الاعتقال الاداري

روتين الاحتلال كانون الأول 2019: أربعة فتية يقبعون في اعتقال مستمر بدون محاكمة

الصورة
נער פלסטיני בהפגנה נגד מעצרים מנהליים בשערי כלא עופר. צילום: אחמד אל-בז, אקטיבסטילס, 19.12.19

منذ 2015 لا يمر شهر تقريبًا لا تحتجز فيه إسرائيل قاصرين فلسطينيين ضمن الاعتقال الإداري. وهذا بعد مرور أربعة اعوام امتنعت خلالها عن هذا منذ كانون الأول 2011. في شهر نيسان 2016 وصل عدد القاصرين المعتقلين إداريا الى الذروة وكان عددهم 13 معتقلا. ومنذ العام 2017 يتم في معظم الشهور احتجاز ما بين قاصرين اثنين الى أربعة قاصرين في الاعتقال الإداري. في نهاية كانون الأول 2019 كانت مصلحة السجون تحتجز ما لا يقل عن 186 قاصرا فلسطينيا بمثابة معتقلين وسجناء أمنيين ومن بينهم ما لا يقل عن 4 بالاعتقال الإداري. هناك خمسة قاصرين فلسطينيين آخرين يتم احتجازهم بسبب المكوث غير القانوني الذي يُعتبر مخالفة جنائية.

جهاز القضاء العسكري ينتهك بصورة ثابتة حقوق القاصرين الفلسطينيين- وفي الكثير من الحالات يتم اعتقالهم في ساعات متأخرة من الليل ويتم تقييدهم وعصب عيونهم والتحقيق معهم وهم في حالة إعياء وارتباك باستخدام العنف اللفظي والبدني والتهديد. وهذا كله من خلال فصلهم عن روتين حياتهم وبدون مرافقة أفراد أسرهم أو بالغين آخرين من أقاربهم. يلتقي المعتقلون عادة بمحاميهم للمرة الأولى في المحكمة العسكرية وعندها فقط يطلعون على الاتهامات الموجهة لهم. أما إسرائيل وعوضا عن الدفاع عن حقوقهم فقد حرصت على خلق دفاع ظاهري عنهم- من خلال إقامة محكمة عسكرية للشبيبة (التي تعمل فعليا بالأساس في المصادقة على صفقات الادعاء التي يوقع عليها القاصرون وليس في فحص الأدلة وفحص التهمة) وكذلك تقصير فترات الاعتقال حسب القانون (وهي في كل الأحوال غير قابلة للتمديد المرة تلو الأخرى) ومنح الإمكانية (بالحد الأدنى وبموجب استثناءات) لتدخل الوالدين في المحاكمة (وهو ما لا يتم بصورة عامة بحكم انتهاء الإجراءات بصفقة ادعاء).

في الاعتقال الإداري لا يعرف القاصرون ما هي علة اعتقالهم وهنا أيضا تبدو الرقابة القضائية عديمة الجدوى لأن القضاة يصادقون على الأغلبية التامة من طلبات الاعتقال. بالإضافة إلى انتهاك حقوق القاصرين هناك ركن إضافي في الاعتقال الاداري- انعدام اليقين بخصوص موعد الإفراج- إذ يمكن تمديد الاعتقال المرة تلو الأخرى بدون تقييد كما تفعل إسرائيل حقا. إن انعدام اليقين هذا يزيد من معاناة القاصرين المعتقلين وعائلاتهم الذين لا يعرفون متى يمكنهم العودة إلى مسار حياتهم. قام الباحثون الميدانيون في بتسيلم بتسجيل إفادات حول ثلاثة قاصرين من بينهم اثنان يقبعان اليوم في الاعتقال الإداري بينما تم إطلاق سراح الثالث في مستهل شهر كانون الثاني 2020.

قام الباحثون الميدانيون في بتسيلم بتسجيل إفادات حول ثلاثة قاصرين من بينهم اثنان يقبعان اليوم في الاعتقال الإداري بينما تم إطلاق سراح الثالث في مستهل شهر كانون الثاني 2020.

حافظ زيود (16 عاما) جنين

بتاريخ 7.7.2019 تم اعتقال حافظ زيود البالغ من العمر 16 عاما وهو طالب في الصف الثاني عشر في جنين من قبل جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية. بعد مرور شهر تقريبا جرى خلاله احتجازه في جنين والتحقيق معه تم إطلاق سراحه بتاريخ 9.8.2019. بعد مضي أقل من أسبوعين على ذلك ليلة الاثنين الموافق 26.8.2019 حضر جنود وعناصر من الشرطة إلى منزله. بعد تفتيش المنزل اعتقل الجنود حافظ وأخرجوه من المنزل وقيدوا يديه وعصبوا عينيه وأخذوه معهم. في اليوم التالي أبلغ ضابط شرطة والد حافظ إبراهيم زيود (42 عاما) أن ابنه محتجز في معسكر شومرون (سالم) وأتاح له محادثة قصيرة مع ابنه. بعد مرور أربعة أيام صدر بحق حافظ أمر اعتقال إداري لمدة أربعة أشهر تم تقصيرها إلى ثلاثة أشهر بعد الاستئناف. قبل موعد إطلاق سراحه بعدة أيام صدر بحقه أمر اعتقال إداري آخر لمدة ثلاثة أشهر اضافية. في حال عدم صدور أمر إضافي من المفترض أن يتم إطلاق سراحه من الاعتقال الإداري بتاريخ 24.2.2020.

أما والدة حافظ هبة زيود (35 عاما) وهي متزوجة وأم لأربعة أبناء فقد وصفت مشاعرها في الإفادة التي أدلت بها بتاريخ 26.1.2020 أمام باحث بتسيلم الميداني عبد الكريم السعدي:

الصورة
حافظ زيود. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

حافظ هو ابني البكر وقد تم اعتقاله في نهاية شهر آب ولم نتمكن في الأشهر الأولى من زيارته. مر وقت طويل حتى تمكنا من الحصول على تصريح للوصول إلى سجن مجيدو. زيارتي الأولى مع زوجي كانت في شهر تشرين الثاني. في الليلة التي سبقت يوم الزيارة لم أتمكن من النوم لأنني كنت قلقة وانتظرت بفارغ الصبر رؤيته.

وصلنا إلى سجن مجيدو قرابة الساعة 09:30 صباحا. انتظرنا لمدة ساعة ونصف حتى نادوا على عائلات السجناء للدخول. أحضرنا لحافظ بعض الملابس الداخلية والجوارب وبيجاما ومناشف سمحوا بإدخالها. ذُهلتُ عندما رأيتُ حافظ الذي كان وراء الزجاج ولم أكن أتوقع هذا. لم أكن اعرف أنه لن تتاح لي إمكانية احتضانه أو تقبيله. لقد ساندني زوجي كيلا أبكي أمام ابني. عندما طلبت من حافظ الوقوف كي أرى كيف يبدو شكله قال لي إن رجليه مقيدتان. كيف يمكن تقييد ابني وهو داخل السجن؟

بعد الزيارة التي استمرت 45 دقيقة فقط عدت إلى المنزل وشعرت كأنما هي لحظات فقط. حاولتُ تذكر ملامح حافظ المعتقل دون اتهامه بأي شيء واضح ومحدد.

نظرا للسماح لنا بزيارة حافظ مرة واحدة في الشهر فقد قمنا بزيارته مرتين إضافيتين فقط. الزيارة الأخيرة كانت بتاريخ 6 كانون الثاني. حاليا لا أستطيع زيارته لأنني في الشهر التاسع من الحمل ومن الصعب عليّ السفر. سوف يذهب زوجي لزيارته منفردا في شهر شباط.

