سياسة إطلاق النار

إطلاق النّار على يد الجنود كان متعمّدًا بهدف قتل المُسعفة روزان النجّار في قطاع غزّة

17 تموز/يوليو 2018، حُدّث في 14 شباط/فبراير 2023

الصورة
רוזאן א-נג'אר באוהל הרפואי בהפגנות השיבה. צילום: עבד אל-עזיז א-נג'אר

عندما نادوا للخروج في مسيرات العودة عند حدود قطاع غزّة قرّرت روزان أن تكون أولى المشاركات من بين المتطوّعات، وذلك لشدّة إيمانها بالعمل الإنسانيّ. وقد شجّعها على ذلك اعتقادها بأنّ المسيرات آمنة، وأنّ حضورها هناك ضمن طواقم الإغاثة الطبّية كفيل بحمايتها. كنت أراها وهي تعمل كمسعفة متطوّعة في المظاهرات. كانت تتنقّل مثل فراشة من هنا إلى هناك لتقدّم العلاج للجرحى. كنت فخورة لرؤيتها وهي تعمل في الميدان وكنت مطمئنّة عليها لأنّها مسعفة. اعتقدت أنّ الجيش الإسرائيلي لن يلحق بها الأذى.

هكذا تحدّثت والدة روزان - صابرين النجّار، 43 عامًا متزوّجة وأمّ لستّة أولاد وهي من سكّان خُزاعة. روزان النجّار ألبالغة من العمر 20 عامًا عملت هناك مسعفة متطوّعة، لكنّ الجنود قتلوها متعمّدين خلال مظاهرة جرت يوم 1.6.2018 شماليّ خُزاعة الواقعة الى الشرق من خان يونس - ضمن فعاليّات مسيرات العودة التي تجري في قطاع غزّة منذ نهاية شهر آذار 2018. شارك الآلاف في تلك المظاهرة وقام بعض المتظاهرين بإشعال الإطارات ورشق الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن، الذين كانوا منتشرين في الجانب الآخر من الشريط الفاصل بين القطاع وإسرائيل. أطلقت القوّات النيران الحيّة وقنابل الغاز المسيل للدّموع نحو المتظاهرين. بعد صلاة العصر ارتفعت أعداد المشاركين في المظاهرة وعمل طاقم مسعفين في المكان على تقديم الإسعاف الأوّلي للمتظاهرين المصابين جرّاء استنشاق الغاز. نحو الساعة 18:00 تقدّمت مجموعة مسعفين باتّجاه الشريط لإنقاذ شابّين أصيبا جرّاء استنشاق الغاز وكان أعضاء الطاقم يرتدون ملابسهم التي تعرّف بمهمّتهم الطبّية ويرفعون أيديهم في الهواء.

المسعف رامي أبو جزر (29 عامًا من سكّان خان يونس) كان يعمل متطوّعًا إلى جانب روزان النجّار. في إفادته التي أدلى بها يوم 3.6.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم، خالد العزايزة، وصف رامي ما حدث:

الصورة
رامي أبو جزر. تصوير: خالد العزايزة ، بتسيلم ، 3.6.18

في يوم الجمعة 1.6.2018 كالمعتاد في الأسابيع الأخيرة أتيت إلى منطقة خيام المتظاهرين وجلست داخل سيّارة الإسعاف التي كانت متوقّفة في الجوار. كان ذلك بعد صلاة العصر بقليل حوالي الساعة 16:30. وصلت زميلتي روزان النجّار وتبادلنا أطراف الحديث قليلًا. كانت مسرورة لأنّها اقتنت هاتفًا خلويًّا جديدًا. طلبت منّي الاحتفاظ بالهاتف لأنّها ستذهب للاعتناء بالمتظاهرين وخشيت أن يقع منها. ولأنّني عزمت على مرافقتها في مهمّة الإسعاف أمّنت الهاتف لدى زميل آخر لنا. تناولت روزان معدّات الإسعاف الأوّلي وذهبنا سويّة مع بقيّة المسعفين لكي نعالج الجرحى الذين أخذوا يصلون في أعقاب تصعيد المواجهات بين المتظاهرين والجنود. كان هنالك نحو 70 مصابًا جرّاء استنشاق الغاز. في الجانب الآخر من الشريط الفاصل كان عدد من الجيبات وجنود يطلقون منها قنابل الغاز. كما رأيت جنودًا يطلقون قنابل الغاز بواسطة بنادق خاصّة.

بعد ذلك اتّجهت نحو المتظاهرين مع مسعفين آخرين - من بينهم روزان النجّار، رشا قديح، رضا النجّار ومحمود عبد العاطي. وبينما كنّا نقف قريبًا من المتظاهرين سمعنا أشخاصًا يصرخون قائلين أنّ شابّين قد أغمي عليهما قرب السّلك اللّولبيّ الشائك الممدود على الأرض على بُعد نحو 10 أمتار من الشريط الفاصل. قرّرنا التوجّه نحو الشابّين لإنقاذهما وكنت أنا وروزان في المقدّمة وقد رفعنا أيدينا فوق رأسينا لكي نهدّئ الجنود ونُفهمهم أنّنا مسعفون. كنّا جميعًا نرتدي "الفِسْت" الطبّي وعليه شعار طواقم الإسعاف الأوّلي. عندما وصلنا إلى الشابّين وشرعنا في نقلهما لإسعافهما أخذ الجنود يطلقون قنابل الغاز علينا، وبكثافة. أعتقد أنّهم كانوا يطلقونها من أحد الجيبات العسكريّة. بدأت تظهر أعراض الاختناق على روزان ورشا فطلبت من محمود أن يهتمّ بإسعاف روزان بينما أهتمّ أنا بإسعاف رشا. بعد ذلك ابتعدنا نحن الأربعة عن الشريط وبقي هناك شباب ومسعفون تمكّنوا من إنقاذ الشابّين المصابين جرّاء استنشاق الغاز. بعد أن ابتعدنا شعرنا بتحسّن فقرّرنا متابعة مهمّتنا الإسعافيّة وتوجّهنا لنقف قريبًا من المتظاهرين. وقفنا على بُعد نحو 10 أمتار منهم ونحو 25 مترًا من الشريط. لم يكن في جوارنا أيّ متظاهر. عند الساعة 17:45 تقريبا رأينا جنودًا ينزلون من جيب عسكريّ ويركعون ويصوّبون سلاحهم نحونا في وضعيّة قنص. كانت روزان تقف إلى يميني ورشا خلفي - وكنّا نتحدّث. فجأة أطلق الجنود علينا عيارين ناريّين. نظرت إلى روزان فوجدتها تشير إلى ظهرها ثمّ وقعت أرضًا. بعد ثانية واحدة وقعت أنا أيضًا لأنّ عيارًا أصابني فوق الرّكبة اليسرى. لاحقًا قيل لي إنّ روزان أصيبت في الجانب الأيسر من الصّدر ومحمود أصابته شظايا في يده اليمنى وفي منطقة الحوض.

المسعف محمود عبد العاطي (34 عامًا وهو من سكّان خان يونس) أدلى بإفادته يوم 3.6.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة. وصف محمود الحدث كما يلي:

الصورة
محمود العطي. تصوير: خالد العزايزة ، بتسيلم ، 3.6.18

بعد السّاعة 17:30 بقليل سمعنا أنّ شابّين اختنقا جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع وأنّهما قريبان من السّلك اللّولبي الشائك الذي يبعد نحو 10 أمتار عن الشريط الفاصل. كان أحدهما مغمًى عليه والثاني أشار لنا بيديه ففهمنا أنّه بحاجة لإسعاف. اتّجهت إلى هناك سيرًا على الأقدام مع عدد من المسعفين وكنّا نرتدي "الفِسْت" الخاصّ بالمسعفين وعليه "لوغو" الإغاثة الطبية الفلسطينية. كنت مع رامي أبو جزر، رشا قديح، روزان النجّار وعدد آخر من المسعفين وكنّا نرفع أيدينا فوق رؤوسنا.

