس السّرساوي البالغ من العمر 13 عامًا وأحمد أبو حبل البالغ من العمر 15 عامًا وصهيب أبو كاشف البالغ من العمر 16 عامًا.
مقتل ناصر مصبح البالغ من العمر 11 عامًا شمالي بلدة خزاعة في 28.9.18
الصورة
ناصر مصبح، 11 عامًا، يشارك في إحدى المظاهرات. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.
في يوم الجمعة 28.9.18 نحو الساعة 16:00 حضر إلى مظاهرة جرت شماليّ خزاعة ثلاثة أشقاء من سكّان خان يونس من عائلة مصبح: مسعفتان متطوّعتان هما إسلام ابنة ال19 عامًا ودعاء ابنة ال17 عامًا وشقيقهما ناصر ابن ال11 عامًا وهو متطوع في الهلال الأحمر.
تقدّمت الشقيقتان نحو الشريط لأجل إسعاف المتظاهرين المصابين وأبقيتا أخاهما الصغير في منطقة الخيام على بُعد نحو 300 متر من الشريط. بعد مضيّ ساعتين نحو الساعة 17:54 أصيب ناصر بالرصاص برأسه عندما كان على بُعد نحو مائة متر من الشريط.
المسعف عبد الرحمن أبو طعيمة البالغ من العمر 24 عامًا من سكّان عبسان الكبيرة وهو متطوّع في طاقم مسعفين يحمل اسم المسعفة رزان النجّار والذي يتطوّع ضمنه أبناء عائلة مصبح أيضًا. كان عبد الرحمن في المظاهرة نفسها حيث يقدّم الإسعاف للمصابين.
في إفادة أدلى بها يوم 1.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، وصف عبد الرحمن كيف أصيب الفتى ناصر مصبح:
الصورة
عبد الرحمن أبو طعيمة. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 1.10.18
عند الساعة 17:30 بعد أن أسعفت متظاهرًا أصيب قرب الشريط عدت متوجّهًا نحو الخيام لكي أستريح قليلًا. في طريق عودتي إلى هناك رأيت ناصر مصبح يجلس تحت شجرة زيتون مع المسعفة إسلام عوكل وهي مديرة طاقم المسعفين الذي اتطوّع ضمنه. كان ذلك على مسافة نحو عشرة أمتار شماليّ شارع جكر. كان ناصر يلبس ملابس سوداء. قلت لإسلام أنّني أريد أن أستريح قليلًا. بعد أن استرحت بضعة دقائق عدت إلى منطقة المظاهرات. في الطريق التقيت دعاء مصبح شقيقة ناصر، على بُعد نحو ثمانين مترًا من السّلك اللّولبيّ الموضوع على مسافة نحو 15 مترًا من الشريط العازل. سألتني دعاء إن كنت قد رأيت أخاها ناصر. قلت لها إنّه مع إسلام عوكل. اتّصلت دعاء مع إسلام وطلبت منها أن ترسل معدّات طبّية مع أخيها. جلب ناصر المعدّات وسلّمها لدعاء وعندها بقي واقفًا قربنا لبضعة دقائق. طلب المسعف بكر قديح ابن ال 29 عامًا من ناصر أن يبتعد إلى الوراء لأنّنا كنّا في منطقة خطرة. عاد ناصر إلى الوراء. أنا غادرت المكان إلى موقع آخر ولكن بقيت على نفس المسافة من الشريط.
عند الساعة 17:45 رأيت شخصًا يقترب من الشريط. أطلقوا نحوه طلقات تحذيريّة فتراجع هو إلى الوراء. بعد ذلك مباشرة سمعت طلقتين ورأيت شخصًا يقع على الأرض وكان على بُعد 90 مترًا من الشريط. كان أمامي وعلى بُعد بضعة أمتار منّي. تقدّمت نحوه فرأيت أنّه مصاب في كلتي رجليه. قدّمت له الإسعاف الأوّلي. ثمّ سمعت شبّانًا على بُعد بضعة أمتار منّي يقولون: "شهيد شهيد". تركت المصاب وقد أخلاه شبّان آخرون. عدت إلى الخلف نحو الشبّان والشهيد فرأيت أنّهم يتحلّقون حول ناصر - الذي كان ملقًى على الأرض وعلى بُعد نحو 70 مترًا من السّلك اللولبيّ. كان مصابًا برصاصة في رأسه. عندما رأيت ناصر ينزف من الرأس انتابتني الصّدمة ولم أتمكّن من فعل شيء. كنت على يقين بأنّه قُتل لأنّه لم يتحرّك.