أشقاء حافظ يسألون عنه طيلة الوقت. متى سيتم إطلاق سراحه ومتى سيعود إلى المنزل. اعتقاله من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية فاجأتني كثيرا. لم نحصل على تفسيرات لهذه العقوبات والتي وقعت علينا التي لا تستند الى أي اتهام واضح. كان من المقرر لحافظ هذا العام الانتهاء من امتحانات الدراسة الثانوية. إذا استمروا في اعتقاله فإن هذا سيلحق الضرر بدراسته ومستقبله.

سليمان عبد الرحمن (17 عاما) يبرود

ليلة الخميس الموافق 19.12.2019 اقتحم جنود منزل عائلة عبد الرحمن في قرية يبرود الواقعة شمالي رام الله. أمر الجنود سليمان عبد الرحمن البالغ من العمر 17 عاما بارتداء ملابسه وقاموا بتقييد يديه وعصب عينيه واقتادوه من المنزل دون الإفصاح لعائلته عن المكان الذي يأخذونه إليه.

وقد روى والد سليمان سالم عبد الرحمن (53 عاما) في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حداد بتاريخ 31.12.2019:

الصورة
سليمان عبد الرحمن. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

بعد أن ذهبوا لم يتمكن أحد منا- أنا وأمه وإخوته وأخواته- من النوم. في الصباح الباكر بدأت سلسلة من الاتصالات. اتصلت بالصليب الأحمر ووزارة شؤون الأسرى ومنظمات حقوق الإنسان للاستفسار عن مصير ابني وكنتُ قلقا للغاية.

فقط في الساعة 14:00 اتصل بي ضابط مخابرات إسرائيلي لم يُعرّف نفسه وأبلغني أن ابني خضع للتحقيق في سجن عوفر وأنه بعد انتهاء التحقيق سيتم عرضه على قاض. سافرت فورا إلى المحكمة في عوفر وهناك كان ينتظرني محام من قبل نادي الأسير. وقد أدخلوني إلى قاعة المداولات لمدة دقيقة كي أتمكن من مشاهدة ابني من بعيد ومن ثم أخرجوني. بدا ابني متعبا. في نهاية المداولة قال لي المحامي إنه تقرر تمديد اعتقاله 72 ساعة أخرى وأنهم ينوون تحويله إلى الاعتقال الإداري بموجب ملف سري. بعد مرور 72 ساعة تم إجراء جلسة أخرى. قال لي المحامي إن الجلسة كانت سريّة وإنهم لم يسمحوا له بالمشاركة فيها. بعد ثمانية أيام انعقدت جلسة أخرى بدون حضور المحامي الذي أخبرني بأنهم لم يبلغوه بها مسبقا وأنهم اتصلوا به لاحقا وابلغوه أن المحكمة صادقت على أمر الاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر وأنهم نقلوا سليمان إلى قسم الشبيبة في سجن عوفر. 

مما أعرفه عن هذا النوع من الاعتقالات يتضح بأنه معتقل بدون تهمة محددة وأنه لا يمكن معرفة موعد الإفراج عنه وأنه بمضي الأشهر الأربعة قد يجددون اعتقاله إداريا. هذا اسوأ نوع من أنواع الاعتقال. تخيل بنفسك هذا الوضع: فتى في هذه السن لا يعرف ما هو مصيره وما الذي سيحدث له في المستقبل. أنا واثق أنه مرتبك وقلق وهذا قد يلحق الضرر بصحته النفسية والبدنية في المستقبل. لغاية الآن لم نر عبد الرحمن ولا نعرف أصلا إن كانوا سيسمحون لنا بزيارته أم لا. هذه الحالة من انعدام اليقين تخنقنا وتزيد من قلقنا. 

سليمان أبو غوش (16 عاما) مخيم قلنديا اللاجئين

سليمان أبو غوش متدرب في صالون حلاقة تم اعتقاله مرتين خلال العام 2019 وفي الحالتين جرى تحويله إلى الاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر في كل مرة. في المرة الأولى في منتصف كانون الثاني 2019 في ساعات الليل وصل الجنود إلى منزل عائلته لكنه لم يكن متواجدا في المنزل وأمروا والده محمد بإحضاره في صباح اليوم التالي إلى حاجز قلنديا. عندما وصل سليمان إلى الحاجز تم احتجازه هناك لمدة ساعتين تقريبا ومن ثم أُطلق سراحه لكن تم استدعاؤه فورا للحضور إلى سجن عوفر. بعد تحقيق قصير تم تحويله وهو مقيد ومعصوب العينين إلى زنازين قسم الشبيبة في سجن عوفر حيث قام السجانون بفك قيوده وإزالة عصبة العينين وتفتيشه وهو بالملابس الداخلية.

وقد روى في الإفادة التي أدلى بها بتاريخ 12.1.2020 أمام باحث بتسيلم الميداني إياد حداد:

الصورة
سليمان أبو غوش. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

بعد يومين أو ثلاثة أيام أخذوني الى التحقيق في جهاز الأمن العام (الشاباك). وقد قام المحقق بأخذ بصماتي وتصوير وجهي. بعد ذلك أجرى لي فحصاً وقال إن هذا فحص DNA دون أن يشرح السبب ومن ثم أعادوني إلى القسم. في اليوم التالي في الساعة 6:30 صباحا قيدوا يديّ وأخذوني إلى غرفة الانتظار في محكمة عوفر. وقد حصلت على وجبة إفطار في غرفة الانتظار- مكونة فقط من علبة لبن وقطعتي خبز.

بدأت الجلسة في الساعة 14:00. شاهدتُ والديّ عن بعد في القاعة لكن لم يسمحوا لي بالاقتراب منهما والتحدث إليهما. كل ما جرى في الجلسة هو قرار القاضي بتأجيل الملف لمدة أسبوع. لم أكن اعرف أصلا ما يدور في الجلسة وما هي التهمة الموجهة إليّ أو لماذا اعتقلوني.

في اليوم التالي تم اقتياد سليمان إلى تحقيق إضافي في الشاباك حيث سُئل لماذا قام بنشر صور أخيه حسين أبو غوش الذي قتل برصاص حارس مستوطنة بيت حورون بتاريخ 25.1.2016 بعد أن قام هو وفلسطيني آخر بطعن مواطنتين إسرائيليتين وقد ماتت إحداهما وهو شلوميت كريجمان في اليوم التالي متأثرة بجراحها. وقد قيل له في التحقيق إنه مشتبه به بتشكيل خطر على أمن الدولة والاتصال بعدو وحيازة أسلحة ومحاولة تنفيذ عمليات وإنه سيتم تمديد اعتقاله لمدة 72 ساعة. في اليوم التالي عقدت جلسة إضافية في المحكمة بدون حضور والديّ سليمان ودون إبلاغهم بانعقادها. وقد قدمت النيابة في هذه الجلسة لائحة اتهام ضده بتهمة التحريض. بعد أن قرر القاضي إطلاق سراحه بكفالة طلبت النيابة العسكرية تمديد اعتقاله لمدة 72 ساعة لغرض إصدار أمر اعتقال إداري ضده. وقد وافق القاضي على تمديد اعتقاله لمدة 48 ساعة.

استمر سليمان أبو غوش في سرد إفادته قائلا:

كانت هناك جلسة أخرى في المحكمة التي قرروا فيها تحويلي للاعتقال الإداري لمدة أربعة أشهر. خلال الجلسة لم أفهم ما الذي يحدث. بعد ذلك اعتذر المحامي وقال لي إنه حاول أن يطلق سراحي لكن على ما يبدو يوجد ملف سري ضدي لا يمكنه الاطلاع عليه. وقد طمأنني أنه نظرا لكوني قاصر من حيث السن فإنهم لا يستطيعون تمديد اعتقالي. بعد ذلك أعادوني إلى قسم الشبيبة.

