سياسة إطلاق النار

قوّات الأمن قتلت ثلاثة فلسطينيّين من بينهم مُسعف خلال مظاهرات مسيرات العودة شرقيّ مدينة رفح - 10.8.2018

الصورة
מימין לשמאל: עלי אל-עאלול, הפרמדיק עבדאללה קוטטי ואחמד אבו לולי

في يوم الجمعة، 10.8.2018، خرج الناس في مظاهرة من ضمن "مسيرات العودة" - التي تجري في قطاع غزة منذ ذكرى "يوم الأرض" في الثلاثين من آذار 2018 -  قرب الشريط العازل، شرقيّ مدينة رفح. خلال المظاهرة - التي شارك فيها آلاف الأشخاص - أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط العازل بين قطاع غزّة وإسرائيل. أطلقت القوّات نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدموع والرّصاص الحيّ وقتلت ثلاثة أشخاص من سكّان رفح: أحمد أبو لولي، 30 عامًا، الذي أصيب في منطقة الحوض؛ المُسعف عبد الله القططي، 22 عامًا، أصيب في الصّدر؛ وعلي العالول، 54 عامًا، أصيب في الصّدر. قُتل الثلاثة قرب الشريط، بين الخامسة والسادسة مساءً.

بيّن التحقيق الميدانيّ الذي أجرته بتسيلم أنّ أبو لولي والقططي لم يشكّلا أيّ خطر على عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. ولم تتمكّن بتسيلم من تقصّي الحقائق كاملة حول ملابسات مقتل العالول. 

مقتل أحمد أبو لولي

نحو السّاعة 16:30 أخذت أعداد المتظاهرين تتزايد اذ تقدّموا نحو الشريط. كان أحد المشاركين يعقوب أبو سنيمة ابن 38 عامًا ومن سكّان رفح وهو أب لخمسة أولاد؛ وقد جاء برفقة صديقه أحمد أبو لولي. 

الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، استمعت في يوم 13.8.2018 إلى إفادة أبو سنيمة الذي وصف ما جرى في ذلك اليوم كما يلي: 

 

الصورة
يعقوب أبو سنيمة. تصوير: ألفت الكرد, 13.8.18

قال لي أحمد أنّه يريد التقدّم إلى الأمام، إلى المنطقة القريبة من الشريط العازل. كانت بداية المظاهرات وعدد المشاركين لا يزال قليلًا. قلت له أنّه لا يوجد متظاهرون وأنّني لا أريد التقدّم خوفًا من أن يطلقوا علينا الرّصاص. لاحقًا، رأينا عددًا من المتظاهرين يتقدّمون نحو الشريط العازل فتقدّمنا نحن أيضًا. كنّا في الجهة الجنوبيّة من الشريط وكان بعض المتظاهرين في الجهة الشماليّة. وقفنا أنا وأحمد متجاورين وعلى بُعد نحو 15-20 مترًا من الشريط. نحو الساعة 17:30 سمعت صوت طلقة، ارتمى أحمد على الأرض وقال لي: "وقعت عليك… ما الذي حصل؟". فحصت جسمي ولم أجد شيئًا. نظرت إلى أحمد وقلت له "أنت مصاب". رأيت دمًا على الأرض. وصل مسعفون وأخذوا أحمد فورًا لأنّه كان ينزف بقوّة.

صابرين قشطة، مسعفة متطوّعة (28 عامًا، من سكّان رفح، متزوّجة وأمّ لطفلة)، شاركت في المظاهرة ضمن طواقم الإسعاف.

 

في إفادة أدلت بها يوم 12.8.2018 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، قالت صابرين:

الصورة
صابرين قشطة. تصوير: ألفت الكرد, 12.8.18

نحو الساعة 16:30 أخذت أعداد المتظاهرين تتزايد وبعد ذلك تقدّموا إلى الجدار. تقدّمت أنا والمسعف عبدالله قططي مع المتظاهرين وكان معنا مسعفون آخرون. لم نمش إلى جانب المتظاهرين لأنّنا خشينا أن يطلق الجيش الإسرائيلي النار علينا ويزعم بعد ذلك أنّه لا يستهدف الطواقم الطبّية متعمّدًا؛ أو يزعم أنّ الطواقم الطبّية تمنح غطاءً للمتظاهرين. عند الساعة 17:00 تقريبًا، كنت أنا وعبدالله على مسافة نحو عشرين مترًا من الشريط. كنّا نرتدي زيّ المسعفين وعليه الشارة الخاصّة المعروفة وعليه بطاقة تعريف خاصّة بالطواقم الطبّية. في تلك اللحظات كان إطلاق نار من جانب جنود الجيش الإسرائيلي المنتشرين فوق سواتر ترابيّة. رأيت ربّما ثلاثة جنود فوق السّواتر الترابيّة، وجنديّ آخر يقف إلى جانبهم ويحمل بندقيّة قنّاصة. 