وصلنا إلى الشابّين المصابين وفجأة أطلقت من الجيبات صلية قنابل غاز مباشرة نحونا. اختنقت رشا وروزان جرّاء استنشاق الغاز فأسعفتُ روزان بواسطة رشّ الكحول قرب أنفها - لكي تبقى متيقّظة وغسلت وجهها بمحلول الملح لتخفيف الشعور بالحَرَقة. في هذه الأثناء قدّم رامي الإسعاف لزميلتنا رشا. كنّا على بُعد نحو 20 مترًا من السّلك اللّولبي فيما بقيّة أعضاء الطاقم أخلوا الشابّين المصابَين جرّاء الغاز إلى مكان آمن بعيدًا عن الشريط. بعد ذلك رجعنا ووقفنا إلى الشمال الغربي من المتظاهرين على بُعد نحو 10 إلى 20 مترًا من السلك اللّولبي.

قرب الساعة 17:45 نزل جنديّان من جيب عسكريّ وصوّبا بندقيّتيهما نحونا. أطلقا عيارين أصاب أحدهما روزان في يسار الصدر وخرج من ظهرها. في اللحظة نفسها أصبت من شظايا عيار ناري في منطقة الحوض واليد اليمنى. زميلي رامي أصابه عيار في أعلى رجله اليسرى إضافة إلى شظايا أصابته في رجله اليمنى ويده اليسرى. 

أخلى أعضاء الطاقم الطبّي روزان وهي مغمًى عليها إلى خيمة الاسعاف الميداني في منطقة الخيام. من هناك تمّ نقلها في سيّارة إسعاف إلى المستشفى الأوروبي الواقع جنوبَ خان يونس حيث استمرّت محاولات إحيائها نحو نصف السّاعة ثمّ أعلنت وفاتها. أيضًا رامي أبو جزر ومحمد عبد العاطي نُقلا إلى المستشفى الأوروبي وبعد إخراج الشظايا ومعالجة جروحهما غادرا إلى منزليهما.

 

الصورة
صابرين النجار مع ملصق في ذكرى ابنتها روزان. الصورة: أولت الكرد ، بتسيلم ، 1.7.18

في إفادتها من يوم 1.7.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم، ألفت الكرد، تحدّثت صابرين النجّار عن ابنتها قائلة:

كانت روزان فتاة بريئة محبّة للحياة دائمة الابتسامة. كانت تحلم أن تدرس التمريض في الجامعة لكنّ وضعنا الاقتصادي لم يسمح بذلك فاكتفت بدورات الإسعاف الأولي في مستشفى ناصر في خان يونس. عندما دعوا للخروج في مسيرات العودة عند حدود قطاع غزّة كانت روزان بين أوائل من تطوّعوا لتقديم المساعدة وذلك لشدّة إيمانها بالعمل الإنسانيّ. كنت أراها وهي تعمل متطوّعة في المظاهرات تتنقّل مثل فراشة وتركض من هنا إلى هناك لتقدّم العلاج للجرحى. كنت فخورة لرؤية روزان وهي تعمل في الميدان وكنت مطمئنّة عليها لأنّها مسعفة. اعتقدت أنّ الجيش الإسرائيلي لن يلحق بها الأذى".

يوم الجمعة في ساعات المساء اتّصل جارنا وأخبرنا أنّ روزان قد أصيبت. فورًا هاتفت زوجي واتّجهنا مباشرة إلى المستشفى الأوروبي جنوبَ خان يونس. هناك وجدنا أنّها في غرفة العناية المكثّفة. قلت للحرّاس أنّني أريد رؤيتها لكنّهم لم يسمحوا لي. لم أستمع إليهم دفعت الباب بقوّة ودخلت إليها. رأيتها ممدّدة بلا حراك. ضممتها وقلت لها: "روزان انهضي! إنّه فقط غاز مسيل للدّموع قومي ماما قومي يا حبيبتي". كانت كلّ ملابسها ملطّخة بالدماء. أخذت أبكي وأصرخ حتّى شعرت بأنّ روحي تفارقني. لقد أدركت أنّني لن أراها ثانية. لقد فقدت ابنتي ولن تعود إليّ أبدًا. لن أستطيع أن أضمّها من بعد الآن. حياتي صعبة جدًّا من بعد موتها. أحيانًا أناديها عندما نجلس لتناول الطعام لأنّني أحسّ أنّها لا تزال معنا ولم تمت. الأمر صعب بالنسبة لجميع أفراد العائلة. إنّي أصلّي لأجلها ليل نهار وأدعو الله أن يتغمّدها برحمته ويدخلها جنّته. فراقها صعب جدًّا. ما الذي فعلته روزان لكي يقتلوها هكذا؟ 

حاول الناطق بلسان الجيش التنصل من مسؤولية الجيش عن مقتل روزان النجار. في البداية أعلن أنّ الجنود الذين أطلقوا النار في المنطقة لم يصوّبوا أبدًا نحو المكان الذي كانت تقف فيه. لاحقًا أعلن أنّ روزان النجّار قُتلت على ما يبدو جرّاء إصابتها "بشظية رصاصة" وفي نهاية المطاف زُعم أنّها عملت كـ"درع بشريّ لتحمي مثيري الشّغب". مقابل هذه الرّوايات الكثيرة التي صدّرها الجيش وقائع الحادثة لا تقبل الشكّ: يثبت تحقيق بتسيلم أنّ أحد عناصر قوّات الأمن قتل روزان النجّار البالغة من العمر 20 عامًا عمدًا وبتصويب مباشر نحوها من مسافة تقارب 25 مترًا - رغم أنّها لم تشكّل خطرًا عليه أو على أيّ شخص آخر وعِلمًا أنّها كانت ترتدي زيّ الطواقم الطبّية.

مقتل روزان النجّار يعتبَر نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النّار التي تتّبعها إسرائيل منذ بدء مسيرات العودة. وقد باتت معلومة النتائج الفتّاكة لهذه السياسة: منذ بدء المظاهرات في 30.3.2018 قُتل جرّاء تطبيق هذه السياسة 127 متظاهرًا بينهم 18 قاصرًا على الأقلّ ومعظمهم لم يشكّل خطرًا على قوّات الأمن الذين انتشروا في الجانب الآخر من الشريط الفاصل. إضافة إلى ذلك أصيب أكثر من 4100 شخص جرّاء إطلاق الأعيرة الناريّة. استهدفت هذه السياسة أعضاء طواقم الإغاثة الطبّية أيضًا. هكذا في 14.5.2018 - وقبل مقتل المسعفة روزان النجّار بأسبوعين - قتلت قوّات الأمن المسعف موسى أبو حسنين البالغ من العمر 34 عامًا خلال مظاهرة جرت شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. تفيد المعطيات التي نشرتها منظّمة الصحّة العالمية أنّه حتّى 10.7.2018 كان عدد المسعفين المصابين قد بلغ 357 مسعفًا حيث أصيب 26 منهم بأعيرة ناريّة و37 جرّاء إصابة مباشرة بقنبلة غاز و12 أصيبوا بشظايا ولم تردْ تفاصيل حول بقيّة الإصابات. كذلك استُهدفت 58 سيّارة إسعاف.

محاولات الناطق بلسان الجيش وجهات رسميّة أخرى التنصّل من مسؤولية الجيش عن مقتل روزان النجّار لا تقع ضمن إجراء كشف الحقائق للجمهور الذي تقوم به عادة السلطات المخوّلة. بل على عكس ذلك هذه المحاولات تقع ضمن النشاط الدّعائي الترويجيّ الذي تقوم به السلطات - المسؤولة عن سياسة إطلاق النّار هذه وغايتها تقليص الأضرار اللّاحقة بسمعة إسرائيل وصورتها ما أمكن، عن طريق إخفاء الحقائق وطمسها. لكنّ الدّعاية أمر والواقع أمرٌ آخر. والواقع أنّ السلطات الإسرائيلية لا تكترث لمقتل الفلسطينيين وإلّا لغيّرت إسرائيل سياسة إطلاق النار منذ زمن وتوقّفت عن إطلاق النار على المتظاهرين العزّل المتواجدين أصلًا في الجانب الآخر من الشريط بحيث لا يشكّلون خطرًا على أيّ كان. تتأكّد إجراميّة هذه السياسة كلّ مرّة من جديد عندما يواصل الجيش تطبيقها دون أيّ تغيير - بل هو يدعمها بواسطة أجهزة الطمس العسكريّة التي تضمن في كلّ الحالات تقريبًا ألّا يحاسَب أحد على قتل الفلسطينيّين حتّى لو كانت ملابسات فعلته فاضحة كما في حالة قتل روزان النجّار.

