قطاع غزة

18.1.12: ثلاث سنوات على انتهاء حملة "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة: فشل ساحق لألية التحقيق الداخلي للجيش الاسرائيلي

في الفترة ما بين 27.12.08 ولغاية 18.1.09 أدار الجيش الإسرائيلي هجوما سمي حملة "الرصاص المصبوب" في قطاع غزة. حجم المس بالسكان المدنيين خلال الحملة كان غير مسبوق. وقد قتلت قوات الأمن الإسرائيلية خلالها 1,391 فلسطينيا، من بينهم ما لا يقل عن 759 مدنيا لم يشاركوا في القتال، من بينهم 318 قاصرا تحت جيل 18 عاما. وقد وصل عدد الجرحى الفلسطينيين إلى أكثر من 5,300 جريح من بينهم أكثر من 350 شخصا أُصيبوا بجراح بالغة. كما ألحقت إسرائيل خسائر كبيرة بالبيوت، المباني الصناعية، الزراعية وكذلك البنية التحتية الخاصة بالكهرباء، الصرف الصحي، المياه والصحة، التي كانت على حافة الانهيار حتى قبل الحملة. طبقا للأمم المتحدة فقد هدمت إسرائيل خلال الحملة أكثر من 3,500 منزل، وحوالي 20,000 شخص بقوا بدون مأوى.

مع نهاية الحملة توجهت منظمات حقوق الإنسان، وبضمنها بتسيلم، إلى المستشار القضائي للحكومة الاسرائيلية، وطالبت بإنشاء جهاز تحقيق مستقل لفحص تعاطي الجيش خلال الحملة. وقد تم رفض الطلب بدعوى أن الجيش عمل طبقا لتعليمات القانون الدولي الإنساني، وأن الجيش يقوم بإجراء تحقيقات ميدانية بخصوص الوقائع التي أصيب فيها المدنيون وأن نتائج التحقيق ستحول إلى النيابة العسكرية والمستشار القضائي. وجاء في الكتاب انه بقدر ما تتوفر لدى المنظمات معلومات محققة بخصوص الوقائع التي أصيب بها المدنيون، يمكن تحويل هذه المعلومات إلى الجهات الرسمية التي ستقوم بفحص الادعاءات. وقد تم رفض توجه إضافي من قبل المستوطنات من آذار 2009 لإقامة جسم مستقل للتحقيق في نشاطات الجيش.

توجهات بتسيلم إلى النيابة العسكرية

في أعقاب رد المستشار القضائي للحكومة، توجهت بتسيلم إلى النيابة العسكرية وطالبت بفتح تحقيق جنائي بخصوص عشرين حادث مختلف دلت التحقيقات التي قامت بها بتسيلم على وجود اشتباه بأن الجيش انتهك تعليمات القانون الإنساني الدولي. تتعلق الحوادث العشرين بموت 92 مدنيا فلسطينيا واستعمال ثلاثة مدنيين فلسطينيين كدروع بشرية.

لم تتلقى بتسيلم أي رد موضوعي على هذه التوجهات من ناحية النيابة العسكرية. ومع هذا، فقد اتصل محققو شرطة التحقيقات العسكرية مع بتسيلم وطالبوا المساعدة للدفع قدما بالتحقيقات. هكذا علمت بتسيلم أنه تم فتح التحقيق في تسعة من بين العشرين حالة التي توجهت بتسيلم بشأنها، وانه تم فتح تحقيق في حالة لم تتوجه بتسيلم بشأنها، غير أنها وصفت في إفادة نشرت في موقع المنظمة على شبكة الانترنت.

في التحقيقات العشر التي تم فتحها في أعقاب عمل بتسيلم، ساعدت المنظمة في تنسيق وصول الشهود إلى تحقيقات شرطة التحقيقات العسكرية وكذلك حولت إلى المحققين مستندات طبية وغيرها. كان التوجه الأخير من قبل شرطة التحقيقات العسكرية إلى بتسيلم بخصوص هذه التحقيقات في شهر ايلول 2010، بعد مرور أكثر من سنة ونصف على الحملة، وعندها طلب محققو شرطة التحقيقات العسكرية لأول مرة تنسيق وصول أبناء عائلة السموني كي يدلوا بإفاداتهم بخصوص الحادث الذي قتل فيه 21 فردا من أبناء العائلة.

مؤخرا علمت بتسيلم من النيابة العسكرية أنه تم التحقيق في حالة واحدة اخرى من بين العشرين توجها من قبل بتسيلم. وبهذا يتلخص عدد التحقيقات التي تم فتحها في أعقاب معالجة بتسيلم إلى 11 تحقيقا.

بعد مرور ثلاث سنوات على الحملة اطلعت النيابة العسكرية بتسيلم على معالجة توجهات المنظمة

على مدار العامين ما بعد حملة "الرصاص المصبوب" على قطاع غزة توجهت بتسيلم إلى النيابة العسكرية والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عدة مرات وطلبت الحصول على معلومات بخصوص معالجة الشكاوى التي تقدمت بها، غير انه لم يتم الرد على جميع توجهاتها.

