قطاع غزة

وفاة طفل بعد ثلاث سنوات ونصف جرّاء إصابته في قصف صاروخيّ أثناء حملة "الجرف الصامد"

الصورة
صالح أبو هدّاف مع صورة ابنه محمد. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 10.12.17

"في 6.12.2017، قُبيل الصّبح، كنت مع محمد في قسم الجراحة، في المستشفى الأوروبي. في الساعة الثانية بعد منتصف الليل توقّف عن التنفّس. ورغم أنّني كنت أعرف أنّ وضعه صعب جدًّا، وأنّه لن يعيش طويلاً، كان من الصعب عليّ جدًّا تقبّل موته. كنت أحبّه كثيرًا".

هكذا يصف صالح أبو هدّاف (40 عامًا) وفاة ولده محمد عن عمر ناهز تسع سنوات، وكان قد جُرح في القصف الإسرائيلي خلال "حملة الجرف الصامد"، في 8.8.2014. تم تسجيل الإفادة من قبل الباحث الميداني من بتسيلم، خالد العزايزة في تاريخ 10.12.17.

محمد أبو هدّاف قبل اصابته. الصورة بلطف من العائلة.
محمد قبل الاصابة.

عندما شنّت "حملة الجرف الصامد" تركت عائلة أبو هدّاف منزلها - الوالد صالح، وكان آنذاك في سنّ الـ37؛ الوالدة نسرين، وكانت في سنّ الـ35؛ وأولادهما الخمسة وكانوا في سنّ تتراوح بين ثلاثة وثمانية أعوام. انتقلت العائلة من منزلها في القرارة، شماليّ خان يونس إلى منزل شقيقة صالح في خان يونس. بعد ذلك بأيّام معدودة قصف الجيش الإسرائيلي منزل العائلة، في القرارة.

أثناء وقف إطلاق النار، في 8.8.2014، عاد الوالدان وأولادهما إلى منزلهم المهدّم لكي يأخذوا بعض الأغراض التي نجت من القصف. في ساعات ما بعد الظهر، حين كانوا عند مدخل منزلهم أو ما تبقّى منه، أطلق الجيش الإسرائيلي صاروخين أصابا جوار المنزل. يبدو انّ الصاروخين كانا موجّهين إلى مبانٍ ثلاثة لآل أبو هدّاف (العائلة الموسّعة)، الذين كانوا يقفون عند مدخل منزلهم المجاور. قُتل جرّاء القصف ثلاثة أشخاص في سنّ الـ8 والـ15 والـ19 لم يشاركوا في القتال. صلاح ونسرين أبو هدّاف وأربعة من أولادهما جُرحوا ونُقلوا إلى مستشفى في خان يونس. محمد، الذي كان آنذاك في سنّ السادسة، جُرح في بطنه وعموده الفقري؛ وفي أثناء خضوعه لعملية جراحية اضطرّ الأطبّاء إلى إجراء إنعاش له، وعانى من نقص في الأوكسجين الواصل إلى الدماغ. نُقل محمد إلى المستشفى الأوروبي قرب رفح، حيث رقد تحت العلاج طيلة 15 يومًا، اتّضح خلالها أنّ رجلاه قد شُلّتا.

تابع محمد علاجه في تركيّا، حيث طار إلى هناك مع عمّته، ثمّ بعد أسبوعين انضمّ إليهما والده وشقيقه عيّاش، وكان آنذاك في سنّ الخامسة وأصابه شلل جزئيّ جرّاء القصف. بعد مضيّ بضعة أشهر عاد الجميع إلى منزل الأسرة في القرارة، الذي رمّمه الأب جزئيًّا بواسطة قضبان الحديد وألواح الأسبست والشوادر. في أوائل كانون الأوّل 2014 رقد محمد مجدّدًا للعلاج في قطاع غزة.

في إفادة أدلت بها يوم 10.12.2017 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، وصفت نسرين هدّاف العلاجات التي تلقّاها ولدها ومشاعرها في تلك الأيّام:

محمد أبو هدّاف قبل اصابته. الصورة بلطف من العائلة.

