الاعتقال الاداري

دون أيّ سبب وحتّى إشعار آخر: الاعتقالات الإداريّة كروتين حياة

الصورة
ילדיהם של ארווה מוסטפא הינדי, מחזיקים בתמונת אביהם העצור מנהלית, עם סבם וסבתם. צילום: סלמא א-דיבעי, בצלם, 6.6.18

مئات الفلسطينيين محتجزون في سجون إسرائيليّة - داخل إسرائيل وفي الضفّة الغربية - دون أن تُنسب إليهم أيّة تهمة ودون إطلاعهم على الأدلّة التي يُزعم أنّها متوفّرة ضدّهم ودون معرفة متى سيتمّ إطلاق سراحهم. تسمّي إسرائيل عمليّة الاحتجاز هذه "الاعتقال الإداريّ". هذه ليست ظاهرة جديدة: منذ عشرات السّنين تُقدم إسرائيل على الاعتقال الاداري للمئات في أيّ وقت.

بعض المعطيات: وفقًا لإحصائيّات تجريها مصلحة السجون الاسرائيليّة في أيّار 2018، كان هناك 440 معتقلًا إداريًّا من بينهم امرأتان وثلاثة قاصرين. تمديد الاعتقال الإداريّ مسألة روتينيّة: من بين 440 معتقلاً إداريًا فقد جرى احتجاز 126 معتقلاً لمدّة ستة أشهر إلى عام واحد (أي أنّه جرى تمديد احتجازهم مرّة واحدة على الأقلّ) واحتجز 93 منهم لمدّة تزيد عن عام (أي جرى تمديد احتجازهم مرّتين على الأقلّ). في العام الماضي جرى احتجاز ما يعادل 29 فلسطينياً إلى الاعتقال الإداريّ كل شهر، وتمّ الإفراج عن 37 معتقلاً فلسطينيًّا. في السنوات العشر الماضية لم يمرّ شهر دون أن تحتجز إسرائيل على الأقلّ 150 فلسطينياً رهن الاعتقال الإداري.

إن صلاحيّة إصدار أمر بالاعتقال الإداريّ تُعتبر صلاحيّة جارفة ومتطرفة. ظاهريًّا يجري فحص أوامر الاعتقال من قِبل المحاكم العسكرية ومحكمة العدل العليا؛ ومع ذلك، فإنّ هذه المحاكم لا تُجري سوى مراجعة قضائيّة شكليّة، تنتهي بالموافقة بشكل روتينيّ على مثل هذه الاعتقالات.

الصورة
دنيس وحسن الحموري، والدا صالح الحموري. تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 21.7.2018.

دنيس الحموري (59 عامًا ومن سكّان الرام) متزوّجة وأمّ لثلاثة أولاد. في إفادة أدلت بها يوم 21.7.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، عامر عاروري، حدّثت دنيس عن اعتقال ابنها: 

الصورة
صالح الحموري. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.

ابني صلاح الحموري، 33 عامًا، رهن الاعتقال الإداريّ منذ تاريخ 23.8.17. في البداية اعتقلوه لمدّة ستة أشهر من ثم جرى تمديد الاعتقال لمدّة أربعة أشهر إضافيّة، من تاريخ 28.2.18 حتّى 30.6.18 ولكن في 1.7.18 جرى تمديد اعتقاله مرّة أخرى لفترة ثلاثة أشهر حتى 30.9.18. 

كان صالح يعمل باحثًا في مؤسسة "الضّمير" وهو متزوّج من إليسا - مواطنة فرنسية ولديهما طفل يبلغ من العمر عامين. لقد تزوجا في 5.6.14. في 01.5.16 وفي عودة إليسا من زيارة لها في فرنسا فقد جرى إبعادها من مطار بن غوريون بعد أن احتجزوها لمدّة ليلة كاملة وهي حامل في شهرها السّابع. اضطرّت إليسا للعودة إلى فرنسا، وهناك ولدت ابنهما حسن ولم تعد إلى البلاد منذ ذلك الحين.

آمل كثيرًا أن يفرجوا عنه في تاريخ 30.9.18 وألّا يمدّدوا اعتقاله مرّة أخرى. هو لا يستطيع رؤية ابنه الّذي لا يفهم مكان وجود والده إذ يبلغ من العمر عامين فقط.

زوجي حسن، 63 عامًا، لا يستطيع زيارة صلاح لانّه يخشى المرور عبر جهاز الأشعة. لقد خضع لجراحة القلب المفتوح في عام 2009 وجرى زرع معدن في صدره. من جهة هو لا يريد أن يتعرض للإهانة والاحتجاز في طريقه إلى السّجن، ومن جهة يخشى أن يسبّب جهاز التفتيش بالأشعة الأذى له. لكنّه على الأقلّ تمكّن من رؤيته في المحكمة بضعة مرّات - في المحكمة يسهّلون إجراء التفتيشات الأمنية عند إبراز وثائق طبيّة. غير أنّنا لم يكن بمقدورنا التحدّث معه أو الاقتراب منه خلال المحاكمة.

أنا أزوره مرّة في الشهر. ويوم الزيارة يوم صعب. يجب أن أستيقظ باكرًا - أذهب في السّيارة إلى مركز الصليب الأحمر في القدس ومن هناك وفي الساعة الخامسة والنصف صباحًا نتّجه إلى السّجن في حافلة يتمّ تنظيمها من قِبلهم. تستغرق الرحلة ثلاث ساعات ذهابًا وإيابًا من القدس إلى سجن النقب. طوال الطريق أفكّر في دوري كأمّ - يجب أن أكون قويّة وأظهر روح ايجابيّة لأجل ولدي. عادة يرافقني أحد ولديّ - إمّا كارولين (25 سنة) أو أمير (23 سنة). يُسمح لنا بإحضار خمس صور فقط - نحضر معنا صورًا لابنه لكي يرى كم كبر. أنا أحاول أن أكون قويّة وألّا أبكي أثناء الزيارة، لكي لا يرى، خاصّة عندما أراه ينظر إلى الصور. 

يعلم صلاح أنّ إبعاد الإسرائيليين لزوجته وطفلهما هدفه محاولة كسر معنويّاته وإضعافه. هو أيضًا يحاول أن يُظهر لي أنّه قويّ. أقول له إنه يجب ألّا يقلق وأنّ زوجته وابنه على ما يرام وأن الإعتقال سوف ينتهي قريبًا.

قبل ثمانية أشهر قمت بزيارة حفيدي في فرنسا. أمسك بصور والده وظلّ يسألني متى سيراه ومتى سيعود والده إلى البيت. إنه طفل صغير ومن الصّعب أن أشرح له أنّ والده رهن الاعتقال. الأمر صعب على زوجته أيضًا فهي تريد أن تزوره. أمّا أنا فأحاول دعمهما وتقويتهما.

الأمر صعب عليّ، صلاح لا يستطيع رؤية أبيه ولا زوجته ولا ابنه. من الصعب عليّ أن أتقبّل أن تربّي زوجته طفلهما وحدها. أعاني في صمت. أحاول أن أكون إيجابيّة أمام الجميع ولكنّ الأمر صعب. وأصعب ما في الأمر رؤية حفيدي حسن فهو غير مُدرك لما يحدث من حوله. 

