The Elimination Project

خالد بني عودة (11 عامًا)، من سكان طمون، تحدث عن الليلة التي قتل فيها مستعربون والديه واثنين من إخوته، بعدما أطلقوا النار على سيارة العائلة أثناء عودتها من نزهة في نابلس

الصورة
خالد بني عودة. صوير: خالد بني عودة, بتسيلم
خالد بني عودة. صوير: خالد بني عودة, بتسيلم

أنا أسكن في بلدة طمّون مع عائلتي – والديّ، وأخوتي الثلاثة. كان والدي يعمل في داخل إسرائيل منذ سنوات، وكان يأتي لزيارتنا من حين إلى آخر.

في الأشهُر الثلاثة الماضية لم يأتِ أبي إلينا بسبب العمل، لكنّه كان يتّصل بنا كلّ يوم كي يطمئنّ علينا. قبيل انتهاء شهر رمضان اتّصلنا به، فأخبرنا أنّه سيأتي بعد يوم أو يومين. أخيرًا، جاء أبي في يوم الجمعة، 13.3.26، نحو السّاعة 20:00، بعد الإفطار. فرحنا جدًّا وتشوّقنا كثيرًا – أنا وإخوتي ووالدتي انتظرناه خارج المنزل لكي نراه قادمًا، لأنّنا لم نره منذ أشهُر. كنّا متلهّفين إلى التسوّق معًا للعيد ولقضاء الأسبوع الأخير من رمضان سويّة.

أنا وأبي وإخوتي -السّفر إلى نابلس لكي نتسوّق مُشتريات العيد. ركبنا سيّارتنا أنا وأمّي وجميع إخوتي، وكنّا فرحين جدًّا لأنّ أبي مُوجود معنا وسيبقى معنا خلال أيّام العيد.

التسوّق معًا للعيد ولقضاء الأسبوع الأخير من رمضان سويّة.

كان لقاؤنا عبارة عن لحظات ملؤها الفرح والسّعادة. عانقناه ودخلنا جميعًا إلى المنزل. جدّي وجدّتي أيضًا كانا في انتظاره، فهُما يحبّانه كثيرًا، وهو أيضًا يهتمّ بهما دائمًا ويلبّي احتياجاتهما. أمضينا معًا يومي السّبت والأحد في أجواء بهيجة، وقد أعدّت أمّي وليمة إفطار تناولناها معًا.

في يوم الأحد، 14.3.26، نحو السّاعة 23:00 ليلًا، وبعد أن أدّينا صلاة التراويح في مسجد القرية، قرّرنا - أنا وأبي وإخوتي -السّفر إلى نابلس لكي نتسوّق مُشتريات العيد. ركبنا سيّارتنا أنا وأمّي وجميع إخوتي، وكنّا فرحين جدًّا لأنّ أبي مُوجود معنا وسيبقى معنا خلال أيّام العيد.

عندما وصلنا إلى نابلس توجّهنا إلى "سيتي مول" – المجمّع التجاريّ الجديد الذي افتُتح هُناك. أمضينا هُناك بعض الوقت، ثمّ تناولنا الطعام وتجوّلنا في أنحاء المدينة بالسيّارة. أردنا أن نشتري ملابس أيضًا لكنّ السّاعة كانت 1:00 بعد منتصف اللّيل، فقرّرنا أن نعود إلى المنزل لأنّ الوقت قد تأخّر كثيرًا. اتّفقتُ مع والدي أن نعود في اليوم التالي لشراء ملابس العيد. رضيتُ بذلك لأنّني لم أشأ أن أثقل على أبي خاصّة وأنّه يعمل بعيدًا عنّا، في إسرائيل.

كان سفرُنا سويّة مُمتعًا. جميعنا تبادلنا أطراف الحديث وضحكنا معًا. نحو السّاعة 1:30 ليلًا دخلنا إلى طمّون عبر مدخلها الجنوبيّ-الغربيّ، وواصلنا طريقنا في اتّجاه المنزل. [...] شاهدتُ خلفنا أضواء "ليزر"، وفوجئنا بجنود أخذوا يُطلقون النار علينا. [...] لم أسمع أيّ جنديّ يطلب من أبي أن يتوقّف قبل أن يُطلقوا النيران.

