سياسة إطلاق النار

لا محاولة دهس ولا عمليّة من أيّ نوع: جنود حاجز فجائيّ يطلقون النّار على أبوين لخمسة أولاد ويقتلون الأب الذي توفّي متأثراً بجراحه

27 نيسان/أبريل 2021، حُدّث في 14 شباط/فبراير 2023

الصورة
سمية منصور وابنتيها. تصوير: أليكس ليفاك، 3.4.21
الصورة
אוסאמה מנסור. התמונה באדיבות המשפחה
أسامة منصور. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في ساعات اللّيل من يوم الجمعة الموافق 5.4.21 دهم جنود بلدتي بير نبالا والجيب الواقعتين شمال مدينة القدس حيث فتّشوا عدداً من المنازل. رشق بعض الفتية والأولاد الجنود بالحجارة وأطلق هؤلاء بدورهم الغاز المسيل للدّموع نحوهم. بعد منتصف اللّيل وقرب السّاعة 2:30 من يوم 6.4.21 جاءت نحو أربع مركبات عسكريّة إلى شارع بير نبالا - الجيب الذي يمرّ في الحدود ما بين البلدتين. توقّفت المركبات عند جزيرة مروريّة تتوسّط الشارع وفي الأزقّة المجاورة له ثمّ خرج الجنود ووقفوا قرب المركبات.

بعد مضيّ وقت قصير مرّت في المكان سيّارة يقودها أسامة منصور (45 عاماً) ومعه زوجته سميّة منصور (35 عاماً) وهُما أبوان لخمسة أولاد ويقيمان في قرية بِدو. كان الزّوجان عائدين إلى منزلهما بعد زيارة لعيادة طبيب في بير نبالا. حين لوّح لهُما أحد الجنود بمصباح أوقف أسامة سيّارته.

بعد نقاش قصير بينه وبين أحد الجنود استأنف أسامة منصور السّير وفوراً بعد ذلك أطلق الجنود النار نحو السيّارة وأصابوا أسامة في رأسه وأصيبت سميّة بجراح جرّاء شظايا. من مقعدها أمسكت سميّة بالمقود وداست دوّاسة البنزين وقادت السيّارة مسافة تقارب 700 متر أخرى ثمّ توقّفت على طرف الشارع. هرع إلى المكان عدد من الشبّان ونقلوا الزوجين إلى عيادة في قرية بِدو ومن هناك نُقل الاثنان إلى مستشفىً في رام الله حيث خضع أسامة لعمليّة جراحيّة لكنّ الأطبّاء أعلنوا وفاته بعد نحو السّاعة. صادر الجنود سيّارة أسامة منصور وبعد مضيّ ساعات صادروا أيضاً تسجيلات كاميرات المراقبة المثبّتة على دكّانين قريبين لأنّ وُجهة عدساتها ترصد المكان الذي وقعت فيه الحادثة.

يُظهر تحقيق بتسيلم أنّ المسلك الذي سارت فيه السيّارة كان خالياً من الجنود وأنّ إطلاق الرصاص قد جرى أوّلَ الأمر فور استئناف السيّارة السّير بعد توقّفها. حدث ذلك على بُعد أمتار معدودة من الحاجز الفجائيّ ونحو عشرين متراً من مجموعة جنود كانوا يقفون عند الجزيرة المروريّة في تتمّة الشارع. بعد ذلك تعرّضت السيّارة لوابل من الرّصاص أطلقه الجنود الذين عند الحاجز الفجائيّ والجنود الذين عند الجزيرة المروريّة.

الصورة
موقع الحدث. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 6.4.21

سارع الجيش إلى وصف الحادثة على أنّها محاولة دهس (الرابط بالعبرية) معلناً أنّ الجنود الذين أطلقوا النيران على أسامة منصور وزوجته فعلوا ذلك حين "أسرعت السيّارة نحو مجموعة جنود أخرى كانت تقوم بمهمّة في المكان وعرّضت حياتهم للخطر". غير أنّ تقارير وسائل الإعلام (الرابط بالعبرية) أفادت أنّ الجيش في ذلك الحين كان أيضاً يشكّك باحتمال وقوع محاولة دهس.

أعلن الجيش أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت تحقيقاً فوريّاً (الرابط بالعبرية) غير أنّ تجربة السّنين الطويلة قد علّمتنا أنّه لا ينبغي لنا انتظار نتائج تُسفر عنها هذه التحقيقات سوى طمس الجريمة لأنّ هذا بالذات هو الهدف منها - هذه التحقيقات هي وسيلة لإسكات النقد إذ توهم بأنّ جهاز تطبيق القانون يقوم بدوره بينما هو في الواقع ورقة التوت التي تستر عورات النظام عبر تحقيقات وأد الحقيقة وطمس الجريمة.

أدناه تحدّث سميّة منصور، زوجة أسامة، عمّا حدث حين وصلت هي وزوجها في سيّارتهما إلى الحاجز الفجائيّ - من إفادة أدلت بها في 7.4.21 أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد:

الصورة
سمية منصور. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 7.4.21

عندما وصلنا إلى بير نبالا فوجئنا بجيبين عسكريّين يقفان في عرض الشارع قريباً من الجزيرة المروريّة وجنديّين يقفان أمامهما. لا أعرف ما إذا كانت هناك مركبات عسكريّة أخرى، لم أنتبه لذلك. في تتمّة الشارع خلف الجيبات كان يقف جنديّان آخران قرب الجزيرة على بُعد نحو عشرين متراً من الجنديّين الأوّلين. أحد الجنديّين القريبين منّا أشار لنا بواسطة مصباح أن نتوقّف. قلت لأسامة "يبدو أنّ هناك جيش يا أسامة، توقّف". توقّف أسامة على بُعد بضعة أمتار من الجنديّين. لم أر على الشارع إشارات أو مثاقيب لنتوقّف أمامها. تقدّم أحد الجنديّين من السيّارة من جهة السّائق وأخذ يصرخ على أسامة بالعبريّة: "لماذا لا تتوقّف؟! لقد أشرت لك من بعيد ولم تتوقّف!". ورغم أنّ أسامة قد توقّف أجاب الجنديّ قائلاً: "لم أنتبه. والله إنّني مسطول من كثرة التعب ولذلك لم أنتبه لك". سأله الجنديّ "من أين أنتما وإلى أين أنتما ذاهبان" فأجابه أسامة أنّنا كنّا في زيارة لطبيب وأننا في طريقنا إلى قريتنا بِدو. لم يطلب الجنديّ بطاقات هويّة ولا أوراق السيّارة ولا أيّ شيء. السيّارة التي كانت معنا بلا أوراق فهي "مشطوبة" أصلاً.