تحديث: في 29.10.18 نشرت وسائل الإعلام أنّه تمّ فتح تحقيق جنائيّ.  في 15.3.21 أبلغت النيابة العسكريّة بتسيلم بأنّه قد تمّ تحويل الملفّ  إلى محامٍ من النيابة للنظر فيه.  في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأنه تم إغلاق ملف التحقيق بدون تقديم لائحة اتهام. 

مواد مقترحة

מוסטפא ד'אהר בבית החולים עם בן דודו מוחמד. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 6.5.18

سياسة إطلاق النار

هكذا يفعلون بالفتى إذا احتجّ على سَجنه في غزّة

منذ 30.3.2018 جرت قرب الشريط الحدودي في قطاع غزة سلسلة من المظاهرات تراوحت اعداد المشاركين فيها بين المئات وعشرات الآلاف. قُتل حتى الآن خلال هذه المظاهرات عشرات الأشخاص بنيران قوّات الأمن بينهم 12 قاصرًا على الأقلّ وجُرح أكثر من 3,600 جرّاء إطلاق الرّصاص الحيّ. تفيد معطيات نشرتها منظّمة الصحة العالميّة أنّه حتّى يوم 22.5.2018 أجرى الأطبّاء في قطاع غزة 32 عمليّة بتر أعضاء من بينها 27 عمليّة بتر أطراف سفليّة. تُظهر الإفادات التي جمعتها بتسيلم من فلسطينيين جُرحوا خلال المظاهرات أنّ النيران أطلقت عليهم في حين لم يشكّلوا خطرًا على حياة أحد بل إنّ بعضهم أصيب حين كان على بُعد مئات الأمتار من الشريط. في بعض الحالات على الأقلّ - لئلّا نقُل في جميعها - أطلقت قوّات الأمن النيران أيضًا على من حاولوا الاقتراب من الجرحى لتقديم الإسعاف لهم. هذه الأعداد الهائلة من الجرحى في المظاهرات لا سابق لها وهي ناجمة عن تعليمات إطلاق النار المخالفة بوضوح للقانون التي صدرت لقوّات الأمن. سمحت هذه التعليمات بإطلاق النار على متظاهرين عُزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد ويتواجدون داخل قطاع غزّة في الجانب الآخر من الشريط الحدوديّ. رغم هذه النتائج الوخيمة والتي كانت متوقّعة من تطبيق تلك التعليمات - رفضت جميع الجهات الرسميّة تغيير التعليمات وواصلت ادّعاءها بأنّها تنسجم والقانون بل دافعت عنها أمام محكمة العدل العليا، التي صادقت على هذا الواقع بختمها. ليست الجراح البليغة سوى بداية القصّة. من الصّعب جدًّا حتّى لمنظومة صحّية معافاة وتعمل كما ينبغي أن تجابه هذا العدد الهائل من الجرحى فكم بالحريّ منظومة الصحّة في قطاع غزة الذي كان على شفا انهيار حتّى قبل بدء المظاهرات. نتيجة لهذا الظرف المتشابك وجد كثير من الجرحى أنفسهم دون إمكانيّة لتلقّي العلاج اللّازم لهم. وفقًا لمعطيات نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة فإنه حتى 22.5.2018 كانت هناك حاجة عاجلة لـ257 نوعًا من الأدوية و-247 نوعًا من التجهيزات الطبّية المستخدمة لمرّة واحدة إثر نفاد المخزون. أبلغ الأطبّاء في قطاع غزّة منظمة "أطبّاء لحقوق الإنسان" أنّهم يستخدمون مرّات ومرّات التجهيزات الطبّية التي يُفترض أن تُستخدم لمرّة واحدة وأنّ هناك نقص في موادّ التعقيم والتخدير. انهيار النظام الصحّي في القطاع ناجم بالأساس عن سياسة الحصار الإسرائيلية حيث تفرض إسرائيل من خلالها قيودًا على استبدال الأجهزة المعطّلة وإدخال الأجهزة متطوّرة والأدوية وقيودًا على خروج الأطبّاء للمشاركة في استكمالات مهنيّة خارج القطاع. إضافة إلى ذلك يتعطّل عمل المستشفيات في قطاع غزة جرّاء انقطاع الكهرباء المتواصل - والذي تتحمّل إسرائيل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عنه. تسبّبت إسرائيل بسياستها المخالفة للقانون بجرح هؤلاء الأشخاص وتسبّبت جرّاء سياسة الحصار بحرمانهم من تلقّي العلاج الطبّي اللّازم لهم وعلاوة على ذلك ترفض إسرائيل مبدئيًّا السّماح لهم بالسّفر بضع عشرات من الكيلومترات داخل حدودها وصولًا إلى أيّ مستشفًى في الضفّة يستطيع فيه - على الأقلّ جزء منهم - تلقّي العلاج اللّازم لهم. منذ بدأت المظاهرات سجّل الباحثون الميدانيّون لبتسيلم عشرات الإفادات من جرحى وشهود عيان على إطلاق النيران بينهم فتية أصيبوا بنيران قوّات الأمن حين كانوا في مواقع مختلفة تفاوتت المسافة بينها وبين الشريط الحدوديّ. وصف الفتية في إفاداتهم صعوبة تلقّي العلاج الطبّي الضروريّ لهم بشكل ملحّ وعمليّة التأهيل الطويلة والمُكلفة التي يُفترض أن يجتازوها. أدناه قصّة ثلاثة منهم: محمد العجوري (16 عامًا) أصيب شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين 30.3.2018: محمد العجوري طالب في الصفّ الحادي عشر يبلغ من العمر 16 عامًا وهو من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين وعضو في الاتّحاد الرياضي الفلسطيني. في يوم الجمعة الموافق 30.3.2018 نحو الساعة 11:00 وصل العجوري برفقة بعض أصدقائه إلى المظاهرة التي جرت قرب الشريط الحدودي شرقيّ مخيّم جباليا. اقترب العجوري وأصدقاؤه من الشريط بحيث فصلت بينهم وبينه بضع عشرات من المترات وكان غرضهم توزيع البصل على المتظاهرين لتخفيف آثار الغاز المسيل للدّموع على المصابين. تراجع العجوري إلى الوراء عندما أطلقت قوّات الأمن كميّة كبيرة من قنابل الغاز نحو المنطقة التي كان فيها. عندما أصبح على بُعد نحو 300 متر من الشريط الحدوديّ أطلقت قوّات الأمن عيارًا ناريًّا على ساقه اليمنى. في إفادة أدلى بها يوم 17.4.