The Elimination Project

محمد مطر (56 عامًا)، أب لخمسة، تحدث عن اعتداء مستوطنين عليه أثناء تهجير تجمّع وادي السيق على أيدي مستوطنين وجنود وعن سلسلة أعمال التنكيل التي تعرض لها، بما في ذلك التنكيل الجنسي

الصورة
محمد مطر. تصوير: إياد حداد، بتسيلم
محمد مطر. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

أنا أعمل مُدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في محافظات القدس ورام الله وأريحا ومنطقة الأغوار الوُسطى. كنتُ مع زميلي محمّد ندى (27 عامًا)، كمندوبين عن الهيئة، في تجمّع بدو وادي السّيق الواقع في أراضي دير دبوان، شرقيّ مدينة رام الله. في هذا الإطار ساعدنا الأهالي هناك على توثيق هجمات المستوطنين واستدعاء مندوبي مكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ، الذي يتواصل بدوره مع مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ.

في شباط 2023 أقام مستوطنون بؤرة استيطانيّة تُدعى "حفات بن باز" على التلّة المقابلة لمدرسة وادي السّيق، التي تقع في وسط التجمّع. يسكن في البؤرة عدد من المستوطنين، ولديهم هناك نحو 200 رأس من الأغنام. منذ إنشائهم البؤرة الاستيطانيّة، هاجم المستوطنون أهالي تجمّع وادي السّيق عدّة مرّات. إنّهم يسدّون لهُم الطريق المؤدّي إلى مرعاهُم، كما ألحقوا الأذى بأغنامهم وبممتلكاتهم.

في ساعات العصر من يوم الأربعاء المُوافق 11.10.23، كنتُ في التجمّع مع زميلي محمّد ندى، وكان معنا خمسة ناشطين إسرائيليّين وناشطان اثنان أجنبيّان. في ذلك اليوم أعلن المستوطنون عبر شبكات التواصُل أنّهم سيأتون في اليوم التالي إلى التجمّع لكي يُهاجموا الأهالي. وقد وصفوا الهجوم بأنّه: "تحرير وادي السّيق من أيدي الفلسطينيّين".

أحد المستوطنين الملثّمين صرخ علينا بالعربيّة، بلهجة تشبه لهجة أهل نابلس، يأمرنا بأن نُخرج كلّ ما في جيوبنا. كان في جيبي مبلغ 1,800 شيكل، إضافة إلى مبلغ 370 شيكلًا في المحفظة. أخذوا من كلينا كلّ ما كان لدينا من أموال وهدّدونا قائلين "سوف نقتلكما ولن نُبقي أيّ عربيّ هنا! سنطرد بقيّة العرب إلى الأردنّ".

في ساعات اللّيل جاء إلى التجمّع أربعة مستوطنين في مركبة "تندر". جاءوا مسلّحين بالبنادق والمسدّسات واقتحموا عدّة منازل تقع في الناحية المطلّة على بؤرتهم الاستيطانيّة. مكث المستوطنون في التجمّع أكثر من ثلاث ساعات، وبقيتُ مع محمّد والناشطين نراقب تلك المنازل طوال اللّيل. هي منازل مبنيّة من الصّفيح وخيام، والسكّان الذين يقيمون فيها كانوا قد تركوها. لقد غادروا التجمّع قبل أن يصل المستوطنون. في ساعات الصّباح ذهبنا إلى المنازل، وتبيّن لنا أنّ المستوطنين قد سرقوا من هُناك ألواحًا شمسيّة وثماني بطّاريّات خاصّة بمنظومة الطاقة الشمسيّة. جاء أفراد عائلة كعابنة، أصحاب المنازل التي جرى اقتحامها، وقالوا إنّ المستوطنين قد سرقوا أيضًا حقيبة تركوها في المنزل، وفيها مستندات وصور شخصيّة وسوار ذهبيّ. في ذلك الصّباح غادر بقيّة أهالي التجمّع – 28 أسرة يُقارب تعدادُها 200 شخص. جميعهم تركوا خيامهم السكنيّة ومبانيهم الزراعيّة كما هي، وأخذوا معهم الأغنام وبعض الأثاث. نحن ارتأينا أن نبقى هُناك حتى يُغادر آخر السكّان.

