The Elimination Project

علي الفقير (46 عامًا)، تحدث عن تهجير عائلته من تجمع الميتة في منطقة الأغوار بواسطة عنف المستوطنين

سكنّا في عين الميتة في منطقة حمّامات المالح أنا وعائلتي الموسّعة بعد أن انتقلنا من منطقة العوجا. عشنا في عين الميتة سنوات طويلة كنّا نعتاش خلالها من تربية الأغنام.

كانت حياتنا هادئة وكنّا مسرورين. لقد أمضينا في عين الميتة أجمل أيّام حياتنا إذ توفّرت في المنطقة كلّ مقوّمات الحياة، سواء من الناحية الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة: مراعي طبيعيّة، عائلتنا الموسّعة كلّها على تواصُل دائم لأنّنا نعيش معاً جنباً إلى جنب. كنّا نسهر في الأمسيّات معاً. كانت لدينا مدرسة قريبة منّا، أقيمت قبل عدّة سنوات بعد سعيٍ دؤوب، وكان أولادنا يتعلّمون فيها فلا يضطرّون إلى عُبور الحواجز ومواجهة المضايقات في الطريق. كانت المدرسة قريبة جدّاً وأولادنا يعودون بكلّ يُسر إلى الخيام مع تلاميذ آخرين من التجمّع ونحن مطمئنّون عليهم.

ولكن في السّنوات الثلاث الاخيرة طوّقنا المستوطنون وصاروا يمنعوننا من الوُصول إلى المراعي. كذلك ازدادت وتيرة هجماتهم علينا ممّا جعلنا نعاني عذاباً لا يُطاق. 

ولكن في السّنوات الثلاث الاخيرة طوّقنا المستوطنون وصاروا يمنعوننا من الوُصول إلى المراعي. كذلك ازدادت وتيرة هجماتهم علينا ممّا جعلنا نعاني عذاباً لا يُطاق. لشدّة ما أنهكني القلق على سلامة أسرتي وأولادي قرّرت الرّحيل عن المنطقة؛ وهذا ما فعلته أيضاً عشرات الأسَر البدويّة التي كانت تسكن معنا هناك.

الصورة
خيمة أحرقها مستوطنون شمال تياسير في 31.3.26. الصورة مقدمة مشكورة من ناشطي وناشطات الأغوار
خيمة أحرقها مستوطنون شمال تياسير في 31.3.26. الصورة مقدمة مشكورة من ناشطي وناشطات الأغوار

انتقلنا، كلّ العائلات معًا، من عين الميتة والبُرج إلى منطقة طوباس. كلّفنا الرّحيل عن عين المالح أموالاً كثيرة، لكنّ كلفته النفسيّة كانت أيضاً ثقيلة على أسرتي وأولادي. نقل متاعنا وحده كلّفنا أكثر من 5,000 شيكل، إضافة إلى تكلفة نصب الخيام والمرافق الأخرى في المكان الجديد.

أنا وآخرون من سكّان التجمّع اقتنينا ثلاثة دونمات من الأرض لكلّ شخص شماليّ قرية تياسير. أقمنا الخيام والمرافق الأخرى، بما في ذلك حظائر للأغنام، ونقلنا جميع متاعنا إلى هناك. لكنّ المستوطنين لاحقونا إلى هُناك أيضًا وواصلوا شنّ الهجمات علينا ومنعنا من رعي أغنامنا، بل وأقاموا بؤرة استيطانيّة قرب مساكننا الجديدة. كما أضرموا النار في جرّار زراعيّ يملكه أحد أقاربنا وأحرقوا سيّارة وثلاث خيام سكنيّة كانت مليئة بأمتعة تخصّ أسرتي.

حتى في خضمّ رحيلنا دهمنا المستوطنون واعتدوا على المزارعين في المنطقة ولاحقوهم وألحقوا بهم الأذى.

في 31.3.26، نحو السّاعة 15:00، جئت مع أسرتي للمرّة الأخيرة إلى منازلنا في المكان الذي كنا نقيم فيه شمالَ تياسير. كنت قد نقلت أفراد أسرتي إلى مسكن جديد على بُعد كيلومتر واحد غربيّ منزلنا، لكنّ متاعنا وأغنامنا بقيت في المكان، وكنت آتي كلّ يوم مع أشخاص آخرين من العائلة فنمكث بضع ساعات. في ذلك اليوم طاردنا المستوطنون في المرعى، كما تجوّلوا بين المنازل. شعرنا أنّ الخطر قد بات جسيماً ولن نتمكّن من المجيء إلى التجمّع بعدُ. حتى في خضمّ رحيلنا دهمنا المستوطنون واعتدوا على المزارعين في المنطقة ولاحقوهم وألحقوا بهم الأذى.

الصورة
بؤرة هار بيزك الاستيطانية، صورت من منطقة رابا في شباط 2026. الصورة مقدمة مشكورة من ناشطي وناشطات الأغوار
بؤرة هار بيزك الاستيطانية، صورت من منطقة رابا في شباط 2026. الصورة مقدمة مشكورة من ناشطي وناشطات الأغوار

قرّرت الرّحيل مرّة أخرى، ولكن في هذه المرّة قرّرت الرّحيل عن المنطقة برمّتها. كان ذلك نزوحنا الثالث إلى منطقة مجاورة لقرية رابا القريبة من جنين. هناك نصبت خياماً قرب منازل الأهالي، على أمل أن أجد قدْراً من الأمان لأسرتي وأسَر أولادي، وأن نتمكّن من العيش في منطقة يتوفّر فيها الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة. اليوم أشتاق كثيراً للأماكن التي رحلت عنها مُرغماً وأعاني عذاب هذا الشوق.