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، وصف العجوري ملابسات إصابته: اقتربت حتّى مسافة 50 مترًا تقريبًا من الشريط لكي أوزّع البصل على المتظاهرين. رأيت عدّة جرحى بينهم شخص بالغ أصيب في ساقه اليسرى. كانت عظمة ساقه مكشوفة والدم ينزف بغزارة. معظم الإصابات التي رأيتها كانت في الساقين. كان الجنود يطلقون قنابل الغاز بكثافة وتقريبًا اختنقت فاستدرت وأخذت في الابتعاد من هناك. عندما أصبحت على مسافة نحو 300 متر من الشريط أطلقوا عليّ النار من خلف وأصبت في ساقي اليمنى. لم أقع على الأرض وواصلت الوقوف في المكان وساقي تنزف. جاء والدي لكي يساعدني وبعد ذلك أتى بعض الشبّان وقدّموا لي الإسعاف الأوّلي. لفّوا ساقي بحزام قماشيّ لوقف النزيف وأخذوني على درّاجة ناريّة إلى سيّارة إسعاف كانت متوقّفة على بُعد 250 مترًا. والد محمد هاني العجوري (39 عامًا) الذي كان هناك مشاركًا في المظاهرة ومشاركًا في تقديم الإسعاف الأوّلي كمتطوّع. عندما أطلقت النيران على ابنه كان يقف على مسافة 300 متر من الشريط. في إفادة أدلى بها يوم 3.5.2018 وصف كيف شاهد لحظة إطلاق النار على ولده: عندما رأيت أبنائي الثلاثة في المظاهرة أعدْتُهم إلى الوراء إلى منطقة الخيام - على مسافة نحو 700 متر من الشريط الحدوديّ لأنّني خشيت أن يصابوا بالنيران الحيّة أو من قنابل الغاز. بعد ذلك قال لي شابّ أعرفه أنّ محمّد اقترب كثيرًا من الشريط لكي يسعف المصابين ويوزّع البصل لبعض الشباب المغمى عليهم نتيجة استنشاق الغاز. عندما نظرت باتّجاه الشريط رأيت الجنود يطلقون قنابل الغاز بكثافة على المتظاهرين القريبين منه. رأيت ابني محمد يركض باتّجاهي. عندما أصبح على مسافة بضعة أمتار منّي أطلق عليه النار قنّاص كان فوق تلّة رمليّة في الجانب الآخر من الشريط. اقتربت من ابني واحتضنته. رأيت أنّه أصيب في الجزء الخلفيّ من ساقه اليمنى. كان هناك ثقب كبير في السّاق والدماء تسيل منه. كان منظر ساقه فظيعًا وخشيت أنّهم سيضطرّون إلى بترها. تمكّنت من لفّ الساق بقطعة قماش وربطتها بهدف وقف النزيف. بعد ذلك لم أعد قادرًا على التحمّل أكثر فانهرت تمامًا. لم أقدر بعد على مساعدته. عدد من الشبّان كانوا قد وصلوا فحملوه على درّاجة ناريّة ونقلوه إلى سيّارة الإسعاف. وصلت إلى المستشفى الإندونيسي القريب من مخيّم جباليا لكنّي لم أجد ابني هناك. تابعت إلى مستشفى العودة الواقع في بيت لاهيا فقال لي الأطبّاء هناك أنّه قد وصل إليهم لكنّهم حوّلوه إلى مستشفى الشفاء في غزة نظرًا لخطورة وضعه. سافرت إلى مستشفى الشفاء وفتّشت عن محمّد هناك لكن لم أجده. فتّشت عنه في غرف العمليّات لكن لا أحد كان يعلم عنه شيئًا. صادفت طبيبًا وهو يخرج من غرفة العمليّات سألته عن ابني فأجاب بأنّه لم يصل أحد بهذا الاسم لكن هناك شابّ لم تُعرف هويّته بعد. قال إنّه في غيبوبة ولا يحمل بطاقة هويّة. كانت في هاتف الطبيب صورة للشابّ وعندما أراني إيّاها وجدت أنّه محمّد ابني. تبيّن في المستشفى أنّ محمد العجوري أصيب بشريان في ساقه ويعاني أيضًا من كسر في عظم الساق. أجريت له عمليّة جراحيّة لكنّ الأطبّاء قالوا إنّ حالته خطرة وينبغي أن يجري عمليّة أخرى مستشفًى برام الله. عندما رفضت إسرائيل السّماح له بالخروج من القطاع رفع مركز "عدالة" ومركز "الميزان" التماسًا إلى محكمة العدل العليا باسم الجريح محمد وجريح آخر في 8.4.2018 مطالبين بالسّماح لهما بالخروج لتلقّي العلاج. وطالب الملتمسون المحكمة بإجراء مناقشة عاجلة لكنّ القضاة رفضوا طلبهم. في هذه الأثناء أخذت حالة العجوري تتدهور حتى اضطرّ الأطبّاء إلى بتر ساقه في 9.4.2018 وغادر المستشفى بعد ثلاثة أيّام. وهذا كان أيضًا مصير الجريح الآخر الذي قدّم باسمه الالتماس. قال والده, هاني العجوري, في إفادته: عندما قال لي الأطبّاء أنّهم سوف يضطرّون لبتر ساق محمد لم أوافق. خشيت أن يُمضي كلّ حياته معاقًا وعاجزًا ولم أتقبّل هذا الأمر. في نهاية الأمر أقنعني الأطبّاء أنّه لا مناص من ذلك لأنّه يُخشى أن ينتشر التسمّم في حسمه كلّه. سلّمت بقضاء الله وقدره ووافقت. كان قلبي يتمزّق حسرة كلّما فكّرت بما سيكون عليه مستقبله. أنظر اليوم إلى ولدي وساقه المبتورة فيتملّكني الألم. كان محمد ساعدي الأيمن. كان شابًّا رياضيًّا وأحبّ كرة القدم كما أنّه كان عضو منتخب العدّائين الفلسطينيين وحاز على المرتبة الأولى في المدرسة. محمد مصبح (17 عامًا) أصيب شماليّ بلدة خُزاعة في 5.4.2018 في يوم الخميس الموافق 5.4.2018 نحو الساعة 16:30 وصل محمد مصبح (17 عامًا) وهو طالب في الصف الثاني عشر وهو من سكّان عبسان الكبيرة وعمّه وسيم مصبح (22 عامًا) إلى منطقة المظاهرات شماليّ بلدة خُزاعة. بعد أن مكثا لوقت قصير في منطقة الخيام على مسافة نحو 400 متر من الشريط الحدوديّ تقدّم محمد برفقة شابّ آخر من امرأة كانت تقف وترفع علم فلسطين قرب سلك لولبيّ شائك كان الجيش قد مدّه على الأرض. أخذ الشابّان العَلم من المرأة وتابعا يتقدّمان أكثر نحو السّلك اللّولبيّ الشائك وكان يبعد نحو عشرة أمتار عن الشريط الحدوديّ. في إفادته من يوم 2.5.2018 أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة، أدلى محمد بما يلي: تقدّمنا من السّلك اللولبيّ الشائك الذي كان يبعد نحو عشرة أمتار عن الشريط الحدوديّ وعلّقت أنا عليه علم فلسطين. وفجأة أصبت بعيار ناريّ أطلقه جنديّ كان يقف على تلّة ترابيّة في الجانب الآخر من الشريط. وقعت على الأرض وجلس إلى جانبي الشابّ الآخر الذي رافقني والذي لا أعرف حقًّا من يكون. استلقيت على ظهري هناك طيلة نحو عشرين دقيقة. كان شبّان كانوا يقفون إلى الوراء منّا لكنّهم لم يتمكّنوا من الوصول إلينا إذ كان الجيش يطلق النيران نحوهم كلّما حاولوا الاقتراب منّا. طيلة هذا الوقت أحسست وكأنّ تيّارًا كهربائيًّا يسري في جسدي وكانت الدماء تسيل منّي بغزارة. فقد بعد مضيّ عشرين دقيقة تمكّن شبّان من الوصول إليّ وحملوني على عربة "توكتوك" نقلتني من المكان إلى مسافة تبعد نحو 600 متر تقريبًا إلى مشارف بلدة خُزاعة من جهة الشرق لأنّه لم يكن هناك سيّارة إسعاف أقرب. وئام مصبح (23 عامًا وهو من سكّان عبسان الكبيرة) عمل كمُسعف متطوّع في منطقة الخيام أثناء "مسيرة العودة". عندما وقعت الحادثة كان وئام يقف مع مسعفين آخرين تفصلهم بضعة عشرات من الأمتار عن الشريط الحدوديّ. في