إسراء أبو شهاب (19 عامًا وهي من سكّان قلقيلية)، طالبة محاسبة، متزوّجة ولها طفل عمره عام واحد. في إفادة أدلت بها في 7.6.18 أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، عبد الكريم سعدي، روت إسراء عن اعتقال زوجها:

الصورة
إسراء أبو شهاب وابنها جود. تصوير عبد سعدي، بتسيلم، 7.6.2018

في تاريخ 28.6.16 تزوّجتُ من محمود أبو شهاب، الذي كان يعمل كعامل بناء في منطقة قلقيلية قبل إرساله إلى الاعتقال الإداريّ في تاريخ 20.12.16. بعد الزفاف، انتقلنا للعيش مع أمّه في قرية عزّون. توفيت حماتي في شهر كانون الثاني، بعد اعتقال زوجي. كنت حاملًا في الشهر الثالث ولهذا قرّرت الانتقال للعيش مع أهلي في قلقيلية لكي لا أبقى وحيدة. 

في 20.12.16 رافقني زوجي لزيارة الطبيب في قلقيلية وكنت حينئذٍ حاملًا. في طريق العودة أخذنا سيارات أجرة إلى عزّون. عندما وصلنا إلى قرية عزبة الطّيب، أوقف الجنود سيارة الأجرة وأخذوا يفحصون بطاقات هوية الرّكاب، ثم أنزلوا زوجي من السيّارة، وأمروا السائق بمتابعة السّفر. أبقوا زوجي معهم وأمّا أنا فواصلت السّفر إلى قرية عزون. بعد يومين أعلمني نادي الأسير الفلسطيني أن السلطات الإسرائيلية أصدرت بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة ستة أشهر.  

قبل نهاية فترة الاعتقال، جدّدوا أمر الاعتقال لفترة ستة أشهر أخرى. ثم طلبوا تمديد الأمر للمرّة الثانية لمدّة ستة أشهر إضافيّة. تمكنّا بمساعدة محامي نادي الأسير الفلسطيني من تقليص الفترة إلى أربعة أشهر. ولكن بعد مرور الأشهر الأربعة جرى تجديد أمر الاعتقال للمرّة الثالثة لفترة أربعة أشهر إضافيّة. من المقرّر أن تنتهي في تاريخ 22.8.18.

لم يتهموا زوجي بارتكاب أية جريمة. تدّعي الأجهزة الأمنيّة أن هناك ملفًّا سريًّا وفقط ضابط "الشاباك" يعرف بأمر الملف، أمّا نحن لليس لدينا أيّة فكرة عن سبب استمرار اعتقاله منذ أكثر من عام ونصف.

جرى اعتقال زوجي ولم تمرّ أربعة أشهر على زواجنا. كان مؤلمًا جدًّا بالنسبة لي أن أنجب ابننا في غيابه. لقد مرّت عليّ اللّحظات الصعبة واللّحظات الجميلة من فترة الحمل وأنا وحدي. لقد آلمني كثيرًا أنه لم يستطع أن يشاركني سعادتي عندما سمعت أنه قد تمّ قبولي لدراسة المحاسبة في الجامعة.

حاولت كثيرًا زيارته في السّجن ولكنّي لم أتمكّن من الحصول على تصريح دخول إلّا بعد مضيّ خمسة أشهر على اعتقاله. هذا تصريح محدود ويصلح لمدّة شهرين يُسمح خلالهما بزيارتين كحدّ أقصى. لكن في نفس فترة التّصريح كان المعتقلون الإداريّون مضربين عن الطعام وكان أحد الإجراءات العقابية ضدّهم سحب تصاريح الزيارة من أفراد العائلة ولذلك لم أتمكّن من زيارته. بعد ذلك حصلت على تصريح جديد - صالح أيضًا لمدّة شهرين من تاريخ 24.8.17 حتّى 23.10.17 - وتمكّنت من زيارة زوجي للمرّة الأولى في تاريخ 17.9.17، بعد تسعة أشهر من اعتقاله. كانت زيارة مؤلمة. لم يسمحوا لي أن أنقل ابننا، جود، إلى الجانب الآخر من الحاجز الزجاجي لكي يتمكّن والده من احتضانه وتقبيله خاصّة وأنّه يراه لأوّل مرّة. 

ثم تمكّنت من زيارته مرّة أخرى في تشرين الثاني 2017، وعندها سُمح له بحمل جود. قمت بزيارته مرّة أخرى في 20.12.17، وكانت تلك الزيارة الأخيرة. منذ ذلك الحين أحاول جاهدة تجديد التصريح بمساعدة الصليب الأحمر، ولكنّ الموظّف هناك أبلغني أنه تقرّر منع تجديد تصريحي لأسباب أمنيّة.

لم أره منذ أكثر من نصف عام. أنا أمرّ بفترة صعبة ومؤلمة في حياتي. بينما طوال هذا الوقت لم يوجّهوا إليه أيّة تهمة.

The referenced media source is missing and needs to be re-embedded.
ארווא סנובר ובנה הקטן כרם. צילום: סלמא א-דיבעי, בצלם, 10.6.18
الصورة
أولاد أروى ومصطفى هندي وهم يحملون صورة والدهم المعتقل إداريا مع جدهم وجدتهم. تصوير سلمى الدّبعي، بتسيلم، 6.6.2018

أروى صنوبر- هندي (26 عامًا ومن سكان قرية تل في منطقة نابلس) متزوّجة وأمّ لطفلين. في إفادة أدلت بها أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، سلمى الدبعي، قال أروى عن اعتقال زوجها ما يلي:

في تاريخ 24.7.14، جاء جنود إلى منزلنا وألقوا القبض على زوجي، مصطفى هندي، 28 عامًا. وقد سبق أن جرى اعتقاله عدّة مرّات قبل زواجنا، ولكن أيضًا حينها كان الاعتقال إداريًّا حيث لم تُقدّم بحقّه أيّ لائحة اتّهام.

في اليوم التالي للاعتقال، عرفت من والد زوجي أن زوجي موجود في معسكر حوّارة. بعد خمسة أيّام، أخبرنا المحامي أنه سيظلّ معتقلًا إداريًّا لمدّة شهرين. قبل أسبوع من موعد إطلاق سراحه، اتّصل بنا معتقل كان مع زوجي في السّجن لكن قد تمّ الإفراج عنه، وأخبرنا أنه جرى تمديد اعتقال زوجي لمدّة شهرين. لقد فاجأني الأمر كثيرًا وكنت قد أعددت نفسي لعودته إلى البيت. وابننا - الذي كان طفلًا صغيرًا وكان يترقّب عودة أبيه. أنا أيضًا اشتقت له كثيرًا.

قلت لنفسي إنّها ليست نهاية العالم. فترة شهرين فقط وكلّ شيء سيعود كما كان. بعد الشهرين الإضافيين، أطلق سراحه وعادت حياتنا إلى سابق مجراها.

في عام 2015، جرى اعتقال زوجي مرّة أخرى وإرساله إلى سجن مجيدو. بعد بضعة أيّام، أخبرنا نادي الأسير الفلسطيني أنّ فترة اعتقاله الإداريّ أربعة أشهر. ثم جرى تمديدها لمدّة أربعة أشهر أخرى. كنت حاملاً عندما ألقي القبض على زوجي، وأنجبت ابني الثّاني، كرم، في 06.3.16، بينما كان زوجي رهن الاعتقال. كان الأمر صعب جداً بالنسبة لي. بدلاً من أن يرافقني زوجي إلى المستشفى، ذهبت مع أهلي وأهله. أردت أن يكون بجانبي. أردت أن يكون أول من يحمل طفلنا بعد ولادته. تمكنت من الاتصال به في اليوم التالي لإعلامه بأنه قد ولد ابننا. شعرت أنه كان يحاول أن يبدو سعيدا لكني سمعت الحزن في صوته.