بعد ذلك حمله بعض الشبّان وركضوا به إلى سيارة الإسعاف وركضت أنا خلفهم. صعدت إلى سيارة إسعاف أخرى، كان في داخلها المصاب الذي أسعفته من قبل عندما أصيب ناصر. توجّهت سيّارتا الإسعاف إلى العيادة الميدانيّة وتقع على بُعد نحو 700 متر غربيّ الخيام. أخذ الأطبّاء يحاولون إنقاذ ناصر. ذهبت لأطمئن عن حال الشابّ الذي أسعفته من قبل وأيضًا صوّرته بكاميرا فيديو. قالت لي إحدى المسعفات أنّ ناصر قد نُقل إلى المستشفى الأوروبي.
أ. ط. البالغ من العمر 27 عامًا وهو مسعف متطوّع من سكّان عبسان الكبيرة، إدلى بإفادته يوم 7.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، وروى ما يلي:
نحو الساعة 17:45 أطلق الجنود النار نحو المتظاهرين - وكان هناك الكثير من المتظاهرين في ذلك اليوم. رأيت فتًى يقف وينظر نحو الخيام. كان على بُعد نحو 70-80 مترًا من السّلك اللولبيّ. وقع الفتى على الأرض. كنت أبعد عنه مسافة عشرة أمتار تقريبًا. ركضت إليه وعندما وصلت وجدته ملقًى على ظهره، وفي رأسه جُرح وجزء من دماغه خارج الجمجمة. حملناه وركضنا به نحو سيارة الإسعاف التابعة للهلال الأحمر. لم أميّزه ولم أعرف أنّ المصاب هو ناصر مصبح. بعد ذلك عدت إلى منطقة المظاهرات وتابعت عملي.
كان ناصر يشارك في مسيرات العودة في كلّ يوم جمعة وكان يجلب المعدّات الطبّية من العيادة الميدانيّة إلى منطقة المظاهرات. ولكن لأنّ وجه الفتى المصاب كان مليئًا بالدّماء، وكلّ شيء جرى بسرعة، لم أدرك أنّه ناصر.
المسعفة دعاء مصبح البالغة من العمر 17 عامًا - شقيقة ناصر أدلت بإفادتها يوم 8.10.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، حيث تحدّثت عن أخيها:
عندما كنت منشغلة بإسعاف مصابي الغاز المسيل للدّموع بالقرب من الشريط لاحظت أنّ أخي ناصر ليس موجودًا إلى جانبي خلافًا للعادة. أخذت في البحث عنه وسألت شقيقتي إسلام عنه وإذا به يأتي ويناولني محلولًا ويغادر المكان.
عند الساعة 18:30 قلت لإسلام أنه قد حان وقت العودة إلى المنزل وأنّ علينا البحث عن ناصر. بحثت عنه ولم أجده وكذلك المسعفون الذين سألتهم عنه لم يعرفوا أين هو. توجّهت إلى مراكز الإسعاف في الموقع وسألت عنه فقالوا إنّ هناك فتًى أصيب وحالته خطيرة. ذهبت إلى منطقة الخيام وعلى وجه التحديد - إلى خيمة العيادة الميدانيّة لكي أبحث عنه هناك. راجعت السجلّات الطبّية بحثًا عن اسمه ولكن لم أجده. انتظرت في العيادة الميدانيّة. في هذه الأثناء هاتفتني والدتي وقالت لي إنّ ناصر لم يعد إلى المنزل بعد.
جاء رجل أمن إلى العيادة الميدانية وهاتف المستشفى الأوروبي فأرسلوا له صورة لفتًى استُشهد. نظرت فعرفت فورًا أنّه ناصر. إسلام لم تصدّق. قالت أنّ هذا ليس هو.
توجّهنا فورًا إلى المستشفى أنا وإسلام وذهبنا إلى غرفة ثلّاجات الموتى لأجل التعرّف على الجثّة. عندما رأيته عرفت فورًا أنّه هو. أخذنا أنا وإسلام في البكاء والصراخ. كنّا في صدمة. الأشخاص الذين كانوا هناك أخذونا إلى الخارج ونحن نبكي ونصرخ. لم نصدّق أنّ هذا يحدث لنا. كيف يمكننا استيعاب ما حدث؟ ناصر أتى معنا إلى المظاهرة وعدنا بدونه، كيف يمكن استيعاب ذلك؟ لقد سقط أخي الصغير شهيدًا.
في اليوم التالي، يوم السبت، ودّعنا أخي الصغير ناصر في منزلنا وصلّينا لأجله مع جميع أفراد العائلة. كان الافتراق عنه صعبًا جدًّا. احتضنته وقبّلته وبكيت كثيرًا. لم أصدّق أنّ هذا قد حدث له. لقد كان فتًى صغيرًا ولم يفعل شيئًا. لم يحمل سلاحًا ولا قنابل ولا رصاصًا. لقد أطلقوا النار عليه دون أيّ سبب.