بعد ذلك استأنف أسامة السّير وعندئذٍ أطلق أحد الجنديّين رصاصة واحدة أصابت السيّارة من الخلف. أخذت أصرخ: "أسامة، أسامة، إنّهم يطلقون علينا النار! توقّف! توقّف وإلّا فسوف يقتلوننا!". قال لي أسامة: "كيف أتوقّف؟ سوف يرشّوننا الآن". انطلق أسامة بسرعة كبيرة وبعد ذلك أُطلق وابل من الرّصاص أصاب السيّارة من الخلف. الجنود الذين كانوا إلى الأمام لم يكونوا على المسلك الذي نسير فيه ولكنّهم أخذوا هُم أيضاً يُطلقون الرّصاص نحونا حتى قبل أن نقترب منهم. كان الرّصاص أو شظايا الزجاج تتطاير في كلّ صوب. أعتقد أنّ ثلاث رصاصات على الأقلّ أصابت السيّارة من الأمام وعشرات الرّصاصات اخترقت السيّارة من الخلف. من شدّة خوفي أخفضت رأسي بين رجليّ لكي أحتمي من الرّصاص وكانت السيّارة قد بدأت تتأرجح من جهة إلى أخرى. أحسست بإصابات في ظهري فقلت لأسامة إنّني أصبت وبدوره قال لي "أنا أيضاً أصبت". بعد ذلك صمت أسامة وكانت تلك آخر الكلمات التي قالها. تفقّدته ورأيت الإصابة في رأسه وكان لا يتكلّم وجسمه متّكئ لجهتي. قدّرت أنّ أسامة فقد السيطرة على السيّارة وخشية أن نصطدم بشيء مددت رجلي إلى دوّاسة الوقود ووجّهت السيّارة من مكاني. عندما أصبحنا بعيدين عن أنظار الجنود ومرمى رصاصهم أوقفت السيّارة على طرف الشارع من جهة اليمين ورفعت الفرامل اليدويّة. كنت في حالة صدمة. كان أسامة غائباً عن الوعي وأنا أصرخ "أسامة! أسامة!" لكنّه لم يستجب.

في الشارع نفسه يقيم ب. ع. (57 عاماً) وقد عاد إلى منزله من زيارة لأقاربه بعد أن قالت له زوجُته إنّ جنوداً يُطلقون الغاز المسيل للدّموع قرب منزلهم. بعد أن توقّف إطلاق الغاز ظلّ الزّوجان مستيقظين.

أدناه يحدّث ب. ع. عن أحداث تلك اللّيلة - من إفادة أدلى بها في 6.4.21 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:

الصورة
نافذة سيارة الزوجين الأمامية التي ثقبها الرصاص

نحو السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل كنّا لا نزال مستيقظين أنا وزوجتي. سمعت جلبة مركبات عسكريّة تعود إلى منطقتنا. رأيت قرابة خمس مركبات عسكريّة على الجزيرة المروريّة الموجودة قبالة منزلنا وخارجها على الأرض نحو عشرة جنود. خمّنت انّهم يستعدّون لاقتحام إحدى الحوانيت أو أحد المنازل. كانت حركة السيّارات على الشارع قليلة ولم يوقف الجنود أيّاً من السيّارات التي مرّت. كنت مع أولادي ننظر من شُرفة منزلنا المطلّة على الشارع المُضاء.

بعد وقت قصير رأيت سيّارة خصوصيّة قادمة من ناحية بير نبالا وكانت تسير بسرعة عاديّة. عندما أصبحت السيّارة على مسافة نحو عشرة أمتار من الجنود أشار لها أحدهم أن تتوقّف. بعد أن توقّفت السيّارة تقدّم نحوها ثلاثة جنود إلى جهة السّائق. سمعت أحدهم يصرخ على السّائق باللّغة العبريّة وأنا أفهمها جيّداً. سأله الجنديّ لماذا لم يتوقّف وأجابه السّائق أنّه توقّف واستمرّ الجدال بينهم. بعد أقلّ من دقيقة تحرّكت السيّارة وفي تلك اللّحظة لم يكن أمامها جنود. ما كاد السّائق يقطع بضعة أمتار حتى أمره الجنود أن يتوقّف وحين لم يستجب أطلق الجنود النار على السيّارة من الخلف وهُم يواصلون الصّراخ "توقّف! توقّف!".

سمعت طلقة واحدة ثمّ تبعها إطلاق نار كثيف. منذ البداية سمعت الرّصاص يُصيب الزجاج الخلفيّ وسمعت الزّجاج يتحطّم ولكن لا يمكنني القول بالتأكيد كم رصاصة أصابته. بعد إصابة السيّارة بدأت تتأرجح أثناء سيرها وكادت تصطدم بأشياء أو بالرّصيف أكثر من ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة كانت تستقيم وتتابع السّير. تقدّمت السيّارة مسافة تقارب نصف الكيلومتر وبعد ذلك توارت عن أنظاري ثمّ توقّف إطلاق الرّصاص. أثناء إطلاق الرّصاص شاهدت 3-4 جنود يركعون في وضعيّة قنص. مع هذا الكم الكبير من الرّصاص توقّعت أنّ الركّاب لا بدّ أن أصيبوا.

بعد مضيّ 10-15 دقيقة تحرّكت المركبات العسكريّة في اتّجاه قرية الجيب مسافة نصف كيلومتر تقريباً. قرّرتُ أن أذهب لأرى ما الذي يحدث هناك. توقّفتُ على بُعد مئة متر من المركبات العسكريّة وسيّارة الإسعاف الفلسطينيّة التي كانت قد وصلت وتوقّفتْ قرب السيّارة المُصابة.

بعد مضيّ ساعة أو ساعة ونصف على الحادثة عاد جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود وجمعوا الرّصاصات الفارغة المتناثرة على الشارع. في الصّباح رأيت عدداً من الرّصاصات الفارغة التي يبدو أنّ عناصر القوّة لم ينتبهوا لها.