بعد شهر من ولادة كرم، ذهبت مع طفلي وحماتي لزيارته، لكن عند حاجز الطيبة أخذوا منا تصاريح الدّخول. قالوا لي إنني غير مسموح لي بالدخول لأسباب أمنيّة. حاولت العبور من حاجز أخر، لكنهم قالوا لي نفس الشيء. تقدمت بطلب للحصول على تصريح جديد من خلال الصليب الأحمر ولكنّ طلبي رُفض. قيل لي أنّ الرّفض كان لأسباب أمنيّة.

في تاريخ 10.6.16 تمّ إطلاق سراح زوجي من المعتقل مرّة أخرى. الأمر المحزن في ذلك بالنسبة لي هو أن ابننا الكبير توفيق، رفض أن يقترب منه أو يتحدّث له. جرى اعتقال زوجي عندما كان لا يزال صغيرا. توفيق بالكاد اعتاد عليه، ليجتاح الجيش منزلنا مرّة أخرى واعتقاله في تاريخ 14.3.2017، قبل يوم من زفاف أخيه.

أكبر مشكلة مع اعتقالات زوجي هي عدم اليقين. لا يمكننا أن نعرف متى سيتمّ إطلاق سراحه، لأن الجيش يستطيع تمديد الاعتقال الإداريّ عدّة مرّات وبحسب رغبته. لا يزال زوجي معتقل. في البداية حكم عليه ستة أشهر في الاعتقال الإداري، ثم جرى تجديده. في تاريخ 12.3.18 أعلن زوجي إضرابًا عن الطعام لمدّة 34 يومًا. وقبل ذلك ببضعة أيام، كانت هناك جلسة حول استئنافه ضد تمديد الاعتقال الإداري، ولم يسأله القاضي عن أي أسئلة أو السماح له بالتحدث. مدد اعتقال زوجي على الفور، دون أن يسمع جانبه. لو كانت هناك لائحة اتهام ومحاكمة منظمة وكان يمكن محاكمته لفترة محددة، كان الأمر سيكون أسهل بالنسبة لنا. لكننا لا نعرف متى سيتم إطلاق سراحه وما هي التّهم المنسوبة إليه. 

حاولت إقناعه بعدم الاضراب عن الطعام. لقد أخافني الأمر. أخبرني أنه يئس تماماً من الاعتقالات المستمرة وأنه لم يفعل أي شيء لتبرير هذه العقوبة. كانت فترة الإضراب صعبة للغاية لأنّه توقف عن التّواصل معنا. جرى نقله إلى سجن آخر، لم نكن نعرف بالضبط أين. حتى محاميه لم يكن يعلم - لم يتمكن من زيارته، لأنه نُقل من سجن إلى آخر كل مرة. في نهاية الأمر تمّ نقل الملف إلى محامية أخرى. واحتجز في الحبس الانفرادي ورفض الذهاب إلى المستشفى أو تلقّي المعادن التي كانوا يحاولون إعطائه. سمع ابني توفيق العائلة وهي تتحدث عن والده وأصابه القلق واستمر في السؤال عن سبب رفض والده تناول الطعام. 

في نهاية الأمر، تمّ التوصل إلى اتفاق بين مصلحة السّجون الاسرائيلية ونادي الأسير الفلسطيني، وأوقف الإضراب عن الطعام مقابل إطلاق سراحه في تاريخ 12.9.18. وبشرط عدم تجديد أمر الاعتقال الإداريّ مرّة أخرى، شعرت بالارتياح الشديد لسماع هذا الاتفاق. كنت خائفة جداً من أن الإضراب عن الطعام سيسبب له مشاكل صحية في المستقبل. أما الان فنحن ننتظر بفارغ الصبر لحظة الافراج عنه.

الصورة
خلود دار شريم وابنها يوسف. توصير عبد الكريم سعدي، بتسيلم، 10.6.2018

خلود دار شريم (37 عاما ومن سكان قلقيلية) ربة منزل متزوجة ولديها طفلان، تروي في شهادة أدلت بها لباحث بتسيلم عبد الكريم سعدي في تاريخ 10.6.18 حول اعتقال زوجها: 

في تاريخ 18.10.16 اقتحم جنود منزلنا في قلقيلية وقاموا بتفتيشه واعتقلوا زوجي رزق. لم يأخذوه للاستجواب بل أصدروا أمر اعتقال إداريّ ضده لمدّة نصف سنة بدون توجيه لائحة اتهام. 

بعد أن صدر حكم الاعتقال الإداريّ الأوّل، ذهبت إلى الصليب الأحمر للحصول على تصريح دخول وزيارة زوجي في السّجن. رفضت السلطات طلبي "لأسباب أمنيّة" دون الشرح. بدأ اعتقاله الإداريّ رسميا في تاريخ 16.11.16 واستمر لمدّة خمسة أشهر - حتى 18.4.17. قبل نهاية هذه الفترة، قاموا بتجديد أمر الاعتقال لفترة ستة أشهر أخرى، حتى تاريخ 17.10.17.

تمكنت من الحصول على تصريح دخول كان يقتصر على زيارتين لزوجي الذي سُجن في النقب. لقد مر عامًا كاملاً منذ أن جرى اعتقاله وحتى تمكنت من رؤيته.

في تاريخ 17.10.17 وافقت المحكمة على تجديد أمر الاعتقال الإداريّ للمرّة الثانية لمدّة أربعة أشهر إضافية، حتى تاريخ 16.2.18. في نهاية هذه الفترة، وافقت المحكمة على تجديد أمر الاعتقال الإداريّ للمرّة الثالثة، لمدّة أربعة أشهر إضافيّة، حتى تاريخ 15.6.18. 
عندما جرى اعتقال زوجي كنت حاملاً في الشهر السابع وبعد شهر من الاعتقال أنجبت يوسف. لم يحظ بعد بقسط من محبة والده. عندما كان عمره سنة أخذته لرؤية والده في السّجن. لم يتوقف رزق عن البكاء في ذلك اليوم، لم أره هكذا طوال سنوات زواجنا. منذ اعتقاله، قبل عامين تقريباً، سُمح لي بزيارته أربع مرّات فقط. كانت المرة الأخيرة بتاريخ 18.4.18. لذا فكرت أنه سيُطلق سراحه بحلول نهاية فترة الاحتجاز التي صدر الأمر، في شهر حزيران، لكن جرى تجديد الاعتقال للمرّة الرابعة. وها نحن سنذهب لنزوره مرّة أخرى يوم الأربعاء قبل عيد الفطر.

زوجي بعيد عنّي وعن بيته وعن أولاده. يؤلمني أن أرى أولادنا يكبرون بدون أب.