إفادة من يوم 2.5.2018 أدلى بها أمام الباحث الميداني لبتسيلم خالد العزايزة، قال وئام: عند الساعة 16:30 رأيت شابّين يأخذان علم فلسطين من امرأة كانت تقف قريبًا من سلك لولبيّ شائك ممدود على الأرض ويتقدّمان مع العلم نحو السّلك نفسه الذي كان يبعد نحو عشرة أمتار من الشريط الحدوديّ. وضع الشابّان العلم على السلك اللولبيّ الشائك وعندها سمعت صوت طلقات عدّة ورأيت أحدهما يقع أرضًا واستلقى الشابّ الآخر إلى جانبه على الأرض. حاول بضعة الشبّان التقدّم منهما لتقديم الإسعاف الأوّلي لكنّ الجنود أطلقوا حولهما عيارات ناريّة وقنابل غاز مسيل للدّموع. تقدّمت إليهما مع طاقم الإسعاف الأوّلي فأطلق الجنود قربَنا أعيرة ناريّة تحذيرًا لنا لئلّا نقترب. كان معنا في الطاقم فتاة شابّة رفعت يديها لكي يهدأ الجنود ويفهموا أنّنا طاقم طبّي وتابعنا التقدّم. لكنّ الجنود واصلوا إطلاق النيران قربَنا وفوق رؤوسنا كما أنّهم ألقوا قنابل الغاز خلفنا. رغم هذا كلّه تمكّنا من الوصول إلى الشابّين وعندها اكتشفت أنّ الشابّ المصاب من أقربائي ويدعى محمد مصبح. كان مستلقيًا على الأرض ومصابًا بعيار ناريّ في ساقه اليمنى. كانت ساقه ممزّقة تمامًا في منطقة ما تحت الرّكبة والدّماء تسيل منها بغزارة. لففت الجُرح بقطعة شاش طبّي. كان معنا وسيم مصبح وقد جلب وسيم العصا المثبّت عليها علم فلسطين كسرها وقسمها إلى نصفين ثمّ استخدم كِسرة العصا لتثبيت الساق الجريحة. طيلة هذا الوقت فيما نحن نعالج الجريح كان الجنود يواصلون إطلاق النيران نحونا. تقدّم إلينا بعض الشبّان ومعًا حملنا محمد وأبعدناه عن السّلك اللولبي الشائك ثمّ حملناه على عربة "توكتوك" لأنّه لم تكن هناك سيّارة إسعاف. نُقل محمد مصبح من عربة الـ"توكتوك" إلى سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر ونقلته هذه بدورها إلى المستشفى الأوروبي جنوبيّ خان يونس حيث بُترت ساقه اليمنى من تحت الرّكبة. غادر محمد المستشفى بعد مضيّ أكثر من ثلاثة أسابيع. قال محمد صبح في إفادته التي أدلى بها بعد مغادرة المستشفى: عندما استيقظت من العمليّة وجدت والدي بجانبي. قال لي إنّ الطبيب اضطرّ لبتر ساقي اليمنى من تحت الركبة لأنّها أصيبت بشظايا كثيرة تسبّبت بتقطيع الشرايين والأعصاب وتهتّك عظام السّاق. كنت حزينًا جدًّا وشعرت بالاختناق. فهمت أنّني لن أتمكّن من لعب كرة القدم - وأنا أحبّها كثيرًا. قبل أن أصاب كنت أمارس لعب كرة القدم كلّ يوم. يوجد في منطقتنا ملعب لكرة قدم وكنت ألعب ضمن فريق الحيّ كلاعب دفاع. ما زلت أتلقّى العلاج وأعود إلى المستشفى كلّ يوم لإجراء الفحوصات. آخذ ثلاثة أنواع من المضادّات الحيويّة إضافة إلى مسكّنات الأوجاع لأنني ما زلت أشعر بالألم في ساقي. أنام بصعوبة كبيرة وبمساعدة المسكّنات فقط. أكثر ما يشتدّ عليّ الألم عند الظهر وفي اللّيل. في الوقت الحالي جميع طلّاب شعبتي يستعدّون لامتحانات نهاية السنة أمّا أنا فأكاد لا أقدر على القراءة لشدّة الألم. وأيضًا خلال رقودي في المستشفى للعلاج لم أستطع مراجعة الموادّ بسبب الإصابة. لا أعلم إن كنت سأنجح في امتحانات هذه السنة ولا كم من الوقت سوف سيمرّ إلى أن تنتهي عملية التأهيل وأعود إلى حياتي العاديّة. لم يخطر ببلي أبدًا أن أكون معاقًا ذاتَ يوم. أنا ما زلت مصدومًا ممّا حدث لي. مصطفى ظاهر (15 عامًا) أصيب شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين في 2.5.2018 في يوم الأربعاء الموافق 2.5.2018 في ساعات ما بعد الظهر وصل ثلاثة فتية من سكّان مخيّم البريج لحضور مراسيم تأبين شهداء "مظاهرات العودة" والتي جرت في منطقة الخيام شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين. الثلاثة هم: مصطفى ظاهر (15 عامًا) وابن عمّه محمد ظاهر (14 عامًا) ويوسف أبو منصور (17 عامًا). بعد وقت قصير تقدّم الفتيان الثلاثة نحو الشريط الحدوديّ وتوقّفوا على مسافة بضعة عشرات من الأمتار بعيدًا عنه. نحو الساعة 19:00 قرّر الفتية العودة إلى منازلهم. في إفادة أدلى بها يوم 6.5.2018 أمام الباحثة الميدانية لبتسيلم ألفت الكرد، حدّث مصطفى ظاهر قائلًا: في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ كان جنود يقفون فوق سواتر ترابيّة. كان الهواء مشبّعًا تمامًا بالغاز المسيل للدموع الذي ألقاه الجنود من جيبات الجيش كما أطلقوا النيران الحيّة بكثافة. نحو الساعة السابعة مساءً ناديت أصدقائي: "محمود، يوسف، يجب أن نعود إلى البيت. خلص، سئمت"، وأخذت في المغادرة. في اللحظة التي استدرت فيها أطلق الجنود النار على ساقي اليسرى في منطقة الفخذ. نفذت الرّصاصة من رجلي اليسرى وأصابت رجلي اليمنى. شعرت كأنّما تيّار كهربائيّ يسري في جسدي ووقعت. تقدّم منّي يوسف ومحمود. كان الدّم يسيل منّي بغزارة فوضعت يديّ على الجرحين لوقف النزيف لكن دون فائدة. لفّ يوسف لفّ كلتي رجليّ واحدة بكوفيّة والأخرى بقميصه وهذا ما ساعدني. بعد بضعة دقائق نقل الأصدقاء وشبّان آخرون مصطفى على نقّالة إلى سيّارة إسعاف أقلّته إلى المستشفى الإندونيسي في جوار مخيّم جباليا وهناك أجريت له عمليّة جراحيّة في الساق اليمنى، وما زال يحتاج عمليّة أخرى في السّاق اليسرى. في إفادته قال: ما زلت أرقد في المستشفى قيد العلاج. يجب أن تجرى لي عمليّة أخرى لكنّهم ينتظرون أن ترتفع نسبة الهيموغلوبين في الدّم. أعاني الآن من أوجاع شديدة تنتابني طيلة النهار. أبكي وأصرخ وعندها يعطونني مسكّنات. أتألّم بشكل خاصّ عند فكّ اللّفافات وتغييرها. كلّ ما في الأمر أنّني شاركت في مراسيم تأبين الشهداء. لم أفعل شيئًا يشكّل خطرًا على الجنود الإسرائيليّين. لم أرفع علمًا حتّى ولم أرشق الحجارة. فقط وقفت وتفرّجت على شبّان كانوا يتظاهرون قرب الشريط ورغم ذلك أطلق الجنود النّار عليّ.