مرّت دقائق معدودة بعد أن أوقفت سميّة منصور السيّارة على بُعد نحو 700 متر من الحاجز الفجائيّ وإذّاك جاء عدد من الشبّان ونقلوا الزوجين إلى عيادة في قرية بِدو حيث تلقّى أسامة الإسعاف الأوّلي وخلال دقائق نُقل وزوجته في سيّارة إسعاف إلى مستشفىً في رام الله. سلكت سيّارة الإسعاف طرقاً فرعيّة لكي تتجنّب التقاء جنود على الشارع وعندما وصلت إلى المستشفى كان أسامة لا يزال غائباً عن الوعي وقد تمّ إدخاله إلى غرفة الصّدمة ومن هناك إلى غرفة العمليّات وبعد مضيّ ساعة أعلن الأطبّاء وفاته. في هذه الأثناء كانت سميّة تتلقّى العلاج جرّاء إصابتها بشظايا الرّصاص وزجاج السيّارة.

أضافت سميّة في إفادتها:

طوال الوقت كنت أسأل عن حال أسامة، أسأل أفراد أسرتي وأسرة زوجي الذين جاءوا إلى المستشفى لكنّهم لم يجيبوني بصورة واضحة فظللت متوتّرة جدّاً. فقط عند السّاعة 5:00 صباحاً قالوا لي إنّ أسامة قد فارق الحياة.

بعد مضيّ نصف السّاعة غادرت المستشفى بعد أن أعطوني وصفة لحبوب مسكّنة للأوجاع وموادّ لتعقيم الجُروح.

الذين قتلوا زوجي قد حطّموا قلبي لأنّ أسامة كان صديق عُمري كما أنّهم يتّموا خمسة أطفال وحرموهم من والدهم. أدعو له بالرّحمة من ربّ العالمين. قبل شهرين خرج أسامة من السّجن بعد أن كان معتقلاً في إسرائيل على خلفيّة المكوث غير القانوني في إسرائيل. لم نكد نفرح بذلك إذ أجهضوا فرحتنا بلمّ شمل عائلتنا ولقائه مع الأولاد بعد فراق.

  • في 19.11.21 نشرت وسائل الإعلام بأن الملف لا زال قيد اللتحقيق. في 1.6.22 أبلغ الناطق بلسان الجيش بتسيلم بأنه تم إغلاق ملف التحقيق بدون تقديم لائحة اتهام.   

مواد مقترحة

מחסום בידו/בית איכסא. צילום: ענת טואג, מחסום ווטש, 11.4.21

سياسة إطلاق النار

سيّارة تزيد سرعتها وتصيب شرطيّة من حرس الحدود عند حاجز، فيردّ عناصر الشرطة بإطلاق النّار في كلّ اتّجاه ويقتلون طفلة (4 سنوات) كانت في سيّارة أجرة