الصورة
جسم محمد مطر المُصاب. تصوير: إياد حداد، بتسيلم
جسم محمد مطر المُصاب. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

لم يكتفِ المستوطنون بترهيب الأهالي والدّفع بهم إلى الرّحيل، بل هُم وقفوا عند مفترق شارع "ألون" واعتدوا على الأهالي كلّما خرجوا من أراضي التجمّع أو دخلوا إليها. ومن ضمن ذلك اعتدوا على شابّ بالضرب وسرقوا هاتفه. في نحو السّاعة 8:30، توجّه الناشطون إلى مفترق شارع "ألون" لكي يوثّقوا اعتداءات المستوطنين على الأهالي هُناك، وتولّينا، أنا ومحمّد، أمر الاتّصال بمكتب التنسيق والارتباط الفلسطينيّ، لكي يتواصلوا بدورهم مع مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ من أجل إبعاد المستوطنين المتجمّعين عند المفترق وتمكين الأهالي من المغادرة بسلام.

وفي نحو السّاعة 10:30، كان معظم الأهالي قد رحلوا، فقرّرنا، أنا ومحمّد، أن نغادر المكان. توجّهنا بسيّارة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى المفترق. عندما اقتربنا شاهدنا ثلاث مركبات بلوحات ترخيص إسرائيليّة تسير في اتّجاه التجمّع. سارت في المقدّمة مركبة خاصّة، ومن خلفها سارت مركبتا "تندر". فجأةً رأينا ثلاثة من الناشطين في المركبة الأولى يصرخون لنا أن نهرب، وقالوا إنّهم يحاولون تأخير مركبتي "التندر" اللّتين وراءهما وفيهما مستوطنون عازمون على مُهاجمتنا. قدت السيّارة إلى الخلف مسافة كيلومترين تقريبًا، ثمّ استدرتُ وعُدتُ في اتّجاه التجمّع حتّى وصلنا إلى منزل كان فيه عدد من النساء والأطفال الذين ما زالوا يحزمون أمتعتهم استعدادًا للرّحيل.

في هذه الأثناء كان المستوطنون قد وصلوا إلينا. ترجّل من مركبتي "التندر" 10-12 مستوطنًا، جميعهم مسلّحون، وكان اثنان منهم أو ثلاثة ملثّمين. كانوا جميعًا يرتدون خليطًا من ملابس عسكريّة وملابس عاديّة، لكنّني متأكّد من أنّهم كانوا مستوطنين، لأنّهم جاءوا في مركبتهم، فضلًا عن أنّ بعضًا منهم نعرفهم شكلًا. كانوا مستوطنين من البؤر الاستيطانيّة الزراعيّة التي في المنطقة. أمرونا، أنا ومحمّد، أن ننبطح على بطننا وهدّدونا ببنادقهم. عندما فعلنا ما أمرونا به أخذوا يركلوننا في الظهر والأضلاع. كذلك ركلوا رأسي بقوّة عدّة مرّات. كان بعضهم ينتعل جزمات وبعضهم الآخر أحذية رياضيّة. أحد المستوطنين الملثّمين صرخ علينا بالعربيّة، بلهجة تشبه لهجة أهل نابلس، يأمرنا بأن نُخرج كلّ ما في جيوبنا. كان في جيبي مبلغ 1,800 شيكل، إضافة إلى مبلغ 370 شيكلًا في المحفظة. أخذوا من كلينا كلّ ما كان لدينا من أموال وهدّدونا قائلين "سوف نقتلكما ولن نُبقي أيّ عربيّ هنا! سنطرد بقيّة العرب إلى الأردنّ".