فريال مرداوي (53 عامًا ومن سكان قرية قريوت) متزوجة وأم لثمانية أطفال، تروي في شهادة أدلت بها  لباحثة بتسيلم سلمى الدبعي في تاريخ 7.6.18 حول اعتقال زوجها:

الصورة
فريال مرداوي ممسكة بصورة زوجها. تصوير سلمى الدبعي، بتسيلم، 7.6.2018

في تمام الساعة 02:00 صباحاً في تاريخ 12.12.17 اقتحم الجنود منزلنا واعتقلوا زوجي حسين مرداوي، 60 عامًا، ولم يسمحوا له بتغيير ملابسه. لقد طلب من الجنود ارتداء الجوارب لأن الطقس كان بارداً ولكنهم لم يسمحوا له بارتداء الملابس أو حتى اخذ معطف شتوي معه. أخذوه كما كان وهو مرتديًا بيجامته ولم يسمحوا له أن يقوم بتوديعنا.

لم أر زوجي منذ ذلك الحين لأنّ طلباتنا للحصول على تصريح خاصّ لزيارة السّجناء قد رُفضت كلّها "لأسباب أمنيّة". تمكنت ابنتي، إسلام، 24 عامًا، من الحصول على تصريح وزارته مرتين في سجن "كتسيعوت". وتمكّنت ابنتاي، ميس 22 عامًا وسلمى 18 عامًا، من زيارته مرّة واحدة قبل أسبوعين.

لم أكن أعرف أيّ شيء عن وضعه في الأسبوعين الأوّلين من اعتقاله. حاولت التحدّث إلى العديد من المنظمات ولكم لم يستطع أحد أن يقول لي في أيّ مكان هو وما وضعه. بعد أسبوعين، فهمنا من خلال محامي انه قد صدر أمر اعتقال إداريّ بحقّه لمدّة أربعة أشهر. وأخشى أن يكون الاعتقال صعبًا للغاية بالنسبة لزوجي فهو يبلغ من العمر 60 عامًا ولا يستطيع تحمّل ظروف السّجن.

قبل يومين من تاريخ الإفراج عنه، جرى تمديد احتجازه لمدّة أربعة أشهر أخرى. لقد أخبرني بذلك عبر الهاتف وحتى قبل أن يخبرني كنت شعرت من الطريقة التي تحدّث بها أنّ لديه أخبارًا سيّئة. بكيت بهدوء ولم أتمكّن من إضافة أيّة كلمة. هو أيضًا ظلّ صامتًا ثمّ اغلق الهاتف. بعد بضعة أيّام تحدّثنا مرّة أخرى وحاولنا أن نواسي بعضنا البعض.

كان الجميع ينتظرون عودته الى البيت بفارغ الصّبر. كانت ابنتي تستعدّ لتخرّجها من الجامعة والأحفاد أخذوا يتحدّثون أنّ جدّهم سوف يعود قريبًا.

لقد جرى اعتقاله دون تقديم لائحة اتّهام. لو كانت هناك تهمة موجّهة ضدّه، كان سيجري الحكم عليه لفترة محدّدة مسبقًا، وكنّا سنعرف بالضّبط متى سيتمّ إطلاق سراحه. لكنّ هذا أمر محبط. التاريخ الجديد المحدّد للإفراج عنه هو 12.8.18 شريطة ألّا يجري تمديد الاعتقال الإداريّ للمرّة الثالثة، بالطبع. أنا أعرف أن هناك معتقلين جرى تمديد اعتقالهم الإداريّ أربع و خمس مرّات.
فجأة أصبحت وحدي. يجب أن أكون كلٍّ من الأم والأب ودعم الأسرة. فجأة أصبح من الصعب دفع الفواتير. إن ما يفعلونه لنا هو ظلم كبير.

 

 

مواد مقترحة

נער פלסטיני בהפגנה נגד מעצרים מנהליים בשערי כלא עופר. צילום: אחמד אל-בז, אקטיבסטילס, 19.12.19

الاعتقال الاداري

منذ أربعة أشهر: المعتقلون الإداريّون الفلسطينيّون يقاطعون إجراءات المحاكم الإسرائيليّة والدولة تتجاهل الحجج التي يطرحونها وتُواصل إجراءاتها كالمعتاد