في يوم الأحد الموافق 7.1.24، نحو السّاعة 17:00، وصل محمد أبو عيد وزوجته ضحى، من سكّان قرية بيدو في محافظة القدس، إلى الحاجز العسكريّ المقام عند مدخل قرية بيت إكسا. زادت سرعة سيّارتهما إلى داخل الحاجز فأصابت شرطية حرس حدود وتسبّبت لها بجروح طفيفة. إلى جانب الشرطيّة كان يقف شرطيّان - لم تُصبهما السيّارة بأيّ أذىً - فشرع كلاهُما في إطلاق وابل من الرّصاص وقتلا محمد وزوجته، ثمّ أطلقا أكثر من ثلاثين رصاصة نحو سيّارة أجرة مرّت أمامهما في الحاجز. أصابت إحدى الرّصاصات الطفلة رقيّة جهالين (4 سنوات)، التي كانت في داخل السيّارة مع أفراد من أسرتها.واصل سائق سيّارة الأجرة السّير ثمّ توقّف على بُعد بضعة أمتار بعد الحاجز. خشي الركّاب أن يُطلق عناصر الشرطة النار عليهم إذا هُم خرجوا من السيّارة ولذلك انتظروا داخلها ومعهُم رقيّة الجريحة. بعد مضيّ نحو رُبع ساعة توقّفت رقيّة عن التنفّس وعندها تجرّأ السّائق وأخبر عناصر الشرطة بوُجود طفلة جريحة داخل السيّارة.أخذ عناصر الشرطة الأمّ وابنتها إلى سيّارة إسعاف من "نجمة داوود الحمراء" كانت قد وصلت إلى المكان. هناك أجرى المُسعفون عمليّات إنعاش ولكن دون جدوى. بقيت الأمّ مدّة ساعة داخل سيّارة الإسعاف مع جثمان ابنتها، ثمّ أخرج عناصر الشرطة الجثمان ووضعوه على الأرض، على بُعد بضعة أمتار من جثمانيّ الزوجين من السيّارة الأولى. بعد نصف ساعة تقريباً وصل إلى المكان أحمد جهالين، والد رقيّة. جرى التحقيق معه ومع زوجته في الحاجز حتى منتصف اللّيل. بعد ذلك فقط سُمح لهما بالعودة إلى منزلهما ولكن دون جثمان ابنتهما الذي بقي مُلقى على الأرض هناك. فقط في 16.1.24، بعد مضيّ 9 أيّام على وفاتها، سلّم الجيش جثمان رقيّة إلى أسرتها.سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 10.1.24 إفادتيّ والدة الطفلة وسائق سيّارة الأجرة التي كانت تستقلّها:عائشة جهالين (39 عاماً) وأمّ لثلاثة، قالت:في يوم الأحد الموافق 7.1.24 كنت مع أولادي الأربعة - مروة ورحمة ورقيّة ومحمد - في زيارة عائليّة في بيت حنينا البلد. عند السّاعة 16:50 غادرنا عائدين إلى منزلنا في قرية بيت إكسا في سيّارة أجرة "فورد ترانزيت" يقودها سائق أعرفه، وكانت فيها امرأتان من القرية لا أعرفهما. كانت إحداهُما جالسة على المقعد بجانب السّائق والثانية على المقعد الذي خلفه. جلست أنا إلى جوارها وأولادي إلى جانبي وخلفي.وصلنا إلى الحاجز عند السّاعة 17:00. كنّا على بُعد 15-20 متراً من البوّابة الرئيسيّة وانتظرنا إشارة من عناصر الشرطة. لم تكن أمامنا سيّارات أخرى. خلال دقيقة أو اثنتين فُتحت البوّابة وتقدّم السّائق ثمّ توقّف مقابل غرفة التفتيش، في وسط الحاجز. كانت تقف هناك شرطيّة وشرطيّان آخران. أخذت الشرطيّة بطاقات الهُويّات من السّائق ومنّي ومن السيدتين الأخريين. أمعنت النظر فينا ثمّ أعادت لنا البطاقات وسمحت للسّائق بأن يواصل السّير. كنّا على بُعد نحو عشرة أمتار من بوّابة الحاجز الثانية وأخذ السّائق يتقدّم نحوها ببُطء.فجأة سمعت صرخات عناصر الشرطة وجلبة، ثمّ إطلاق رصاص كثيف من خلفنا. اخترق الرّصاص "الفورد ترانزيت" وتناثر حُطام الزجاج إلى كلّ ناحية. أخفضت رأسي فوراً واختبأت خلف مقعد السّائق، وهكذا فعل البقيّة كلّهم. سحبت محمد إلى أرضيّة السيارة ووضعته أمامي. بعد ذلك استدرت وسحبت رقيّة أيضاً، وعندئذٍ تبيّن لي أنّها قد أصيبت. كان دمُها يملأ ملابسها في منطقة الظهر وكانت تبكي. أجلستها على حضني وحاولت أن أهدّئ من روْعها. توقّف إطلاق الرّصاص بعد ثوانٍ لكنّها مرّت كأنّها سنة. في تلك الأثناء واصل السّائق السير، اجتاز البوّابة ثمّ انحرف يميناً وتوقّف.أردت النزول من السيّارة لكي أطلب إسعاف رقيّة فقال لي السّائق أنّهم سيُطلقون النار عليّ إذا خرجت. جلست مع رقيّة داخل السيارة وكانت تعاني كثيراً من الألم. في الخارج كانت جلبة كبيرة حيث جاءت قوّات بأعداد كبيرة ومن كلّ الأنواع وتجمّع أفرادها قرب غرفة التفتيش حول سيّارة وصلت من بعدِنا على ما يبدو. لم أفهم ما الذي جرى بالضبط.بعد مضيّ رُبع ساعة تقريباً لم تُصدر رقيّة أيّ صوت وتوقّفت عن الحركة والتنفّس. نادى السّائق أحد عناصر الشرطة فأجابه هذا لكنني لم أفهم ما قاله. فقط عندئذٍ تجرّأت على الخروج من السيّارة مع رقيّة. رآني شرطيّ وسألني ماذا أريد فقلت له إنّ الطفلة جريحة. لم يفهم ماذا حدث وكيف جُرحت فقلت له إنّ عناصر الشرطة قد أطلقوا النار عليها.أخذني الشرطيّ إلى سيّارة إسعاف كانت تنتظر هناك، وهي تابعة لـ"نجمة داوود الحمراء". لا أعرف متى جاءت إلى المكان. أدخلوني ورقيّة إلى سيّارة الإسعاف. وضعوها على السّرير، أوصلوها بالأكسجين وحاولوا إجراء إنعاش يدويّ لها لكن دون فائدة. بعد ذلك استخدموا الصّدمات الكهربائيّة، وهذا أيضاً لم يُساعد إذ لم تستجب رقيّة. حاولوا طوال بضع دقائق، ثمّ قال لي المُسعف إنّه آسف، لأنّ رقيّة قد فارقت الحياة.أغلقوا باب سيّارة الإسعاف وأبقوني في داخلها طيلة ساعة تقريباً. لم يكلّمني أحد. جلست هناك باكية وأنا أحتضن طفلتي. بعد أن مضت ساعة أخرى أخذوها ومدّدوها على جانب الطريق وغطّوها. قالوا لي أن أبقى جانباً، على بُعد عشرة أمتار منها.