ناصر لم يكن أخى فقط. لقد كان كلّ شيء بالنسبة إليّ. كان ينام إلى جانبي، يأكل معي، ولم يكن يفارقني. حتى في المظاهرات لم يكن يفارقني، كان يريد مرافقتي طيلة الوقت. كان يجلب المعدّات الطبية ليساعدني ويساعد شقيقتي إسلام. كان يعرف اللغة الانجليزية بمستوى يجعله يتعرّف على أسماء التجهيزات الطبّية وقد درس دورة إسعاف أوّلي من 30 ساعة في مؤسّسة الهلال الأحمر الفلسطيني ولكنّه لم يحصل على شهادة نظرًا لصغر سنّه. ناصر كان يحلم أن يصبح طبيبًا ولذلك كان يحبّ المجيء معنا إلى المظاهرات كمسعف متدرّب. أدعو الله أن يتغمّده بواسع رحمته وأن يصبّرنا على فراقه.
مقتل فارس السّرساوي البالغ من العمر 13 عامًا شرقي مدينة غزة في 5.10.18
في يوم الجمعة 5.10.18 نحو الساعة 16:00 استقلّ فتيان اثنان من سكّان مدينة غزّة - فارس السّرساوي البالغ من العمر 13عامًا وقريبه محمد وجيه السّرساوي البالغ من العمر 12 عامًا درّاجة "توك توك" واتّجها إلى مظاهرة جرت شرقيّ مدينة غزّة وكانا يحملان معهما إطاران سيّارات. عندما وصلا إلى منطقة المظاهرة تقدّم الاثنان نحو الشريط أشعلا الإطارات وألقيا بأحدها إلى الجهة الأخرى من الشريط كما رشق كلاهما الحجارة. قُتل فارس السّرساوي حين كان ينقل إطارًا نحو الشريط وكان على بُعد نحو خمسة أمتار منه.
محمد السّرساوي أدلى بإفادته أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، محمد صباح، يوم 7.10.18، محدّثًا بما يلي:
محمد وجيه السّرساوي. تصوير: محمد صباح, بتسيلم, 7.10.18
عندما وصلنا، دحرجنا الإطارات إلى جوار الشريط ثمّ أشعلناها. بعد ذلك دحرجنا إطارًا عبر ثغرة في الشريط كان أحدهم قد فتحها من قبل ثمّ رشقنا الحجارة. في مرحلة معيّنة تسلّق فارس الشريط الرئيسي وألقى إطارًا نحو الجهة الأخرى منه. بعد ذلك بينما كنّا ننقل إطارًا إلى جوار الشريط وقع فارس فجأة على الأرض على بُعد بضعة مترات من الشريط. رأيت دماءً تسيل من جهة صدره اليمنى. أمسكت به وأجهشت في البكاء عليه.
جاء شابّ يلبس جلبابًا أسود، حمل فارس وأخذه إلى سيارة الإسعاف. وبينما أنا أركض خلفه جاء ابن عمّي محمد أسعد السّرساوي فأخبرته أنّ فارس قد أصيب، وعندها أخذ فارس ووضعه بمساعدة المسعفين على نقّالة وتابعوا طريقهم إلى سيارة الإسعاف. ركضت من منطقة الخيام نحو منزلنا، لكي أخبر عائلتي أنّ فارس قد استُشهد ولكنّهم لم يصدّقوني. توجّهت نحو المستشفى وهناك تبيّن لي أنّ فارس قد توفّي. بكيت عليه كثيرًا وكنت حزينًا جدًّا لفراقه. لقد كانت تربطنا الصداقة والقرابة العائليّة أيضًا واعتدنا الذهاب معًا إلى مسيرات العودة لكي نرشق بضعة حجارة نحو الجنود. فارس لن يكون معنا بعد اليوم ويصعب عليّ أن أصدّق ذلك. أفكّر فيه طوال الوقت ولا أعرف كيف سأعيش بدونه.
محمد أسعد السّرساوي البالغ من العمر 21 عامًا من سكّان غزّة أدلى بإفادته يوم 7.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، محمد صباح، محدّثًا عمّا حدث في ذلك اليوم:
عندما وصلت إلى المظاهرة نحو الساعة 16:00، رأيت الناس متجمّعين. بعض المتظاهرين بدأوا في إشعال إطارات ورشق حجارة وكان الجيش يردّ بإطلاق الرّصاص الحيّ وقنابل الغاز المسيل للدّموع. وقفت على بُعد نحو مائة متر من الشريط. شاهدت ابناء عمومتي، فارس ومحمد السّرساوي ينقلان إطارات ويقتربان من الشريط. كان هناك فتية وشبّان يشعلون إطارات ويرشقون حجارة. اقترب فارس من الشريط حتى أصبح على بُعد خمسة أمتار منه وأشعل الإطار.
نحو الساعة 17:50 رأيت فارس يقع على الأرض، على بُعد نحو مائة متر من الشريط. كان محمد إلى جانبه. عندما اقتربت منهما، قال لي محمد أنّ فارس قد أصيب. كان شابّ يرتدي جلبابًا أسود يحمل فارس. أخذت فارس منه وتقدّمت به نحو سيارة الإسعاف ووضعه مسعفون على نقّالة ثم أخلوه إلى العيادة الميدانيّة ومن هناك نُقل فارس إلى مستشفى الشفاء.