خلال فترة الاعتقال كنت معظم الوقت مع قاصرين آخرين كانوا معي في القسم. كنا نمارس بعض الألعاب وبعض ساعات الدراسة الثابتة بالعبرية والعربية والرياضيات وغيرها. كنت قلقا ومتوترا طيلة الوقت وكنت أفكر طيلة الوقت لماذا اعتقلوني مع أني فتى. لغاية المحاكمة لم أكن أعلم ما هو الاعتقال الإداري. وقد شرح لي المحامي أن هذا الاعتقال مبني على ملف سري بدون تهم مُحددة وشعرت أنهم ظلموني لأن اعتقالي كان اعتباطيا وبدون أي أساس. رغم أن المحامي حاول تهدئتي بأن الاعتقال لا يتجدد لا يمكنني أن اثق بهذا الكلام.

حضرت أمي وإخوتي لزيارتي ثلاث مرات خلال اعتقالي لكن والدي لم يتمكن من زيارتي بسبب عمله.

بتاريخ 13.5.2019 قاموا بإطلاق سراحي على حاجز بيت سيرا وقد انتظرني أفراد العائلة والأصدقاء هناك وأخذوني إلى المنزل. عدت إلى مسار حياتي الاعتيادي وإلى العمل مع والدي في مكتبة القرطاسيات في رام الله والتدرب في صالون الحلاقة.

بعد مضي أربعة أشهر تقريبا وبتاريخ 4.9.2019 اتصل عنصر من الشاباك بوالد سليمان وأمره بإحضاره إلى سجن عوفر. عند وصوله تم إبلاغ سليمان بأنه سيتم تحويله إلى الاعتقال الإداري. تم تقييده وتفتيشه عاريا ومن ثم تحويله إلى قسم الشبيبة. في اليوم التالي اقتيد سليمان إلى التحقيق في منشأة التحقيق التابعة للشاباك في المسكوبية في القدس وهو مقيد اليدين والرجلين. :

حدّث في إفادته قائلا:

بعد مضي بضع ساعات لا أعرف كم بالضبط بدأت أقلق وأشعر بالخوف لأنني لم أعرف ما الذي يحدث. شعرت بالوحدة كثيرا. كان في غرفة الاعتقال ضوء خافت يوحي بجو مخيف وفرشة وأغطية ولم تكن هناك وسيلة لقضاء الوقت.

بعد ذلك أخذوني إلى التحقيق. وقد سألتني المحققة إن كنتُ أعرف من الموجود هناـ وأجبتها بأنها أختي ميس لأنها اعتقلت بتاريخ 28.8.2019 وكنت أعلم أنها تخضع للتحقيق في المسكوبية. قمتُ بالتوقيع على مستند بالعربية يتضمن تفاصيل حول حقوقي وهذا بعد أن سألوني إن كنت قد سمعتُ عن وقوع عمليات وأجبتُ بالنفي. ثم أعادوني إلى الزنازين. بعد مرور ساعة أو ساعتين أخذوني مرة أخرى إلى التحقيق في الشاباك. وقد قال لي المحقق إنني معتقل إداريا وسألني إن كان لدي سلاح وإذا ما كنتُ أطلقتُ النار ذات مرة على البرج أو بنية تحتية إسرائيلية أو اشتريتُ أو بعتُ السلاح وقد انكرتُ هذا كله. بعد مضي عشر دقائق قاموا بإعادتي إلى الزنزانة.

بعد ذلك نمت ثم استيقظت وقد أخذوني إلى التحقيق للمرة الثالثة. سألني المحقق إن كنتُ أرغب برؤية أختي وأجبتُ بالإيجاب. بعد بضع دقائق أحضروها وسمح لي المحقق باحتضانها وكان وضعها سيئا وكان شعرها منفوشا كأنما شدوها من شعرها بصورة عنيفة وكان وجهها شاحبا وعيونها حمراء وتحت عيونها هالات سوداء وكان يبدو أنها تقف بصعوبة وكان ظهرها ورأسها منحنيا ولم تكن قادرة بالمطلق على الوقوف منتصبة. كان من الواضح أنها مرت بتعذيب وأنهم سببوا لها ألماً كبيرا. عندما احتضنتها لم تتفاعل ولم تحتضنني وقالت لي: "عندما تعود إلى البيت اهتم جيدا بأمي وأبي وإخوتنا". قلت لها: "لن أعود إلى البيت فأنا معتقل وسيعيدونني من هنا إلى سجن عوفر". بدا لي أنها مصدومة كأنما هي مستغربة من اعتقالي. وقد قالت للمحقق: "لقد قلتم لي إنكم لن تعتقلوه" فرد عليها بلا مبالاة: "سوف نعيده إلى عوفر". سألتُ المحقق: "ماذا فعلتم بها؟ لماذا تبدو هكذا؟" وعندها أمروا بإخراجها من الغرفة وبقيت لوحدي. بعد ذلك قام شرطي بإعادتي إلى غرفة الزنازين وبعد مضي نصف ساعة أصعدوني إلى البوسطة وأعادوني إلى سجن عوفر.

بعد ذلك عرفتُ أنني مكثت في المسكوبية لمدة يوم ونصف اليوم. أخذوني في عوفر مرة أخرى إلى التحقيق وعندها قاموا بتمديد اعتقالي لمدة 72 ساعة أخرى. في اليوم التالي أخذوني إلى المحكمة في عوفر لكن لم يتم اتخاذ أي قرار في الجلسة. لم يتواجد أي شخص هناك من أفراد عائلتي. في اليوم التالي سلموني أمر اعتقال إداري لمدة أربعة أشهر.

بعد مضي شهرين أخذوني إلى جلسة استئناف قدمتها مؤسسة الضمير التي طالبت بإطلاق سراحي أو تقصير الاعتقال لمدة ثلاثة أشهر. لم يتم اتخاذ قرار في الجلسة وبعد عودتي إلى قسم الشبيبة في المعتقل أبلغوني بأنه تقرر المصادقة على الاعتقال لمدة أربعة أشهر لكن بدون أن يكون هناك تمديد. وقد زارتني عائلتي مرة واحدة فقط وبتاريخ 2.1.2020 أُطلق سراحي من سجن عوفر.

لا أعرف ما الذي يمكن قوله لكنني أخشى من اعتقالي إداريا مرة أخرى. هذا الأمر بمثابة تهديد لمستقبلي وحياتي.

مواد مقترحة

נער פלסטיני בהפגנה נגד מעצרים מנהליים בשערי כלא עופר. צילום: אחמד אל-בז, אקטיבסטילס, 19.12.19

الاعتقال الاداري

منذ أربعة أشهر: المعتقلون الإداريّون الفلسطينيّون يقاطعون إجراءات المحاكم الإسرائيليّة والدولة تتجاهل الحجج التي يطرحونها وتُواصل إجراءاتها كالمعتاد