خرجنا من نابلس عائدين إلى منزلنا في طمّون. كان سفرُنا سويّة مُمتعًا. جميعنا تبادلنا أطراف الحديث وضحكنا معًا. نحو السّاعة 1:30 ليلًا دخلنا إلى طمّون عبر مدخلها الجنوبيّ-الغربيّ، وواصلنا طريقنا في اتّجاه المنزل. لم نسمع عن أيّ أحداث استثنائيّة، ولم نعلم بوجود جنود في المنطقة.

الصورة
إلى اليمين: خالد وشقيقه مصطفى خلال تشييع جثامين والديهم وإخوتهم. تصوير: أورن زيف، أكتيفستيلز، 15.3.26
إلى اليمين: خالد وشقيقه مصطفى خلال تشييع جثامين والديهم وإخوتهم. تصوير: أورن زيف، أكتيفستيلز، 15.3.26

كنتُ أنا جالسًا في المقعد الذي خلف أبي، أخي مصطفى في المقعد الذي خلف والدتي، أخي محمّد في الوسط، وأمّي كانت في المقعد الأماميّ وأخي عُثمان في حضنها، وهو كفيف البصر ومن ذوي الاحتياجات الخاصّة.

واصلنا السّفر في وسط البلدة، وبالضّبط بعد أن انعطفنا في أحد الشوارع شاهدتُ خلفنا أضواء "ليزر"، وفوجئنا بجنود أخذوا يُطلقون النار علينا. يبدو أنّهم خرجوا من زقاق قريب. قبل ذلك لم نعرف أنّه يوجد هناك جنود ولم نرَهُم. لم أسمع أيّ جنديّ يطلب من أبي أن يتوقّف قبل أن يُطلقوا النيران. كانت نوافذ السيّارة مفتوحة ولم نسمع شيئًا في الخارج سوى طلقات الرّصاص.

أطلقوا علينا عشرات الأعيرة الناريّة. ظننتُ أنّني الناجي الوحيد في السيّارة. كان الدّم يغطّي والدتي. كانت تصرُخ ثمّ صمتتْ، ففهمتُ أنّها قد استُشهدت. أبي كان يحتضر وقد سمعته يتلو الشهادتين، أمّا إخوتي فلم يُبدوا أيّ حراك.

الصورة
خالد ومصطفى بني عودة. صورة من شبكات التواصل، استخدام بموجب المادة 27أ
خالد ومصطفى بني عودة. صورة من شبكات التواصل، استخدام بموجب المادة 27أ

أطلقوا علينا عشرات الأعيرة الناريّة. ظننتُ أنّني الناجي الوحيد في السيّارة. كان الدّم يغطّي والدتي. كانت تصرُخ ثمّ صمتتْ، ففهمتُ أنّها قد استُشهدت. أبي كان يحتضر وقد سمعته يتلو الشهادتين، أمّا إخوتي فلم يُبدوا أيّ حراك. ظننتُ أنّني الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، لأنّني حين فتحوا النار انحنيتُ وراء مقعد أبي.

الجنود إلينا وفتحوا الباب. أمسكوا بي من شعري وجرّوني أنا أيضًا إلى خارج السيّارة. أخي مصطفى خرج بنفسه وهو يرفع يديه فوق رأسه. [...] أوقعوني على الأرض وضربوني على ظهري وهُم يتوعّدونني بالقتل إذا تبيّن أنّه يوجد في السيّارة أشخاص آخرون.

بعد مضيّ ثوانٍ معدودة اقترب الجنود إلينا وفتحوا الباب. أمسكوا بي من شعري وجرّوني أنا أيضًا إلى خارج السيّارة. أخي مصطفى خرج بنفسه وهو يرفع يديه فوق رأسه. أبعدني الجنود عن السيّارة بضعة أمتار وسألوني من يوجد في داخل السيّارة، فأجبتُهم: أبي وأمّي وإخوتي. عندئذٍ صفعني أحد الجنود وقال إنّني أكذب. سألني من يوجد أيضًا في داخل السيّارة، فأجبتُه: فقط أفراد أسرتي. أوقعوني على الأرض وضربوني على ظهري وهُم يتوعّدونني بالقتل إذا تبيّن أنّه يوجد في السيّارة أشخاص آخرون. قالوا لي: "أنت يامن. أنت تكذب". لم أفهم في البداية من هُو يامن، لكنّني علمتُ لاحقًا أنّهم يبحثون عن فتى اسمه يامن في سنّ 15 عامًا تقريبًا.