يقاطع جميع المعتقلين الإداريّين الفلسطينيّين منذ 1.1.22 جلسات المحاكم التي تنظر في أوامر اعتقالهم. حتى الآن لم تعقّب أيّة جهة رسميّة على الحجج التي طرحها المعتقلون وتواصل المحاكم النظر في الأوامر كأنّ شيئاً لم يكن. منذ بدأت المقاطعة نظرت المحاكم في عشرات الملفّات رغم تغيّب المعتقلين ومحاميهم عن الجلسات. ما يودّ المعتقلون إيضاحه هو أنّ إجراءات المحاكم الخاصة بالنظر في أوامر الاعتقال الإداريّ ليست سوى مسرحية يُراد منها الإيهام بوجود رقابة قضائيّة بينما يمثل المعتقلون مجرد "كومبارس" في هذه المسرحيّة الرامية إلى شرعنة حبسهم. وما إصرار الدولة على مواصلة عقد هذه الإجراءات كالمعتاد سوى إثبات على صحة الحجج التي يطرحونها وتجسيد لحقيقة أن لا معنى ولا أهمية لحُضورهم الجسدي في هذه المداولات. تُظهر معطيات الجيش الرسميّة أنّ المحاكم العسكريّة تُلغي نسبة ضئيلة جدّاً فقط من أوامر الاعتقال التي تنظر فيها. في معظم الحالات يقبل القُضاة اعتبارات القائد العسكريّ دون أيّ اعتراض وأقصى ما فعلوه هو الإيعاز بتقصير مدّة الاعتقال قليلاً: في الفترة الواقعة بين العامين 2009 و 2013 تم إصدار 3,996 أمر اعتقال إداريّ . من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الفترة، صادقت المحاكم على 2,422 أمراً (نحو 60%) وقصّرت مدة الاعتقال في 1,052 منها (نحو 26%) دون أية قيود على إمكانيات تمديدها مرة ثانية بينما لم تلغ المحاكم سوى 99 أمراً فقط (2.5%) وقصّرت مدة الاعتقال في 196 أمراً (5%) مع تقييد إمكانيّة تمديدها. أما الأوامر الـ 214 المتبقّية (5.3%) فقد أقرّتها المحاكم مع تقييد إمكانيّة تمديد فترة الاعتقال. في الفترة الواقعة بين العام 2015 ونهاية تمّوز 2017 نظرت المحاكم العسكريّة في 3,909 أوامر اعتقال إداريّ. من بين الأوامر التي نظرت فيها خلال تلك الافترة، صادقت المحاكم على 2,953 منها (نحو75%) وقصّرت مدة الاعتقال في 390 أمراً (نحو 10%) دون تقييد إمكانيّة التمديد وألغت 48 أمراً (1.2%) بينما قصّرت مدة الاعتقال في 181 أمراً (4.6%) مع تقييد إمكانيّة التمديد. أما الأوامر الـ 320 المتبقّية (8.1%) فقد وافقت المحاكم على فترة الاعتقال مع تقييد إمكانيّة التمديد. يُنفّذ الاعتقال الإداري بناءً على قرار يُصدره قائد المنطقة العسكريّ، دون تقديم لائحة اتهام ودون محاكمة. فالتشريعات العسكريّة تتيح اعتقال أيّ شخص لمدّة ستّة أشهُر يمكن تمديدها دون أيّ تقييد بحيث تكون مدّة الاعتقال غير محدّدة ولا يمكن أن يعرف المعتقل متى يمكن الإفراج عنه. خلال ثمانية أيّام من يوم إصدار أمر الاعتقال الإداري أو من يوم تمديده ينبغي إجراء رقابة قضائيّة وإحضار المعتقل للمثول أمام قاضٍ يكون مخولاً صلاحية المصادقة على أمر الاعتقال أو إلغائه أو تقصير مدّة الاعتقال. يمكن للمعتقل تقديم استئناف على قرار القاضي أمام محكمة الاستئناف العسكريّة بل وتقديم التماس إلى محكمة العدل العليا أيضاً. لكن في الواقع لا تمارس المحاكم العسكريّة أيّة رقابة قضائيّة على أوامر الاعتقال الإداريّ وإنّما تؤدّي دورها في مسرحيّة يُراد منها الإيهام بوجود رقابة كهذه. فالقضاة يقبلون دون أي اعتراض ما يسوقه جهاز "الشاباك" من ادعاءات بشأن "خطورة" الشخص المُعتقل والتي تبرر اعتقاله بصورة فورية. هذه الادعاءات التي يقدّمها "الشاباك" تستند إلى أدلّة تبقى سريّة ولا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطّلاع عليها. وهكذا فالمعتقل لا يعرف سبب زجّه في السّجن ولا يملك وسيلة لدحض الادّعاءات المتوفرة ضده، ظاهرياً. أحياناً يطلب القضاة الاطلاع بأنفسهم على الموادّ السريّة بينما يمتنعون في أحيان أخرى عن النظر في هذه المواد ولا يحاولون حتى استيضاح ماهيّة المعلومات التي يستند إليها أمر الاعتقال. في الحالتين يبقى المعتقل نفسه مجرّداً من أيّة إمكانية لمجابهة تلك المعلومات الأمر الذي ويُفرغ الإجراء القضائيّ من أيّ مضمون. تكمن المشكلة الأساسيّة في هذه الإجراءات القضائيّة الخاصة بالاعتقال الإداري في أنّ فرضيّة العمل التي يعتمدها القُضاة هي انّ هذا الاعتقال هو وسيلة قانونيّة. السّؤال الوحيد الذي ينظرون فيه هو مدى معقوليّة اعتبارات قائد المنطقة العسكريّ في الحالة العينية التي أمامهم. لكنهم لا ينظرون في قانونيّة الصّلاحيّة نفسها إطلاقاً. بذلك يتجاهل القُضاة تماماً حقيقة أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ على نحو يجعله غير قانوني. خلافاً لأحكام القانون الدوليّ التي تقيّد اللّجوء إلى هذه الوسيلة، تستخدم إسرائيل الاعتقال الإداريّ على نحو واسع وروتيني إذ زجّت على مرّ السّنين بآلاف الفلسطينيّين في سجونها دون محاكمة ودون أن تُطلعهم على الاتّهامات الموجّهة إليهم ودون أن تمكّنهم ومحاميهم من الاطّلاع على الأدلّة ودون أن تُبلغهم متى سيتمّ الإفراج عنهم. وفقاً لمعطيات مصلحة السجون الإسرائيلية، تحتجز إسرائيل اليوم 579 فلسطينيين رهن الاعتقال الإداري. في سنوات الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية احتجزت إسرائيل مئات عديدة من الفلسطينيّين بموجب أوامر الاعتقال الإداريّ. منذ آذار 2002 لم يمرّ شهر واحد كان فيه عدد المعتقلين الإداريّين أقل من مائة وفي جزء من العام 2003 (خلال الانتفاضة الثانية) بلغ عددهم أكثر من ألف معتقل. يختلف الاعتقال الإداريّ عن عقوبة السّجن التي توقعها المحاكم بشخص ما بعد إدانته بارتكاب مخالفة وغايتها الرسميّة من ذلك ردعه عن إعادة ارتكابها مستقبلاً، لا معاقبته على مخالفة ارتكبها سابقاً. إلّا أنّ إسرائيل تستخدم الاعتقال الإداريّ كبديل سهل ومُريح عن الإجراء الجنائيّ وخاصّة حين لا تملك السّلطات أدلّة تثبت التهمة أو حين لا ترغب في كشف الادلّة التي تزعم أنّها في حوزتها. كما تستغل إسرائيل الاعتقال الإداريّ لوضع فلسطينيّين رهن الاعتقال جرّاء آرائهم السياسيّة ونشاطهم السياسيّ السلميّ فقط. يوضع المعتقلون رهن الاعتقال الإداريّ لفترات طويلة تتراوح ما بين عدّة أشهر وعدّة سنوات إذ يجري تمديدها المرة تلو الأخرى وكثيراً ما يصدر أمر الاعتقال الجديد قبَيل انتهاء فترة أمر الاعتقال السّابق بينما يكون المعتقل مقتنعاً بأنه قد أصبح على وشك العودة إلى منزله وبينما تكون أسرته قد أصبحت تتوقع عودته إليها. فتمديد الاعتقال ليس أمراً استثنائيّاً. هنا بعض الأمثلة: في نهاية آب 2012 كانت إسرائيل تحتجز 184 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 29 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (ما يعني أنّه قد جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و 106 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2016 كانت إسرائيل تحتجز 652 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 279 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و96 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). في نهاية آب 2020 كانت إسرائيل تحتجز 355 فلسطينيّاً رهن الاعتقال الإداريّ بضمنهم 134 مضى على اعتقالهم ما بين نصف سنة وسنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّة واحدة على الأقلّ) و54 مضى على اعتقالهم أكثر من سنة (أي أنّه جرى تمديد اعتقالهم مرّتين على الأقلّ). الاعتقال الإداريّ وسيلة قاسية يستخدمها النظام الإسرائيليّ ضدّ الفلسطينيّين بشكل واسع ومخالف للقانون. زيادة على ما في لاعتقال نفسه من مصاعب ورداءة الظروف في السّجون وعزل المعتقل عن أسرته وأصدقائه ومحيطه يُضاف أيضاً ظلم إبقاء المعتقل في حالة التساؤل وعدم الوضوح سواء بشأن سبب اعتقاله أو بشأن موعد الإفراج عنه. يجري النظر في أوامر الاعتقال الإداريّ أمام محاكم عسكريّة يجلس فيها قضاة ومدّعون إسرائيليّون بالزيّ العسكريّ ويعملون بموجب أوامر عسكريّة. بعض الأوامر يتمّ الاستئناف عليها في التماسات إلى محكمة العدل العليا وهناك ينظر فيها قضاة المحكمة العليا. هؤلاء أيضاً لا يمثّلون مصالح المجتمع الفلسطينيّ، مجتمع المعتقلين الماثلين أمامهم، وإنّما مصالح نظام الاحتلال الإسرائيليّ. وبكونهم كذلك، فمن غير الممكن أن يقوموا بدور المحكَّم الحياديّ الذي يسعى لإحقاق العدالة. بدلاً من ذلك، يشكل هؤلاء القضاة إحدى الآليات المركزية في منظومة تكريس السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة.

26 نيسان/أبريل 2022

بانتظار الزيارة في سجن عوفر. تصوير: أورن زيف، أكتيف ستيلز، 29.10.17.

