أصواتٌ من غزّة

طلال أبو رُكبة

(18 عامًا)، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، يصف كيف قُتل شقيقه أمام عينيه في مركز لتوزيع المُساعدات في شمال قطاع غزّة، عندما حاول كلاهما الحصول على طعام للعائلة التي اضطرّت، منذ ذلك الحين، إلى النزوح مجدّدًا إلى جنوب القطاع

الصورة
أحمد أبو رُكبة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
أحمد أبو رُكبة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

حتى اندلاع الحرب كنت أقيم في حيّ تل الزعتر في مخيّم جباليا للّاجئين مع والديّ وأشقائي: أحمد الذي قُتل (24 عامًا)، شقيقتي المتزوّجة ضُحى (22 عامًا)، شقيقتي مراح (16 عامًا)، شقيقتي نسرين (10 سنوات) وشقيقي عبد الناصر (8 سنوات). كنّا نقيم في بناية مُشتركة مع أعمامي وجدّي وجدّتي.

في بداية الحرب نزحت مع عائلتي إلى جنوب القطاع. تنقّلنا بين عدّة أماكن: مخيّم النصيرات للّاجئين، خان يونس، رفح ودير البلح. مرّت علينا هناك أصعب أيّام حياتنا. كان القصف في كلّ مكان وكنّا نسكن في خيمة نحملها معنا من مكان إلى آخر. كان الطعام والماء قليلين جدًّا، وفي داخل الخيمة كان من الصعب تحمّل الحرّ في الصّيف والبرد في الشتاء. عندما أعلن وقف إطلاق النار في كانون الثاني 2025 عُدنا إلى منزلنا. وجدنا المنزل مُصابًا بأضرار كثيرة جرّاء القصف، لكنّنا قُمنا بإصلاح وترميم الأضرار وأقمنا فيه طوال فترة وقف إطلاق النار.

في شهر آذار من هذا العام عادت الحرب أكثر شدّة من ذي قبل وأكثر قسوة بكثير. كان القصف من حولنا وأمرنا الجيش بإخلاء منطقة تلّ الزعتر. بقينا في المنزل رغم الخوف والرّعب، لأنّه لم يكن لدينا مكان ننزح إليه مرّة أخرى. ولكن حين اشتدّ القصف في بداية شهر أيّار الماضي، نزحنا إلى مخزن في غرب مدينة غزّة كانت شقيقتي ضُحى قد استأجرته وأقامت فيه مع زوجها. أخذنا معنا فقط الملابس التي كانت علينا وبقايا طعام وحطين.

عندما نفد الطعام لم نتمكّن من شراء خضار أو معلّبات، لأنّ الأسعار كانت باهظة بشكل مبالغ فيه إذ ارتفعت الأسعار في أعقاب نقص البضائع في الأسواق بعد أن أغلقت المعابر. نحن عائلة كبيرة تعدّ 11 نفرًا ولم يبق لدينا أيّ شيء نأكله. مرّت علينا ليالٍ نمنا فيها دون تناوُل أيّ طعام.

عندما فُتح معبر "زيكيم" من أجل إدخال المُساعدات إلى شمال القطاع قرّرنا أن نذهب لنجلب طحينًا وطُرودًا غذائيّة، رغم أنّنا سمعنا أنّ التواجُد في المكان محفوف بالمخاطر. صرت أذهب إلى هُناك مع أخي أحمد وبعض الأصدقاء، وأحيانًا مع عمّي بلال (34 عامًا). كنّا نذهب مرّة كلّ عشرة أيّام أو كلّ أسبوعين وكنّا نخاطر بحياتنا في كلّ مرّة، لأنّ الجنود كانوا يُطلقون النار ويقتلون الناس عمدًا والقناصة يُطلقون النار والدبّابات تدهس الناس. شاهدت جثثًا ممزّقة مشوّهة وأشخاصًا دُهسوا. إضافة إلى ذلك كان هناك لُصوص. شاهدت شابًّا قتله اللّصوص طعنًا بالسّكاكين. نحن أيضًا تعرّضنا عدّة مرّات لهجمات اللّصوص وقد سرقوا منّي ومن أحمد كلّ ما جلبناه.