"عندما تلقى محمد العلاج في تركيا كانت معاناتي لا توصف. كنت أنا نفسي مصابة بجروح، وكذلك أولادي. إضافة، كان محمد بعيدًا عنّي، ولم أعرف حقيقة وضعه. كان أولادي في حاجة إليّ، ولكنّي كنت أمضي الوقت في البكاء، وكنت مرهقة نفسيًّا وجسديًّا. تلقّى محمد في تركيا العلاج الطبيعي "فيزيوتِرابيا"، وكانوا يعطونه أدوية على شكل حبوب وحقن. عندما عاد إلى القطاع رقد مجدّدًا للعلاج في المستشفى الأوروبي. كان يعاني شللاً جزئيًّا ولم يقدر على المشي. استخدم كرسي عجلات. أمضى معظم وقته مستلقيًّا على ظهره، وأنبوب في رقبته يصله بجهاز الأكسجين. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى الهلال الأحمر في خان يوسف لأجل العلاج الطبيعي، لكنّ ذلك لم ينفعه وظلّ مشلولاً. أثناء العلاج في مستشفى الهلال الاحمر وصلوه بأنبوب تغذية من البطن، بدلاً عن "زوندا" الأنف التي تغذّى بواسطتها منذ إصابته. لكنّه بعد تركيب الانبوب أخذ يتقيّأ وساءت حالته".

خلال عام 2015 نُقل محمد للعلاج في مستشفى "هداسا عين كارم"، في القدس، حيث أجريت له عمليّتان جراحيّتان في المعدة والحلْق؛ وبعد نحو أربعين يومًا عاد إلى منزل الأسرة في القرارة. في الفترة التي قضاها محمد في المنزل فقد نظره وقدرته على الحركة والكلام. فوق الحالة الصعبة التي وصل إليها محمد، ناءت العائلة تحت عبء تكاليف العلاج التي كانت تبلغ 800 ش.ج. اسبوعيًّا، إضافة إلى تكاليف احتياجاته الأخرى - مثال، كرسي عجلات، جهاز تغذية عن طريق البطن، ممرّضة خاصّة لازمته حين رقد في المستشفى مجدّدًا.

في إفادته تحدّث صالح الأب عن تلك الأيّام:

صالح أبو هدّاف
صالح أبو هدّاف

"أخذت محمد إلى عدّة مستشفيات في غزّة، وعدّة أطبّاء. كان مثل ميت، لا يتحرّك أبدًا، فقط تنفّس. لم يرَ ولم يتكلّم. رقد في مستشفى الهلال الأحمر، ودفعت 1000 ش.ج. لممرّضة خاصّة لكي تعتني به. اشتريت له كرسي عجلات بـ2000 ش.ج.. وبمساعدة جمعية السلامة في خان يونس حصّلت له مجانًا سريرًا خاصًّا، مع فرشة هواء وجهاز لشفط السوائل وجهاز لاستنشاق البخار. وخلال السنوات التي مرّت تكبّدنا تكاليف عالية جدًّا لدى نقله من مستشفًى لآخر ولقاء الأدوية التي تناولها.

كنت أشتغل متقطّعًا، وكنت أصرف كلّ مرتّبي على محمد. وكان والدي وشقيقتي وأشقّائي يدعمونني في المصاريف، ولكن كلّهم موظفون وليس لديهم الكثير ليقدّموه. أحيانًا تلقّيت مساعدات من عائلة زوجتي ومن أصدقاء. جميع أبناء الأسرة عانوا من الوضع لأنّنا تقشّفنا كثيرًا في المصاريف.

طيلة كلّ هذه السنين عشنا في البيت المهدّم - لم تكن له جدران حقًّا، ولا نوافذ أو أبواب. في الصيف كان حارًّا جدًّا وفي الشتاء تسرّبت مياه الأمطار عبر الثقوب التي في سقف الإسبست".