الاعتقال الاداري

لدى إسرائيل الاعتقال الإداري للقاصرين أيضًا

في بداية تشرين الثاني 2021 كان عدد الفلسطينيّين المعتقلين إداريّاً في السجون الإسرائيلية 482 أسيرًا وفقاً لمعطيات تسلّمها مركز الدفاع عن الفرد من سُلطة مصلحة السّجون. ضمن المعتقلين الإداريين هناك أربعة معتقلين قاصرين وفقاً لهيئة شؤون الأسرى في السّلطة الفلسطينيّة. الاعتقال الإداري هو اعتقال بدون محاكمة بذريعة أن من يُعتقل يعتزم ارتكاب مخالفة في المستقبل إنما دون أن يفعل شيئًا بالفعل. لا يعرف المعتقل سبب زجّه في السّجن لأنّه لا يتمّ إطلاعه على مسوّغات اعتقاله التي تستند إلى أدلّة سرّيّة - وهكذا لا يستطيع المعتقل الدّفاع عن نفسه ودحض التهم المنسوبة إليه. إضافة إلى ذلك فإنّ مدة الاعتقال الإداريّ يمكن تمديدها مراراً وتكراراً دون تحديد سقف للمدّة الإجماليّة وذلك خلافاً لعُقوبة السّجن العاديّة حيث يقضي المحكوم عليه بالسّجن مدّة محدّدة. أي أنّ المعتقل إداريّاً لا يعرف متى سوف يُفرج عنه. تستخدم إسرائيل هذه الوسيلة بشكل روتينيّ بحيث سجنت على مرّ السّنين آلاف الفلسطينيّين لفترات طويلة بعضهم لسنوات. وفقاً للقانون ينظر القضاة في أوامر الاعتقال الإداريّ ويُتاح للمعتقلين التوجّه إلى محكمة العدل العليا لكنّ عين القانون الفاحصة هذه هي فقط مظهر شكليّ، وفيما عدا حالات استثنائيّة جدّاً يصدّق القضاة بالمُجمل على أوامر الاعتقال الإداريّ. يؤثّر الاعتقال الإداريّ بشكل قاسٍ على عائلات المعتقلين وبالتأكيد حين يكون المعتقلون قاصرين: علاوة على أنّ الأسرة تعاني قلق الانتظار في حالة من اللّايقين طوال أشهُر لأنّها لا تعرف متى سيتمّ الإفراج عن ابنها، تمنع إسرائيل الأسرة من إجراء أيّ اتّصال بالمعتقل فتبقى الأسرة بلا وسيلة لمعرفة أوضاع ابنها الصحيّة والجسديّة والنفسيّة. تفرض إسرائيل قيوداً مشدّدة على زيارة السّجن وحتى من يحظون بتصريح زيارة تكون زياراتهم قصيرة وعلى فترات بعيدة ويلتقون أعزّاءهم خلالها من خلف حاجز زجاجيّ. وإذ تمنع إسرائيل المعتقلين من إجراء محادثات هاتفيّة أو تلقّيها تبقى هذه الزيارات الوسيلة الوحيدة التي تملكها الأسرة للتحدّث مع المعتقل. سجّل باحثو بتسيلم الميدانيّون إفادات من ذوي ثلاثة من القاصرين المعتقلين إداريّاً في الوقت الحاليّ، وصفت الأسر خلالها خوفها الدّائم على سلامتهم والقلق الذي يلازمها لحظة بلحظة إزاء عدم معرفة موعد الإفراج عنهم. أدناه يحدّث معمّر نخلة (49 عاماً) من سكّان رام الله كيف تجابه أسرته اعتقال ابنه أمل البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: وُلد أمل حين كانت والدته لا تزال في الشهر السّادس من حملها فظلّ موصولاً بجهاز تنفّس وبقي في المستشفى لمدّة ثلاثة أشهر تقريباً. كنّا خائفين أن لا يتمكّن من البقاء حيّاً، وعندما طلبوا أن نُسمّيه أسميناه أمل تيمّناً إذ كنّا نأمل أن تُكتب له الحياة. في حزيران 2020 بدأ أمل يتقيأ دمًا. كان يعاني صعوبة في التنفّس وفي البلغ. بعد الفحوصات تبيّن أنّ لديه ورم في الرئتين ويحتاج إلى عمليّة يمكن إجراؤها فقط في المستشفى الفرنسيّ في القدس. قدّمنا طلب تصريح لدخول إسرائيل لي وله لكي نتمكّن من المجيء إلى المستشفى وإجراء العمليّة لكنّ الطلب رُفض لأسباب أمنيّة كما قالوا لنا. استدعى جهاز الأمن العامّ (الشاباك) أمل لتحقيق في سجن "عوفر" في 1.7.20 وحين ذهب أمل إلى هناك فحصوا بطاقة هُويّته وبعد انتظار ساعتين قالوا له "عُد إلى المنزل لأنّ المحقّق غير موجود". بعد أيّام معدودة ساعد بعض أصدقائنا أمل في الوصول إلى المستشفى في القدس "تهريب" وهكذا أجريت له العمليّة وغادر المستشفى بعد مضيّ خمسة أّيّام. بعد مضيّ بضعة أيّام على عودته اتصل شخص من "الشاباك" بنا هاتفيّاً واستدعى أمل مرّة أخرى للتحقيق. إثرَ ذلك توجّهت إلى مؤسسة الضمير لرعاية الأسير ولحقوق الإنسان فتوجّهوا بدورهم إلى السّلطات الإسرائيليّة وأرسلوا إليهم تقارير طبّية تثبت وضع أمل الصحّي لكي يفهموا أنّه مريض. ردّاً على ذلك قالوا إنّهم لن يقوموا باعتقاله حاليّاً. في تشرين الأوّل 2020 تبيّن أنّ أمل يعاني مرضاً نادراً جدّاً يُدعى مياستينيا جرافيس (myasthenia gravis) يسبّب تشنّجات وصعوبات في بلع الطعام. لذلك يحتاج أمل أن يتناول دواءً كلّ أربع ساعات. في 2.11.20 حين كان أمل في طريقه إلى روابي مع أصدقائه قبض عليه جنود واعتقلوه. آنذاك اعتقلوه لمدّة 38 يوماً وفي 10.12.20 أفرجوا عنه. بعد ذلك استُدعي للمثول في مكاتب المخابرات الفلسطينيّة في يوم الاثنين الموافق 18.1.21 فاحتجزوه في تلك اللّيلة وأفرجوا عنه في اليوم التالي. بات في المنزل ليلة واحدة فقط وفي يوم الأربعاء ليلاً أو فجر يوم الخميس عند السّاعة 3:00، اقتحم منزلنا جنود وعناصر من "الشاباك" وفتّشوا المنزل. بعد ذلك أمروا أمل أن يرتدي ملابسه ويأخذ أدويته ثمّ اعتقلوه. توجّهت فوراً إلى مؤسسة الضمير وطلبت منهم أن يستعلموا إلى أين أخذوه. اتصلوا بي لاحقًا وأخبروني أنّ "الشاباك" نقل أمل إلى سجن "مجيدو" وأنّه رهن الاعتقال الإداريّ. منذ ذلك الحين مدّدوا اعتقاله ثلاث مرّات وقال لنا المحامي إنّهم قد يمدّدون الاعتقال مرّة رابعة وهذا ممّا يُضاعف قلقنا وتوتّرنا. حياتنا مضطربة إذ لا نحظى بلحظة هدوء واحدة فنحن قلقون عليه طوال الوقت. وضعه الآن مستقرّ ولم يحدُث أيّ تدهوُر ولكنّ استمرار اعتقاله مع مرضه يجعله في خانة الخطر. في 19.9.21 عندما مدّدوا اعتقال أمل للمرّة الثالثة كان الأمر أصعب وأكثر إيلاماً من المرّات السّابقة لأنّهم وخلافاً للمرّات السّابقة لم