خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
عوديد بابوريش بعد تعرّضه للهجوم. صورة قدّمها الناشطون مشكورين
في 27.2.26 جاء من جهة البؤرة الاستيطانيّة على تراكتور صغير مستوطنون ملثّمون ومسلّحون بالهراوات وهاجموا ناشطين إسرائيليّين كانوا يتواجدون في قُصرة يرافقون مالكي منزل غير مأهول في منطقة مهدّدة من قبل المستوطنين في قُصرة.
رافق الناشطون في البداية أفراد عائلة حسن إلى منزلهم، حيث ساعدوهم في ترتيب المنزل وإصلاح الأضرار. بعد ذلك تقدّم الناشطون برفقة أفراد من عائلة أخرى إلى منزل غير مأهول يملكونه.
بعد وُصولهم إلى المنزل بوقت قصير جاء مستوطنون على تراكتور صغير، كانوا ملثّمين ومسلّحين بالهراوات. ترجّل المستوطنون عن الـتراكتور الصغير وانهالوا فوراً على الناشطين يضربونهم بهراوات وحجارة كبيرة فأصابوا اثنين منهم بجروح بالغة، هُما الناشط عوديد بابوريش والناشطة عدي كوهين. كذلك، أصاب المستوطنون ناشطة ثالثة بجروح طفيفة وأضرموا النار في سيّارة العائلة.
الصورة
عدي كوهين أثناء إخلائها بعد تعرّضها للهجوم. صورة قدّمها الناشطون مشكورين
تمّ إخلاء الناشطين المصابين بجروح بالغة في طائرة "هليكوبتر": كان بابوريش يعاني من كدمات خطيرة في رأسه وكسور في الأنف وكفّ اليد وجرح عميق فوق عينه. أمّا كوهين فقد اخليت وهي في غيبوبة وتعاني كدمات خطيرة في الرأس وكسوراً في الحوض واليد.
بعد الاعتداء على الناشطين هاجم المستوطنون - الذين انضمّ إليهم نحو عشرين مستوطناً آخر - قرية جالود المجاورة حيث رشقوا المنازل والسكان بالحجارة، أضرموا النار في ستّة منازل وعدد من السيّارات، اقتحموا منازل أخرى وأتلفوا محتوياتها. لم يقم الجنود الذين حضروا إلى المكان لم يفعلوا شيئًا لإبعاد المستوطنين وإنّما أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع نحو السكان الذين حاولوا نجدة أصحاب المنازل المعتدى عليها.
خلال الهجوم تمّ توثيق مركبة عسكريّة تسدّ الطريق المؤدّية إلى المكان. لم يحرّك الجنود ساكناً لمنع أعمال العُنف.
عوديد فابوريش (51 عامًا)، أب لولدين، ناشط تضامن تعرّض لهجوم في قُصرة، قال في إفادته التي أدلى بها أمام أفيشاي موهَر من بتسيلم:
الصورة
عدي كوهين أثناء إخلائها بعد تعرّضها للهجوم. صورة قدّمها الناشطون مشكورين
في 27.2.26 جئت إلى قُصرة مع ناشطتين أخريين، إحداهما عدي كوهين. رافقنا أفراد عائلة حسن إذ أرادوا العودة إلى منزلهم بعد أن كانوا قد رحلوا عنه قسريّاً لمدّة أسبوع. يقع المنزل على سفح جبل عين عينيا، الذي استولى المستوطنون على منزل قائم على قمّته.
تقدّمت العائلة في سيّارتها ونحن في سيّارتنا. هُم توقّفوا بعيداً عن المنزل، حيث أفادت التقارير أنّ المستوطنين قد دخلوا مجدّداً إلى منزل الأسرة قبل وُصولنا. وفعلاً، وجدنا آثار عربدة بالغة وتخريب جدّي - أشياء محطّمة، خزّانات مياه مثقوبة، ومضخّات مياه منهوبة.
ساعدنا العائلة في ترتيب المكان قليلاً. لم نكن خائفين، لأنّ المستوطنين موجودون على قمّة الجبل، وهي بعيدة. في مرحلة معيّنة لاحظ أحد الأولاد أنّ مستوطناً يُراقبنا من هناك
من حين لآخر كانت هنالك حركة سيّارات أيضًا، لكنّها لم تهبط في اتجاهنا. بعد نحو ساعتين، قرابة السّاعة 12:30، جاء اثنان من أهالي القرية يقع منزلهما على سفح الجبل نفسه على بُعد 50-100 متر من المنزل الذي كنّا فيه وأعلى قليلاً منه. هُم أيضاَ جاءوا بهدف تفقّد منزلهم.
الصورة
سيّارة العائلة بعد أن أتلفها المستوطنون. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
رافقناهما إلى منزلهما في سيّارتهما ولم نستقلّ سيّارتنا في هذه المرّة. دخلنا إلى المنزل - مبنىً من باطون يطلّ على الوادي الفاصل بينه وبين قُصرة. بقيت الناشطتان قرب سيّارة الفلسطينيّين.
