مريم خليل (دراغمة) (64 عامًا)، أم لتسعة، تحدثت عن الحياة في حمامات المالح، عن تنكيل الجيش والمستوطنين وعن تهجير التجمّع
أعيش في منطقة حمّامات المالح (خربة المالح) منذ أكثر من خمسين عاماً، أي أنّني أمضيت فيها معظم سِنيّ عُمري. أنا وعائلتي عشنا هناك سنوات وسنوات. ربّينا الأبقار والأغنام وعشنا حياة هنيئة نسبيّاً. كان لدينا الماء والمراعي الطبيعيّة، وكان كلّ شيء متوفّراً لنا. كانت تعيش في حمّامات المالح أكثر من عشر أسَر. كانت عندنا مدرسة ومبانٍ قديمة كالفندق والطاحونة. عشنا سويّة كجيران في جوّ ملؤه الأمان والوئام. هناك أنجبت أولادي وزوّجت بعضاً منهُم.
ولكن في السّنوات الثلاث الأخيرة أخذت قوّات الاحتلال والمستوطنون يُمعنون كثيراً في التضييق والضغط علينا. جلبوا أبقاراً وأغناماً، أقاموا بؤراً استيطانيّة في جوارنا، وصاروا يلاحقوننا في كلّ مجالات الحياة. شيئاً فشيئاً تعذّر علينا الخروج إلى المراعي، حرث الأراضي أو حتى الابتعاد عن خيامنا بضعة أمتار.
ولكن في السّنوات الثلاث الأخيرة أخذت قوّات الاحتلال والمستوطنون يُمعنون كثيراً في التضييق والضغط علينا. جلبوا أبقاراً وأغناماً، أقاموا بؤراً استيطانيّة في جوارنا، وصاروا يلاحقوننا في كلّ مجالات الحياة. شيئاً فشيئاً تعذّر علينا الخروج إلى المراعي، حرث الأراضي أو حتى الابتعاد عن خيامنا بضعة أمتار. صار المستوطنون يتجوّلون كلّ يوم بين الخيام مسلّحين - أحياناً مع أبقارهم وأحياناً على تراكتورات صغيرة (تراكتورونات)، ويهاجمون أيّ شخص يتّجه نحو الجبال التي كانت مصدر رزق لنا طوال عشرات السّنين.
صاروا يأمروننا أن نرحل وسط التهديد والوعيد المستمرّين. أفرغوا خزّانات المياه، حطّموا الألواح الشمسيّة، سرقوا الأغنام، هاجموا الأهالي وأحياناً استدعوا الجيش لكي يعتقلنا ويعتقل أولادنا. ذات مرّة، حين كنت أخبز والعجين على النّار، مرّوا بجانبي فرَمَوا العجين على الأرض أمام ناظريّ. شتّى أنواع التنكيل اليوميّ هذه كان هدفها منذ البداية تهجيرنا من المنطقة.
خلال السّنة الحاليّة، وخاصّة في الشهرين الأخيرين، اشتدّت هجماتهم أكثر لدرجة أنّ جميع الأسَر أدركت أنّه لا يمكن البقاء بعد. كنت أبكي كلّ يوم تحت ضغط فكرة الرّحيل القسريّ عن المكان الذي عشت فيه طوال حياتي، وكان أولادي يرونني أبكي. في نهاية المطاف أحسسنا أنّه لا مفرّ من الرّحيل إذا أردنا إنقاذ عائلاتنا ومصادر الرّزق التي تبقّت لنا.
في نهاية المطاف أحسسنا أنّه لا مفرّ من الرّحيل إذا أردنا إنقاذ عائلاتنا ومصادر الرّزق التي تبقّت لنا. في الشهر الماضي شرعنا في تفكيك الخيام والحظائر وكلّ ما بنيناه على مرّ السّنين. عشرات السيّارات نقلت متاعنا - إلى منطقة طوباس كبداية - وقد كلّفنا النقل آلاف الشواقل.
في الشهر الماضي شرعنا في تفكيك الخيام والحظائر وكلّ ما بنيناه على مرّ السّنين. عشرات السيّارات نقلت متاعنا - إلى منطقة طوباس كبداية - وقد كلّفنا النقل آلاف الشواقل. حاولنا الانتقال إلى تياسير ولكن مكثنا هناك يوماً واحداً ثمّ انتقلنا إلى منطقة تقع شماليّ قرية صير في محافظة جنين، مصنّفة ضمن المنطقة A، على بُعد نحو 15 كيلومتراً شمال غرب الحمّامات. أقمنا هناك من جديد خياماً لنا وحظائر للمواشي.
هذا الانتقال قضى على مصدر رزقنا. كان لدينا أكثر من 250 رأس غنم لم يتبقّ منها اليوم سوى 100 تقريباً. وكان عندنا أكثر من 60 رأس بقر ولكن اضطررنا إلى بيعها كلّها لكي نستطيع مواصلة كسب معيشتنا من الأغنام التي تبقّت لنا. في الماضي كانت المواشي ترعى في الجبال المُجاورة ممّا وفّر علينا شراء الأعلاف. كنّا نبيع في كلّ سنة الحليب والجبن وأكثر من 35 عِجْلًا، وبعد خصم التكلفة كان المال المتبقّي يكفي لسدّ احتياجاتنا. ولكن حين مُنعنا من الوُصول إلى المراعي عجزنا عن تمويل الأعلاف والماء والأدوية للأغنام والأبقار ممّا اضطرّنا إلى بيعها كلّها تقريباً وبأسعار متدنّية جدّاً، وأحياناً بالدّين أي كان الدّفع مقابلها مؤجّلاً. صار التجّار يتهرّبون من الدّفع والشيكات التي أعطونا إيّاها كانت بلا رصيد. ومع ذلك لم يكن لدينا خيار سوى أن نواصل البيع بهذه الطريقة إذ لم يكن لدينا مكان لنسكن فيه أو نرعى المواشي فيه.