في تشرين الأول 2017 تمكّنت العائلة من الانتقال إلى منزل جديد في القرارة، أقامته أموال التعويضات التي تلقّتها من "الأونروا" (وكالة غوث اللّاجئين، التابعة لهيئة الأمم المتحدة)، وبمساعدة عائلة نسرين. في تلك الفترة أجريت فحوصات جديدة لمحمد، وفي 2.11.2017 رقد للعلاج في المستشفى الأوروبي، قرب رفح، في أعقاب وذمة (Edema) تطوّرت في بطنه نتيجة تجمّع السوائل. أجريت له عمليّتان جراحيّتان، ولكن دون جدوى. في 6.12.2017، توفّي محمد في المستشفى.

في إفادتها قالت الأمّ:

"محمد كان وضعه صعبًا كلّ الوقت، إلى أن فقدناه - يوم الأربعاء، عند الساعة 2:00 فجرًا. كان زوجي إلى جانبه. انا كنت حاملًا في الشهر التاسع ولم أستطع أن أكون هناك. عندما توفّي محمد خشي زوجي أن يخبرني. خاف من ردّة فعلي. علمت بذلك في السابعة من صباح اليوم نفسه، عن طريق أمّي وأخي وأختي. عندما سمعت الخبر لم أتمالك نفسي، بكيت وصرخت على فقدان ولدي. لقد كانت لحظات صعبة. فقدت ابني محمد. إنّه قضاء الله. بعد ذلك حمدت الله ودعوت لمحمد بالرحمة والغفران".

سياسة إطلاق النار والقصف الجوّي لمناطق مكتظّة بالسكّان كانت أحد الجوانب الأكثر هولاً في أداء إسرائيل خلال "حملة الجرف الصامد". نتيجة لتطبيق هذه السياسة قُتل على الأقلّ 1,055 فلسطينيًا لم يشاركوا في القتال - ما يقارب نصف الفلسطينيين الذين قتلوا أثناء القتال - بينهم 405 أولاد، و-229 نساء. أصرّت إسرائيل أنّ هذه السياسة تنسجم والقانون، ولكنّ ادّعاءها هذا باطل: بدءًا بالتأويل غير المعقول لما يمكن اعتباره "أهداف مشروعة"، مرورًا بإفراغ مبدأ التناسب من مضمونه وانتهاءً بالتطبيق الأداتيّ لمطلب اتّخاذ الحيطة مع تجاهل غير خفيّ للنتائج الفتّاكة المترتّبة على هذه السياسة ولقتل أسَر بأكملها. واصلت إسرائيل تطبيق هذه السياسة طيلة أسابيع، منزلاً منزلاً، أسْرةً أسْرة. عدا الأعداد الكبيرة للقتلى جرّاء هذه السياسة، هُدم وتضرّر نحو 18,000 منزل، وأضحى بلا مأوًى أكثر من 100,000 فلسطينيّ، نتيجة هذا القصف العشوائي؛ وتفيد معطيات نشرها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة (OCHA)، أنّه حتّى نهاية شهر آب 2017، كان ثلثهم لا يزال دون مأوى.

إضافة، جُرح خلال "حملة الجرف الصامد" أكثر من 11,200 فلسطينيّ، بينهم 3,400 أولاد و-3,500 نساء، اضطرّ معظمهم إلى الاكتفاء بالخدمات الطبية المنقوصة في قطاع غزّة، وإلى تحمّل تكاليف العلاج بأنفسهم، دون تلقّي أيّ تعويض من إسرائيل على الأضرار التي ألحقتها بهم.

محمد أبو هدّاف واحد من ضحايا هذه السياسة: كان في سنّ السادسة عندما أصيب جرّاء صاروخ أطلقه الجيش الإسرائيلي على مدخل منزل مجاور لمنزل عائلته المهدّم. طيلة أكثر من ثلاث سنوات كافحت العائلة والأطباء لكي يعيش محمد، الذي كان يُنقل من مستشفى إلى آخر في قطاع غزة وفي تركيا وإسرائيل، وهو يعاني الشلل والعمى وفقدان النطق. في 6.12.2017، في المستشفى الأوروبي في رفح، توفّي محمد أبو هدّاف جرّاء إصابته، عن عمر ناهز التاسعة.

مواد مقترحة

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.

14 حزيران/يونيو 2023

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.

14 حزيران/يونيو 2023