أجلسوني أنا وأخي مصطفى قرب بوّابة حديديّة ثمّ فتحوا أبواب السيّارة لكي نرى جثامين أفراد أسرتنا، أبي وأمّي وأخويّ، التي كانت مغطّاة بالدّماء.

بعد مضيّ بضع دقائق جاءت سيّارة إسعاف من جهة الشرق. أشار الجنود لي من أين أذهب، وحين وصلتُ إلى سيّارة الإسعاف أخذتني أنا ومصطفى إلى المستشفى التركي في طوباس لنتلقّى العلاج. لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك لسيّارتنا ولجثامين أفراد أسرتي.

أجلسوني أنا وأخي مصطفى قرب بوّابة حديديّة ثمّ فتحوا أبواب السيّارة لكي نرى جثامين أفراد أسرتنا، أبي وأمّي وأخويّ، التي كانت مغطّاة بالدّماء. [...] لحظات إطلاق النار كانت مُرعبة ومؤلمة جدًّا. أبي يصرُخ، أمّي تصرُخ. كنت في حالة صدمة. أصابتني الشظايا بجروح في مختلف أنحاء جسمي. 

لحظات إطلاق النار كانت مُرعبة ومؤلمة جدًّا. أبي يصرُخ، أمّي تصرُخ. كنت في حالة صدمة. أصابتني الشظايا بجروح في مختلف أنحاء جسمي. بعد ذلك، تبيّن في المستشفى أنّ إصابتي طفيفة، وكذلك إصابة أخي مصطفى.

سرّحونا من المستشفى في نحو السّاعة العاشرة صباحًا، فذهبنا لنشارك في تشييع جثامين أبي وأمّي وإخويّ. كنتُ أعلم أنّهم استُشهدوا، فقد رأيت كلّ شيء في داخل السيّارة - لم يتحرّكوا بتاتًا.

بقيتُ أنا وأخي مصطفى الآن. نحن الآن يتيمان، وليس لنا أحد سوى جدّي وجدّتي. أتساءل طوال الوقت: كيف كان لنا أن نهدّد سلامة الجنود كي يُطلقوا النار علينا بهذه الطريقة؟ كنّا مُسافرين في الشارع ولم يكن هناك أيّ شيء غير عاديّ. سرنا ببُطء، لكنّهم أطلقوا النار علينا دون تحذير مسبق.

قتل الجيش الإسرائيليّ أبي وأمّي وأخويّ مع أنّنا لم نفعل أيّ شيء، بل حتّى لم نعلم بوجود جنود في المنطقة. لقد قتلوهم بدم بارد.

بقيتُ أنا وأخي مصطفى الآن. نحن الآن يتيمان، وليس لنا أحد سوى جدّي وجدّتي.

أتساءل طوال الوقت: كيف كان لنا أن نهدّد سلامة الجنود كي يُطلقوا النار علينا بهذه الطريقة؟ كنّا مُسافرين في الشارع ولم يكن هناك أيّ شيء غير عاديّ. سرنا ببُطء، لكنّهم أطلقوا النار علينا دون تحذير مسبق.

كنّا سعداء للغاية لأنّ أبي عاد إلينا. أمّي كانت مسرورة، وكذلك إخوتي. لعبنا وضحكنا وفرحنا لأنّنا سنُمضي أيّام العيد سويّة – نحن وجدّي وجدّتي والعائلة كلّها.

بدلًا من ذلك حياتنا تدمّرت. قُتلت كلّ أسرتنا. الآن بقينا وحدنا أنا وأخي الصغير، ولا نعرف كيف سنُواصل حياتنا بدون أب وأمّ.

لكن رغم الألم الفظيع فإنّني لا أقول سوى الحمدُ لله على كلّ شيء.

  • هذه الإفادة سجلها باحث بتسيلم الميداني عارف دراغمة في 17.3.26