طلبت منهم أن يُنادوا زوجي. كنت خائفة وجسمي كلّه يرتجف. لم أعرف ما الذي سوف يجري. بعد نصف ساعة تقريباً وصل أحمد، زوجي. كنت مصدومة وبصعوبة كنت أجيب على أسئلتهم فوجّهوا معظم الأسئلة إلى أحمد. رأيت على جانب الشارع جثتين أخريين. كانتا مغطّاتين ببطّانتيّ طوارئ. بعد نحو أربعين دقيقة على وُصول أحمد رأيت أنّ السّائق قد عاد. قال لي إنّه قد أقلّ الأولاد إلى منزلنا في القرية. فحص عناصر الشرطة سيّارة الأجرة وحقّقوا مع السّائق. عند السّاعة 23:00 جلبوا رافعة وحمّلوا سيّارة الأجرة وسيّارة الزوجين وأخذوهما من هناك. فقط عند منتصف اللّيل سمحوا لي بالمغادرة، لكنّهم رفضوا أن نأخذ معنا جثمان رقيّة، وما زالوا يتحفّظون عليه حتى الآن. يقولون إنّهم يحتاجون إليه لاستكمال التحقيق وإجراء الفحص الجنائيّ. سائق سيّارة الأجرة قال:أعمل في نقل ركّاب على خطّ بيت إكسا والقرى المجاورة. في يوم الأحد الموافق 7.1.24، عند الساعة 16:45، نقلت سبعة ركّاب من دوّار بيدو إلى بيت إكسا: امرأتان، إحداهما جلست بجانبي والثانية خلفي، وامرأة مع أربعة أولاد. جلست الأمّ في المقعد الأوسط في السّطر الأوسط، وجلس قسم من أولادها بجانبها وقسم آخر في المقعد الخلفيّ.وصلنا إلى الحاجز عند السّاعة 17:00 وتصرّفت وفقاً للتعليمات. توقّفت قبل إشارة "قف" وخلال أقلّ من دقيقة فتح عناصر الشرطة البوّابة وأشار لي أحدهم أن أتقدّم. كان يقف هناك شرطيّان وشرطيّة. تقدّمتُ حتى أصبحت سيّارتي مقابل غرفة الحرس. طلبت الشرطيّة بطاقات هُويّات الركّاب، وبعد أن فحصتها وأعادتها إلينا فتحت لنا البوّابة وأخذتُ بدوري أتقدّم ببُطء.تقدّمتُ نحو البوّابة الثانية وكانت قد فُتحت. عندما كنت على بُعد نحو خمسة أمتار منها، وعشرة أمتار من عناصر الشرطة، أطلق علينا رصاص من الخلف. حصلت في داخل السيّارة حالة من الذُعر والصُراخ. أخفضت رأسي وضغطت على دوّاسة الوقود لكي أبتعد. كان الرّصاص قد حطّم الزجاج الخلفيّ ودخل إلى السيّارة. تقدمتُ هكذا مسافة عشرة أمتار تقريباً، دون أن أرى شيئاً أمامي. بعد أن اجتزت البوّابة الثانية انطفأ المحرّك، لأنّني قد رفعت رجلي عن القابض (كْلَتْش)، من شدّة الاضطراب على ما يبدو.توقّف إطلاق الرّصاص بعد أقلّ من دقيقة لكنّني بقيت تحت تأثير الصّدمة حتّى أنّني لم أدرك هل أصبت أم لا. طلبت من الجميع أن يتفقّدوا أنفسهم فقال الركّاب أنّهم لم يُصابوا، سوى طفلة واحدة علمت لاحقاً أنّ اسمها رقيّة. اتّصلت بمحطّة الإسعاف في قرية بيدو وأبلغتهم بأنّ طفلة قد أصيبت في سيّارة أجرة على الحاجز. وصلت سيّارة الإسعاف من بيدو خلال خمس دقائق. توقّفت بعيداً عن الحاجز وشغّل السّائق الصافرة، لكنّهم لم يسمحوا له بالدخول. بعد ذلك جاءت مركبات شرطة، ومن بعدها حضرت قوّة من الجنود وعناصر الشرطة.بعد رُبع ساعة تقريباً جاءت عدّة سيّارات إسعاف من "نجمة داوود الحمراء". لا أعرف كم عددها. فقط عندئذٍ تجرّأت وأخرجت رأسي من النافذة وصرخت قائلاً لعناصر الشرطة، بالعبريّة، إنّه يوجد معي طفلة مُصابة. فوراً نادى الشرطيّ المسعفين وخرجت الأمّ مع ابنتها وتقدّمت نحو منطقة الحاجز. فتحوا لها البوّابة وأخذوها مع الطفلة إلى إحدى سيّارات الإسعاف، بينما بقي أولادها الآخرون معي.سألت شرطيّاً "هل يمكنني أن أذهب؟ لأنّ معي أطفالاً صغاراً". قال لي انتظر، ثمّ جاء شرطيّ آخر بعد خمس دقائق وقال لي اذهب. تقدمتُ في اتّجاه بيت إكسا، وبعد الحاجز بنحو مائتي متر لاقاني أقارب الأطفال وأخذوهم، وواصلت بدوري السّفر إلى القرية حيث أنزلت بقيّة النساء وعُدت إلى منزلي.عند السّاعة 18:20 هاتفني "كابتن فارس" وقال إنّه ينبغي عليّ أن أعود إلى الحاجز مع السيّارة. عُدت إلى هناك ووقفت على المسار الأيمن. كان هناك محقّق من الجيش ومحقّقون من الشرطة. فتّشني الأخيرون وسألوني بضعة أسئلة عمّا جرى والتقطوا صوراً للسيّارة.شاهدت جثمانين ممدّدين على الشارع ومغطيين ببطانيتي طوارئ. لاحقاً اتّضح لي أنّهما رجل وزوجته. على بُعد خمسة أمتار منهما كان جثمان الطفلة، مغطّاة بقطعة شاش بيضاء. كانت الأمّ وزوجها يقفان على بُعد عشرين متراً منّي ويحيط بهما محقّقون. يبدو أنّهم كانوا يستجوبونهما.أحصيت مع المحقّقين أكثر من ثلاثين رصاصة قد أصابت السيّارة، معظمها في الجانب الأيمن. بعض الرّصاصات اخترق المقعد الخلفيّ. عند السّاعة 19:00 حمّلوا السيّارة بواسطة رافعة وأخذوها من هناك. ثمّ أخذوني في مركبة عسكريّة إلى سجن "عوفر".بعد أن انتظرت هناك نصف ساعة تقريباً فتّشوني وأدخلوني إلى غرفة فيها شخص قال إنّه "أبو رامي". عرض عليّ أشرطة فيديو من كاميرا مراقبة. لم أرَ أيّ شيء بوُضوح. سجّلوا تفاصيلي الشخصيّة وعنواني. بعد نحو عشرين دقيقة انتهى التحقيق وانتظرت حتى يُعيدوني إلى الحاجز. عندما أنزلوني في الحاجز، نحو السّاعة 23:00، كانت الجثامين لا تزال هناك.عبرت الحاجز راجلاً وكان أخي ينتظرني في الجهة الأخرى فعُدت معه إلى المنزل.