كنت أقف على بُعد متر واحد خلف أحمد أبو لولي، الذي أصيب جرّاء إطلاق الرّصاص. وقع المصاب أرضًا، وتقدّمت مع عبدالله لكي نقدّم له الإسعاف الأوّلي. كان الجريح مستلقيًا على جانبه المصاب وقلبه عبدالله على الجانب الآخر. كان مصابًا في منطقة الحوض. ضمّدنا جرحه سويّة، ثمّ حمله عبدالله بمساعدة مسعفين آخرين ونقلوه مباشرة إلى سيارة الإسعاف.

أخلت سيارة الإسعاف المصاب أبو لولي إلى العيادة الميدانيّة، ومن هناك تمّ نقله في سيارة إسعاف إلى المستشفى الأوروبي الواقع جنوبي خان يونس حيث تبيّن دخول وخروج الرّصاصة من منطقة الحوض. أجريت له عملية وفي اليوم التالي توفّي متأثّرًا بجراحه.

حدّث أبو سنيمة في إفادته بما يلي:

في اليوم التالي وعند الساعة 4:00 صباحًا، اتّصل شقيق أحمد وأبلغني أنّ أحمد قد توفّي. بعد ذلك ذهبت إلى منزل العائلة للمشاركة في عزاء أحمد والإعداد لجنازته. فراق أحمد كان صعبًا جدًّا بالنسبة إليّ - لقد كان صديقي، وبمثابة أخ لي. كنا نقضي أوقاتنا معًا، وفجأة أفقده هكذا دون أيّ مبرّر. لقد ترك وراءه زوجة وخمسة أولاد. ابنته البكر، لمى، ابنة الـ11 عامًا، مكفوفة البصر؛ والصغير، كريم، لا يزال رضيعًا ابن ستّة أشهر. لقد فقد الأولاد أباهم وهو ترك وراءه والده، أمّا والدته فقد قُتلت في حرب عام 2014. كان أحمد عاطلًا عن العمل ووضع العائلة الاقتصادي سيّئ جدًّا. من سوف يعيل زوجته وأولاده الآن؟ ويجب التذكير بأنّ أحمد كان متظاهرًا أعزل وشارك في مظاهرات سلميّة ولم يفعل شيئًا ولم يشكّل خطرًا على الجيش الإسرائيلي.

مقتل المسعف عبدالله القططي

بعد إطلاق الرّصاص على أبو لولي بوقت قصير، ونظرًا لكثافة النيران، قرّر جزء من المتظاهرين والمسعفين الانتقال شمالًا مسافة مائتي متر، إلى موقع ظنّوه أكثر أمنًا وهدوءًا. بيد أنّهم اكتشفوا أنّه توجد قرب الجنود دبّابتان تطلقان النيران المدفعيّة تجاه الأرض قرب المتظاهرين.

 قالت المسعفة صابرين قشطة في إفادتها: 

في الشمال فوجئنا بوجود دبّابتين وقنّاصة ينتشرون فوق سواتر رمليّة وعلى برج عكسريّ. أخذت الدبّابتان تطلقان النيران الحيّة نحو المتظاهرين. سقط عدد من الجرحى وأصيبت سيّارات إسعاف أيضًا. نظرًا لوقوع إصابات ولكثافة النيران تراجع بعض المتظاهرين إلى الخلف.

في ذلك الوقت ونحو الساعة 18:00 اذ كنّا نقف قرب المتظاهرين - أنا وعبدالله ومسعفان آخران هما صابرين السطري ورائد الشريف. كنّا على بُعد نحو عشرة أمتار من الشريط اللولبيّ الممدود على الأرض على بُعد نحو عشرة أمتار من الشريط الحدوديّ العازل. أصيب أشخاص قرب الشريط وكانوا يطلبون منّا المجيء لإسعافهم. أخذنا نركض نحوهم، أنا وصابرين، فيما الدبّابات تواصل إطلاق النيران. قال لي عبدالله: "صابرين ارجعي! الدبّابة تطلق النيران نحونا!". قلت له: "ابق أنت في الخلف" ولم يصدر عنه صوت بعد ذلك.

أسعفنا المصابين جرّاء استنشاق الغاز وعُدنا بسرعة إلى الوراء. عندما عدت قال لي زميلي رائد أنّ عبدالله أصيب. كان حول عبدالله متظاهرون يصيحون "شهيد.. شهيد". حمله بعض المتظاهرين وصرخت أطلب منهم أن يسرعوا لأنّ عبدالله كان ينزف بقوّة، واعتقدت أنّ الرّصاصة اخترقت ظهره وخرجت من القلب.

واصلت الدبّابتان إطلاق النيران بكثافة حتّى أثناء إخلاء عبدالله وبصعوبة شديدة تمكّن الشباب من إخلائه. لقد كانوا يتقدّمون به نحو سيارة الإسعاف وهم تحت النيران. نظرًا لكثافة النيران في تلك اللحظات فلم نتمكّن أنا ونسرين من الخروج من هناك.

نقلت سيّارة الإسعاف عبدالله إلى العيادة الميدانيّة وهناك قدّموا له الإسعاف الأوّلي وأدخلوه مباشرة إلى سيارة إسعاف نقلته إلى المستشفى. في هذه الأثناء كنت قد تمكّنت من الوصول إلى منطقة الخيام فصعدت إلى سيّارة الإسعاف ورافقت عبدالله إلى المستشفى.