في مستشفى الشفاء، لم تفلح محاولات إحياء فارس السّرساوي، الذي أصيب في عيار ناري بصدره واضطرّ الأطبّاء إلى إعلان وفاته.
فاطمة السّرساوي البالغة من العمر 43 عامًا متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد من بينهم فارس، أدلت بإفادتها يوم 1.11.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، محدّثة عن مشاعرها اليوم في أعقاب استشهاد ولدها:
منذ أن كان فارس رضيعًا وغزّة تنوء تحت الحصار الإسرائيليّ. لقد شهد حروبًا ثلاثة. لم تكن طفولته لتشبه طفولة أطفال العالم الآخرين. لقد رأى الدبّابات الإسرائيليّة وسمع قصف الطائرات وطلقات الرّصاص الحيّ، كما أنّه ترعرع في عتمة انقطاعات الكهرباء. عندما اندلعت حرب 2014 كان فارس في التاسعة من عمره. قُصف منزلنا وقُتل عدد من أقاربنا. كان يخيفه جدًّا هجير الطائرات وأصوات القصف المدفعي. ومثل جميع الأولاد الذين ينشأون في القطاع المحاصر، كانت حياته ملؤها الخوف والقلق. كنت طوال الوقت أطلب من فارس ألّا يذهب إلى المظاهرات لأنّني خفت أن يصاب جرّاء إطلاق النيران. وقد سبق أن أصيب في هذه المظاهرات أخوه محمد (18 عامًا) وأخوه عبد العزيز (16 عامًا).
في يوم الثلاثاء الموافق 5.10.18 نحو الساعة 18:00 حضر شبّان إلى باب منزلنا وأخبروني أنّ فارس أصيب بجراح طفيفة في الكتف. ظننت أنّ إصابته ليست خطيرة ولكن فجأة رأيت تجمّعًا كبيرًا من الأقارب والجيران قرب المنزل. قالوا لي إنّ إصابة فارس ليست خطيرة، ولكن أخذ ينتابني القلق فطلبت من أبناء إخوة زوجي أن يقولوا لي الحقيقية، أن يخبروني إن كان فارس قد استُشهد، فقالوا لي نعم. بكيت وأغمي عليّ ولم أرغب في التحدّث مع أيّ شخص من أبناء الأسرة. لم أذهب مباشرة إلى المستشفى لأنّني تجنّبت رؤية ولدي ميتًا. لم أذهب حتى أصبحت الساعة 11:00 ليلًا. رأيته في ثلّاجة الموتى. بكيت بكاءًا مريرًا، احتضنته وقبّلته. كنت أردّد "هو الآن بين يدي ربّه فليتغمّده بواسع رحمته وليصبّرني". أحسست أنّني أتمزّق وأنقسم إلى نصفين. عدت إلى المنزل وأنا أبكي - لقد تركته في ثلّاجة داخل غرفة الموتى.
كان فارس يحبّ كرة القدم وركوب الدرّاجة ومشاهدة الصّور المتحرّكة. كان دائمًا يطلب منّي أن أعدّ له أكلة "المفتول". حتى اليوم أبكي كلّما رأيت أصدقاء فارس يذهبون إلى المدرسة أو يلعبون في الحيّ وفارس ليس معهم. لقد كان فارس صبيًّا صغيرًا ولم يشكّل خطرًا على جيش إسرائيل. لماذا أطلقوا النار على ابني بهذه الطريقة؟ ما الذي فعله لهم أصلًا؟
مقتل أحمد أبو حبل البالغ من العمر 15 عامًا قبالة حاجز إيرز في 3.10.18
أحمد أبو حبل. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
في يوم الأربعاء الموافق 3.10.18 نحو الساعة 16:00 استقلّ الصّديقان أحمد أبو حبل ومحمد دوّاس من سكّان بيت لاهيا وكلاهما في الخامسة عشرة من عمره، المواصلات المنظّمة للمشاركة في مظاهرة جرت قبالة حاجز إيرز، شمال بلدة بيت لاهيا. خلال المظاهرة، حين كان الاثنان يجلسان على جانب الطريق، بعيدين نحو مائتي متر على الأقلّ من الشريط، أطلق جنود قنبلة غاز أصابت أحمد أبو حبل في رأسه مباشرة وأردته قتيلًا.