أخذوا منّا هاتفينا أيضًا. أحد المستوطنين الملثّمين أمرني بأن أدخل الشيفرة ليفتح الهاتف، وحين رفضتُ ضربني ببندقيّته خمس مرّات على الأقلّ، على يديّ وكتفيّ. لم يبق لديّ خيار سوى أن أطلب منه أن يجلب لي الهاتف لكي أستطيع أن أفتحه، بالتعريف بوجهي. عندما ناولني الهاتف لم يتمكّن الجهاز من التعرّف عليّ، ربّما لأنّ وجهي كان مغطّى بالتراب. ضربني المستوطن مرّة أخرى ببندقيّته على رأسي، فأخذ الدّم يسيل بغزارة على وجهي ويدخل إلى عينيّ. حاولتُ مرّة أخرى أن أفتح الهاتف بواسطة الرقم السرّيّ، لكنّ المستوطن اختطفه من يدي. واصل بقيّة المستوطنين ركلي بينما كنت ملقى ووجهي إلى الأرض. كان محمّد على بُعد بضعة أمتار منّي وكنتُ أسمع المستوطنين يضربونه.

الصورة
جسم محمد مطر المُصاب. تصوير: إياد حداد، بتسيلم
جسم محمد مطر المُصاب. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

من حين لآخر كنتُ أرفع رأسي لكي أنظّف الدم عن وجهي، وفي كلّ مرّة كان المستوطنون يدوسون رأسي بأرجلهم ويفركون وجهي بالتراب. فجأة صرخ أحد المستوطنين: "لديه سكّين!"، وفي تلك اللّحظة شعرتُ بأنّهم سوف يقتلونني ثمّ يزعمون أنّني خطّطتُ للقيام بـ"عمليّة طعن" ضدّهم. صرخت بالعبريّة أنّه ليس لديّ سكّين، وأنّ هذه سكّين مطبخ. كانت تلك ممتلكات خاصّة بأهالي التجمّع التي حزمناها من قبل وبقيت في الخيام، ومن ضمنها أدوات مطبخ. كرّر المستوطن القول: "لا! لقد أردتم طعننا بهذه السكّين". رفعتُ رأسي مجدّدًا فرأيتُ أنّهم فتحوا أبواب سيّارتنا وأخرجوا كلّ ما في داخلها. قال أحد المستوطنين: "لديه عصا أيضًا، لكي يضربنا". تذكّرتُ أنّه توجد في السيّارة "طوريّة". جلبها المستوطنون وأخذوا يضربونني أنا ومحمّد بها على كلّ أنحاء جسمنا. في تلك الأثناء جاءت مركبتان تابعتان لمكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ، ومركبة ثالثة ترجّل منها حارس المستوطنة. من مركبة مكتب الارتباط ترجّل أربعة أشخاص يرتدون الزيّ العسكريّ، وعندما وصلوا إلينا تركَنا المستوطنون.

أحد مندوبي الارتباط اقترب منّي وأمرني بأن أعطيه بطاقة هويّتي. قلتُ له إنّ المستوطنين قد أخذوها كما أخذوا هواتفنا وأموالنا. قال لهُم أحد المستوطنين أنّه توجد في حوزتنا سكّين. فحص مندوب الارتباط أرقام هويّاتنا، عبر هاتفه، ويبدو أنّه قد رأى ضمن البيانات أنّه قد سبق أن اعتُقلنا وسُجنّا، فقال للمستوطنين: "هؤلاء كانوا سجناء أمنيّين! إنّهم مخرّبون!". سألتُه: "هل أنتم جنود أم مستوطنون؟"، فأجاب أنّهم جنود. فجأة ربط المستوطنون يديّ ويدي محمّد خلف ظهرينا بحبال. مندوب الارتباط ناول أحد المستوطنين الملثّمين بطاقتَي الهويّة خاصّتنا، وسمعتُ المستوطن يقول له إنّنا مطلوبون لجهاز الأمن العام ("الشاباك")، وإنّ مندوبيه في طريقهم إلى هُنا. بعد ذلك غادر مندوبو الارتباط. حينئذٍ، فهمنا أنّهم فوّضوا المستوطنين أن يفعلوا بنا ما يحلو لهُم. بعد لحظات معدودة عاد المستوطنون لضربنا أنا ومحمّد. استمرّ ذلك ساعتين على الأقلّ. نظرتُ إلى ساعتي وكانت تشير إلى 12:30.

