أصواتٌ من غزّة

ياسر أبو رُكبة

ياسر أبو رُكبة، 31 عاماً، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، متزوّج وأب لطفلة وُلدت خلال الحرب، يروي عن النزوح المتكرّر والجوع وإصابة والدته

الصورة
   ياسر أبو رُكبة قبل الحرب. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً
ياسر أبو رُكبة قبل الحرب. صورة قدّمها الشاهد مشكوراً

قبل سنة بالضّبط، في يوم 7.10.23، أيقظني من نومي دويّ صواريخ ولم أفهم ما الذي يجري. منذ ذلك اليوم يقصف الجيش كلّ مكان في القطاع، وهنا في الشمال يُلقي مناشير من الجوّ يأمرُنا فيها بالانتقال جنوباً أو يتّصل هاتفيّاً ويأمرُنا بإخلاء المنطقة. هي حرْب نفسيّة تُدار ضدّنا لكي تدفعنا إلى الرّحيل عن منازلنا والذهاب إلى أماكن لا نعرفها، أماكن هي أيضاً غير آمنة، خلافاً لما يزعمه الجيش.

في بداية الحرب كنّا هنا نحو أربعين من أفراد العائلة في بناية والديّ، والتي تشمل خمسة طوابق في حيّ تلّ الزعتر في مخيّم جباليا. أنا ووالدي أحمد أبو رُكبة (75 عاماً) ووالدتي آمنة (72 عاماً)، وإخوتي وعائلاتهم. في 13.10.23، بعد أن قصفوا منازل مُجاورة تماماً، خرجنا جميعاً وانتقلنا إلى منزل أخي سيّد، في ناحية أخرى من مخيّم جباليا. في اليوم التالي أبلغ الجيش أنّه يجب إخلاء تلك الناحية أيضاً فانتقلنا إلى مستشفى اليمن السّعيد، هنا في المخيّم، وكان لا يزال قيد الإنشاء ولكن في جزء منه قابل للاستخدام. بقينا هناك ليلة واحدة ثمّ عُدنا إلى منزل والديّ رغم الخطر في المنطقة.

بعد مضيّ يومين، عندما أخذ كثيرون من سكّان شمال القطاع في النزوح جنوباً، قرّر إخوتي أيضاً النزوح مع عائلاتهم. والداي رفضا أن ينتقلا ولذلك بقينا معهُم - أنا وزوجتي، التي كانت آنذاك في بداية حملها. بقي أيضاً أخي بلال وزوجته وطفلتهما الرّضيعة. كنّا في البناية سبعة أشخاص، وقد مكثنا في الطابق الأرضيّ.

القصف اشتدّ واستمرّ طوال الوقت. قصف عشوائيّ، من الجوّ ومن الدبّابات. عندما شعرنا أنّه لا يُمكن بعدُ البقاء انقسمنا - زوجتي وزوجة أخي بلال ذهبتا كلّ إلى منزل والديها. أنا وبلال ووالداي انتقلنا إلى دكّان بلال وسط المخيّم. هو دكّان صغير والظروف هناك كانت صعبة جدّاً. بمرور الوقت أصبح الوضع هناك أخطر، والقصف وإطلاق النار بات أعنف. انتقلنا من هناك إلى روضة أطفال في المنطقة وبقينا فيها مدّة ثلاثة أيّام، حتى إعلان وقف إطلاق النار.

خلال أسبوع وقف إطلاق النار عُدنا إلى منزلنا، أنا وبلال ووالدينا، وبقينا هناك. ولكن منذ اللّيلة التي انتهى فيها وقف إطلاق النار قصف الجيش الإسرائيليّ المنطقة بالطائرات والمدفعيّة في غارات كثيفة جدّاً. تلك كانت ليلة مُرعبة. في الصّباح قرّرنا النزوح مرّة أخرى، ولكن حين هممنا بالخروج كان في الخارج قنّاصة، وقد أطلقوا النيران نحونا أيضاً فاضطررنا إلى الدّخول والبقاء في المنزل.