فقط بتاريخ 1.1.12، بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا على نهاية الحملة، أرسلت النيابة العسكرية لبتسيلم تحديثا بخصوص معالجتها لمئات الشكاوى التي وصلت بتسيلم خلال أكثر من عقد من السنين، وبضمن هذا التوجهات الخاصة بحملة "الرصاص المصبوب". فيما يلي الردود التي تم تلقيها بخصوص هذه الحالات:

  • في تسع حالات لم تأمر النيابة العسكرية مطلقا بفتح تحقيق من قبل شرطة التحقيقات العسكرية. بخصوص خمس حالات من بينها، لم يطرأ على ما يبدو أي تغيير منذ الرد الأولي على الشكوى التي تقدمت بها بتسيلم وهذه المرة ايضا ورد أن: "تم تحويل الملف إلى الجهات العسكرية ذات الصلة لغرض الحصول على تعاط منها" (الحالات: قتل خمسة من أفراد عائلة أبو عيشة، قتل خمسة من عائلة عليوه، قتل 11 شخصا من عائلة الذيب، قتل ابراهيم ومحمد أبو دقة وابراهيم أبو طير، وقتل خمسة من عائلة الرميلات). بخصوص ملفين آخرين أبلغت النيابة أن "الملف قيد العلاج" (قتل خمس أخوات من عائلة بعلوشة وقتل الطفلة وئام الكفارنة). بخصوص ملفين إضافيين ردت النيابة أنه "لم يتم العثور على التوجه" (قتل ثمانية خلال قصف شاحنة تحمل بالونات الغاز وقتل ثلاثة أولاد من عائلة الأسطل)
  • وقد تجاهلت النيابة العسكرية تماما ملفا آخر كان ضمن توجهات بتسيلم، ومن غير المعلوم لبتسيلم ما هو مصيره (قتل عطية السموني وابنه في الرابعة من عمره).
  • من بين 11 ملفا التي فُتح فيها تحقيق من قبل شرطة التحقيقات العسكرية:
    • بخصوص أربعة ملفات قررت النيابة العسكرية إغلاق الملفات دون الشروع في إجراءات قضائية ما ضد الضالعين (استخدام شفيق ضاهر كدرع بشري، قتل ثمانية من أبناء عائلة أبو حليمة، قتل روحية النجار وقتل ستة من أبناء عائلة عبد الدايم).
    • بخصوص خمسة حالات انتهى التحقيق، غير أن النيابة لم تتخذ قرارا اما تقديم لوائح اتهام أو إغلاق الملفات.( استخدام سامي محمد ورعد أبو سيف كدروع بشرية، قتل جهاد أحمد ورضا علي، قتل 21 شخصا من أبناء عائلة السموني، قتل أب واثنين من أبنائه من عائلة عزام، قتل مصطفى بركة ورسمي أبو جرير وقتل أربعة من عائلة حجي وعرفات). بخصوص ثلاثة ملفات من بين هذه الملفات أبلغت شرطة التحقيقات العسكرية بتسيلم في تموز 2010 أنه تم تحويل الملفات إلى النيابة العسكرية حيث تنتظر هذه الملفات الحسم من قبل النيابة منذ سنة ونصف تقريبا. أحد الملفات يتعلق بقتل 21 شخصا من أبناء عائلة السموني بتاريخ 5.1.11.يتضح مما نشرته وسائل الإعلام أن الكولونيل ايلان ملكا، قائد لواء جفعاتي خلال الحملة، تم التحقيق معه بخصوص هذه الحالة بشبهة الإهمال، بعد أن أمر بقصف البيت الذي ركز فيه الجيش قبل ذلك حوالي مائة شخص من أبناء العائلة. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، هذه الحالة من بين الحالات القليلة التي تم فيها التحقيق مع مستوى قيادي. ويتضح مما نشرته وسائل الإعلام مؤخرا حول الموضوع انه من المتوقع إغلاق الملف ضد الكولونيل ملكا وأنه لن يتم تأخير ترقيته.
    • بخصوص ملف إضافي يتعلق بقتل ماجدة وريا أبو حجاج- أدى التحقيق في الواقعة إلى تقديم لائحة اتهام ضد جندي بسبب قتل مجهول. وفقا لأقوال النيابة، خلال التحقيق تم العثور على تضارب بين إفادات الفلسطينيين وإفادات الجنود بخصوص قتل المرأتين، غير انه وفقا لرواية الجنود فقد جرى خلال الحادث إطلاق النار بخلاف القانون مما أدى إلى الموت. لائحة الاتهام التي تم تقديمها استندت بصورة استثنائية على هذه الرواية. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، لم تبذل شرطة التحقيقات العسكرية أية جهود من أجل فض التناقض بين الروايات ولم تتم دعوت الشهود الفلسطينيين للإدلاء بإفادات إضافية عند الوقوف على التناقضات. كما تم تعليق محاكمة جندي بتهمة "قتل مجهول"، طبقا لما نشرته وسائل الإعلام، إلى حين الانتهاء من تحقيق آخر يتعلق بتمييع هذا الحادث.