31 أيار/مايو 2018

יוסף אל-כורונז. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 16.4.18

قطاع غزة

أكثر من 2000 جريح بنيران الجيش، والنظام الصحّي المنهار في قطاع غزة، بسبب الحصار المتواصل، يعجز عن مواجهة الوضع

منذ 30.3.2018 تجري في قطاع غزّة، جوار الشريط الحدوديّ، مظاهرات كلّ يوم جمعة، يشارك فيها ما بين آلاف وعشرات آلاف المتظاهرين. ما لا يقلّ عن 39 متظاهرًا قُتلوا خلال هذه المظاهرات بنيران قوّات الأمن، وتفيد معطيات وزارة الصحّة الفلسطينية عن جرح نحو 8,000 شخص، من بينهم 2,100 جريح جرّاء إطلاق النّار الحّي. نشرت وسائل إعلام أنّ أطبّاء في قطاع غزة يحدثون عن إصابات خطيرة على نحوٍ بارز، وخاصّة في الأطراف السفليّة، بما "يشمل تدميرًا بالغًا للعظام والأنسجة اللّينة، وأنّ قُطر مخارج الأعيرة النارية يضاهي حجم قبضة اليد". كما تفيد معطيات وزارة الصحّة الفلسطينية أنّه حتّى يوم 30.3.2018 أجرى الأطبّاء في قطاع غزة 24 عمليّة بتر أعضاء للجرحى، من بينها 19 عمليّة بتر أطراف سفليّة. من الصّعب حتّى لنظام صحّي متقدّم ويعمل كما ينبغي أن يجابه ذاك العدد الكبير من الجرحى خلال فترة قصيرة كهذه، فكم بالحريّ نظام الصحّة في قطاع غزة، الذي يعاني انهيارًا متواصلاً - خاصّة منذ فرضت إسرائيل الحصار على القطاع قبل أكثر من عشر سنوات. تسري القيود الإسرائيلية، فيما تسري، على استبدال أجهزة معطّلة، دخول أجهزة طبّية متقدّمة وأدوية، وكذا خروج الأطبّاء للمشاركة في استكمالات خارج القطاع. إضافة إلى ذلك، يتعطّل عمل المستشفيات هناك جرّاء انقطاع الكهرباء المتواصل - والذي تتحمّل إسرائيل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عنه، وبمصادقة محكمة العدل العليا. في مثل هذا الوضع لا يمكن تقديم العلاج المناسب للجرحى: وفقًا لمعطيات نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة (WHO)، في 28.4.2018 كان هناك نقص في 75 نوعًا من الأدوية و-190 نوعًا من التجهيزات الطبّية المستخدمة لمرّة واحدة. إضافة إلى ذلك، هناك نقص في الأطبّاء: لا يوجد في قطاع غزّة، حيث يعيش مليونا إنسان، سوى عشرة أطبّاء مختصّين بجراحة الأوعية الدموية، واكتظاظ المستشفيات بعدد كبير من الجرحى، خلال أحداث شهدت كثرة في المصابين، لا يتيح للأطبّاء تقديم العلاج لهم جميعًا. التقارير الواردة من قطاع غزة تفيد انّه لأجل تخفيف العبء تحاول المستشفيات في أيّام الخميس إخراج عدد كبير من جرحى الأيام السابقة، لكي تستعدّ لاستقبال موجة جديدة من الجرحى المتوقّع إصابتهم في الغد. وأيضًا كجزء من سياسة الحصار، تمنع إسرائيل سكّان القطاع من مغادرته لأجل تلقّي العلاج الطبّي - داخل حدودها هي، أو في الخارج مرورًا منها، أو في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية)؛ وتُستثنى من ذلك بعض الحالات القليلة وفقًا لمعايير مشدّدة. غير أنّه منذ ابتدأت المظاهرات تبيّن أنّ إسرائيل قرّرت تجاهل حتّى هذه المعايير التي وضعتها بنفسها: في أسبوع المظاهرات الأوّل رفضت إسرائيل الموافقة على طلبات متظاهرين جرحى لمغادرة القطاع لأجل تلقّي العلاج الطبّي المستعجل في مستشفى في الضفة الغربية. بالتالي، رفعت منظّمتا "عدالة" و"الميزان" التماسًا إلى محكمة العدل العليا في 8.4.2018 باسم اثنين من الجرحى هما يوسف الكُرُنز (19 عامًا) ومحمد العاجاوري (16 عامًا)، حيث أنّه في ظلّ الظروف القائمة في القطاع لا يمكن معالجة جراحهم دون بتر أرجلهم. في ردّها الذي قدّمته الدولة للمحكمة قالت إنّ الطلبات رُفضت "على خلفيّة سياسة الأمن في الموضوع، والتي تقتضي كقاعدة عدم السماح بدخول إسرائيل لمن جُرحوا خلال أعمال الشغب العنيفة التي نظّمتها حماس، وبالنظر إلى أنّ الظروف الطبّية العينيّة لا تبرّر الموافقة كاستثناء للقاعدة، إذ لا يوجد خطر محقّق يهدّد حياة الملتمسين". كذلك ادّعت الدولة أنّها "حتّى حذّرت سكّان القطاع ألّا يشاركوا" في المظاهرات - وكأنّ هذا التحذير يبرّر منع الحصول على العلاج الطبّي اللّازم. رفض القضاة الإيعاز بمناقشة مستعجلة، ونظرًا إلى طول مدّة الإجراء القضائي اضطرّ الأطبّاء إلى بتر إحدى رجلي محمد العاجوري، وإحدى رجلي يوسف الكُرُنز. بعد مضيّ أسبوع على تقديم الالتماس أوعزت المحكمة إلى الدولة أن تسمح ليوسف بالوصول إلى مستشفى في رام الله، وهناك نجح الأطبّاء في إنقاذ رجله الأخرى. مع ذلك أوضح القضاة أنّها حالة استثنائية، وأنّهم لا يتّخذون بذلك موقفًا من السياسة العامّة للدولة فيما يخصّ مغادرة متظاهرين جرحى. وفقًا لمعطيات نشرتها منظّمة الصحّة العالميّة (WHO)، قُدّم منذ بدء المظاهرات وحتى 28.4.2018 27 طلبًا مستعجلًا لمغادرة القطاع لأجل تلقّي العلاج الطبّي. جرت الموافقة على طلب واحد على الأقلّ بعد التماس لمحكمة العدل العليا، ورُفض 18 طلبًا، أمّا البقيّة فقد تمّت الموافقة عليها فقط بعد إجراءات ممضّة، من قَبيل تقديم طلب تصريح إلى مديريّة التنسيق والارتباط، تلقّي ردّ بالرفض، التوجّه إلى منظّمات حقوق الإنسان، وتوجّه هذه المنظّمات إلى النيابة العامّة - ما أسفر في نهاية الأمر عن المصادقة المأمولة (دون تدخّل المحكمة في هذه المرحلة). هذه الإجراءات البيروقراطية المتثاقلة تؤخّر العلاج الطبّي الضروريّ، ومن شأنها أحيانًا أن تودي بصحّة الجرحى وأحيانًا بحياتهم، إضافة إلى ما تشكّله من عبء إضافيّ على كاهل الأسرة. تتطلّب الإصابات البليغة، وخاصّة الحالات التي بُترت فيها أرجل الجرحى، عمليّة تأهيل طويلة؛ لكنّ إمكانيّات التأهيل في القطاع قليلة، وهناك مركز واحد فقط لتركيب الأرجل الاصطناعية. علاوة على ذلك: يعجز معظم الجرحى عن توفير تكاليف التأهيل الباهظة، وذلك بسبب الوضع الاقتصادي الصعب في القطاع - النّاجم مباشرة عن الحصار. ورغم أنّ الأغلبية السّاحقة من الإصابات كانت جرّاء إطلاق النار المخالف للقانون، لن يحصل الجرحى على تعويضات من إسرائيل، إذ ضمنت إسرائيل لنفسها إعفاءً تامًّا تقريبًا من دفع التعويضات للفلسطينيين عن الأضرار التي تلحقها بهم. إسرائيل هي التي أنشأت هذا الواقع، وهي فقط من يستطيع تغييره: هي من وضع سياسة إطلاق النار التي تؤدّي إلى هذا العدد غير المعقول من جرحى النيران الحيّة - وكذا ترفض تغيير هذه السياسة رغم النتائج الوخيمة الواضحة؛ وهي من يرفض السّماح للجرحى بالسّفر بضع عشرات من الكيلومترات داخل حدودها، وصولًا إلى مستشفى في الضفّة يستطيعون فيه تلقّي العلاج اللّازم لهم؛ وهي من يفرض الحصار على القطاع منذ أكثر من عشر سنين، وبالتالي هي المسبّب الرئيسي لانهيار