يُخبرونا قبل انتهاء مدّة اعتقاله بأسبوع أنّهم عازمون على التمديد، لذلك كان لدينا أمل كبير في أنّهم سيُفرجون عنه. أحسست أنّ كلّ شيء يجري كما في التصوير البطيء. كنت أحسب الوقت وأتخيّل: ها هو أمل يخرج الآن من السّجن، ها هو يصل، يطرق باب منزلنا، ويتمّ اللّقاء - حلم يتحقّق. ولكن هذا كلّه سلبوه منّا في اللّحظة الأخيرة إذ اتّصل محاميه وأخبرنا أنّهم مدّدوا اعتقال أمل لمدّة أربعة أشهر أخرى وقال إنّ هذا حدث تمامًا في اللّحظة التي كان يُفترض أن يُفرج عنه فيها. منذ اعتقال أمل قدّمنا عدّة مرّات طلبات تصريح لكي نزوره ولكنّهم سمحوا لي ولوالدته بزيارته مرّة واحدة فقط وذلك في نيسان 2021. رأيناه من خلف حاجز زجاجيّ ولم نستطع حتى أن نعانقه. استمرّت الزيارة أربعين دقيقة وبالكاد سألناه كيف حالك واستفسرنا منه عن وضعه الصحّي. كان متعباً وواهناً. قال لنا إنّه يتناول دواءه بشكل منتظم ومع ذلك راودني شعور بأنّه يقول ذلك فقط لكي يطمئننا. منذ تلك الزيارة ونحن نقدّم الطلبات كلّ شهر ولكنّهم رفضوها جميعاً. قالوا إنّ السّبب هو أنّني أسير سابق ولذلك فزوجتي أيضاً ممنوعة من الزيارة. نحن دائبون على تقديم الطلبات كلّ شهر. في إحدى المرّات أبلغونا عبر الصّليب الأحمر أنّه تمّت الموافقة على الزيارة ولكن بعد خمسة أيّام أبلغنا الصّليب الأحمر فجأة أنّ "الشاباك" تراجع وبالتالي ألغيت الموافقة. كان ذلك صعباً علينا جدّاً. قبل خمسة أيّام تلقّينا خبراً بأنّ هناك موافقة وسوف نذهب في زيارة 8.11.21 ولكن الآن أنا ووالدة أمل نعيش في توتّر خشية أن يُلغوا الموافقة مرّة أخرى. متابعة: في 8.11.21 والد وشقيق أمل نخلة زاراه في السجن. أدناه صفاء الهريمي (43 عاماً) أمّ لخمسة أبناء من سكّان وادي رحال في محافظة بيت لحم، تحدّث عن اعتقال ابنها سامي البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش: ابني سامي يعمل في إدارة حانوت بقالة صغيرة للعائلة. في 20.9.21 حين كان نائماً في فراشه اقتحم جنود منزلنا. كان سامي يصرخ أنّه لم يفعل شيئاً وأنّه لا يريد الدّخول إلى السّجن. في البداية أخذوه للتحقيق في المسكوبيّة وبعد عشرة أيّام أصدروا بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة أربع أشهر. قال لنا المحامي إنّ الاعتقال كما يبدو متعلّق بتحريض عبر فيسبوك وهذا كل ما يعلمه. في البداية لم نعرف أيضاً إلى أيّ سجن أخذوه إلى أن توجّهنا لمكتب الدفاع عن الفرد "هموكيد" وعلمنا أنّ سامي معتقل في سجن "عوفر". لا أعرف لماذا اعتقل الجيش ابني. كان يعمل في البقّالة من الصّباح وحتى اللّيل. حياتي صعبة جدّاً في غيابه. أفكّر فيه طوال الوقت، عندما نجتمع لتناوُل الطّعام وعندما أدخل إلى غرفته وأرى سريره فارغاً. أحياناً أبكي. طوال الوقت أتّصل بالمحامي لكي أرى ما إذا وصلته معلومات جديدة وأسأله هل زار سامي. أحاول أن أستوضح هل سيعود إلى المنزل مع إتمام أشهُر الاعتقال الأربعة، ولكن لا أحد يعلم. أنا قلقة كثيراً على سامي فهو ما زال صغيراً ولا يعرف كيف يُجابه مثل هذه التجربة. رأيت بأمّ عيني كم كان خائفاً حين اعتقلوه. أدناه تحدّث أسماء منصور (37 عاماً) أمّ لأربعة أبناء من سكّان جنين، عن اعتقال ابنها محمد البالغ من العمر 17 عاماً - من إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي: فجرَ يوم 8.4.21 اقتحم جنود منزلنا وهو أمر لم يحدث لنا من قبل. خلعوا الباب فيما كنّا نائمين فاستيقظنا على صُراخ الجنود. اتّجهنا فوراً نحو المدخل لكي نمنع الجنود من اقتحام غرف الأولاد وفي هذه الأثناء استيقظوا بسبب الصّراخ فخرجوا من غرفهم. ثلاثة من أولادنا يعيشون معنا في المنزل: أمل (17 عاماً) وماسة (16 عاماً) ومريم (11 عاماً). انقضّ الجنود فوراً على محمد. رأيت أحدهم يضربه على رأسه بالبندقيّة. جنديّ آخر كبّل يدي محمد ثمّ أدخلوه إلى إحدى الغرف. بعد مضيّ خمس دقائق تقريباً أخرجوه من المنزل ولم يسمحوا لنا أن تعطيه ملابس أو أن نودّعه ونعانقه. لقد صادروا هاتفه الخلوي أيضاً. حين طلبت منهم أن يسمحوا لي بوداعه أخذوا يصرخون عليّ ولم يتيحوا لي حتى الاقتراب منه. حين أخرجوا محمد من المنزل انتابتني صّدمة من المشهد الذي رأيته - عشرة جنود كانوا يطوّقون المنزل من كلّ الجهات وكان معهم شخص بلباس مدنيّ يغطّي وجهه بلثام. بعد أن اعتقلوا محمد أخذوه للتحقيق في سجن الجلمة وكان موقوفاً هناك طيلة 28 يوماً. بعد ذلك نقلوه ليقضي الاعتقال الإداريّ في سجن مجيدو. أمر الاعتقال الأوّل كانت مدّته ستّة أشهُر كان يُفترض أن تنتهي في 8.10.21 وعليه فقد توقّعنا أن يُفرجوا عنه غير أنّهم اتّصلوا بنا من السّجن قبل نفاد المدّة بيوم واحد وقالوا لنا أن لا نأتي لاستقباله لأنّه قد جرى تمديد اعتقاله لمدّة أربعة أشهُر أخرى أي حتى 8.2.22. كان أمراً لا يُصدّق. حتى اليوم لا يزال ينتابُني الهلع كلّما تذكّرت يوم أن أتوا واعتقلوه. قبل اعتقاله بيوم واحد كان لديه امتحان وقد حصل فيه على علامة 100. اعتقاله يحرمه من مُواصلة تعليمه الثانوي ويسلبني فرحة تخرّجه بنجاح. أخشى كثيراً أن يستمرّ اعتقاله لوقت طويل فيدمّروا بذلك حياته ومستقبله. كان أمل محمد أن يسافر ويتعلّم في الخارج بعد تخرّجه من الثانويّة. منذ أن اعتقلوا محمد سمحوا لنا بزيارته فقط مرّة واحدة وكان ذلك بعد مرور ستّة أشهر وخمسة أيّام على الاعتقال. لا أستطيع أن أصف لكُم كم هُو مُزعزع أن ترى ابنك من خلف الزجاج. تحدّثنا معه طوال 45 دقيقة عبر الهاتف - وهو خلف الزجاج - أمضيناها نبكي أنا ووالده. منذ ذلك الحين لا يستطيع زيارته أحد سوى محاميه.