كانت أيدينا ما تزال مربوطة خلف ظهرينا. داس أحد المستوطنين رأسي برجليه وفركه بالأرض وهو يقول لي: "كُلْ، كُلْ!". تعامل معي كأنّني من البهائم، وأمرني بأن آكل الشعير وعلف الأغنام.

في هذه الأثناء جاءت عدّة مركبات "جيب" عسكريّة وعدّة مركبات "تندر". اقترب منّا شخص يرتدي الزيّ العسكريّ، ركل خاصرتي اليُسرى وداس رأسي وفرك وجهي بالتراب، ثمّ ركلني مرّة أخرى، وهذه المرّة في أذني اليُمنى. أخذ يجرّني من قميصي إلى الخلف، ويداي ما تزالان مقيّدتين خلف ظهري، ثمّ أمرني بأن أجلس. قال لي: "هل تذكرني؟"، وحين أجبتُه بأنّني لا أذكره، قال لي إنّه راعي الأبقار الذي كان يتجوّل قرب بيديا. وأضاف أنّني في وقت ما قد اعترضتُ طريقه، وخاطبني بلقب "أبو علي". قلتُ له: "لستُ أنا ذلك الشخص"، وأوضحتُ له أنّني لا أتواجد في تلك المنطقة، بل أعمل في منطقة رام الله فقط، فركلني ركلة قويّة في صدري. ثمّ أخرج سكّينًا ومزّق بها قميصي والفانيلّا الداخليّة ثمّ بنطالي، وفعل الأمر نفسه مع محمّد. بعد ذلك خلع نعلينا وعصب أعيننا بقطعة قماش اقتطعها من ملابسي، لكنّني كنتُ قادرًا على الرؤية من تحت العصابة.

الصورة
جسم محمد مطر المُصاب. تصوير: إياد حداد، بتسيلم
جسم محمد مطر المُصاب. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

بعد ذلك اقتاد كلينا إلى حظيرة تقع في الطرف الآخر من التجمّع، بعيدة نسبيًّا عن الأهالي الذين ما زالوا هُناك. ظننتُ أنّ المستوطنين سوف يقتلوننا، وذريعتهم جاهزة، إذ سيزعمون أنّه كانت في حوزتنا سكّين. في الحظيرة أجبرونا أن ننبطح على بطوننا على الأرض، وهي مليئة بروث الأغنام وبقايا العلف. كانت أيدينا ما تزال مربوطة خلف ظهرينا. داس أحد المستوطنين رأسي برجليه وفركه بالأرض وهو يقول لي: "كُلْ، كُلْ!". تعامل معي كأنّني من البهائم، وأمرني بأن آكل الشعير وعلف الأغنام. أظنّ أنّه فعل الشيء نفسه مع محمّد.

في هذه المرحلة أصبحتُ منهَكًا للغاية وشعرتُ بإعياء رهيب، ثمّ أخذت تنتابني آلام في صدري، فخفتُ لأنّني عانيتُ في الماضي من مشاكل في القلب. قلتُ للمستوطن باللغة العبريّة إنّني أعاني من مشاكل في القلب، وخضعتُ لعمليّة جراحيّة، فرفعني وسألني: "أين؟"، وحين أشرتُ إلى قلبي ركل صدري ثمّ أخذ يخبط رأسي في الأرض ويقول لي: "مُتْ! مُتْ!". بعد ذلك قفز على ظهري بكلّ ثقل جسمه، ثلاث مرّات على الأقلّ. في تلك اللحظة أحسستُ بأنّ عمودي الفقريّ قد كُسر، وبأنّ المستوطن يتعمّد التسبّب لي بإعاقة دائمة. ظلّ يركل خاصرتيّ في موضع الكلى، وقال لي: "هل تعرف أنّ اليهود قد جُنّوا؟ سوف نقتلكم جميعًا ونرسلكم إلى الأردنّ!".