محمد دوّاس أدلى بإفادته يوم 4.10.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، محمد صباح، واصفًا ما حدث في ذلك اليوم:
محمد دوّاس. تصوير: محمد صباح, بتسيلم, 4.10.18
منذ أن بدأت المظاهرات عند حاجز إيرز كلّ يوم اثنين وأربعاء اعتدنا أنا وصديقي أحمد أبو حبل المشاركة فيها ونرشق الحجارة نحو الجنود. نحن نشارك أيضًا في فعاليّات "التشويش اللّيلي". نصل إلى هناك عند غروب الشمس ونرشق الحجارة ونشارك في المظاهرة طيلة ساعة ثمّ نعود إلى منازلنا.
في يوم الأربعاء 3.10.18 نحو الساعة 16:00 ذهبنا أنا وأحمد في حافلة تقلّ المتظاهرين إلى حاجز إيرز. عندما وصلنا كانت الساعة 17:00 تقريبًا، وكان هناك بعض المتظاهرين قرب الحاجز. كان الجيش يطلق قنابل الغاز المسيل للدّموع وبعض المتظاهرين يرشقون الحجارة نحو الجنود. امتلأ الجوّ بالغاز واستنشقنا كميّات كبيرة من الغاز حتى أنّنا لم نعد قادرين على المشي أو الوقوف. ابتعدنا أنا وأحمد عن الحاجز كثيرًا وجلسنا على جانب الطريق لكي نكون بعيدين عن الغاز.
جلسنا متجاورين مدّة عشر دقائق تقريبًا ثمّ فجأة وقع أحمد على الأرض والدخان يتصاعد من رأسه. لقد أصابته قنبلة غاز مباشرة في الرأس. هربت من المكان خوفًا من أن أًصاب. ناديت المسعفين فورًا، لكي يسعفوا أحمد. لقد أخرجوا القنبلة من رأسه. كانت الدّماء تسيل من رأسه بغزارة. حمله المسعفون وأخلوه إلى سيارة الإسعاف التي أقلّته بدورها إلى المستشفى الإندونيسي وكنت أرافقه. بعد وصولنا إلى المستشفى بدقائق معدودة أعلنوا أنّه قد توفّي.
المسعف أحمد أبو فول البالغ من العمر 31 عامًا من سكّان بيت لاهيا وصف في إفادة أدلى بها يوم 9.10.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، ما رآه في تلك المظاهرة:
أحمد أبو فول. تصوير: ألفت الكرد. بتسيلم, 9.10.18
في يوم الأربعاء الموافق 3.10.18 نحو الساعة 17:30، عندما كنت في مظاهرة قرب حاجز إيرز سمعت فتًى يقارب الـ15 من عمره يقول للمتظاهرين: "أننا أخاف قنابل الغاز لأنّني أصبت بقنبلة غاز في ظهري في مظاهرة سابقة". قلت له: "إذا كنت خائفًا من الغاز فلترجع إلى الوراء"، لأنّ الجيش الإسرائيلي كان يطلق وابلًا كثيفًا من قنابل الغاز.
نحو الساعة 18:00 عدت إلى الخلف لكي أسعف مصابًا وأخليه إلى سيارة الإسعاف. كنت على بُعد نحو 180 مترًا من الشريط. في طريق عودتي إلى المتظاهرين أطلقت بضعة قنابل غاز وأصيب متظاهر كان على بُعد 10 أمتار منّي. أسرعت إليه، وكان قد سبقني إليه عدد من المسعفين. كان ملقًى على الأرض وقنبلة غاز مغروسة في رأسه وينبعث منها دخان كثير. انتزع المسعفون القنبلة من رأسه وخرجت معها أجزاء من دماغه. أسعفناه ونقلناه إلى سيارة إسعاف كانت متوقفة على بُعد نحو 50 مترًا.
أطلقت قوّات الأمن على الفتى أحمد أبو حبل قنبلة غاز عندما كان يجلس بعيدًا وتفصله عنهم مسافة 200 متر على الأقلّ، وانغرست القنبلة في رأسه. يبدو أنّ القنبلة كانت من النوع ذي المدى البعيد الذي يفوق في وزنه وسرعة انطلاقه قنابل الغاز المستخدمة عادة. سبق أن حذّرت منظمة بتسيلم من هذا النوع من القنابل مشيرة إلى أن إصابته خطيرة جدًّا. أُعلنت وفاة الفتى أحمد أبو حبل في المستشفى الإندونيسي قرب مخيّم جباليا للّاجئين وكان قد فارق الحياة في الطريق إلى المستشفى.