18 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

שובת הרעב מאהר אל-אח'רס בבית החולים. צילום: אורן זיו (שיחה מקומית)

الاعتقال الاداري

ممثّلي الدّولة أمام محكمة العدل العليا: أيضاً شخص على شفا الموت يهدّد الأمن

ما زال الأسير ماهر الأخرس (49 عاماً) مضرباً عن الطعام منذ ما يقارب الـ80 يوماً احتجاجاً على أمر اعتقال إداريّ صدر ضدّه وهو الآن على شفا الموت جرّاء ذلك. يُذكر أنّ ماهر أب لستّة أبناء وهو من سكّان قرية سيلة الظهر في منطقة جنين. صدر أمر الاعتقال الإداريّ في بداية شهر آب ويُفترض أن ينتهي في 26.11.20. رغم حالته هذه، تصرّ الدولة على إبقائه رهن الاعتقال. في جلسة عقدت في محكمة العدل العليا صباح هذا اليوم (12.10.20) وافق ممثّل الدّولة على أن يتعهّد فقط بعدم تمديد أمر الاعتقال وعليه فقد أرسل قضاة المحكمة - سولبرغ وفيلنر ومزوز - محاميته أحلام حدّاد لتسأل ماهر الأخرس هل يقبل عرْض الدّولة. رفض الأخرس العرْض وأبلغ أنّه لن يوقف إضرابه عن الطّعام إلّا حين الإفراج عنه. يحتجّ ماهر الأخرس على استخدام الاعتقال الإداريّ والذي يُعتبر أحد أشدّ الوسائل تطرّفاً التي يلجأ إليها نظام الاحتلال. لا يمكن للمعتقل الإداريّ أن يعرف متى سيتمّ الإفراج عنه لأنّ قائد المنطقة العسكريّ يملك صلاحيّة تمديد أمر الاعتقال دون التقيّد بأيّة مدّة زمنيّة - مستنداً في ذلك إلى أدلّة سرّيّة لا يمكن للأسير الاطّلاع عليها وبالتالي تفنيدها. حتى الآن احتجزت قوّات الأمن رهن الاعتقال الإداريّ آلاف الفلسطينيّين لفترات تراوحت بين عدّة أشهر وسنوات عدّة. في بعض الفترات، كما في فترة الانتفاضة الثانية، كان جهاز الأمن يحتجز في آنٍ واحد أكثر من ألف معتقل إداريّ. أمّا عدد الفلسطينيّين المعتقلين إداريّاً لدى إسرائيل اليوم (وفقاً لمعطيات آخر شهر آب 2020) فيبلغ 355 من بينهم قاصران اثنان. عدا عن جلسة محكمة العدل العليا التي انعقدت اليوم للنظر في قضيّة الأسير ماهر الأخرس سبق أن نظرت المحكمة في التماس قدّمه الأخرس عقب تدهوُر وضعه الصحّي: في 23.9.20 قرّر القاضيان عميت وغروسكوبف (خلافاً لقرار القاضي مينتس) عقب الاطّلاع على الموادّ السرّيّة في جلسة بحضور طرف واحد أنّه "استقرّ رأيهم" على أنّ اعتقال ماهر الأخرس إداريّاً مبرّر تماماً. غير أنّ القاضيين أضافا أن الأخرس لا يشكّل خطراً بعدُ بالنظر إلى وضعه الصحّي، وعليه فقد بطُلت "الغاية الوقائيّة" من اعتقاله إداريّاً - إلّا أنّهما بدل من إصدار قرار بالإفراج عنه تذرّع القاضيان بحلّ سحرّ وجدته المحكمة لمثل هذه الحالات: "إرجاء" أمر الاعتقال وعدم تنفيذه الآن. لا يوجد في نصّ القانون شيء اسمُه "إرجاء" أمر اعتقال إداريّ لكنّه حلّ توصّل إليه قضاة المحكمة العليا بوسيلة التأويل لكي يتهرّبوا من الحسم - ومن المسؤوليّة - في حالات تعرُّض حياة الأسرى للخطر جرّاء إضرابهم عن الطّعام ورفْض الدّولة الإفراج عنهم رغم ذلك. من غير الواضح ما تحمله هذه الخطوة من معانٍ ولكن ليس عبثاً بدا القاضي مزوز خلال جلسة هذا الصّباح مضطرباً إزاء آثار وإسقاطات هذا القرار السّابق. في شكليّات القانون يخضع الاعتقال الإداريّ للمراجعة القضائيّة ولكنّ هذه المراجعة لم يحدث أن تمخّض عنها إبطال أمر اعتقال إداريّ إلّا في حالات استثنائيّة جدّاً، إذ تصادق المحكمة في معظم الأحيان على أمر الاعتقال. لكنّ المحكمة حتى قياساً إلى هذا التشدّد الدّائم قد بلغت أشدّ التطرّف في هذا الصّباح حين رفض القضاة إبطال أوامر الاعتقال الإداريّ ولجأوا إلى حلّ قضائيّ متملّص وعديم المعنى وهُم ينظرون في قضيّة معتقل إداريّ شفا الموت! ليست هذه المرّة الأولى التي ترفض فيها الدّولة الإفراج عن معتقل إداريّ يوشك على الموت جرّاء إضراب عن الطعام يخوضه احتجاجاً على اعتقاله؛ والمحكمة العليا تتعاون مع الدّولة في هذا النهج المُفزع في وحشيّته. في جميع الحالات السّابقة التي نظرت فيها المحكمة وافق الأسرى المضربون عن الطّعام على عرْض الدولة وبدورها استمرّت الدّولة دون عائق وبمصادقة قضاة محكمة العدل العليا على نهجها الذي احتجّ ضدّه الأسرى بوسيلة الإضراب عن الطّعام. ولكنّ الأسير ماهر الأخرس قد أعلن أنّه سيواصل إضرابه عن الطّعام حتى الإفراج عنه ممّا يسحب من يد الدّولة - والمحكمة أيضاً - إمكانيّة مواصلة التملّص من الحسم. من يتحمّل المسؤوليّة عمّا سيحدث هُم جميع أولئك الذين كان بمقدورهم منع استمرار تدهُور الوضع الصحّي للأسير ماهر الأخرس، حتى الموت لا سمح الله. هؤلاء ما زال يمكنهم منع ذلك.

12 تشرين الأول/أكتوبر 2020