سياسة إطلاق النار

قوّات الأمن قتلت بنيرانها الشابّ محمّد شقورة في حين لم يشكّل خطرًا على أحد وقتًا قصيرًا بعد أن سحب سلكًا كان قد ربطه إلى الجدار

23 تشرين الأول/أكتوبر 2018، حُدّث في 27 تموز/يوليو 2020

الصورة
محمّد شقورة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
محمّد شقورة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

ضمن "مسيرات العودة" التي انطلقت في 30.3.2018، في ذكرى "يوم الأرض"، جرت في يوم الجمعة الموافق 14.9.2018 مظاهرة قرب الشريط الفاصل بين غزة وإسرائيل، شرقيّ مخيّم البريج للّاجئين الواقع في وسط قطاع غزّة. خلال المظاهرة والتي شارك فيها آلاف الأشخاص مسّ بعض المتظاهرين بالسّلك اللّولبيّ الذي يمدّه الجيش أمام الشريط العازل وبعضهم أشعل الإطارات ورشق الحجارة نحو قوّات الأمن المنتشرة في الجانب الآخر من الشريط العازل.

عند الساعة 17:00 تقريبًا وصل إلى المكان ثلاثة من سكّان مخيّم المغازي للّاجئين الواقع شمال بلدة دير البلح وهم: محمد شقورة (20 عامًا) وشقيقه هيثم (15 عامًا) وصديقهما محمد رخا (18 عامًا). اقترب الثلاثة من الشريط العازل. اقترب هيثم من الجزء الشماليّ من الشريط واقترب محمد شقورة ومحمد رخا من جزئه الجنوبيّ حيث أشعلوا الإطارات في حين كان بعض المتظاهرين يرشقون الحجارة نحو الشريط.

قرب الساعة 18:00 التقى هيثم مع أخيه ومع محمد رخا واتّجه ثلاثتهم شمالًا إلى المنطقة المجاورة للشريط العازل قبالة خيام العودة. في التحقيق الذي أجرته بتسيلم تبيّن أنّ محمد شقورة تقدّم نحو الشريط وربط إليه سلكًا ثمّ سحبه وبعد ذلك أفلته وابتعد. بعد ذلك مباشرة أطلقت النيران عليه وهو واقف إلى جوار متظاهرين آخرين على بُعد نحو عشرين مترًا من الشريط العازل. مشى محمد المصاب بضعة أمتار ثمّ وقع أرضًا. هناك شريط فيديو يوثّق إطلاق النار على محمد شقورة نُشر ضمن مجموعة فيديوهات على موقع ممثلية الأمم المتحدة.* إنّ إطلاق النيران بهدف القتل - في إطار تفريق مظاهرة - على متظاهرين عزّل حتى إذا مسّوا بالشريط العازل بين إسرائيل وقطاع غزّة كما في حالة شقورة أمرٌ مخالف للقانون. يسمح القانون بذلك فقط في حالة خطر داهم ومحقّق على حياة أحدهم، وفقط إذا لم تتوفّر وسيلة أخرى لدرء هذا الخطر. كذلك يحظر القانون الدوليّ الانساني إطلاق النيران الفتّاكة على مدنيّين عزّل وغير مشاركين في عمليّات قتاليّة من ضمنها المسّ بالشريط العازل حيث لا يُعتبر في حدّ ذاته عمليّة قتاليّة.

منذ بداية المظاهرات قرب الشريط العازل قتلت إسرائيل 170 فلسطينيًّا على الأقلّ ومن بينهم 31 قاصرًا. الأغلبيّة السّاحقة من هؤلاء القتلى لم تشكّل أيّ خطر على قوّات الأمن الذين ينبغي التنويه أنّهم ينتشرون في الجانب الآخر من الشريط. إضافة إلى ذلك، أصابت قوّات الأمن بنيرانها أكثر من 5,300 شخص أوقعتهم جرحى. حقيقة مقتل وجرح هؤلاء الأشخاص جاء نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النار التي تطبّقها إسرائيل منذ بدء المظاهرات. إسرائيل تفعل ذلك وهي تعلم جيّدًا النتائج الفتّاكة المترتّبة على هذه السياسة، ممّا يؤكّد مرّة أخرى عدم اكتراث السّلطات الإسرائيليّة لمقتل وجرح الفلسطينيّين؛ وإلّا لغيّرت إسرائيل منذ زمن سياسة إطلاق النّار ولأوقفت إطلاق النيران على متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد ويتواجدون أصلًا في الجانب الآخر من الشريط العازل. هذه السياسة الإجراميّة المُمنهجة تتأكّد مرّة تلو الأخرى حين يواصل الجيش تطبيقها دون أيّ تغيير - ناهيك عن دعمها بواسطة أجهزة الطمس التي يشغّلها جيش إسرائيل بحيث تضمن في كلّ مرّة ألّا يحاسَب أحد على قتل فلسطينيّ.