حوصرنا داخل المنزل طوال 14 يوماً. قبالة مدخل منزلنا كانت جثّة مُلقاة والكلاب تنهشها. ثمّ أخذت الجثّة تتحلّل وتُطلق روائح تثير الغثيان، وكانت الرّوائح تتسرّب إلى منزلنا. خلال هذين الأسبوعين قصف الجيش الطابق العُلويّ من منزلنا، وأيضاً منازل مجاورة. لم يتوقّف القصف وإطلاق الرّصاص من طائرات الكوادكوبتر العسكريّة.

في إحدى اللّيالي، بعد أن كنّا محاصَرين في المنزل طوال أسبوعين تقريباً، بدون كهرباء ومع القليل جدّاً من الطعام والماء، أمرنا الجيش أن نخرج، نحن وجيراننا. أشار الجنود نحو الطريق الذي علينا أن نسلكه، ولكن في الطريق كان قنّاصة يُطلقون النار عشوائيّاً، وقد أصابوا والدتي بجروح في رجلها، كما أصابوا امرأة أخرى من عائلة الشمالي وقتلوا اثنين من جيراننا - شخص مُسنّ ومُقعد على كُرسيّ عجلات من عائلة التالولي وشابّة من عائلة العجرمي.

حملنا أمّي، أنا وبلال واحتمينا جميعاً داخل مخزن بقي صامداً في أحد المنازل التي تعرّضت للقصف هناك. قمنا أنا وبلال بتمزيق قميصينا وضمّدنا بهما رجل والدتنا لكي نوقف النزيف. في المخزن كنّا 13 شخصاً، وقد جلسنا هناك طوال اللّيل وكنّا نسمع دويّ الانفجارات جرّاء القصف الجوّي والمدفعيّ. بعد ذلك تسلّلنا إلى داخل المنازل المدمّرة في المنطقة، لكي نبحث عن طعام وأغطية، ولكن لم نجد شيئاً بين الأنقاض.

عندما اتّصل بي صديق لكي يسأل عن أحوالنا طلبت منه أن يجلب لنا نقّالة مرضى لكي نحمل أمّي. خاطر صديقي بحياته وجاء بها إلينا. حمّلنا والدتي على النقالة وأخذناها إلى عيادة في المخيّم تابعة لوكالة الغوث، لكنّهم لم يتمكّنوا من مُعالجة إصابتها فحوّلوها إلى عيادة أخرى، ونقلوها إلى هناك في سيّارة إسعاف. رافقها أخي بلال وبقيت أنا مع والدي. لاحقاً هاتفنا بلال وأخبرنا أنّ أمّي تعاني من كُسور في الرّجل تحت الرُّكبة، وأنّهم قاموا بتقطيب الجُرح بدون مخدّر وأنّه حتى مسكّنات الأوجاع لا تتوفّر لديهم.

من هناك أخذ بلال أمّي إلى عيادة الهلال الأحمر، في الناحية الشرقيّة من مخيّم جباليا، عل أمل أن تتلقّ هناك علاجاً أفضل. قال أطبّاء الهلال الأحمر إنّها تحتاج زرع بلاتين. بعد أن مكثت أمّي مع بلال مدّة أسبوع هناك فقدنا الاتّصال معهم مدّة أسبوع بأكمله. بعد ذلك بعث لي بلال رسالة تقول إنّ الجيش الإسرائيليّ اقتحم عيادة الهلال الأحمر وجمّع كلّ الرّجال الذين كانوا هُناك - وهذا يعني أنّهم سوف يعتقلونه. وقال إنّه سيتمّ إخلاء أمّي مع بقيّة النساء إلى مدرسة وكالة الغوث.

بعد ذلك لم نسمع من بلال شيئاً ولا من أمّي طوال 27 يوماً، وخلال هذه الفترة كنت أتنقّل مع والدي من مخيّم نازحين إلى آخر. ثمّ هاتفني صديق لي وأخبرني أنّ بلال وأمّي موجودان في المستشفى الأهلي بمدينة غزّة. حاولت التواصُل مع بلال ولكن لم أتمكّن من ذلك. كذلك لم أتمكّن من الوُصول إليهما لأنّ الوضع الميدانيّ كان صعباً جدّاً.