خرج المستوطن من الحظيرة وعندئذٍ سمعتهم يتحدّثون عن شابّ آخر قد جلبوه. قالوا: "انظر إلى هؤلاء المخرّبين… هذا شابّ بدويّ". سمعتُه يصرخ ويولول من الألم، ولكن لم أتمكّن من رؤيته. علمتُ لاحقًا بأنّ الشابّ يُدعى ماجد كعابنة. بعد مضيّ بضع دقائق فوجئتُ بأحدهم يسكب عليّ ماءً باردًا، ثمّ ينهال عليّ بالضرب المبرّح في كلّ أنحاء جسدي مستخدمًا عصا ما. سمعتُ أيضًا محمّد وماجد يصرخان من الألم، ففهمتُ أنّهما أيضًا يتعرّضان للضرب. ظلّ المستوطنون يضربونني بالعصا طوال ساعة تقريبًا، وفي أثناء ذلك كانوا يصرخون علينا: "ماذا تفعلون هنا؟!". قلنا لهُم إنّنا قد جئنا لنُساعد الناس على الرّحيل، فردّ المستوطنون صارخين عدّة مرّات: "أنتم مخرّبون! أنتم مخرّبون!". قلنا لهم إنّنا لسنا مخرّبين بل مندوبون عن السّلطة الفلسطينيّة، وإنّنا ضدّ الحرب، فكان ردّهُم: "كلّكم عرب زبالة! يجب أن تموتوا! عليكم أن تذهبوا إلى غزّة!". وظلّوا طوال الوقت يضربوننا على جولات، وكانت كلّ جولة تمتدّ ساعة، وبين كلّ جولة وجولة استراحة لبضع دقائق.

في الجولة الأخيرة تبوّل أحد المستوطنين على رأسي، ثمّ على جسمي كلّه، وهو يقول "عليكم أن تموتوا!".

في الجولة الأخيرة تبوّل أحد المستوطنين على رأسي، ثمّ على جسمي كلّه، وقال في أثناء ذلك: "يجب أن تموتوا!"، ثمّ ذهب لمدّة عشر دقائق. في هذه المرحلة بدأتُ أصرخ من شدّة الألم. أحسستُ بأنّ الدّم توقّف عن الجريان في يديّ، وأنّهما قد تورّمتا للغاية وعلى وشك أن تنقطعا. جاء أحد المستوطنين وفكّ الحبال عن يديّ، فظننت أنّه يُسدي لي معروفًا ربّما، لكنّه بدلًا من ذلك أعاد ربط يديّ خلف ظهري بسلك حديديّ يُستخدم في أعمال البناء. كان ذلك أشدّ إيلامًا. بعد أن انتهى من ربط السّلك ضربني ضرباتٍ قويّة بعصا خشبيّة أو بلاستيكيّة، لستُ متأكّدًا، واستمرّ ذلك عشر دقائق متواصلة. ثمّ حاول أن يُدخل العصا في فتحة شرجي، وأنا لا أزال أرتدي سروالي الدّاخليّ. كان هُو يدفع العصا وأنا أضغط لكي أمنع العصا من الدّخول، ثمّ أخذ المستوطن يدفعها بكلّ ما أوتي من قوّة مستخدمًا ثقل جسمه؛ حتى أنّه ركل ظهري كي يسترخي جسمي، لكنّني كنتُ أواصل المقاومة فيما هو يُواصل المحاولة. بعد مضيّ دقيقتين تمكّنتُ من إزاحة جسمي جانبًا، فانهال عليّ بالضرب بطريقة جُنونيّة. كنتُ قد تحطّمتُ. قلتُ له وأنا أبكي: "طخّني في راسي!". كنتُ محطّمًا.