في خضمّ هذا الرّحيل المتكرّر فقدنا أغناماً وحملاناً حديثة الولادة، وكثيراً من أمتعتنا أيضاً، وتكبّدنا نتيجة لذلك خسائر كبيرة.

نحن لا نعرف اليوم، ربّما سيُلاحقنا المستوطنون إلى هذه المنطقة أيضاً. لقد أقاموا بؤرة استيطانيّة بين منطقة ابزيق وقرية رابا، على جبل السّالمي. هؤلاء المستوطنون عدائيّون جدّاً. يجوبون المنطقة يوميّاً وهُم مدجّجون بالسّلاح من الرأس حتى أخمص القدمين ومحميّون من قبَل الجيش والشرطة. يُطاردون الرُّعاة، يعتدون عليهم جسديّاً، ويمنعونهم من رعي الأغنام. لقد تحوّلت حياتنا إلى جحيم لا يُطاق.

لا أحد يفعل شيئاً ولا يوجد من يردعهُم. لقد أصبحوا دولة في حدّ ذاتهم، يرعون أبقارهم وأغنامهم هُنا ويتجوّلون طوال النهار في مركباتهم الـ"تندر" في كلّ مكان.

نحن نتكبد أضرارًا مضاعفة بسبب الرّحيل المتكرّر الذي يُجبرنا عليه المستوطنون، وهُم لن يدَعونا نستقرّ في هذه المنطقة أيضاً. لا أحد يفعل شيئاً ولا يوجد من يردعهُم. لقد أصبحوا دولة في حدّ ذاتهم، يرعون أبقارهم وأغنامهم هُنا ويتجوّلون طوال النهار في مركباتهم الـ"تندر" في كلّ مكان، بما في ذلك قرب خيامنا.

لقد رحلنا عن منطقتي الميتة والبُرج سويّة، بشكل جماعيّ، وانتقلنا إلى مناطق مختلفة في طوباس. غير أنّ هذه المناطق توجد فيها فِلاحَة، يوجد مُزارعون، وأراضٍ زراعيّة بمُلكيّة خاصّة، وعليه لا يستطيع مربّو الأغنام الاستقرار في مناطق قريبة من الأراضي المفلوحة. ولكن إلى أين نذهب؟ نحن لا نستطيع العيش في كثير من هذه الأماكن كمربّي أغنام. كثيرون اضطرّوا إلى بيع أغنامهم وأصبحوا بلا مصدر دخل. حياتهم مهدّدة بالخطر ويُعانون الوَيْلات بسبب الاحتلال وما يجري لهُم كلّ يوم.

لقد تفرّق شملنا وتمزقت العلاقات بين العائلات. حَمولتنا أيضاً تفرّقت. بعد أن كنّا في عين الميتة نعيش سويّة - إخوتي وأولادهم وعائلاتهم، أعمامي وأقاربنا الآخرون، أصبح كلّ منّا يعيش اليوم في مكان آخر وبسبب المسافات بيننا يصعب حتى على الإخوة والأخوات أن يزوروا بعضهم البعض.

كثيرون منّا يفكّرون ببيع الأغنام والبحث عن عمل آخر، لكنّ الوضع في الضفة الغربيّة صعب. لا توجد فُرص عمل، ونحن أصلاً مهنتنا تربية الأغنام ولا نعرف سواها. 

كلّ ما حدّثتك به لا يعبّر سوى عن جزءٍ يسير من وجع القلب والضائقة النفسيّة والبُؤس الذي تُعانيه عائلاتنا وأولادنا. أقسم بالله، منذ أن رحلنا لم يتعلّم أولادنا في المدارس أكثر من عشرة أيّام. جميعهم أذهانهم مشتّتة، ونحن بتنا لا نعرف إلى أيّ مدرسة نُرسلهم وكيف يصلون إليها، وما إلى ذلك. المدارس بعيدة، ولذلك كنّا نضطرّ في البداية أن نقلّهم في سيّاراتنا. بعض الأهالي أخرجوا أولادهم من المدارس بسبب هذه الظروف البائسة.

الصورة
منزل هدم في الميتة في 8.2.26. الصورة مقدمة مشكورة من ناشطي وناشطات الأغوار
منزل هدم في الميتة في 8.2.26. الصورة مقدمة مشكورة من ناشطي وناشطات الأغوار

هجّرونا مراراً وتكراراً، والآن نحن نُقيم في أماكن لا نعرفها وفي جوار أناس لا نعرفهم. نجد صُعوبة في التأقلُم مع الحياة داخل القرى فنحن بدو ونربّي الأغنام. نحن معتادون على العيش في الجبال بعيداً عن العمران. ما زلنا إلى هذا اليوم نتصعّب في التأقلُم مع نمط الحياة الجديد. إضافة إلى ذلك، الناس ينظرون إلينا وكأنّنا استولينا على أراضيهم، رغم أنّنا موجودون على أراضٍ إمّا استأجرناها أو اشتريناها.

كثيرون منّا يفكّرون ببيع الأغنام والبحث عن عمل آخر، لكنّ الوضع في الضفة الغربيّة صعب. لا توجد فُرص عمل، ونحن أصلاً مهنتنا تربية الأغنام ولا نعرف سواها. لقد ورثناها أباً عن جدّ، وحتى اليوم نحن لا نرى بأيّ طريقة أخرى يمكننا أن نكسب رزقنا ونعيش بكرامة.

  • هذه الإفادة سجلها باحث بتسيلم الميدانية عارف دراغمة في 19.4.26