لاحقاً، هاتفني صديق آخر وأخبرني أنّ بلال وأمّي موجودان الآن في مستشفى الشفاء، وأنّ أمّي خضعت لعمليّة جراحيّة وبتروا ساقها من تحت الرّكبة. عندما سمعنا ذلك خارت قُوانا، أنا ووالدي.

بعد مضيّ بضعة أيّام تمكّنت ووالدي من الوُصول إلى مستشفى الشفاء والتقينا هناك بلال وأمّي. أخبرني بلال أنّ الجيش احتجزه في عيادة الهلال الأحمر مدّة 12 ساعة، وأمر النساء بإخلاء المكان فخرجت النساء وأخذن معهنّ والدتي إلى مخيّم نازحين في إحدى المدارس، وفي الطريق إلى هناك عجزن عن مُواصلة جرّها فتركوها في الشارع قرب أحد البيوت.

في تلك اللّيلة، بعد أن أخلى الجيش سبيل بلال وغادر العيادة، توجّه بلال مع عدد من الشبّان إلى مخيّم النازحين متّخذين الطريق التي سلكتها النساء، وفي الطريق سمعوا امرأة تستغيث فعرف بلال أنّه صوت أمّي وأخذ يبحث عنها، رغم أنّ طائرات الكوادكوبتر كانت تحلّق فوقه.

حين عثر عليها كانت الكلاب من حولها وهي جالسة على كُرسيّ عجلات وتصرُخ. أخذها إلى مخيّم نازحين في مدرسة تابعة لوكالة الغوث، وهناك تمكّن من العثور على سيّارة إسعاف فأخلتها إلى المستشفى الأهليّ، ثمّ من هناك إلى مستشفى الشفاء.

عندما اقتحم الجيش الإسرائيليّ مستشفى الشفاء أعدنا والدتي إلى منزلنا في مخيّم جباليا. كنت معها أنا وبلال وحدنا، نعتني بها ونغيّر لها الضمادات. كان جوع شديد في شمال القطاع فلم نتناول سوى وجبة واحدة في اليوم. لم يكن ما يُمكن شراؤه سوى الطحين، وهذا أيضاً كان صعب المنال وباهظ الثمن. اشترينا كيس طحين يزن 25 كغم بـ 1,700 شيكل. كنّا نأكل الخبّيزة والعدس. وكان من المستحيل الحصول على لُحوم أو خُضار وحتى مُعلّبات. مرّت علينا أيّام عصيبة.

في نيسان ولدت زوجتي ابنتنا، أيلول. طوال فترة الحمل لم أرَ زوجتي سوى مرّات قليلة، لأنّها كانت في منزل والديها. كان حملُها صعباً جدّاً بسبب الجوع ونقص الفيتامينات. عندما وُلدت أيلول بحثت في كلّ العيادات والمستشفيات التي كانت لا تزال تعمل حتى وجدت في النهاية مكاناً يمكن أن تتلقّى فيه التطعيمات.

في شهر أيّار وزّع الجيش من الجوّ مناشير تطالبنا بإخلاء المنطقة والتوجّه إلى غرب غزّة، ثمّ اجتاح المخيّم مرّة أخرى. خفنا على أمّي فأخذناها إلى منزل شقيقتي محاسن (41 عاماً) في غرب مدينة غزّة وبقينا هناك طوال فترة اجتياح المخيّم، التي استمرّت عشرين يوماً تقريباً. طوال هذه الفترة كنّا نسمع دويّ قصف شديد في جباليا وقلقنا كثيراً على جيراننا ومنزلنا.