يقاطع جميع المعتقلين الإداريّين الفلسطينيّين منذ 1.1.22 جلسات المحاكم التي تنظر في أوامر اعتقالهم. حتى الآن لم تعقّب أيّة جهة رسميّة على الحجج التي طرحها المعتقلون وتواصل المحاكم النظر في الأوامر كأنّ شيئاً لم يكن. منذ بدأت المقاطعة نظرت المحاكم في عشرات الملفّات رغم تغيّب المعتقلين ومحاميهم عن الجلسات. ما يودّ المعتقلون إيضاحه هو أنّ إجراءات المحاكم الخاصة بالنظر في أوامر الاعتقال الإداريّ ليست سوى مسرحية يُراد منها الإيهام بوجود رقابة قضائيّة بينما يمثل المعتقلون مجرد "كومبارس" في هذه المسرحيّة الرامية إلى شرعنة حبسهم. وما إصرار الدولة على مواصلة عقد هذه الإجراءات كالمعتاد سوى إثبات على صحة الحجج التي يطرحونها وتجسيد لحقيقة أن لا معنى ولا أهمية لحُضورهم الجسدي في هذه المداولات. تُظهر معطيات الجيش الرسميّة أنّ المحاكم العسكريّة تُلغي نسبة ضئيلة جدّاً فقط من أوامر الاعتقال التي تنظر فيها. في معظم الحالات يقبل القُضاة اعتبارات القائد العسكريّ دون أيّ اعتراض وأقصى ما فعلوه هو الإيعاز بتقصير مدّة الاعتقال قليلاً: في الفترة الواقعة بين العامين 2009 و 2013 تم إصدار 3,996 أمر اعتقال إداريّ . من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الفترة، صادقت المحاكم على 2,422 أمراً (نحو 60%) وقصّرت مدة الاعتقال في 1,052 منها (نحو 26%) دون أية قيود على إمكانيات تمديدها مرة ثانية بينما لم تلغ المحاكم سوى 99 أمراً فقط (2.5%) وقصّرت مدة الاعتقال في 196 أمراً (5%) مع تقييد إمكانيّة تمديدها. أما الأوامر الـ 214 المتبقّية (5.3%) فقد أقرّتها المحاكم مع تقييد إمكانيّة تمديد فترة الاعتقال. في الفترة الواقعة بين العام 2015 ونهاية تمّوز 2017 نظرت المحاكم العسكريّة في 3,909 أوامر اعتقال إداريّ. من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الافترة، صادقت المحاكم على 2,953 منها (نحو75%) وقصّرت مدة الاعتقال في 390 أمراً (نحو 10%) دون تقييد إمكانيّة التمديد وألغت 48 أمراً (1.2%) بينما قصّرت مدة الاعتقال في 181 أمراً (4.6%) مع تقييد إمكانيّة التمديد. أما الأوامر الـ 320 المتبقّية (8.1%) فقد وافقت المحاكم على فترة الاعتقال مع تقييد إمكانيّة التمديد. يُنفّذ الاعتقال الإداري بناءً على قرار يُصدره قائد المنطقة العسكريّ، دون تقديم لائحة اتهام ودون محاكمة. فالتشريعات العسكريّة تتيح اعتقال أيّ شخص لمدّة ستّة أشهُر يمكن تمديدها دون أيّ تقييد بحيث تكون مدّة الاعتقال غير محدّدة ولا يمكن أن يعرف المعتقل متى يمكن الإفراج عنه. خلال ثمانية أيّام من يوم إصدار أمر الاعتقال الإداري أو من يوم تمديده ينبغي إجراء رقابة قضائيّة وإحضار المعتقل للمثول أمام قاضٍ يكون مخولاً صلاحية المصادقة على أمر الاعتقال أو إلغائه أو تقصير مدّة الاعتقال. يمكن للمعتقل تقديم استئناف على قرار القاضي أمام محكمة الاستئناف العسكريّة بل وتقديم التماس إلى محكمة العدل العليا أيضاً. لكن في الواقع لا تمارس المحاكم العسكريّة أيّة رقابة قضائيّة على أوامر الاعتقال الإداريّ وإنّما تؤدّي دورها في مسرحيّة يُراد منها الإيهام بوجود رقابة كهذه. فالقضاة يقبلون دون أي اعتراض ما يسوقه جهاز "الشاباك" من ادعاءات بشأن "خطورة" الشخص المُعتقل والتي تبرر اعتقاله بصورة فورية. هذه الادعاءات التي يقدّمها "الشاباك" تستند إلى أدلّة تبقى سريّة ولا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطّلاع عليها. وهكذا فالمعتقل لا يعرف سبب زجّه في السّجن ولا يملك وسيلة لدحض الادّعاءات المتوفرة ضده، ظاهرياً. أحياناً يطلب القضاة الاطلاع بأنفسهم على الموادّ السريّة بينما يمتنعون في أحيان أخرى عن النظر في هذه المواد ولا يحاولون حتى استيضاح ماهيّة المعلومات التي يستند إليها أمر الاعتقال. في الحالتين يبقى المعتقل نفسه مجرّداً من أيّة إمكانية لمجابهة تلك المعلومات الأمر الذي ويُفرغ الإجراء القضائيّ من أيّ مضمون. تكمن المشكلة الأساسيّة في هذه الإجراءات القضائيّة الخاصة بالاعتقال الإداري في أنّ فرضيّة العمل التي يعتمدها القُضاة هي انّ هذا الاعتقال هو وسيلة قانونيّة. السّؤال الوحيد الذي ينظرون فيه هو مدى معقوليّة اعتبارات قائد المنطقة العسكريّ في الحالة العينية التي أمامهم. لكنهم لا ينظرون في قانونيّة الصّلاحيّة نفسها إطلاقاً. بذلك يتجاهل القُضاة تماماً حقيقة أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ على نحو يجعله غير قانوني. خلافاً لأحكام القانون الدوليّ التي تقيّد اللّجوء إلى هذه الوسيلة، تستخدم إسرائيل الاعتقال الإداريّ على نحو واسع وروتيني إذ زجّت على مرّ السّنين بآلاف الفلسطينيّين في سجونها دون محاكمة ودون أن تُطلعهم على الاتّهامات الموجّهة إليهم ودون أن تمكّنهم ومحاميهم من الاطّلاع على الأدلّة ودون أن تُبلغهم متى سيتمّ الإفراج عنهم. وفقاً لمعطيات مصلحة السجون الإسرائيلية، تحتجز إسرائيل اليوم 579 فلسطينيين رهن الاعتقال الإداري. في سنوات الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية احتجزت إسرائيل مئات عديدة من الفلسطينيّين بموجب أوامر الاعتقال الإداريّ. منذ آذار 2002 لم يمرّ شهر واحد كان فيه عدد المعتقلين الإداريّين أقل من مائة وفي جزء من العام 2003 (خلال الانتفاضة الثانية) بلغ عددهم أكثر من ألف معتقل. يختلف الاعتقال الإداريّ عن عقوبة السّجن التي توقعها المحاكم بشخص ما بعد إدانته بارتكاب مخالفة وغايتها الرسميّة من ذلك ردعه عن إعادة ارتكابها مستقبلاً، لا معاقبته على مخالفة ارتكبها سابقاً. إلّا أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ كبديل سهل ومُريح عن الإجراء الجنائيّ وخاصّة حين لا تملك السّلطات أدلّة تثبت التهمة أو حين لا ترغب في كشف الادلّة التي تزعم أنّها في حوزتها. كما تستغل إسرائيل الاعتقال الإداريّ لوضع فلسطينيّين رهن الاعتقال جرّاء آرائهم السياسيّة ونشاطهم السياسيّ السلميّ فقط. يوضع المعتقلون رهن الاعتقال الإداريّ لفترات طويلة تتراوح ما بين عدّة أشهر وعدّة سنوات إذ يجري تمديدها المرة تلو الأخرى وكثيراً ما يصدر أمر الاعتقال الجديد قبَيل انتهاء فترة أمر الاعتقال السّابق بينما يكون المعتقل مقتنعاً بأنه قد أصبح على وشك العودة إلى منزله وبينما تكون أسرته قد أصبحت تتوقع عودته إليها. فتمديد الاعتقال ليس أمراً استثنائيّاً. هنا بعض الأمثلة: في نهاية آب 2012 كانت إسرائيل تحتجز 184 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 29 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (ما يعني أنّه قد جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و 106 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2016 كانت إسرائيل تحتجز 652 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 279 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و96 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2020 كانت إسرائيل تحتجز 355 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 134 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و54 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). الاعتقال الإداريّ وسيلة قاسية يستخدمها النظام الإسرائيليّ ضدّ الفلسطينيّين بشكل واسع ومخالف للقانون. زيادة على ما في لاعتقال نفسه من مصاعب ورداءة الظروف في السّجون وعزل المعتقل عن أسرته وأصدقائه ومحيطه يُضاف أيضاً ظلم إبقاء المعتقل في حالة التساؤل وعدم الوضوح سواء بشأن سبب اعتقاله أو بشأن موعد الإفراج عنه. يجري النظر في أوامر الاعتقال الإداريّ أمام محاكم عسكريّة يجلس فيها قضاة ومدّعون إسرائيليّون بالزيّ العسكريّ ويعملون بموجب أوامر عسكريّة. بعض الأوامر يتمّ الاستئناف عليها في التماسات إلى محكمة العدل العليا وهناك ينظر فيها قضاة المحكمة العليا. هؤلاء أيضاً لا يمثّلون مصالح المجتمع الفلسطينيّ، مجتمع المعتقلين الماثلين أمامهم، وإنّما مصالح نظام الاحتلال الإسرائيليّ. وبكونهم كذلك، فمن غير الممكن أن يقوموا بدور المحكَّم الحياديّ الذي يسعى لإحقاق العدالة. بدلاً من ذلك، يشكل هؤلاء القضاة إحدى الآليات المركزية في منظومة تكريس السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة.