افتخار الحبل بجانب لافتة لذكرى مقتل ابنها. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 9.10.18
والدة أحمد، السيّدة افتخار أبو حبل البالغة من العمر 56 عامًا متزوّجة وأمّ لعشرة أولاد، أدلت بإفادتها يوم 9.10.18 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد فتحدّثت عن اليوم الذي فقدت فيه ولدها:
كان احمد ابني الصغير وكان يتعلّم في مدرسة صناعيّة. لقد واظب أحمد على المشاركة في المظاهرات التي تجري قرب الشريط، رغم أنّني حاولت منعه مرارًا وحذّرته لأنّني كنت أخاف أن يُصاب أو يستشهد؛ لكنه كان يصرّ على الذهاب مع أبناء الجيران والأصدقاء. في يوم الجمعة، 3.10.18، في ساعات المساء، كانت عندي كنائني وبناتي. كنّ يعلمن عن استشهاد أحمد ولكنّهنّ لم يخبرنني خوفًا من أن يحدث لي سوء. بعد ذلك جاء ابني صامد وأخبرني أنّ أحمد أصيب بجراح طفيفة. فأخذت كنائني يبكين، وعندها سألتهنّ "هل استشهد أحمد؟" فأجبن بنعم وأخذن يعزّينني ويتوسّلن الله أن يصبّرني.
ذهبت فورًا إلى المستشفى الإندونيسي مع ابني ناصر. عندما رأيت أحمد في ثلّاجة الموتى أخذت أبكي وأصرخ. ألقيت بنفسي فوق أحمد وناديته: "أحمد، أحمد، انهض. ها أنا إلى جانبك أريدك أن تقوم وتعود معي إلى المنزل تعال لتنام إلى جانبي". أخرجني أولادي وأقاربي من غرفة الموتى وأعادوني إلى المنزل. لقد احترق قلبي عليه. أحمد استشهد وأنا تركته ورائي في ثلّاجة الموتى. قضيت اللّيل أداعب ملابسه وفراشه ووسادته وسط بكاء لا يتوقّف. كنت أسأل طيلة الوقت: "أحمد، أين أنت!؟". لقد كانت هذه أصعب ليلة مرّت عليّ. قضيت اللّيل أبكي، ولم يغمض لي جفن. كيف أغفو وأحمد قد فارقني؟
في صباح اليوم التالي جلبوا أحمد وهو شهيد، محمولًا على نقّالة. احتضنته وقبّلت وجهه ورأسه، وأنا أبكي وأصرخ. قلت له: "إلى أين يا أحمد! لماذا تتركني؟ من سينام إلى جانبي ومن سيجلب لي الأغراض التي أحتاجها؟".
لقد قتلوا أحمد دون ذنب اقترفه. لم يكبر مثل الجميع، لم يحقّق أحلامه، ولم يتمّ تعليمه الصناعي. لقد كان رؤوفًا عطوفًا عليّ، وكان إذا رآني حزينة أو قلقة يخفّف عنّي ويظلّ يمازحني إلى أن أبتسم. رغم أنّني محاطة بالأولاد والأحفاد أحسّ البيت فارغًا بعد غياب أحمد. كنت دائمًا أقول له إنّه حبّ حياتي. الكلمات الأخيرة التي قالها لي عندما خرج إلى المظاهرة: "نذهب في الباص ونعود في سيّارة الإسعاف" - كأنّه كان يعرف أنّه سيعود شهيدًا.
مقتل صهيب أبو كاشف البالغ من العمر 16 عامًا شمالي بلدة خزاعة في 3.8.18
صهيب أبو كاشف. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
في يوم الجمعة 3.8.18 نحو الساعة 17:00 وصل صهيب أبو كاش البالغ من العمر 16 عامًا من سكّان خان يونس، إلى مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. تقدّم صهيب الذي يعاني اضطرابات سلوكيّة، نحو الشريط، وتجاوز مع شبّان آخرين السّلك اللولبيّ الذي وضعه الجيش على الأرض على مسافة قريبة من الشريط الحدودي. فعل صهيب ذلك وهو يرشق الحجارة بواسطة مقلاع نحو عناصر قوّات الأمن - الذين كانوا منتشرين في الجهة الأخرى من الشريط. بعد أن تجاوز الشبّان السلك اللولبيّ أطلق عناصر قوّات الأمن نيرانًا كثيفة نحوهم وأصابوا صهيب في رقبته.
جارة صهيب، السيّدة مريم أبو موسى البالغة من العمر 56 عامًا أرملة وأمّ لستّة أولاد، عملت سابقًا في سلك التعليم، حدّثت عنه في إفادة أدلت بها يوم 18.9.18 أمام الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة:
مريم أبو موسى. تصوير: خالد العزايزة, بتسيلم, 18.9.18
تقدّمنا حتى وصلنا إلى السّلك اللولبيّ الممدود على الأرض. أشعل شبّان إطارات سيّارات قرب السّلك بينما نحن هتفنا شعارات تطالب بتطبيق حقّ العودة إلى ديارنا. رأيت قبالتنا خلف الشريط بضعة سواتر ترابيّة تقف فوقها مجموعات من الجنود. رأيت بضعة جنود يحملون كاميرات. إلى الغرب من الجنود كانت دبّابة وكان جيبان عسكريّان يجولان في المكان، ومن حين لآخر ينزل منهما جنود ويطلقون نحو المتظاهرين.