وزارة الخارجية: نحن نحقق

جاء في نشرتين إعلاميتين عن وزارة الخارجية، في كانون الثاني 2010 وفي تموز 2010، معطيات بخصوص عدد تحقيقات شرطة التحقيقات العسكرية التي تم الشروع بها، دون تفصيل الحالات التي تم التحقيق فيها. بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، فإن المعطى الأكثر تحديثا الذي أدلت به النيابة العسكرية بخصوص عدد التحقيقات التي جرى فتحها في أعقاب الحملة نشرت في موقع النيابة العسكرية في شهر آذار 2011، حيث ورد انه تم فتح 52 تحقيقا من قبل شرطة التحقيقات العسكرية. عدا عن ذلك، لم تنشر أي جهة رسمية أي تفصيل بخصوص الحالات التي تم التحقيق فيها، مكانة التحقيقات وعدد الملفات التي قادت إلى تقديم لوائح اتهام

الاستنتاج: غياب المحاسبة بخصوص عمليات الجيش خلال حملة الرصاص المصبوب

بعد مرور ثلاث سنوات على نهاية الحملة، فإن نتائج عشرات التحقيقات من قبل شرطة التحقيقات العسكرية التي تم فتحها تتسم بالضبابية التي أوجدتها النيابة العسكرية ومن غير المعلوم ما هو مصير أغلبها. يتضح مما نشرته وسائل الإعلام وردود النيابة التي وصلت إلى بتسيلم أنه في أعقاب الحملة تم تقديم ما مجمله ثلاث لوائح اتهام: سرقة بطاقة اعتماد، استعمال ولد عمره تسع سنوات كدرع بشري وكذلك "قتل مجهول".

في ثلاث حالات إضافية تم تقديم ستة ضباط لمحكمة تأديبية: اثنان منهما بسبب إطلاق قذائف ذات شظايا أصابت منطقة الأونروا وثلاثة بسبب قصف مسجد المقادمة الذي أسفر عن مقتل 15 فلسطينيا، من بينهم تسعة مدنيين، وواحد بسبب استعمال مجدي عبد ربه كدرع بشري، وهي حالة توجهت بسببها جمعية عدالة إلى النيابة العسكرية وطالبت بإجراء تحقيق.

هذا الواقع ليس مفاجئا. وقد تم فتح جميع التحقيقات بصورة متأخرة. التحقيقات الأولى، بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، تم فتحها فقط في شهر تشرين الأول 2009- أي بعد مرور عشرة أشهر على نهاية الحملة. بعد مرور ثلاث سنوات على الحملة، تقل الفرص في انتهاء التحقيقات إلى لوائح اتهام.

الاشتباهات التي طرحتها بتسيلم، منظمات إسرائيلية، فلسطينية ودولية بخصوص انتهاك تعليمات القانون الإنساني الدولي خلال حملة الرصاص المصبوب من قبل الجيش لم يتم التحقيق فيها بصورة جدية. معظم الشكاوى التي قدمتها بتسيلم انتهت إلى لا شيء. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم التحقيقات لم تتناول، بقدر ما هو معلوم لبتسيلم، مسئولية المستويات القيادية وتركزت في تصرف هذا الجندي أو ذاك.

إن إصرار إسرائيل على عدم التحقيق بصورة جدية في تعاطي الجيش خلال حملة الرصاص المصبوب والتركيز على التحقيق في حوادث قليلة قادت إلى عدم التحقيق في الاشتباهات الخطيرة بخصوص انتهاك القانون ولم يتم التحقيق مع المسئولين، وبضمن هذا لم يتم فحص:

    • السياسة التي عملت بموجبها القوات خلال الحملة
    • قانونية التعليمات التي صدرت للجنود
    • اختيار الأهداف التي قصفها الجيش
    • الوسائل التي استعملها الجيش لحماية السكان المدنيين

هذه الأسئلة تقع في صلب القانون الإنساني الدولي وحسمها حيوي لغرض فحص قانونية تعاطي الجيش خلال الحملة.

بعد مرور ثلاث سنوات على الحملة يمكن التحديد بأن الجيش الإسرائيلي، الذي ادعى انه لا حاجة إلى جهاز تحقيق خارجي، مُني بفشل كبير في محاولة التحقيق في تعاطيه خلال حملة "الرصاص المصبوب". وهذا من ناحية السياسة التي بلورها المستوى القيادي وكذلك من ناحية الحالات التفصيلية وتعاطي القوات ميدانيا.

مواد مقترحة

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.

14 حزيران/يونيو 2023

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.

14 حزيران/يونيو 2023