النظام الصحّي هناك. منذ أكثر من شهر تنفّذ قوّات الأمن أوامر مخالفة بوضوح للقانون مطلقة النيران الحيّة على متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد، وفوق ذلك - يتواجدون في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. يرفض المسؤولون تغيير هذه التعليمات - حتّى لدى اتّضاح الخسائر الكبيرة في الأرواح والأعداد الكبيرة من الجرحى نتيجة لتطبيقها - مدّعين أنّها قانونيّة، ويدافعون عنها أمام المحكمة العليا. لكنّ لاقانونيّة هذه التعليمات "تُعمل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا، إن لم تكن العين عمياء والقلب أصمّ أو فاسدًا" - وفقًا لتعبير القاضي بنيامين هليفي في قرار المحكمة بشأن قضيّة كفر قاسم، من عام 1958. شرقيّ رفح، 30.3.2018: في 30.3.2018، قرابة الساعة 10:00 صباحًا، وصل علاء الدّالي (20 عامًا) من سكّان رفح، إلى منطقة المظاهرات شرقيّ مدينة رفح. علاء هو درّاج محترف، عضو منتخب الدرّاجات الفلسطيني في قطاع غزة. قرب الساعة 12:30، بُعيد صلاة الظهر، وحينما كان بعض المتظاهرين يرشق الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ، أطلق عيار ناريّ أصاب علاء في رجله اليمنى، وأخلي بعد ذلك إلى خيام الإسعاف الميداني التي أقيمت في الجوار. من هناك نُقل المصاب وهو في حالة غيبوبة إلى المستشفى الأوروبي جنوبيّ خان يونس. أفاق علاء من غيبوبته بعد مرور يومين، وطيلة أسبوعين واصل الأطبّاء محاولات إنقاذ رجله. في إفادة أدلى بها يوم 18.4.2018 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، محمد صباح، حدّث علاء بما يلي: حاولت الحصول على ورقة التزام بتغطية تكاليف العلاج لكي تجرى لي عملية جراحية في رام الله. حصلت عليها، وبعد ذلك عيّنوا لي موعدًا للعملية، فقدّمت طلبَي تصريح دخول لي ولأمّي، ورُفض كلاهما. عندما باءت المحاولة بالفشل، قرّر الأطبّاء بتر رجلي من الرّكبة. عندما سمعت بقرار الأطبّاء بكيت كثيرًا. تذكّرت درّاجتي، وحلمي أن أصبح بطل ركوب درّاجات - الذي انقطع فجأة ودون سابق إنذار. شعرت أنّ حياتي انتهت وأنّ عالمي انهار فوق رأسي، أنّني لن أعود طيلة حياتي إلى ركوب الدرّاجات. لقد تدرّبت كثيرًا استعدادًا لسباق جاكارتا الذي سيقام في أيلول 2018، وكان لديّ أمل بالمشاركة فيه ورفع علم فلسطين هناك، لكنّ هذا لن يحصل في هذا السباق ولا في غيره. لقد أدركت أنّني لن أتمكّن بعد من المشي، وأنّ حياتي كلّها سوف تتمحور منذ الآن فصاعدًا على رجلي التي سوف يقطعونها بسبب عيار ناريّ أطلقه جنديّ إسرائيلي. مجبرًا وافقت على عمليّة جراحية لقطع رجلي. في 8.4.2018 قطعوا لي رجلي في المستشفى الأوروبي. عندما رأيت رجلي مقطوعة أصابتني صدمة، بكيت كثيرًا لكثرة ما تألّمت لذلك. قبل نحو أسبوع نقلوني إلى مستشفى القدس في غزة، وما زالت أتلقّى العلاج هنا. يُفترض أن أخرج اليوم، لكنّي سأخرج كشخص آخر غير الذي دخل في 30.3.2018 - بلا رجل، بلا مستقبل، وبلا حلم. سوف تكون حياتي صعبة وفاقدة لأيّ معنى، فقط لأنّ الجيش الإسرائيلي قرّر ذلك ونفّذ قراره. فقط في قطاع غزة ركبت الدرّاجة وشاركت في مسابقات. لم أستطع المشاركة في أيّ سباق خارج القطاع. لقد حاولت في حينه المشاركة في سباق في تونس، لكن لم يتحقّق ذلك بسبب إغلاق معبر رفح ولأنّ إسرائيل لم توافق لي على المغادرة عبر حاجز “إيرز”؛ وهناك درّاجان آخران لم يحصلا على الموافقة. كذلك لم يسمح لنا الإسرائيليون بالسّفر إلى الضفة الغربية للمشاركة في ماراتون أريحا، أو في سباق آخر بين غزة والضفة؛ ولم يُسمح لنا السفر للمشاركة في سباق جرى في مصر. شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين، 30.3.2018: يوسف الكُرُنز (19 عامًا)، من سكّان مخيّم البريج، طالب جامعي يدرس الإعلام. في 30.3.2018، قرب الساعة 12:00، وصل إلى منطقة المظاهرات شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين بصفته مصورًا متطوّعًا لدى الوكالة الوطنية للإعلام. بعد مضيّ ساعتين أطلقت عليه أعيرة ناريّة أصابته في رجليه. في إفادة أدلى بها يوم 16.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، وصف يوسف ما جرى: نقلوني إلى غرفة العلاج المكثّف في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، لكنّ الأطبّاء هناك لم يتمكّنوا من معالجة جراحي وقرّروا تحويلي إلى مستشفى الشفاء في غزة. في مستشفى الشفاء أدخلوني إلى غرفة العناية المكثّفة، ومن هناك إلى غرفة العمليّات حيث أوقف الأطبّاء النزيف. استمرّت العمليّة ستّ ساعات، تلقّيت خلالها 18 وجبة دم. لكن حتى أطباء مستشفى الشفاء لم يتمكّنوا من مواجهة إصابتي. في اليوم التالي صحوت عند الساعة 9:00 صباحًا. قال لي الأطبّاء أنّني أصبت في كلتي رجليّ، وقالوا لوالدي أنّه يجب معالجتي في الخارج نظرًا لخطورة الإصابة. بعد أن رقدت أسبوعًا هناك، تلقّيت ورقة تحويل إلى مستشفى تخصّصي في رام الله. يومًا بعد يوم كانت رجلي تسودّ، وأصبح وضعها حرجًا. رفض الجانب الإسرائيلي السماح بدخولي عبر حاجز “إيرز”. قال والدي للطبيب أنّه سيفعل المطلوب. في يوم الأحد، 8.4.2018، قال الطبيب لوالدي أنّهم مضطرّون لقطع رجلي، وإلّا فسوف تحصل غرغرينا وتسمّم في الدّم، فوافق والدي. في صباح اليوم التالي أدخلوني إلى غرفة العمليّات لأجل قطع رجلي. خرجت من العملية بعد ساعتين تقريبًا. بعد أن أبلغني الأطبّاء أنّهم قطعوا رجلي تدهور وضعي النفسي كثيرًا. حتّى قبل القطع لم أكن لأجرؤ على النظر إلى رجلي التي اسودّت وأصبح منظرها فظيعًا. بعد العملية أحسست بأوجاع لا تطاق وكنت في وضع نفسيّ سيّئ جدًّا. رقدت مدّة أسبوعين آخرين في المستشفى، أسبوع في قسم العناية المكثّفة وأسبوع في قسم العظام. الآن أنا في المنزل، ورجلي اليمنى تحتاج علاجًا عاجلًا في الخارج لتفادي قطعها. حاولت خمس مرّات المغادرة عبر معبر رفح ولم أنجح في أيّ منها. بعد قرار محكمة العدل العليا نُقل الكُرُنز في 16.4.2018 إلى مستشفى في رام الله، حيث أجريت له عمليّة جراحيّة في رجله، وما زال يرقد هناك قيد متابعة العلاج. شرقيّ رفح، 31.3.2018: في ظهيرة يوم 31.3.2018 وصل هيثم نصر (19 عامًا، من سكّان رفح، يعمل حدّادًا) إلى منطقة المظاهرات، وأصيب بجراح في رجله اليمنى جرّاء إطلاق عيار ناريّ. بعد نقله إلى مستشفى النجّار في رفح تمّ تحويله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوب خان يونس، وهناك تبيّن وجود تمزّقات في رجله وكسر في الركبة، وأجريت له عمليّة جراحية. في إفادة أدلى بها يوم 1.5.2018 