دخلت أنا إلى المنزل - في يدي كاميرا فيديو وفي جيبي هاتفي النقّال وعلى جسمي معلّقة كاميرا عاديّة. سرعان ما سمعنا قدوم تراكتور صغير، ثمّ صوت الناشطتين تناديانني. قفزت فوق الجسر الذي يفصل بين المنزل وشارع كُركار، ثمّ رأيت تراكتورًا صغيرًا يعتليه ملثّمون "يُفرمل" بشكل فجائيّ أمام الناشطتين ويترجّل منه أربعة مستوطنين ملثّمين وينهالون على الناشطتين ضرباً بالهراوات.
أخذت في التراجُع، وفي اللحظة نفسها لحق بي مستوطن. كانوا يصرخون "أين العرب؟ أين العرب؟". واصلت التراجُع وأنا أسمع في الخلفيّة صُراخ الناشطة عدي.
شعرت أنّهم خلفي تماماً وهراواتهم تطالني. التقطت حجراً كبيراً واستدرت نحوهم وأنا لا أزال أمسك بكاميرا الفيديو في يدي الأخرى. توقّف المستوطنون. قلت لهم: "لا تقتربوا. سأرمي بالحجر!".
الصورة
مستوطن يرشق منزلاً بحجر في جالود. صورة من تسجيلات كاميرات المراقبة، قدّمها السكان مشكورين
الصورة
مستوطن مسلّح ببلطة في جالود. صورة من تسجيلات كاميرات المراقبة، قدّمها السكان مشكورين
ارتبك المستوطنون قليلاً ومن ثمّ أخذوا يرشقونني بالحجارة. تردّدت في رشق الحجر الذي في يدي، ويبدو أنّهم قد لاحظوا ذلك إذ قال أحدهم لآخر "اثنان، ثلاثة!" وفوراً هجم الاثنان عليّ يضربان بهراوة على يدي لكي أُفلِت كاميرا الفيديو. قال أحد المستوطنين للآخر: "حلّه عنّي" - لأنّني على ما يبدو كنت قد أمسكت برجليه مُحاولاً أن أوقعه، أو شيء من هذا القبيل. واصل الاثنان ضربي حتى تمكّنا من أخذ كاميرا الفيديو، وقد كلّفني ذلك كسوراً في أصابعي.
بعد ذلك حاول المستوطنان أن يأخذا الكاميرا الثانية، لكنّني تمسّكت بها جيّداً. وجّه الاثنان إليّ المزيد من الضربات، وحين تيقّن أحدهما أنّه لن ينال منّي الكاميرا قام بتحطيمها. ثمّ في مرحلة ما توقّف الاثنان فجأة. يبدو أنّهما سمعا صُراخ إحدى الناشطتين أو شيئاً من هذا القبيل فاعتليا الـتراكتور الصغير وانطلقا يُغادران مُسرعَين.
بقيت أنا على الأرض، وكنت على يقين من أنّني فقدت عيني. أخذت أكتب نصّاً ما في مجموعة الناشطين، لكنّني استوعبت أنّ ما أكتبه ليس مفهوماً تماماً، لأنّني لم أكن في تمام وعيي. عندئذٍ، صوّرت نفسي وأرسلت الصورة للمجموعة لكي يفهموا أن الوضع سيّء حقّاً. ثمّ جاءت إليّ إحدى الناشطتين وهي تركض وتناديني. لا أذكر هل كنت قد نهضت أم لا أزال ملقىً على الأرض. رأيت على الأرض هراوة تركها المستوطنون، وقد تكسّرت لكثرة ما ضربوني بها. بعد فترة، جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان.
تمّ إخلاؤنا إلى مستشفى رفيديا، ولكن في الطريق نُقلنا إلى سيّارة إسعاف عسكريّة وصرخ الجنود على المُسعف.
تلقّيت ضربة قويّة على الحاجب. يوجد جُرح كبير جدّاً فوق عيني التي كانت متورّمة ولا تتحرّك. هناك أيضاً كُسور في الأنف، وكسر غير ثابت في كلّ من الإبهام والخنصر والمعصم والسبّابة. إضافة إلى هذا كلّه، وجّه المستوطنون إلى رأسي ضربات شديدة نجم عنها فقدان الإحساس بنصف الرأس، الأمر الذي يستدعي إجراء مزيد من الفحوصات. أعاني من دُوار شديد عند الاستلقاء أو الجلوس. كأنّ الدنيا تدور بي.
بعد أسبوعين على تسريحي من المستشفى خضعت لعمليّة جراحيّة في الإبهام والخنصر لتثبيت الكسر.
أعتقد أنّ الواقعة كلّها لم تستغرق أكثر من عشر دقائق. عشر دقائق لكنها تغيّر الحياة. لقد جاء المستوطنون مركّزين على الهدف وعلى استعداد للقتل. لو لم يقوموا بإخلائنا بطائرة هليكوبتر لما بقيت الناشطة عدي على قيد الحياة