قرب الساعة 18:30-18:00 تقدّم صهيب مع مجموعة من الفتية والشبّان وتجاوزوا السّلك اللولبيّ. كان صهيب يرشق الحجارة بواسطة مقلاع. عندما اقتربوا من الشريط فقد أطلق الجنود نحوهم وابلًا من الرّصاص الحيّ. أصيب صهيب في رقبته. وضع يده على رقبته ووقع على الأرض. حمله الشبّان وعادوا به إلى حيث سيارة الإسعاف. كان ينزف من رقبته ولكنّه لم يفقد وعيه. وفق ما شاهدته أصيب في الحادثة نفسها خمسة شبّان.
ركضت نحو سيارة الإسعاف لكي أطمئن على صهيب. عندما كانوا يسعفونه اتّصلت بوالدته وأخبرتها أنّه قد أصيب وربّما يستشهد، لأنّني كنت أدرك أنّ إصابته خطيرة. غادرت سيّارة الإسعاف الموقع وبعد مضيّ نصف ساعة اتّصلت بي والدته وقالت لي أنّ بعض الشبّان أخبروها أنّ صهيب أصيب في رجليه فقط. كانوا يقصدون من ذلك أن يخفّفوا عليها وطأة الخبر. قلت لها: "كلّا. ابنك شهيد. دعي كلّ شيء واذهبي الآن إلى المستشفى الأوروبي".
لدى وقوع الحادثة كان جار صهيب، ياسر أبو سبلة البالغ من العمر 27 عامًا من سكّان خان يونس وهو متزوّج وأب لثلاثة أولاد، يقف على مسافة بضعة عشرات من الأمتار عن الشريط الحدودي. في إفادة أدلى بها يوم 18.9.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، خالد العزايزة، وصف أبو سبلة ما رآه:
نحو الساعة 18:30 رأيت جارنا صهيب أبو كاشف يتقدّم ويجتاز السّلك اللولبيّ. كان يرشق الحجارة نحو الجنود ولكنّ الحجارة لم تصل إليهم. عندما اقترب صهيب وشبّان آخرون من الشريط، أطلق الجنود عليهم النيران وأصيب صهيب في رقبته. كنت أقف خلفه وعلى بُعد نحو عشرين مترًا منه. رأيته وقد وضع يده على رقبته وركض بضع خطوات إلى الخلف، ثمّ وقع على الأرض. عندما أخلوه نحو سيارة الإسعاف ركضت مع الشبّان. كنت في صدمة ولم أعرف ماذا أفعل لأنّني أعرفه جيّدًا. كان يشارك في جميع المظاهرات في كلّ يوم جمعة وقد أصيب أكثر من مرّة جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع.
تمّ إخلاء صهيب أبو كاشف إلى المستشفى الأوروبي في خان يونس وهو موصول بجهاز تنفّس اصطناعي. لاحقًا، تبيّن أنّ الإصابة سبّبت له شللًا رباعيًّا. في 29.8.18 جرى تحويله إلى مستشفى في الخليل حيث أجريت له صور وفحوصات إضافيّة، وفي يوم 13.9.18 أعيد إلى المستشفى الأوروبيّ في خان يونس حيث توفّي متأثّرًا بجراحه في 15.9.18.
والدة صهيب، السيّدة نسرين أبو كاشف البالغة من العمر 42 عامًا وهي متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد حدّثت بما يلي في إفادة أدلت بها يوم 10.10.18 أمام ألفت الكرد، الباحثة الميدانيّة لدى بتسيلم:
نسرين أبو كاشف بجانب لافتة لذكرى مقتل ابنها. تصوير ألفت الكرد، بتسيلم، 28.10.18
شارك صهيب في مظاهرات مسيرات العودة منذ بدايتها وأصيب عدّة مرّات جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع. كان معتادًا على المشاركة في مظاهرات منطقة خزاعة شرقيّ مدينة خان يونس. لطالما حاولت منعه من الذهاب إلى هناك، لأنّني كنت أخاف عليه. كان لديّ إحساس أنّه قد يُصاب وكنت أقول له دائمًا: "سوف تصاب وتظلّ عاجزًا، مثلما أصاب متظاهرين كثيرين آخرين"، لأنّ أشخاصًا كثيرين أصيبوا بجراح بليغة أثناء مسيرات العودة. لكنّ صهيب كان يرفض الاستماع إليّ، وكان يصرّ على الذهاب مع الجيران والفتية الآخرين أبناء الحيّ. كانوا يذهبون إلى شرقيّ خان يونس في مواصلات منظّمة في حافلات. في يوم الجمعة الموافق 3.8.18 خرج صهيب مع أصدقائه إلى مسيرة العودة عند الساعة 16:30. عندما حاولت ثنيه عن الذهاب قال لي إنّهم ذاهبون أصلًا إلى شاطئ البحر وأنّه لن يذهب إلى مسيرات العودة بعد.