18 نيسان/أبريل 2024

ג'וואד בוואקנה. התמונה באדיבות המשפחה

سياسة إطلاق النار

جنود يطلقون النار على معلّم (57 عامًا) ويُردونه قتيلًا عندما كان يحاول إخلاء جريح

في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 2:30 فجرًا، دخل عشرات الجنود إلى مخيّم جنين للاجئين. فور وصولهم رشقهم شبّان بالحجارة وبحسب ادّعاء الجيش، فقد ألقوا عليهم عبوات ناسفة أيضًا. تقدّم بعض الجنود إلى داخل المخيم وصعد آخرون إلى سطح أحد المباني ودخل قسم منهم إلى إحدى الشقق في الطابق الخامس وأمروا ساكنيها بالدخول إلى إحدى الشقق الأخرى ومن هناك قاموا بتبادل إطلاق النار مع مسلّحين فلسطينيّين كانوا يختبئون في أحد الأزقّة في المخيم. ونحو الساعة 4:00 فجرًا، تقدّم أحد المسلَّحين، أدهم جبارين (26 عامًا)، وهو ناشط في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ، صوب الميدان المجاور في المخيم. أطلق الجنود الذين كانوا في المبنى، على مسافة نحو 150 مترًا، النار عليه فأصيب إصابة بالغة. سمعتْ آلاء بواقنة (34 عامًا)، وهي من سكّان الحيّ، شبّانًا يصرخون طلبًا للمساعدة وخرجت لتقصّي ما حدث. عندما خرجت بواقنة شاهدت جبارين، الذي لم تكن تعرفه، مستلقيًا في الركن الشرقيّ من منزلها وهو مصاب. تمكّنت من سحبه من يديه باتّجاه منزلها، مسافة ثلاثة أمتار تقريبًا. وخرج والدها، جواد بواقنة (57 عامًا)، من المنزل أيضًا وساعدها في سحبه بضعة أمتار أخرى حتّى مدخل منزلهما. طوال هذا الوقت، سمع الاثنان إطلاق نار بجوار منزلهما. وعندما وصلا إلى باب المنزل، أطلق أحد الجنود طلقتين اثنتين من البناية التي كان الجنود يختبئون فيها فأصابتا الجزء العلويّ من جسم الأب وسقط على وجهه. تمكّن أفراد العائلة من إدخاله إلى فناء المنزل الداخليّ، الذي كان بمنأى عن مرمى نيران الجنود. وقدِم مسعِف متطوّع كان موجودًا في المنطقة إلى المنزل وقام بمساعدة آلاء في إخلاء جواد بسيّارة العائلة إلى المستشفى حيث أقرَّتْ وفاته. وبعد ذلك بوقت قصير، أخلِيَ جبارين أيضًا إلى المستشفى وأقرَّت وفاته هو أيضًا من قبَل الطاقم الطبّيّ. غادرت القوّات المخيّم بعد اعتقالها ثلاثة من السكّان، من بينهم أحد سكّان البناية التي أطلِقت منها النيران. وتمّ إطلاق سراح الثلاثة بعد ذلك بوقت قصير. وأعلن المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ أنّه "خلال نشاط القوّات في مخيّم جنين للّاجئين، أطلقت القوّات النار على مسلّحين أطلقوا النيران الكثيفة عليها وتمّ رصد إصابات" وأنّ أحد الجنود أصيب بشكل طفيف ونُقِل إلى المستشفى لتلقّي العلاج. أطلق قنّاص النار على مواطن غير مسلّح وأرداه قتيلًا عندما كان يحاول تقديم الإسعاف الأوّليّ لشخص جريح. هذا في وقت لم يشكّل فيه خطرًا على أحدٍ، وبالتأكيد ليس على الجنود الذين وقفوا بعيدًا عنه محميّين جيّدًا. تثير نتائج البحث الميدانيّ شكوكًا قويّة في أنّ قتل بواقنة كان متعمّدًا وليس له أيّ مبرّر. ردّ فعل المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ وتجارب الماضي تدلّ بوضوح على أنّ أحداً لن يُحاسَب على قتله ـ لا القناص الذي نفّذ إطلاق النار ولا القادة الذين سمحوا به ولا المستشارون القضائيّون الذين صادقوا على التعليمات ولا الضبّاط الأعلى رُتبةً في الجيش. باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي تحدّث مع أقارب جواد بواقنة ومع شهود العيان في 19.1 و22.1: آلاء بواقنة (34 عامًا) قالت في إفادتها: في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 2:30 فجرًا كنتُ أنا وأختي في غرفتنا عندما سمعنا صافرة الإنذار التي يشغّلها الشبّان عادةً لتحذير السكّان من مداهمة الجيش للمخيّم. بعد بضع لحظات من إطلاق الصافرة بدأنا نسمع أصوات إطلاق نار وانفجارات في مناطق قريبة من مركز المخيّم. نادانا أبي، جواد، للتجمّع في غرفة نومه هو وأمّي، لأنّها الغرفة الأكثر أمانًا في المنزل وحدث ذات مرّة أنْ أصابت نيران الجنود إحدى نوافذنا. ونحو الساعة 4:00 سمعنا صراخًا في الخارج ونداءات أطلقها شبّان بأنّهم بحاجة إلى إسعاف أوّليّ وسيّارة إسعاف. أدركنا أنّ شابًّا أصيب قرب منزلنا. قبل ذلك كنتُ قد قرأتُ في وسائل التواصل الاجتماعيّ أنّ قوّات الجيش أبلغت الارتباط الفلسطينيّ بأنّها تمنع تنقّل سيّارات الإسعاف والصحفيّين داخل المخيّم دون التنسيق معها. رغم التحذيرات، لم أستطع تجاهل الصراخ في الخارج وشعرتُ بالتزام إنسانيّ وعاطفيّ بمساعدته. خرجتُ بسرعة نحو الركن الشرقيّ من منزلنا ووجدتُ هناك شابًّا لم أكن أعرفه كان مُستلقيًا على ظهره وغير قادر