المسعف رائد الشريف (19 عامًا، من سكّان مخيّم الشابورة للّاجئين) كان يقف بجانب القططي عندما أصيب الأخير. الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، ألفت الكرد، استمعت إلى إفادة الشريف يوم 12.8.2018، حيث وصف ما جرى عندئذٍ:

الصورة
رائد الشريف. تصوير: ألفت الكرد, 12.8.18

في الجهة الشماليّة كانت دبّابتان تطلقان النيران بكثافة. وقع عدد من الجرحى وتقدّمنا لكي نسعفهم. في هذه اللحظة كنّا على بُعد عشرة أمتار من الشريط اللّولبيّ. كانت المسعفة صابرين قشطة تتقدّمنا وعبدالله أخذ يناديها ويطلب منها الرجوع لأنّه خشي أن تُصيبها النّيران. كنت أقف إلى جانبه وعندها أطلق علينا القنّاصة الإسرائيليّون النيران فأصابت إحداها عبدالله مباشرة. كان ذلك في السادسة مساءً. إضافة إلى ذلك كانت هناك نيران كثيفة تطلقها الدبّابتان.

عندما أصيب عبدالله أمسك بيدي. سألته "ما الذي جرى؟"، لكنّه انهار فورًا ووقع على الأرض. أدركت أنّه أصيب وفورًا لاحظت أنّه ينزف. أخذت أفتّش من موضع الإصابة. في هذه الأثناء عادت صابرين وكنّا في صدمة كلانا. لم نصدّق أنّ عبدالله أصيب ولم يكن ما نقدّمه له سوى تضميد الجرح لكي نوقف النزيف. بعد عدّة دقائق حمله عدد من الشباب وأخذوه - تحت نيران الدبّابات - إلى حيث تقف سيّارات الإسعاف، على شارع جكر. 

نأتي أنا وزملائي إلى منطقة الحدود شرقيّ غزة بصفتنا مسعفين متطوّعين فلماذا يطلق الجيش الإسرائيلي النيران علينا؟ واضح تمامًا أنّنا مسعفون حيث نرتدي الزيّ الأبيض وعليه شارة وزارة الصحّة وبطاقة تعريف. ومن الواضح أنّنا لا نشكّل أيّ خطر على الجيش. لا نحمل في أيدينا سوى لوازم الإسعاف الأوّلي. نحن نتواجد هناك فقط لكي ننقذ المصابين. 

تمّ إخلاء القططي اذ أصيب في صدره بالرّصاص الحيّ إلى مستشفى يوسف النجّار في رفح ومن هناك نُقل إلى المستشفى الأوروبي جنوب خان يونس. جرت محاولات إحيائه طيلة أربعين دقيقة بعد وصوله ولكن دون جدوى ثمّ أعلن الأطبّاء وفاته. 

منذ أن ابتدأت المظاهرات قرب الشريط العازل قُتل على الأقل 170 فلسطينيًّا، بينهم 31 قاصرًا على الأقل، في حين لم تشكّل أغلبيّتهم السّاحقة أيّ خطر على عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الجدار. إضافة إلى ذلك جُرح أكثر من 5,300 شخصًا بالرّصاص الحيّ. عبد الله القططي هو ثالث المسعفين القتلى خلال هذه المظاهرات. قبل ذلك فقد قتلت قوّات الأمن في 14.5.2018، المُسعف موسى أبو حسنين ابن ال34 عامًا خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين؛ والمسعفة روزان النجار ابنة ال20 عامًا في 1.6.2018 خلال مظاهرة جرت شماليّ بلدة خزاعة. 

هؤلاء القتلى والجرحى هم نتاج مباشر لسياسة إطلاق النّار التي تطبّقها إسرائيل منذ ابتدأت مظاهرات "مسيرات العودة"، رغم علمها سلفًا بنتائجها الفتّاكة؛ ممّا يؤكّد عُمق استهتار السلطات الإسرائيليّة بحياة الفلسطينيين وعدم اكتراثها لموتهم أو إصابتهم. لو لم يكن الأمر كذلك لغيّرت إسرائيل سياسة إطلاق النار منذ زمن وأوقفت إطلاق النيران على متظاهرين عُزّل لا يعرّضون حياة أحد للخطر ويتواجدون أصلًا في الجانب الآخر من الشريط العازل. هذه السياسة جريمة تتكرّر مرّة تلو الأخرى والجيش يواصل تطبيقها دون أيّ تغيير - بل هو يعزّز هذه الممارسات بما لديه من أجهزة طمس الحقائق التي تضمن ألّا يُحاسب أحد على قتل الفلسطينيّين في جميع الحالات تقريبًا. 

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب

قطاع غزة

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط. في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21. بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين. نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل: في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: : تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها. أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي. أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21 أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز. بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى. عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان. في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى: كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي. نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن. عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر. في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل. في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد. كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.

28 تشرين الأول/أكتوبر 2021