26 نيسان/أبريل 2022

بانتظار الزيارة في سجن عوفر. تصوير: أورن زيف، أكتيف ستيلز، 29.10.17.

الاعتقال الاداري

لدى إسرائيل الاعتقال الإداري للقاصرين أيضًا

في بداية تشرين الثاني 2021 كان عدد الفلسطينيّين المعتقلين إداريّاً في السجون الإسرائيلية 482 أسيرًا وفقاً لمعطيات تسلّمها مركز الدفاع عن الفرد من سُلطة مصلحة السّجون. ضمن المعتقلين الإداريين هناك أربعة معتقلين قاصرين وفقاً لهيئة شؤون الأسرى في السّلطة الفلسطينيّة. الاعتقال الإداري هو اعتقال بدون محاكمة بذريعة أن من يُعتقل يعتزم ارتكاب مخالفة في المستقبل إنما دون أن يفعل شيئًا بالفعل. لا يعرف المعتقل سبب زجّه في السّجن لأنّه لا يتمّ إطلاعه على مسوّغات اعتقاله التي تستند إلى أدلّة سرّيّة - وهكذا لا يستطيع المعتقل الدّفاع عن نفسه ودحض التهم المنسوبة إليه. إضافة إلى ذلك فإنّ مدة الاعتقال الإداريّ يمكن تمديدها مراراً وتكراراً دون تحديد سقف للمدّة الإجماليّة وذلك خلافاً لعُقوبة السّجن العاديّة حيث يقضي المحكوم عليه بالسّجن مدّة محدّدة. أي أنّ المعتقل إداريّاً لا يعرف متى سوف يُفرج عنه. تستخدم إسرائيل هذه الوسيلة بشكل روتينيّ بحيث سجنت على مرّ السّنين آلاف الفلسطينيّين لفترات طويلة بعضهم لسنوات. وفقاً للقانون ينظر القضاة في أوامر الاعتقال الإداريّ ويُتاح للمعتقلين التوجّه إلى محكمة العدل العليا لكنّ عين القانون الفاحصة هذه هي فقط مظهر شكليّ، وفيما عدا حالات استثنائيّة جدّاً يصدّق القضاة بالمُجمل على أوامر الاعتقال الإداريّ. يؤثّر الاعتقال الإداريّ بشكل قاسٍ على عائلات المعتقلين وبالتأكيد حين يكون المعتقلون قاصرين: علاوة على أنّ الأسرة تعاني قلق الانتظار في حالة من اللّايقين طوال أشهُر لأنّها لا تعرف متى سيتمّ الإفراج عن ابنها، تمنع إسرائيل الأسرة من إجراء أيّ اتّصال بالمعتقل فتبقى الأسرة بلا وسيلة لمعرفة أوضاع ابنها الصحيّة والجسديّة والنفسيّة. تفرض إسرائيل قيوداً مشدّدة على زيارة السّجن وحتى من يحظون بتصريح زيارة تكون زياراتهم قصيرة وعلى فترات بعيدة ويلتقون أعزّاءهم خلالها من خلف حاجز زجاجيّ. وإذ تمنع إسرائيل المعتقلين من إجراء محادثات هاتفيّة أو تلقّيها تبقى هذه الزيارات الوسيلة الوحيدة التي تملكها الأسرة للتحدّث مع المعتقل. سجّل باحثو بتسيلم الميدانيّون إفادات من ذوي ثلاثة من القاصرين المعتقلين إداريّاً في الوقت الحاليّ، وصفت الأسر خلالها خوفها الدّائم على سلامتهم والقلق الذي يلازمها لحظة بلحظة إزاء عدم معرفة موعد الإفراج عنهم. أدناه يحدّث معمّر نخلة (49 عاماً) من سكّان رام الله كيف تجابه أسرته اعتقال ابنه أمل البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: وُلد أمل حين كانت والدته لا تزال في الشهر السّادس من حملها فظلّ موصولاً بجهاز تنفّس وبقي في المستشفى لمدّة ثلاثة أشهر تقريباً. كنّا خائفين أن لا يتمكّن من البقاء حيّاً، وعندما طلبوا أن نُسمّيه أسميناه أمل تيمّناً إذ كنّا نأمل أن تُكتب له الحياة. في حزيران 2020 بدأ أمل يتقيأ دمًا. كان يعاني صعوبة في التنفّس وفي البلغ. بعد الفحوصات تبيّن أنّ لديه ورم في الرئتين ويحتاج إلى عمليّة يمكن إجراؤها فقط في المستشفى الفرنسيّ في القدس. قدّمنا طلب تصريح لدخول إسرائيل لي وله لكي نتمكّن من المجيء إلى المستشفى وإجراء العمليّة لكنّ الطلب رُفض لأسباب أمنيّة كما قالوا لنا. استدعى جهاز الأمن العامّ (الشاباك) أمل لتحقيق في سجن "عوفر" في 1.7.20 وحين ذهب أمل إلى هناك فحصوا بطاقة هُويّته وبعد انتظار ساعتين قالوا له "عُد إلى المنزل لأنّ المحقّق غير موجود". بعد أيّام معدودة ساعد بعض أصدقائنا أمل في الوصول إلى المستشفى في القدس "تهريب" وهكذا أجريت له العمليّة وغادر المستشفى بعد مضيّ خمسة أّيّام. بعد مضيّ بضعة أيّام على عودته اتصل شخص من "الشاباك" بنا هاتفيّاً واستدعى أمل مرّة أخرى للتحقيق. إثرَ ذلك توجّهت إلى مؤسسة الضمير لرعاية الأسير ولحقوق الإنسان فتوجّهوا بدورهم إلى السّلطات الإسرائيليّة وأرسلوا إليهم تقارير طبّية تثبت وضع أمل الصحّي لكي يفهموا أنّه مريض. ردّاً على ذلك قالوا إنّهم لن يقوموا باعتقاله حاليّاً. في تشرين الأوّل 2020 تبيّن أنّ أمل يعاني مرضاً نادراً جدّاً يُدعى مياستينيا جرافيس (myasthenia gravis) يسبّب تشنّجات وصعوبات في بلع الطعام. لذلك يحتاج أمل أن يتناول دواءً كلّ أربع ساعات. في 2.11.20 حين كان أمل في طريقه إلى روابي مع أصدقائه قبض عليه جنود واعتقلوه. آنذاك اعتقلوه لمدّة 38 يوماً وفي 10.12.20 أفرجوا عنه. بعد ذلك استُدعي للمثول في مكاتب المخابرات الفلسطينيّة في يوم الاثنين الموافق 18.1.21 فاحتجزوه في تلك اللّيلة وأفرجوا عنه في اليوم التالي. بات في المنزل ليلة واحدة فقط وفي يوم الأربعاء ليلاً أو فجر يوم الخميس عند السّاعة 3:00، اقتحم منزلنا جنود وعناصر من "الشاباك" وفتّشوا المنزل. بعد ذلك أمروا أمل أن يرتدي ملابسه ويأخذ أدويته ثمّ اعتقلوه. توجّهت فوراً إلى مؤسسة الضمير وطلبت منهم أن يستعلموا إلى أين أخذوه. اتصلوا بي لاحقًا وأخبروني أنّ "الشاباك" نقل أمل إلى سجن "مجيدو" وأنّه رهن الاعتقال الإداريّ. منذ ذلك الحين مدّدوا اعتقاله ثلاث مرّات وقال لنا المحامي إنّهم قد يمدّدون الاعتقال مرّة رابعة وهذا ممّا يُضاعف قلقنا وتوتّرنا. حياتنا مضطربة إذ لا نحظى بلحظة هدوء واحدة فنحن قلقون عليه طوال الوقت. وضعه الآن مستقرّ ولم يحدُث أيّ تدهوُر ولكنّ استمرار اعتقاله مع مرضه يجعله في خانة الخطر. في 19.9.21 عندما مدّدوا اعتقال أمل للمرّة الثالثة كان الأمر أصعب وأكثر