كان اقتلاعُنا من حمّامات المالح أشبه بنكبة بالنسبة إلينا. نحن نعيش كلّ يوم نكبة جديدة. لقد تشتّت شملُنا إذ انتقلت عائلات التجمّع إلى منطقة أخرى أو مُحافظة أخرى. بعد أن كنّا نعيش سويّة كجيران وأقارب باتت كلّ عائلة تواجه الصّعاب وحدها بعيداً عن الآخرين.
الحياة في المنطقة الجديدة أيضاً صعبة جدّاً. إنّها أراضٍ زراعيّة بمُلكيّة خاصّة وأصحاب هذه الأراضي لا يرضون بالطّبع أن تقترب الأغنام من حُقولهم ومزروعاتهم. نحن حريصون من هذه الناحية، لكنّنا نسمع شكاوى يوميّة بخصوص أغنام لنا أكلت المحاصيل. إضافة إلى ذلك، نحن نصرف أموالاً كثيرة مقابل الأعلاف والماء وتلبية بقيّة احتياجاتنا نحن. لقد باتت الحياة أصعب من أن تُطاق.
كان اقتلاعُنا من حمّامات المالح أشبه بنكبة بالنسبة إلينا. نحن نعيش كلّ يوم نكبة جديدة. لقد تشتّت شملُنا إذ انتقلت عائلات التجمّع إلى منطقة أخرى أو مُحافظة أخرى. بعد أن كنّا نعيش سويّة كجيران وأقارب باتت كلّ عائلة تواجه الصّعاب وحدها بعيداً عن الآخرين. كانت بناتي مُقيمات في جواري واليوم هنّ بعيدات وبالكاد أسمع منهنّ كلمة "مرحبا" عبر الهاتف. الناس مُنهكون، مشتّتون، ويتساءلون ماذا قد يحصل لهم مستقبلاً.
ما زال المستوطنون يُلاحقوننا، حتى بعد أن هجّرونا. يأتون إلى المنطقة الجديدة التي انتقلنا إليها. لا نعرف كيف يصلون إلى هناك أيضاً، ولكن من الواضح لنا أنّهم يحاولون قطع رزقنا وإجبار أصحاب القطعان على بيع مواشيهم لنبقى دون أيّ شيء. ومن الواضح لنا اليوم أنّ الأمر لا يتعلّق بمستوطنين أفراد. المستوطنون مدعومون من قبَل حكومة الاحتلال والجيش والشرطة. وهُم مسلّحون وكلّ ما يفعلونه يحظى برعاية تامّة من سلطات الاحتلال. لقد جلبوا لهُم أبقاراً وأغناماً وعلفاً وكلّ ما يلزمهم من أجل الاستيلاء على المنطقة وتهجيرنا منها.
لقد استولى المستوطنون على أراضي حمّامات المالح. هُم يُنشئون اليوم في المنطقة بؤراً استيطانيّة ويطردون كلّ من يأتي إلى هناك من الفلسطينيّين. حتى المدرسة التي أقيمت في المنطقة قبل أربع أو خمس سنوات هُدمت بعد تهجير العائلات والتلاميذ. هُم يُريدون أن يمحوا أيّ شيء من شأنه تحفيزنا على العودة، أو حتى مجرّد التفكير بالعودة. في الماضي كانت لنا حياة مزدهرة هناك، كان لدينا ماء ومراعٍ مفتوحة. كنّا نحسّ بالأمان، أمّا اليوم فأنا أشعر كأنّنا نعيش في ظُلمة ويتملّكنا خوف حقيقيّ، ليس على مواشينا فقط وإنّما أيضاً على أولادنا، على سُبل عيشنا ومستقبلنا.
لقد استولى المستوطنون على أراضي حمّامات المالح. هُم يُنشئون اليوم في المنطقة بؤراً استيطانيّة ويطردون كلّ من يأتي إلى هناك من الفلسطينيّين. حتى المدرسة التي أقيمت في المنطقة قبل أربع أو خمس سنوات هُدمت بعد تهجير العائلات والتلاميذ. هُم يُريدون أن يمحوا أيّ شيء من شأنه تحفيزنا على العودة، أو حتى مجرّد التفكير بالعودة.
لا أحد يقف إلى جانبنا بشكل جدّي. يأتي أناس، جهات رسميّة، أجانب ومنظمات دوليّة، ولكن لا شيء يتغيّر فعليّاً. يواصل المستوطنون هجماتهم علينا أمام أنظار العالم، والعالم يتفرّج ولا يفعل شيئاً.
ما حدث لنا هو جريمة! كنّا موحّدين ونعيش سويّة واليوم تشتّت الجميع بعد أن اقتلعونا من أراضينا. لا يوجد حتى بصيص أمل في العودة إلى مكاننا والعيش مجدّداً في حمامات المالح. فالمستوطنون يتواجدون هناك طوال الوقت والويل لمن يقترب نحو المنطقة.
ولكن رغم كلّ شيء، ما زلنا على أمل. بعوْن الله، ستُنير الحياة وجهها لنا من جديد وهذا الظلام سوف يتبدّد.
هذه الإفادة سجلها باحث بتسيلم الميداني عارف دراغمة في 21.4.26