أحد المستوطنين على رأسي، ثمّ على جسمي كلّه، وقال في أثناء ذلك: "يجب أن تموتوا!"، ثمّ ذهب لمدّة عشر دقائق. في هذه المرحلة بدأتُ أصرخ من شدّة الألم. أحسستُ بأنّ الدّم توقّف عن الجريان في يديّ، وأنّهما قد تورّمتا للغاية وعلى وشك أن تنقطعا.

وكنتُ في أثناء ذلك أسمع صرخات محمّد وماجد.

صار الوقت متأخّرًا. أظنّ أنّ السّاعة قد قاربت الـ 19:00. جاء شخص آخر وأنا ظننتُه أنّه مستوطن آخر قد جاء ليستأنف جولات الضرب، لكنّه بدلًا من ذلك فكّ القيد عن يديّ، وحين أزال العصابة عن عينيّ اتّضح لي أنّه طبيب عسكريّ؛ كما حرّر محمّد وماجد، ثمّ أعطانا ماءً لنشرب. شاهدتُه يعطي ماجد حقنة "جلوكوز". بعد ذلك خرج من الحظيرة وتحدّث مع المستوطنين. سمعتُ جملة: "سيُخلى سبيلهم"، فظننتُ أنّ الأمر انتهى أخيرًا.

بعد ذلك جاء عدد من ضبّاط مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ وسألوا ما الذي جرى. شرحنا ما جرى وقلنا لهُم إنّ ضابط الارتباط تركنا مع المستوطنين. استدعى الضبّاط سيّارة إسعاف عسكريّة لتأخذنا إلى مستشفى "شعاري تسيدك" في القدس، لكنّنا قلنا لهم إنّنا نخاف أن يُهاجمنا المستوطنون مجدّدًا، فاستدعوا مركبة "جيب" عسكريّة، وعندما وصلتْ قال لهُم ضابط الارتباط إنّنا لسنا موقوفين، وإنّنا قد تعرّضنا للضرب خطأً. في نهاية الأمر لم تأتِ سيّارة الإسعاف الإسرائيليّة، وفي هذه الأثناء جاءت سيّارة إسعاف فلسطينيّة وأخلتنا إلى مستشفى في رام الله.

بعد استقبالنا في قسم الطوارئ أدخلونا للعلاج في المستشفى. أجروا لنا صور أشعّة وCT. تبيّنت عندي كدمات في كلّ أنحاء جسمي، وتبيّنت عند ثلاثتنا نسبة أنزيمات عالية في العضلات، نتيجة الضرب الذي تعرّضنا له، إضافة إلى أضرار لحقت بالكلى والكبد. أعطونا سوائل ومسكّنات، وتمّ تقطيب الجُرح في رأسي، وقد احتاج 4 قطب. تمّ تسريحي في اليوم التالي، وتسريح محمّد بعد ثلاثة أيّام، وماجد بعد أربعة أيّام. مرّت ثلاثة أيّام بعد تسريحي من المستشفى، شعرتُ خلالها باختلال في التوازن لدى الوقوف أو المشي، فذهبتُ إلى طبيب وتبيّن من الفحص وجود ثقب في طبلة الأذن اليُمنى، بسبب الضرب الذي تعرّضتُ له.

قدّمت شكوى لدى الشرطة الفلسطينيّة، وفي نيّتي تقديم شكوى لدى الشرطة الإسرائيليّة أيضًا. ما جرى لنا كان أشبه بفيلم رُعب خياليّ. هل سمعتم عن سجن أبو غريب، السّجن الأمريكيّ الذي كانوا يعذّبون فيه العراقيّين؟ ما فعلوه بي كان مشابهًا. كلّ الجهات الإسرائيليّة، مثال الجيش، "الشاباك"، وحتى مكتب التنسيق والارتباط الإسرائيليّ كانت مشاركة في التعذيب الذي تعرّضتُ له.

  • هذه الإفادة سجلها باحث بتسيلم الميداني الراحل إياد حداد في 16.10.23
  • لمزيد من المعلومات حول الاعتداء على تجمّع وادي السيق، اضغطوا هنا.