إيلاماً من المرّات السّابقة لأنّهم وخلافاً للمرّات السّابقة لم يُخبرونا قبل انتهاء مدّة اعتقاله بأسبوع أنّهم عازمون على التمديد، لذلك كان لدينا أمل كبير في أنّهم سيُفرجون عنه. أحسست أنّ كلّ شيء يجري كما في التصوير البطيء. كنت أحسب الوقت وأتخيّل: ها هو أمل يخرج الآن من السّجن، ها هو يصل، يطرق باب منزلنا، ويتمّ اللّقاء - حلم يتحقّق. ولكن هذا كلّه سلبوه منّا في اللّحظة الأخيرة إذ اتّصل محاميه وأخبرنا أنّهم مدّدوا اعتقال أمل لمدّة أربعة أشهر أخرى وقال إنّ هذا حدث تمامًا في اللّحظة التي كان يُفترض أن يُفرج عنه فيها. منذ اعتقال أمل قدّمنا عدّة مرّات طلبات تصريح لكي نزوره ولكنّهم سمحوا لي ولوالدته بزيارته مرّة واحدة فقط وذلك في نيسان 2021. رأيناه من خلف حاجز زجاجيّ ولم نستطع حتى أن نعانقه. استمرّت الزيارة أربعين دقيقة وبالكاد سألناه كيف حالك واستفسرنا منه عن وضعه الصحّي. كان متعباً وواهناً. قال لنا إنّه يتناول دواءه بشكل منتظم ومع ذلك راودني شعور بأنّه يقول ذلك فقط لكي يطمئننا. منذ تلك الزيارة ونحن نقدّم الطلبات كلّ شهر ولكنّهم رفضوها جميعاً. قالوا إنّ السّبب هو أنّني أسير سابق ولذلك فزوجتي أيضاً ممنوعة من الزيارة. نحن دائبون على تقديم الطلبات كلّ شهر. في إحدى المرّات أبلغونا عبر الصّليب الأحمر أنّه تمّت الموافقة على الزيارة ولكن بعد خمسة أيّام أبلغنا الصّليب الأحمر فجأة أنّ "الشاباك" تراجع وبالتالي ألغيت الموافقة. كان ذلك صعباً علينا جدّاً. قبل خمسة أيّام تلقّينا خبراً بأنّ هناك موافقة وسوف نذهب في زيارة 8.11.21 ولكن الآن أنا ووالدة أمل نعيش في توتّر خشية أن يُلغوا الموافقة مرّة أخرى. متابعة: في 8.11.21 والد وشقيق أمل نخلة زاراه في السجن. أدناه صفاء الهريمي (43 عاماً) أمّ لخمسة أبناء من سكّان وادي رحال في محافظة بيت لحم، تحدّث عن اعتقال ابنها سامي البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش: ابني سامي يعمل في إدارة حانوت بقالة صغيرة للعائلة. في 20.9.21 حين كان نائماً في فراشه اقتحم جنود منزلنا. كان سامي يصرخ أنّه لم يفعل شيئاً وأنّه لا يريد الدّخول إلى السّجن. في البداية أخذوه للتحقيق في المسكوبيّة وبعد عشرة أيّام أصدروا بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة أربع أشهر. قال لنا المحامي إنّ الاعتقال كما يبدو متعلّق بتحريض عبر فيسبوك وهذا كل ما يعلمه. في البداية لم نعرف أيضاً إلى أيّ سجن أخذوه إلى أن توجّهنا لمكتب الدفاع عن الفرد "هموكيد" وعلمنا أنّ سامي معتقل في سجن "عوفر". لا أعرف لماذا اعتقل الجيش ابني. كان يعمل في البقّالة من الصّباح وحتى اللّيل. حياتي صعبة جدّاً في غيابه. أفكّر فيه طوال الوقت، عندما نجتمع لتناوُل الطّعام وعندما أدخل إلى غرفته وأرى سريره فارغاً. أحياناً أبكي. طوال الوقت أتّصل بالمحامي لكي أرى ما إذا وصلته معلومات جديدة وأسأله هل زار سامي. أحاول أن أستوضح هل سيعود إلى المنزل مع إتمام أشهُر الاعتقال الأربعة، ولكن لا أحد يعلم. أنا قلقة كثيراً على سامي فهو ما زال صغيراً ولا يعرف كيف يُجابه مثل هذه التجربة. رأيت بأمّ عيني كم كان خائفاً حين اعتقلوه. أدناه تحدّث أسماء منصور (37 عاماً) أمّ لأربعة أبناء من سكّان جنين، عن اعتقال ابنها محمد البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي: فجرَ يوم 8.4.21 اقتحم جنود منزلنا وهو أمر لم يحدث لنا من قبل. خلعوا الباب فيما كنّا نائمين فاستيقظنا على صُراخ الجنود. اتّجهنا فوراً نحو المدخل لكي نمنع الجنود من اقتحام غرف الأولاد وفي هذه الأثناء استيقظوا بسبب الصّراخ فخرجوا من غرفهم. ثلاثة من أولادنا يعيشون معنا في المنزل: أمل (17 عاماً) وماسة (16 عاماً) ومريم (11 عاماً). انقضّ الجنود فوراً على محمد. رأيت أحدهم يضربه على رأسه بالبندقيّة. جنديّ آخر كبّل يدي محمد ثمّ أدخلوه إلى إحدى الغرف. بعد مضيّ خمس دقائق تقريباً أخرجوه من المنزل ولم يسمحوا لنا أن تعطيه ملابس أو أن نودّعه ونعانقه. لقد صادروا هاتفه الخلوي أيضاً. حين طلبت منهم أن يسمحوا لي بوداعه أخذوا يصرخون عليّ ولم يتيحوا لي حتى الاقتراب منه. حين أخرجوا محمد من المنزل انتابتني صّدمة من المشهد الذي رأيته - عشرة جنود كانوا يطوّقون المنزل من كلّ الجهات وكان معهم شخص بلباس مدنيّ يغطّي وجهه بلثام. بعد أن اعتقلوا محمد أخذوه للتحقيق في سجن الجلمة وكان موقوفاً هناك طيلة 28 يوماً. بعد ذلك نقلوه ليقضي الاعتقال الإداريّ في سجن مجيدو. أمر الاعتقال الأوّل كانت مدّته ستّة أشهُر كان يُفترض أن تنتهي في 8.10.21 وعليه فقد توقّعنا أن يُفرجوا عنه غير أنّهم اتّصلوا بنا من السّجن قبل نفاد المدّة بيوم واحد وقالوا لنا أن لا نأتي لاستقباله لأنّه قد جرى تمديد اعتقاله لمدّة أربعة أشهُر أخرى أي حتى 8.2.22. كان أمراً لا يُصدّق. حتى اليوم لا يزال ينتابُني الهلع كلّما تذكّرت يوم أن أتوا واعتقلوه. قبل اعتقاله بيوم واحد كان لديه امتحان وقد حصل فيه على علامة 100. اعتقاله يحرمه من مُواصلة تعليمه الثانوي ويسلبني فرحة تخرّجه بنجاح. أخشى كثيراً أن يستمرّ اعتقاله لوقت طويل فيدمّروا بذلك حياته ومستقبله. كان أمل محمد أن يسافر ويتعلّم في الخارج بعد تخرّجه من الثانويّة. منذ أن اعتقلوا محمد سمحوا لنا بزيارته فقط مرّة واحدة وكان ذلك بعد مرور ستّة أشهر وخمسة أيّام على الاعتقال. لا أستطيع أن أصف لكُم كم هُو مُزعزع أن ترى ابنك من خلف الزجاج. تحدّثنا معه طوال 45 دقيقة عبر الهاتف - وهو خلف الزجاج - أمضيناها نبكي أنا ووالده. منذ ذلك الحين لا يستطيع زيارته أحد سوى محاميه.