على الحركة. كان ينزف بشدّة ولم يتكلّم. سحبتُ الشابّ من يده وكان فقط يئنّ من الألم. قلتُ له إنّني أسحبه حتّى مدخل منزلنا لإخراجه من نطاق إطلاق النار ولمحاولة مساعدته. طلبتُ منه أن يحاول مساعدتي وأن يتقدّم لكنّه لم يكن قادرًا على الحركة. تمكّنتُ من سحبه مسافة مترين أو ثلاثة أمتار، رغم إطلاق النيران الكثيف حولنا. ركّزتُ في محاولة إخلائه. في تلك اللحظات جاء أبي لمساعدتي. كان يرتدي البيجامة. أمسك الشابّ بيده الأخرى وتمكّنا معًا من سحبه حتّى باب منزلنا، مسافة ثمانية أمتار تقريبًا. سمعتُ إطلاق النيران الحيّة أقرب إلينا وفجأةً رأيتُ أبي يسقط ببطء على الأرض، بجانب الشابّ الجريح، وارتطم رأسه بعتبة الباب. كنتُ مصدومة. مذعورة تمامًا. كانت تلك لحظات مرعبة. قمتُ أنا وأمّي وإخوتي بسحب أبي إلى داخل الفناء الداخليّ للمنزل. رأيتُ أنّه أصيب برصاص في الجزء العلويّ من جسمه ثمّ جاء شابّ يرتدي زيّ مقدّم الإسعاف الأوّليّ وساعدنا على إدخال أبي إلى سيّارتنا. سافرتُ بسرعة إلى مستشفى ابن سينا. لم أكترثْ بإطلاق النار. كان يهمّني فقط أن أنقل أبي إلى المستشفى بسرعة. وصلتُ إلى قسم الصدمات وحاول الأطبّاء هناك إنقاذ أبي، لكنّه توفّي. المسعِف المتطوّع س. م. قال: قرابة الساعة 2:30 كنتُ في منزلي، في القسم الغربيّ من المخيّم. استيقظتُ على صافرة التحذير من غارة للجيش. ارتديتُ على الفور سترة المتطوّعين في الإغاثة الطبّيّة ("جمعيّة الإغاثة الطبّيّة الفلسطينيّة") وأخذتُ حقيبة الإسعاف الأوّليّ وخرجتُ من المنزل باتّجاه مركز المخيّم. قرابة الساعة 3:30 فجرًا كنتُ في مركز المخيّم مع أصدقائي ومتطوّعين آخرين وقدّمنا ​​الإسعاف الأوّليّ لشابّ أصيب بنيران الجيش ثمّ نقله الشبّان إلى المستشفى. سمعتُ نداءات وصرخات عن وجود شابّ مصاب في المنطقة يحتاج إلى إسعاف أوّليّ وسيّارة إسعاف. تقدّمتُ وحدي باتّجاه الصرخات عبر الأزقّة. علمتُ بوجود قنّاصة إسرائيليّين على أسطح المباني وفهمتُ من وسائل التواصل الاجتماعيّ أيضًا أنّ الجيش حظر حركة سيّارات الإسعاف والصحفيّين. عندما وصلتُ إلى المكان الذي أصيب فيه الشابّ وجدتُ هناك جواد بواقنة وابنته وكانا يحاولان سحب الشابّ الجريح باتّجاه مدخل منزلهما. فور وصولي قبالة منزل عائلة بواقنة تمامًا رأيتُ جواد يُصاب بالنيران ويسقط ببطء على وجهه، عند عتبة منزله. وصلتُ إليهم وبمساعدة أفراد عائلة جواد أدخلناه إلى باحة المنزل. كان الشابّ الجريح، أدهم طه (جبارين)، مستلقيًا بلا حركة عند المدخل لكنّني لم أتمكّن من فحصه بسبب نيران القنّاصة. كان جواد ينزف بغزارة من الصدر والبطن. حاولتُ الضغط على الجروح بضمّادات لوقف النزيف لكنّ ذلك لم يُفِدْ. أدخلناه على الفور في سيّارة العائلة. قادت ابنته آلاء السيّارة وذهبتُ أنا معها إلى مستشفى ابن سينا ​​القريب من منزلهم. وصلنا إلى هناك خلال بضع دقائق وحاول الأطبّاء إنقاذ حياة جواد لكنّه توفّي متأثّرًا بجراحه القاتلة التي أًصيب بها في صدره وبطنه. وبينما كنّا في قسم الصدمات، أحضروا أيضًا الشابّ أدهم الذي وصل وقد فارق الحياة. أحد السكّان في إحدى الشقق التي أطلقت منها القوّات النيران الحيّة قال: في البداية دخل ستّة جنود. أشار أحدهم إلينا بألّا نتحرّك. وقام جنديّ آخر بإطفاء الأضواء في الصالة. سمعتُ جنديًّا يكسر المصباح الذي فوق باب مدخل البيت، في الخارج. أحضر جنديّ آخر منصّة ارتفاعها نحو متر. قام بتحريك طاولة الطعام في المطبخ، وهي متّصلة بالصالة. وضع أحد الجنود بندقيّة طويلة على المنصّة وثبَّتها. دخل الجنود إلى غرف المنزل وتفحّصوها وبعد بضع دقائق أمرنا أحدهم بالانتقال من الصالة إلى غرفة أخرى. دخلنا إلى هناك وكان جنديّان لديهما مصابيح على خوذتيهما يقفان ويحرسان قرب باب الغرفة. سمعنا أصوات إطلاق نار من صالة البيت المطلّة على ساحة المخيّم الرئيسيّة. بعد ذلك وصل جنديّ آخر، أعتقد أنّه كان الضابط المسؤول، وتحدّث بالعبريّة مع الجنديّين. أنا أفهم العبريّة قليلًا، وفهمتُ أنّه كان يقول لهم أن ينقلونا إلى شقّة أخرى في المبنى، وهكذا فعل. وتابع الشاهد قائلًا: قرابة الساعة الخامسة فجرًا خمدت أصوات إطلاق النار ولم نعد نسمع حركة جنود أيضًا. صعدنا عائدين إلى شقّتنا ووجدنا المنزل مدمّرًا تقريبًا. أخرج الجنود الفرشة من غرفة النوم واستخدموها كدرع واقٍ. أسقطوا كلّ شيء كان على الرخام. وجدنا أيضًا ثقوبًا في ستائر النوافذ. عندما نظّفنا البيت عثرتُ على كبسولة رصاصة أطلقها الجنود على الشبّان. لم يتركوا كبسولات باستثناء تلك التي وجدتُها. كانت تلك تجربة صعبة ومخيفة لنا وللجيران.