عند الساعة 18:00 هاتفتني السيّدة مريم أبو موسى التي تشارك هي أيضًا في مسيرات العودة. قالت لي أنّ صهيب أصيب بجروح بليغة. توجّهت فورًا إلى المستشفى الأوروبي وعندما وصلت كان صهيب في غرفة الـ"CT". دخلت وسألت كيف حاله فقال لي الأطبّاء أنّه بخير. ولكنّني لم أطمئنّ، لأنّ ابني لم يكن قادرًا على الكلام ولا على تحريك يديه ورجليه. نقلوه إلى غرفة العناية المكثّفة لأنّه حالته كانت حرجة وكان موصولًا بأجهزة التنفّس. بعد مضيّ بضعة أيّام قال الأطبّاء أنّ صهيب مشلول في أطرافه الأربعة. انتابتني الصّدمة. بكيت كثيرًا لأنّ صهيب كان أيضًا يعاني آلامًا نتيجة إصابته. ظلّ راقدًا في المستشفى حتى 29.8.18 دون أن يحصل أيّ تحسّن على وضعه. عند ذلك، حوّلوه إلى المستشفى الأهلي في الخليل. سافرت معه، ورقد هناك 14 يومًا. أوصلوا أنبوبًا برئته وثبّتوا أنبوب تغذية مباشرة إلى المعدة.
طيلة هذه الفترة كنت إلى جانبه. كان مرهقًا إلى حدّ كبير وانخفض وزنه. كنت أدعمه نفسيًّا وأوصيه أن يحافظ على معنويّات عالية وألّا يغرق في الاكتئاب أو يستسلم للشعور بالصّدمة. لقد كانت هذه فترة صعبة جدًّا ومُنهكة لكلينا. شعرت أنّ صهيب سيذهب ويتركني. كنت سأرضى أن يبقى كما هو فهذا أهون من موته. لم أستطع تحمّل فكرة فراقه وفقدانه تمامًا.
أصبح صهيب قادرًا على الكلام وفي 13.9.18 أصرّ أن نعود إلى غزة رغم أنّ حالته الصحيّة كانت متردّية تمامًا. غادرنا مباشرة إلى المستشفى الأوروبي في غزة. لم أتركه وكنت دائمًا إلى جانبه. في 15.9.18 كانت حالته صعبة جدًّا، ولكنّي اضطررت أن أعود إلى المنزل لأنّ لديّ طفلة عمرها عشرة أشهر. بقي مع صهيب شقيقاه الاثنان. قلت لهما: "عليكما العناية بصهيب جيدًا جدًّا لأنّ حالته تبدو حرجة جدًّا، وإذا حدث شيء اتّصلا بي". في المنزل كنت أستغلّ كلّ لحظة فراغ لكي أتّصل وأسألهما عن صهيب وفي كلّ مرّة كانا يقولان إنّه متعب جدًّا.
عند الساعة 23:30 رنّ هاتفي النقّال. عادة، لا يهاتفني أحد في مثل هذه السّاعة ولذلك قفزت من فراشي وأنا أقول لنفسي: "يبدو أنّه قد حدث المقدّر وقُضي الأمر لقد توفّي صهيب". وفعلًا، عندما أجبت قال لي أحد ولديّ أنّ صهيب قد فارق الحياة.
ما الذي جناه صهيب لكي يحدث له ذلك؟ كلّ ما في الأمر أنّه شارك في مظاهرة سلميّة. لماذا يصوّبون نحو النساء والفتيان علمًا أنّ الحجر عندما يلقيه فتًى لا يصل حتى إلى المكان الذي يوجد في الجندي الإسرائيلي. لم يشكّل صهيب خطرًا على الجيش الإسرائيلي. لم يحمل سكّينًا أو أيّ سلاح آخر. أنا الآن لا أفارق الهاتف النقّال. طيلة الوقت أشاهد أشرطة الفيديو وصور صهيب أثناء علاجه في المستشفى - في غزة وفي الخليل. أحيانًا أنهض من نومي لكي أشاهدها مرارًا وتكرارًا. كذلك أنظر في ألبومات صوره وأبكي بحرقة وألم. يصعب عليّ فراقه جدًّا. لقد ترك في حياتي فراغًا هائلًا. كان ضحوكًا ودائم الابتسامة. آهٍ كم أشتاق ابتسامتَه وضحكته. من حرمني هذا كلّه؟ الجيش الإسرائيلي. لقد حرموني من رؤيته عريسًا وأبًا لأسرة. حرموني رؤيته حتى آخر عمري.
صهيب أبو كاشف: في 24.4.20 أبلغت النيابة العسكرية المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (PCHR) بأنه لن يتم فتح تحقيق جنائي. في 29.3.20 قدّم المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان (PCHR) إلى المستشار القضائيّ للحكومة اعتراضاً على قرار عدم فتح تحقيق.
خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.
خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.
بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).