18 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

חיילים במהלך פשיטה על מחנה הפליטים אל-ערוב במחוז חברון. צילום: אן פק, אקטיבסטילס, 24.5.13

روتين العُنف

روتين الاحتلال: جنود يهاجمون فتى في السادسة عشرة من عمره في مخيم العروب للاجئين ويكسرون فكه ويعتقلونه لمدة 26 يوما

قرابة الثامنة من صباح الأحد الموافق 29.11.20 اقتحم جيبان عسكريان مخيم العروب للاجئين. رشق فتيان وشبان الجنود بالحجارة الذين ألقوا نحوهم قنابل الصوت والغاز. كانت مستوطنتان قد أصيبتا قبلئذ إصابات طفيفة جراء رشق حجارة عندما كانتا تسافران في سيارة في شارع قريب من المخيم. كان أحد الجيبين يلاحق الشبان فأصاب محمد مقبل (16 عاما) فوقع ثم نهض واستمر في الركض حتى أمسكه الجنود فضربه أحدهم على فكه فوقع ثانية. ركله جندي آخر على جميع أنحاء جسده عندما كان ملقى على الأرض فقيد الجنود يديه ووضعوه في الجيب وقد استمر أحد الجنود في ضربه في الطريق. أُخذ محمد مقبل وفتيان آخرون ممن اعتقلوا في المخيم في اليوم نفسه إلى مركز شرطة "عتسيون" وقد انتظروا هناك ساعات طويلة وكانوا يحققون معهم على نحو متقطع. تم التحقيق مع مقبل في إطار انتهاك حقوقه الأساسية وفي نهايته جعلوه يوقع على وثيقة باللغة العبرية وهي لغة لا يفهمها. في نهاية التحقيق نقل الجنود الفتية إلى المطبخ وقال لهم أحدهم إن بإمكانهم المبيت على الأرض ولم يعطوا طعاما وشرابا طيلة هذه الساعات. في الثالثة فجرا أخذ الجنود محمد مقبل إلى مستشفى "هداسا عين كارم" في القدس وهناك قيدوه بالسرير ووقف جنود في باب الغرفة ومنعوا والده في البداية من الدخول إليها. بعد يومين أجريت له عملية جراحية في الفك وفي مساء اليوم التالي الموافق 4.12.20 نُقل إلى سجن "مجيدو". قدم الادعاء العسكري ضده لائحة اتهام في 6.12.20 تحوي بندين إذ تطرق الأول إلى إلقاء زجاجة حارقة في آذار 2020 والثاني لإلقاء حجارة في يوم اعتقاله. طالب الادعاء اعتقال مقبل حتى انتهاء الإجراءات ولكن القاضي رفض ذلك. رُفض كذلك استئناف الادعاء وأُطلق سراحه في 25.12.20 بعد إيداعه كفالة قدرها 3,000 شيكل. في 8.3.21 أدين محمد مقبل في إطار صفقة ادعاء وحُكم عليه بالسجن مدة 26 يوما وذلك بعدما شُطب البند الأول من لائحة الاتهام وهي المدة التي قضاها في السجن كما حُوّل مبلغ الكفالة إلى غرامة. ليست حالة محمد مقبل استثنائية وهي تعكس روتين الحياة العنيف الذي يفرضه الاحتلال على الفتية في الضفة الغربية. تعتقل إسرائيل سنويا مئات القاصرين الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم بشكل ممنهج ومنظم بدءا باعتقالهم مرورا بالتحقيق معهم وفي النهاية الإجراءات القضائية في المحاكم العسكرية للشبيبة. صحيح بأن إسرائيل تتفاخر بالقوانين والإجراءات التي أُعدت نظريا للحفاظ على حقوق القاصرين إلّا أن هذا أمر شكلي هدفه الحقيقي إضفاء الشرعية على الأضرار الجسيمة التي تلحقها بالقاصرين. تحدّث محمد مقبل عن اعتقاله والفترة التي قضاها في السجن وقوامها 26 يوما في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش: كنت أركض بسرعة فصدم أحد الجيبات العسكرية كتفي ثم وقعت ونهضت وأكملت الركض. دخلت إلى منزل كان بابه مفتوحا وكانت ثلاثة جنود يلاحقونني فأمسكني أحدهم وضربني على فكي من اليسار. تألمت كثيرا إلى درجة أنني سقطت أرضا. هاجمني جندي آخر وشرع يركلني في كافة أنحاء جسدي. كان فمي ينزف. نهضت فأخذوني إلى الشارع وقيدوا يديّ من الخلف وأجلسوني أمام دكان مغلق. بعد عدة دقائق وضعوني في الجيب وعصبوا عينيّ. جلست على أرضية الجيب الذي كان فيه أربعة جنود وضربني أحدهم وركلني وبصق عليّ عدة مرات. سار الجيب قرابة 500 مترا وتوقف في مدخل المخيم بالقرب من البوابة فأنزلني الجنود هناك بجوار البوابة الكهربائية ورأيت من تحت عصبة العينين أربعة معتقلين آخرين ممكن اعتقلهم الجنود سابقا كانوا يقفون في المدخل. دنا مني شخص بلباس عسكري وقال لي إنه الكابتن "كرم". كنت قد سمعت عنه وأعلم أنه ضابط الشاباك المسؤول عن مخيمنا. ضربني على وجهي بمؤخرة بندقيته. لقد أزال عصبة عيني وصورني وكذلك بقية المعتقلين ثم بعد خمس دقائق تقريبا أخذونا جميعا في مركبة عسكرية كبيرة إلى مستوطنة "كرمي تسور". تركونا هناك في الساحة نحو عشرين دقيقة. كان فكي ينزف ويؤلمني بشدة. عندها وضعونا في مركبة عسكرية أخرى ونقلونا إلى مركز شرطة "عتسيون". وصلنا إلى هناك في ساعات الظهر وأنزلنا الجنود إلى الساحة ثم في ساعات ما بعد الظهر بدأوا بالتحقيق معنا واحدا تلو الآخر وقد كنت أنا الثالث. قبل التحقيق كلمني محام وقال إن لي الحق بالتزام الصمت وقال لي لا تخف. حقق معي محقق يدعى يوسف وقد اتهمني بإلقاء زجاجة حارقة على حافة إسرائيلية قبل عدة شهور وكذلك برشق مركبات عسكرية بالحجارة. أنكرت التهمتين وبعد 10 دقائق أخرجني المحقق إلى الساحة فتركوني هناك حتى المساء. أعادوني بعدئذ إلى غرفة التحقيق وحقق معي محقق واحد. لقد صرخ بي وقال إنني أكذب وصار يسألني "هل الجنود وأهالي المخيم الذين رأوك تفعل هذا يكذبون وأنت وحدك الصادق؟". استمريت بالإنكار وسجل المحقق ما قلته وأمرني بالتوقيع على إفادتي وقد قال إنني أوقع على ما قلتُه فوقعت وأخذوا