 

في إفادة سجّلها الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة، في 16.9.2018 وصف محمّد رخا ما حدث قرب الشريط العازل:

الصورة
محمّد رخا. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 16.9.18

دحرج محمد إطارًا كبيرًا، قد يكون إطار شاحنة، مرّ به من ثغرة في السّلك اللولبيّ أحدثها شبّان آخرون في وقت سابق وتابع حتّى وصل مع الإطار إلى الشريط الرئيسيّ وأشعله هناك. بعد ذلك ربط قطعة سلك إلى الشريط الرئيسيّ. أخذ شبّان ينادونه أن يعود لكي يضعوا هناك أربع أو خمس براميل معدنيّة لكي يختبئوا وراءها - لأنّه لم يكن قرب الجدار مكان يمكن الاحتماء به.

في تلك اللحظة ونحو الساعة 18:30، كنت مع محمد إلى جانب المتظاهرين وعلى مسافة تقارب خمسة عشر مترًا من الشريط العازل. كان أمامنا متظاهرون كثيرون آخرون. سمعت طلقة رصاص حيّ ورأيت محمّد يمشي تقريبًا ثلاث خطوات إلى الأمام ويقع على بطنه. اعتقدت أنّه أصيب في الكتف. تقدّمت منه وكان قد تحلّق حوله عدد من الشبّان يقولون "شهيد، شهيد". حملت محمد بمساعدة شبّان آخرين. تقدّمنا بضع خطوات وعندها جاء مسعفون وحملوه على نقّالة. كان غائبًا عن الوعي وينزف من الصدر. أصابتني الصدمة وكنت حزينًا جدًّا لأنّني فهمت أنّ إصابة محمد خطيرة.

في إفادة أخرى سجّلها الباحث الميدانيّ لدى بتسيلم، خالد العزايزة، في 16.9.2018 وصف هيثم شقورة (15 عامًا) ما رآه:

الصورة
هيثم شقورة. تصوير: خالد العزايزة، بتسيلم، 16.9.18

كنّا نقف عند السّلك اللّولبيّ وكان هناك عدد آخر من المتظاهرين منهم نساء ورجال. وعلى بُعد نحو خمسين مترًا من السّلك اللّولبيّ تواجد نحو مائة متظاهر. قبالتنا وفي الجانب الآخر من الشريط كانت خيام وجنود فوق سواتر ترابيّة عالية.

تقدّم محمد إلى أن وصل الشريط الرئيسيّ. أنا بقيت واقفًا في الخلف. ربط محمد السلك لكي يسحبه الشبّان. في الوقت نفسه تقدّمتُ أنا نحو الشريط الرئيسيّ وعاد محمد من الشريط نحو مجموعة المتظاهرين التي وقفت على بُعد نحو عشرين مترًا منه. نادى أحد أصحابه ونظر يسارًا في اتّجاه الجنود. بقيّة المتظاهرين كانوا على يمينه. فجأة سمعت صوت رصاصة ومحمد مشى بضعة أمتار ووقع على الأرض. أنا كنت قريبًا من الشريط وفورًا انبطحت أرضًا. نظرت في اتّجاه المتظاهرين ورأيت عددًا من الشبّان يحملون محمد ويقولون "شهيد، شهيد".

نهضت وركضت نحو الشبّان الذين يحملون محمد. عندما وصلت رأيتهم ينقلونه ركضًا على نقّالة ويتّجهوا إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر كانت متوقّفة على شارع جكر. أدخلوه إلى سيّارة الإسعاف وصعدت أنا معه. في الطريق إلى المستشفى حاول المسعفون إجراء إنعاش وإنقاذ حياة محمد لكنّه كان في غيبوبة. كان ينزف من جُرح في الجانب الأيسر من صدره. في مستشفى شهداء الأقصى الواقع في دير البلح فحص الأطبّاء محمد ولكن لم يكن بإمكانهم فِعل شيء سوى إعلان وفاته. في الطريق إلى المستشفى، كانت حالتي النفسيّة سيّئة جدًّا، لمرأى أخي في غيبوبة ودماؤه تنزف. هاتفت والدتي وقلت لها "محمد ابنك استشهد" فأخذت تصرخ وما عادت تجيبني ولا تتحدّث إليّ.

اعتاد محمد أن يشارك في مسيرات العودة كلّ يوم جمعة وأحيانًا كان يذهب أيضًا في وسط الأسبوع. قبل ثلاث سنوات أنهى محمد دراسته في المدرسة التكنولوجيّة التابعة لوكالة "أونروا" وحصل على شهادة فنّي كهرباء، لكنّه لم يجد عملًا. أراد محمد أن يعمل وأن يدّخر المال لكي يبني منزلًا له فوق منزل أهلنا، وأن يتزوّج ويقيم عائلة. لكنّه لم يتمكّن بتاتًا من إيجاد فرصة عمل.

 

جرى إخلاء شقورة المصاب في صدره إلى مستشفى شهداء الأقصى لكنّه فارق الحياة قبل وصوله.

* التوثيق الكامل لإطلاق النار نُشر على صفحة فيسبوك ثم حُذف مُذّاك إلا أننا في بتسيلم نحتفظ بنسخة منه.

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب

قطاع غزة

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط. في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21. بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين. نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل: في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: : تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها. أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي. أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21 أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز. بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى. عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان. في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى: كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء. عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي. نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن. عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر. في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل. في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد. كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.

28 تشرين الأول/أكتوبر 2021