29 آذار/مارس 2023

روتين قاتل: مقتل لّة ملوح (14 عامًا)

سياسة إطلاق النار

جنود يطلقون النار على سيّارة عابرة فيقتلون فتاة (14 عامًا) ويجرحون السائق

في يوم الاثنين الموافق 14.11.22 قرابة الساعة 4:00 فجرًا، وصل عشرات الجنود إلى بلدة بيتونيا المجاورة لرام الله، اعتقلوا أحد السكّان، قيَّدوا يديه خلف ظهره واقتادوه إلى أسفل المبنى المقابل لمنزله. في الوقت ذاته، مرّت في الشارع سيّارة كان يقودها أنس حسّونة (26 عامًا). كانت تجلس بجانبه فلّة ملوح (14 عامًا)، فتاة تعاني من طيف التوحُّد. أطلق الجنود ـ الذين كانوا يحرسون المعتقل وجنود آخرون كانوا يقفون على مسافة أبعد في الشارع ـ النار على السيّارة وأصابوا كليهما. واصلت السيّارة السير بضعة أمتار ثمّ توقّفت. توجّه الجنود إليها وأخرجوا منها ملوح المصابة. وفقًا لشهود عيان، هم قدّموا لها الإسعاف الأوّليّ لفترة زمنيّة قصيرة ثمّ غطّوا جسدها. تلقّى حسّونة، الذي أصيب في ذراعه اليمنى، علاجًا أوّليًّا من الجنود. بعد ذلك، أخلى الجنود حسّونة وجثمان ملوح إلى معسكر الجيش في "عوفر" ومن هناك أعيد جثمان ملوح إلى عائلتها بسيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر. تمّ إخلاء حسّونة إلى مستشفى "شعاري تسيدك" في القدس حيث خضع لعمليّة جراحيّة ثمّ أبلغه جنود بأنّه معتقل بشبهة أنه حاول دهس الجنود. في اليوم التالي تمّ التحقيق معه في المستشفى وفي 17.11.22 تمّ إطلاق سراحه إلى منزله، دون قيد أو شرط. بعد الحادثة نشر الناطق باسم الجيش الإسرائيليّ أنّ القوّة العسكريّة رصدت "سيّارة مشبوهة تقترب في اتّجاهها. أشارت القوّة لسائق السيّارة بالتوقّف، إلّا أنّه زاد من سرعته باتّجاه القوّة. ردًّا على ذلك، أطلقت القوّة النار على السيّارة". إلّا أنّ حسّونة، الذي كان يقود السيّارة، قال لبتسيلم إنّه لم يلاحظ الجنود على الإطلاق قبل أن يطلقوا النار عليه. وقال شهود عيان إنّهم عندما رأوا السيّارة، فور إطلاق الرصاصات الأولى عليها، كانت تسير بسرعة عاديّة. هيام عرموش (67 عامًا) من سكّان حيّ المدارس في بيتونيا، قالت في إفادة قدّمتْها لباحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 14.11.22: في يوم الاثنين الموافق 14.11.22 قرابة الساعة 4:00 فجرًا، أيقظني زوجي وقال لي إنّ هناك جنودًا في الحيّ. نظرتُ من نافذة المطبخ المطلّة على الشارع الرئيسيّ ورأيتُ سيّارات جيب متوقّفة في الشارع على مسافة لا تزيد عن 70 مترًا من منزلنا. كانت تلك ليلة ماطرة لكنّ أضواء الشوارع كانت شغّالةً والمصابيح الأماميّة لسيّارات الجيب كانت مُضاءة. لاحظتُ جنديَّين اثنَين يسيران في اتّجاه منزل جيراننا، الذي كانت تقف سيّارات الجيب أمامه. في البداية اعتقدتُ أنّهم يريدون الاحتماء من المطر، لكنّني فهمتُ لاحقًا أنّهم كانوا يداهمون منزل الجيران لاعتقال أحد أبنائهم. رأيتُ ثلاث سيّارات جيب وسيّارة جيب أخرى كبيرة. لا أعرف ما إذا كانت هناك سيّارات جيب أخرى. بعد وقت قصير رأيتُ أكثر من 20 جنديًّا يخرجون من منزل الجيران وهم يقودون أحد أبنائهم ويداه مُقيَّدتان خلف ظهره. أخذه الجنود إلى طريق جانبيّ، شرقيّ منزلنا. يوجد مقابلنا مبنى سكنيّ آخر في طابقه الأرضي محالّ تجاريّة وبقالة، وهناك تقف سيّارات الجيران. انتقلتُ أنا وزوجي للنظر من نافذة أخرى في المنزل لمشاهدة ما يفعلونه، لكنّنا لم نتمكّن من فهم ما حدث هناك بالضبط. بعد ذلك اقتاد الجنود ابن الجيران باتّجاه المخازن التي في الطابق الأرضيّ من بنايتنا. بدأتُ أعود إلى المطبخ لكي أرى ما يفعلونه. بينما كنتُ أنتقل بين الغرف في المنزل سمعتُ 3 طلقات ناريّة. سُمِع ذلك وكأنَّ الصوت يأتي من اتّجاه المخازن التي تحت منزلنا. نظرتُ فورًا من النافذة ورأيتُ سيّارة خاصّة قادمة من الأسفل، وقد عبرَتْ قبالة بنايتنا. كانت مصابيحها الأماميّة مضاءة وكانت تسير بسرعة عاديّة. لم أعرف كم راكبًا كان فيها، لكنّني رأيتُ بوضوح السائق وبجانبه راكب. أنا وزوجي خفْنا من إطلاق النار فانْحَنينا قليلًا. استمرّ إطلاق النار على السيّارة في الوقت الذي تقدَّمتْ فيه بضع عشرات أخرى من الأمتار، إلى أن توقّفت في زاوية المفرق. كان ذلك إطلاق نار جنونيًّا تمامًا. لم يكن أيّ إطلاق نار من داخل السيّارة. فور توقٌّف السيّارة، تقدّم منها نحو عشرة جنود وسحبوا شخصَين من داخلها بعنف. رأيتُهم يُخرجون شابًّا مصابًا من جهة السائق، يُلقون به على الأرض ويبدأون بتفحصه وبتفتيشه. من الجهة الأخرى سحبوا شابّة إلى الخارج، كان ذلك واضحًا من الملابس. في اللحظة التي سحبوها من السيّارة رأيتُ شخصًا، ربّما كان مسعفًا، قطّع ملابسها وبدأ بإجراء إنعاش لها. كانت الفتاة كما يبدو تحتضر أو ​​على وشك الموت. حاولَ لبضع ثوانٍ ثمّ تركوها وتوجّهوا إلى الشابّ، قدّموا له علاجًا ثمّ اقتادوه وأدخلوه إلى سيّارة الجيب. كان يبدو أنّه يستصعب المشي. بعد ذلك وضعوا الفتاة على نقّالة وحاولوا إدخالها إلى إحدى سيّارات الجيب لكنّهم عادوا ووضعوا النقّالة على الأرض مرّة أخرى. كرّروا ذلك أكثر من مرّة واحدة. بعد 15ـ 20 دقيقة اقتادوا الجار الذي ألقوا القبض عليه من منطقة المخازن وأدخلوه إلى إحدى سيّارات الجيب. بعد ذلك أدخلوا النقّالة مع الفتاة إلى سيّارة الجيب نفسها التي جلس فيها الشابّ المصاب ثمّ غادروا المنطقة. بعد انصرافهم، خرجتُ مع زوجي وأبنائنا وسكّان آخرين من الحيّ وتوجّهنا إلى السيّارة التي أطلق الجنود النار عليها. رأيتُ بقع دم على المقاعد وآثار الرصاص في كلّ أجزاء السيّارة، من الأمام ومن الخلف وعلى الجانبين. كانت النوافذ محطّمة وكانت فيها ثقوب أحدثها الرصاص. رأيتُ ملابس مقطّعة، للفتاة كما يبدو. رأيتُ أيضًا معطفًا وقميصًا يبدو لي أنّهما للشابّ. بعد 5 ـ 10 دقائق، وبينما كنّا لا نزال نقف بجانب السيّارة، عاد الجيش فتفرَّقنا وأسرعنا إلى منازلنا. رأيناهم يتفحصون السيّارة مرّة أخرى. لا أعرف ما الذي كانوا يبحثون عنه. رأيتُهم يصوِّرون السيّارة أيضًا. مكثوا بضع دقائق ثمّ غادروا.

10 كانون الثاني/يناير 2023