بصماتي وصوروني. قرابة الساعة 21:00 وبعد أن انتهوا من التحقيق مع المعتقلين الأربعة الآخرين أخذنا الجنود إلى مكان مقابل الساحة يبدو كمطبخ فقال أحدهم إن بإمكاننا المبيت على الأرض. جاء في ذلك الوقت طبيب عسكري وأجرى لنا فحص الكورونا وسألنا إن كنا نعاني من أمراض. جلسنا على أرضية المطبخ قرابة ست ساعات ولم يوفروا لنا الأكل والشراب كما لم نتمكن من النوم. كان فكي يؤلمني بشدة. كنا مقيدين ومعصوبي الأعين طيلة هذا الوقت وكان الوقت يمر ببطء شديد. نحو الثالثة فجرا أخرجني الجنود من المطبخ حيث كانوا قد أخرجوا الآخرين قبلئذ. أخذوني بسيارة صغيرة يرافقني أربعة جنود وجلست في المقعد الخلفي بين اثنين منهم وسافرت السيارة إلى مستشفى "هداسا عين كارم" وقد عرفت ذلك من اللافتة في المدخل. وصلت إلى هناك قرابة الرابعة وأجروا لي هناك فحص الكورونا ثانية ثم أعطوني مسكنات للآلام. رافقني جنديان وكان أحدهما من هاجمني عند الاعتقال. أدخلوني إلى غرفة وقيد أحد الجنديين يدي اليسرى بالسرير. لم أستطع النوم من شدة الألم. في المساء أخذوني لإجراء صور أشعة ثم أعادوني إلى الغرفة التي كان فيها مريض من القدس فقال لي إنه سمع الأطباء يقولون بأنهم سيجرون لي عملية جراحية. جاء والدي بعد الغروب وحاول الدخول إلى الغرفة. لقد نادى عليّ وسألني عن حالي فطرده الجنديان. حاول والدي مرات عدة أن يصل إلى باب الغرفة ليطمئن علي ويقول لي ألّا أقلق. بعد ظهر اليوم التالي الموافق الثلاثاء نقلوني إلى غرفة أخرى وبدلوا الجنديين. سمح الجنود الجدد لوالدي بالدخول إلى الغرفة لبضع دقائق والتحدث إليّ حيث أخبرني بأنه وقع على تصريح بإجراء عملية جراحية لي وقال إنها ستجرى يوم الأربعاء. أخذوني يوم الأربعاء إلى غرفة العمليات وقد بدأت العملية قرابة الساعة 12:00 واستمرت نحو 4 ساعات أعادوني بعدها إلى الغرفة. علمت بأن الأطباء قد ثبتوا فكي من الجهة اليسرى مما منعني من مضغ الطعام وتحريك فكي. قرابة الثامنة مساء يوم الخميس أخذوني بمركبة لنقل المعتقلين إلى سجن "مجيدو" وقد كانت يداي ورجلاي مقيدة. في السجن أدخلوني إلى غرفة مكثت فيها لوحدي أربعة أيام ثم نقلوني إلى غرفة أخرى فيها خمسة معتقلين قاصرين. بقيت في سجن "مجيدو" 18 يوما. كنت أحصل على الحساء ومسكنات الآلام وقد حضرت في هذه المدة ثلاث جلسات للمحكمة عبر الفيديو وقد كان المحامي يمثلني. نقلوني لاحقا إلى سجن "عوفر" وهناك أجريت الجلسة الأخيرة في 24.12.20 والتي حضرتها عبر الفيديو أيضا. استمرت الجلسة مدة فاقت نصف الساعة وسألني القاضي عما أنوي فعله عندما أعود إلى المنزل فأجبته بأنني أود العودة إلى المدرسة. لم أفهم كثيرا مما قاله المترجم بسبب مشاكل تقنية في الإرسال ولم أفهم ماذا قرر القاضي. أعادوني إلى غرفة في "عوفر" وبقيت هناك في الليل. في صباح يوم الجمعة أخبروني بأنهم سيطلقون سراحي وعندما فعلوا علمت بأنني خرجت مقابل كفالة قدرها 3,000 شيكل. في نفس اليوم الموافق 25.12.20 قبيل الظهر أخذني جيب عسكري إلى حاجز الجيب وكان والدي ينتظرني هناك بسيارة صديقه وذهبنا إلى المنزل. لا أستطيع حتى الآن الأكل بشكل اعتيادي وأتناول السوائل فقط وقال لي طبيب في مستشفى في الخليل إنني أحتاج أسبوعين على الأقل لنزع المثبت المعدني من فكّي. منير مقبل والد محمد (47 عاما) وهو والد لستة أبناء أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش في 6.12.20 عندما كان محمد ما يزال معتقلا: في ساعات الظهر من اليوم التالي للاعتقال اتصلوا بي من مستشفى "هداسا" وطلبوا مني الذهاب إلى هناك للتوقيع على تصريح لإجراء عملية جراحية لابني محمد. لقد أرسلوا لي دعوة أرسلتها إلى مكتب التنسيق والإرتباط وفي الخامسة تلقيت تصريح دخول. ذهبت رأسا إلى مستشفى "هداسا" وصعدت إلى الطابق السابع ورأيت محمد في إحدى الغرف وحاولت الدخول إليه لكن الجنديين الذين كانا في الغرفة منعاني. وقفت في مدخل الغرفة وسألت محمد عن حاله فقال إنه بخير. حاولت مرارا دخول الغرفة لكن الجنديين لم يسمحا لي بذلك. تمكنت من تصوير محمد والذي كان مقيدا بالسرير. بقيت طيلة الليلة في الرِواق وحاولت أن أغفو على أحد الكراسي هناك لكني لم أستطع. في يوم الثلاثاء نقلوه إلى غرفة أخرى وقد استبدل الجنديين الذين كانا هناك جنديان آخران. سمح لي أحد الجنديين الجديدين بالدخول إلى الغرفة والتحدث معه لبضع دقائق كما تمكنت كذلك من تصويره. كانت يده اليسرى مقيدة بالسرير وقد علمت من أحد المرضى في الغرفة بأن العملية الجراحية ستُجرى في يوم الأربعاء. قرابة الساعة 12:00 من يوم الأربعاء أخذوه إلى غرفة العمليات وقد استمرت العملية 4 ساعات أعادوه بعدها إلى الغرفة وتمكنت من التحدث معه لمدة ربع الساعة تقريبا. شرح لي الأطباء بأنهم وضعوا له مثبتا معدنيا على الفك ولذلك سيكون من الصعب عليه تناول الطعام لمدة طويلة. توقعت أن يظل محمد في المستشفى لاستكمال العلاج لكنني تفاجأت في اليوم التالي أي يوم الخميس في ساعات المساء أن الجنود نقلوه إلى سجن "مجيدو". عدت إلى البيت وقد بقت على اطلاع بالمجريات بواسطة محامي الهيئة الدولية للدفاع عن الطفل. أنا وأمه قلقان جدا لأنهم أعادوه إلى السجن بعد العملية الجراحية مباشرة.

21 آذار/مارس 2021