عندما انسحب الجيش من المخيّم عُدت وبلال فوراً لكي نرى ما الوضع هناك. انتابتني الصّدمة لكثرة الدّمار الذي وجدناه: المنازل، الشوارع، المدارس والمستشفيات، كلّ شيء كان مُهدّماً. لم تبق في المخيّم أيّ من البُنى التحتيّة الحيويّة. الجثث كانت ملقاة في الشوارع - مشهد لا يمكن لعقل بشريّ أن يستوعبه. الشوارع كانت مهدّمة تماماً، وأثناء محاولة تدبّر سبيلي في الشراع دُست على جثّة متحلّلة.

عندما وصلنا إلى منزلنا لم نصدّق ما رأته أعيننا. كانت الطوابق العُليا مهدّمة تماماً جرّاء القصف. كذلك منازل الجيران كانت مهدّمة. بعد مضيّ عشرة أيّام جاءت جرّافات وفتحت الطرق والشوارع. تعاونّا أنا وبلال على ترميم الطابق الأرضيّ لكي نستطيع أن نسكن فيه، وبعد ذلك عاد والديّ وزوجتي وزوجة بلال مع طفلتينا.

كانت أكوام القمامة تملأ الشوارع ورائحة عفنة تملأ الجوّ بسبب القمامة والجثث في كلّ مكان في المخيّم، وكذلك انتشر البعوض والحشرات الأخرى. لم نكن نستطيع النوم.

بقينا في المنزل تقريباً منذ حزيران وحتى بداية تشرين الأوّل، وطوال هذه الفترة كنّا نسمع القصف ونشاهد الجثث في الشوارع. عشنا في رُعب شديد وظروف لا تُطاق. الجوع مستمرّ، الخُضار والفواكه معدومة، ولا توجد لُحوم - وحين توفّر شيء من هذا كان يُعرض بأسعار باهظة جدّاً. كلّ ما كان يمكن أن نحصل عليه هو المعلّبات.

والدتي ما زالت تعاني جرّاء الإصابة وتجابه العجز. علاوة على ذلك هي تعاني من ارتفاع ضغط الدّم والسكّري، ونحن نجابه مشقّة كبيرة لأجل الحصول على أدوية لها، وهذه أيضاً تُباع بأسعار باهظة جدّاً.

قبل يومين في 4.10.24 ونحو السّاعة 20:00، بدأ قصف مدفعيّ للمخيّم وإطلاق رصاص من طائرات كوادكوبتر. في تلك اللّيلة لم تكن أمامنا أيّة إمكانيّة للفرار وكان الخروج مخاطرة كبيرة. انتظرنا طُلوع الصّبح لكي نفهم ما الوضع.

في اليوم التالي وزّع الجيش من الجوّ مناشير يُبلغنا فيها عن عمليّة عسكريّة في مخيّم جباليا ويُطالب الجميع أن يُغادروه ويتوجّهوا إلى الجنوب. فهمنا أنّه لا خيار لدينا سوى النزوج مجدّداً إلى منزل شقيقتي محاسن في غرب مدينة غزّة، ولكن حيث لم تتوفّر أيّة وسيلة مُواصلات اضطررنا أن نمشي إلى وسط المخيّم، ونحن نجرّ والدتي على كرسيّ العجلات. هناك عثرنا على سيّارة أقلّت أبي وأمّي وأخي بلال وأسرته إلى منزل محاسن، وعُدت أنا وزوجتي وطفلتنا إلى منزل والديها في المخيّم.

في اللّيل اشتدّ القصف ولذلك غادرت مع زوجتي وطفلتنا إلى منزل محاسن، تحت النار والقذائف. الآن جميعنا نمكث في منزل محاسن.

نحن نعيش في توتّر وخوف طوال الوقت. منذ سنة نحن نكابد تحت وطأة هذه الحرب. باتت حياتنا كلّها تهجير ونزوح متكرّر، وبحث دائم عن الماء والطعام والحطب للطبخ علماً أنّ كلّ خروج من المنزل يعرّضنا للخطر بسبب القصف المتواصل. لا يوجد أيّ نوع من الاستقرار، فقط خوف ورُعب. هذه سنة نكبة جديدة وإبادة شعب.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، هاتفيًا، في 7.10.24