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، خالد العزايزة، حدّث هيثم عن فترة رقوده في المستشفى: عندما صحوت من العمليّة اكتشفت انّ الأطبّاء قد ركّبوا لي جهازًا لتثبيت رجلي اليمنى. منذئذٍ وحتى يوم أمس أجريت لي عمليّات كثيرة في الرّجل المصابة. أخذ الأطبّاء شرايين من رجلي اليسرى وزرعوها في رجلي اليمنى. وبسبب نقص الأدوية حصلت لديّ تعقيدات ومضاعفات، وعائلتي لا تملك المال لشراء مضادّات حيويّة قويّة، ولذلك التهب الجرح وتلفت الشرايين التي زرعوها. على ضوء ذلك حاول الأطبّاء زرع شريان اصطناعي، لكنّ هذه المحاولة أيضًا أخفقت. أمس أدخلوني إلى غرفة العمليات، حيث قطع الأطبّاء رجلي من فوق الرّكبة - وها أنا أرقد في المستشفى الأوروبي وأحتاج علاجات كثيرة، لكن لسوء حظّي لا تملك عائلتي أن توفّرها لي. في الوقت الحالي، معظم الوقت يعطونني مسكّنات أوجاع وأدوية منوّمة. يعمل والدي سائق تاكسي، وبصعوبة يكسب 20 شيكل في اليوم. هذا لا يكفي لشراء الأدوية اللّازمة، ولا حتّى لشراء الأكل. نحن نسكن في بيت مستأجر بمبلغ 500 ش.ج شهريًّا. لا أعلم كم سأبقى في المستشفى بعد. أنا قلق جدًّا وخائف على مستقبلي. ليست لديّ فكرة هل سأحتاج علاجات طويلة لأجل التأهيل الجسديّ والنفسيّ. لقد أصبحت عصبيًّا جدًّا، وعلى أتفه الأشياء أخاصم أبناء أسرتي والمرافقين لي. أحيانًا أمزّق أنابيب التغذية الموصولة بجسدي. قبل أن يقطعوا رجلي قدّم المستشفى طلبًا لإسرائيل لكي تسمح بنقلي للعلاج في مستشفى في رام الله. رفضت إسرائيل الطلب، واستمرّ وضعي في التدهور حتّى اضطرّ الأطباء لقطع رجلي. عيّنت موعدًا جديدًا لاستكمال العلاج في رام الله، وها أنا أنتظر الردّ من الطرف الإسرائيلي. شرقيّ مدينة غزّة، 30.3.2018: في 30.3.2018، قرب الساعة 15:00، وصل عبدالله درويش (22 عامًا، طالب جامعي، من سكّان بيت لاهيا) إلى منطقة المظاهرات، وبعد ساعتين تقريبًا أصيب بعيار ناريّ في رجله اليمنى وأخلي إلى المستشفى الإندونيسي قرب مخيّم جباليا للّاجئين. هناك، أجريت له عمليّة جراحية في الرّجل وتمّ زرع مثبّتات من البلاتين. في إفادة أدلى بها يوم 19.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، قال عبدالله: بعد خروجي من غرفة العمليّات قال الأطبّاء لوالدي أنّ وضعي صعب جدًّا ويجب تحويلي إلى مستشفى في الخارج. حصلنا من السلطة على تحويل للمستشفى الاستشاري في رام الله. وبسبب تباطؤ جريان الدّم في رجلي حدث تجلّط في الشريان ممّا حدا بالأطبّاء استعجال معالجة طلب التحويل، وإلّا فسوف يضطرّون إلى إجراء قسطرة. لكن لأنّ إسرائيل رفضت السّماح لي بالعبور، أجرى الأطبّاء القسطرة في 1.4.2018. قبل إدخالي إلى غرفة العمليّات، ولأجل الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، وقّع والدي ورقة يوافق فيها على قطع رجلي من عند الرّكبة. نحمد الله أنّ العمليّة نجحت وعاد الدم يجري في شرايين الرّجل. سوف يتمّ نقلي إلى مستشفى الشفاء في غزّة - في يوم السبت، الموافق 21.4.2018 - لكي تُجرى لي عمليّة زرع أنسجة في الرّجل. أحتاج الآن إلى تحويل للعلاج في الخارج لمعالجة المشاكل العظميّة والعصبيّة في الرّجل. وبسبب تمزّق الأنسجة سوف أحتاج عمليات أخرى إضافيّة. رغم أنّ المظاهرات كانت سلميّة، والقوّات الإسرائيلية لم يهدّدها أيّ خطر، أطلق الجنود النيران علينا بكثافة. إصابتي كانت بليغة وكان هناك خطر على حياتي - ومع ذلك لم تسمح لي إسرائيل بالخروج لتلقّي العلاج في مستشفيات الضفة الغربية. شماليّ خُزاعة، 13.4.2018: في 13.4.2018، قرب الساعة 13:00، وصل أحمد عفّانة (30 عامًا، من سكّان خان يونس، متزوّج وأب لستّة أولاد) إلى منطقة المظاهرات شماليّ بلدة خُزاعة. بعد مضيّ بضعة ساعات - عند الساعة 17:00 تقريبًا، أصيب عفانة في رجله اليمنى وأخلي إلى المستشفى الأوروبي جنوب خان يونس. في إفادة أدلى بها يوم 30.4.2018 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، حدّث أحمد قائلاً: قال لي الأطبّاء أنّهم سوف يدخلونني إلى غرفة العمليات لأنّ إصابتي بليغة. سمعت طبيبًا يقول لطبيب آخر: "قطْع". كان ذلك آخر شيء سمعته. بعد ذلك حقنوني بالبنج وأدخلوني إلى غرفة العمليّات. بقيت هناك طيلة ستّ ساعات تقريبًا. عندما صحوت وجدت نفسي في قسم الجراحة. صرت أقول "رجلي، رجلي"، لأنّني ظننتها قُطعت خلال العملية، لكن تبيّن أنّهم لم يقطعوها. بعد مضيّ ساعة على العملية حدث نزيف في الرّجل فأعادوني إلى غرفة العمليات. بعد أن أوقفوا النزيف نقلوني إلى غرفة العناية المكثّفة لانّ وضعي كان حرجًا إذ هبطت لديّ نسبة الهيموغلوبين في الدم. بعد العملية بيومين نقلوني من العناية المكثفة عودةً إلى قسم الجراحة. أجريت لي عمليات أخرى في الرّجل. زرعوا لي بلاتين ورمّموا التمزّق في الشريان. بعد ذلك كانوا ينظّفون الجرح يوميًّا. فقدت الإحساس برجلي. طيلة عشرة أيّام كانوا ينظّفون الجرح ويعطونني مسكّنات للأوجاع. في 23.4.2018، في ساعات ما بعد الظهر، أحسست بشيء ساخن تحتي. عندما رفعت الغطاء وجدت رجلي تنزف بشدّة. نقلوني إلى غرفة العمليّات، وهناك تبيّن أنّ النزيف سببه تمزّق الشريان الذي جرى ترميمه. أوقف الأطبّاء النزيف، ولكنّهم في هذه المرحلة فقدوا كلّ أمل وأبلغوني أنّهم مضطرّون إلى قطع الرّجل - لأنّهم يخشون من مضاعفات تحدث لبقيّة أعضاء جسدي. ورغم أنّني كنت أعرف أنّ هناك احتمال قطع، لم نوافق أنا ووالداي على إجراء القطع. عارضنا ذلك بشدّة، لكن عندما تدهور الوضع كثيرًا وافقت، كذلك لم أعد احتمل الأوجاع - التي لم تتوقّف طيلة فترة رقودي في المستشفى. في اليوم التالي قطع الأطبّاء رجلي اليمنى. دخلت غرفة العمليات في الساعة 10:00 صباحًا وخرجت في الـ12:00 ظهرًا. بعد خروجي طمأنني الأطبّاء أنّ وضعي الصحّي جيّد. أخذت عائلتي رجلي المقطوعة ودفنتها في المقبرة. ما زلت أرقد في المستشفى الأوروبي، حيث ينظّفون الجرح كلّ يومين، ويجب الانتظار حتّى يلتئم الجرح لتبدأ فترة عمليّات التجميل في الرّجل. أشعر بإحباط وخيبة كبيرة. يصعب عليّ كثيرًا مجابهة حقيقة قطع رجلي. لكن هذا هو قدَري. آمل أن أشفى قريبًا، ثمّ يتمّ تركيب رجل اصطناعيّة فأتمكّن من العودة إلى ممارسة حياة طبيعية.

10 أيار/مايو 2018

מוחמד אבו סכראן, בן 17, כשנה לאחר פציעתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 1.8.22

قطاع غزة

الزمن لا يُداوي الجراح: جرحى من قطاع غزة يتحدثون عن حياتهم منذ جولة القتال في أيّار 2021

بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).

30 آب/أغسطس 2022