كلّما ذهبنا وجدنا أعدادًا هائلة من الناس - شبان وفتيان ونساء يأتون إلى "زيكيم" تحت النار ورغم الخوف والقتل من حولهم، فقط لكي يحصلوا على كيس طحين. الوصول إلى هناك كان يستغرقنا ساعتين سيرًا على الأقدام. بعد وُصولنا كنّا ننتظر إتمام إجراءات التنسيق لدُخول الشاحنات المحمّلة بالطحين والمُساعدات. كانت الشاحنات تأتي أحيانًا في المساء أو في اللّيل وعندما تمرّ يهجم الناس عليها وسط إطلاق النيران من قبَل الجيش. الكثير من الناس قُتلوا هناك. وأحيانًا كنّا نختبئ خلف كُثبان رمال صغيرة.

ذات مرّة قُتل شابّ أمامي. كان مطروحًا أرضًا، ثمّ عندما رفع رأسه أصابته رصاصة في الصّدر. كلّ من قُتل أو أصيب بقي في مكانه، لأنّه لا يمكن تقديم المُساعدة لهُم. في مرّة أخرى مررت قرب بئر أو حُفرة وشاهدت في داخلها بقايا جثة كانت قد افترستها الكلاب.

أحيانًا كنّا نعود من "زيكيم" دون أيّ طعام ودون طحين، لكثرة الناس هناك وقلّة الشاحنات.

في 10.9.25 قرّرت الذهاب إلى "زيكيم" مع أخي أحمد وعمّي بلال. خرجنا من منزل شقيقتي وتوجّهنا إلى المكان الذي يقيم فيه بلال، في مخيّم الشاطئ للّاجئين. كانت السّاعة 15:00. مشينا مسافة خمسة كيلومترات تقريبًا واستغرقنا ذلك أكثر من ساعة. قبل أن نصل إلى هناك سمعت إطلاق رصاص، وبعد ذلك سمعت أنّ خمسة أشخاص قد قُتلوا. عندما وصلنا لم تكن هناك أيّة شاحنات، ولكن كانت جماهير غفيرة تنتظر. الدبّابات التي كانت تقف فوق المرتفعات أطلقت النار نحو الناس فاستلقى الناس على الأرض، وبعضهم اختبأ خلف كثبان الرّمال. كان الناس يُقتلون ولا أحد يتمكّن من تخليص الجثث.

نحو السّاعة 17:00، تقدّمنا نحن الثلاثة إلى الأمام. كان هناك أناس كثيرون ووصلت الشاحنات محمّلة بأكياس الطحين. حصل كلّ منّا على كيس من الطحين. في طريق عودتنا ابتعد بلال عنّا، وتابعت أنا السّير برفقة أحمد. كان إطلاق النار كثيفًا ومُباشرًا. فجأة أصيب أحمد ووقع أرضًا. حاولت أن أنقذه، خلعت قميصي وضمّدت به جُرحه، لكن تبيّن لي أنّه توفّي على الفور. لقد أصيب في القلب مُباشرة فغطى الدّم المتدفّق جسمه كلّه. حاولت أن أحمله وحدي ولم أتمكّن من ذلك. تركته وركضت لكي أبحث عن بلال فوجدته في مكان قريب وأخبرته أنّهم قتلوا أحمد. عُدنا بسُرعة إلى أحمد وحملناه ثمّ سرنا به مسافة طويلة فوق كثبان الرّمال ووسْط إطلاق الرّصاص. وجدنا عربة يجرّها حمار أقلّتنا إلى مستشفى حمد للعلاج التأهيليّ. قال الأطبّاء إنّه قد توفّي. كفّنوه وأرسلوه في سيّارة إسعاف إلى مستشفى الشفاء.

اتّصل أحد الأصدقاء بوالدي وأعمامي وأخبرهم أنّ أحمد قد قُتل، ثمّ جاء أفراد العائلة إلى المستشفى. كانوا جميعًا مصدومين ويبكون. أصيب أبي وأمّي والإخوة بحالة من الانهيار. رفضت إدارة المستشفى إبقاء أحمد في ثلّاجة الموتى، لأنّ عدد القتلى كان هائلًا والروائح المنبعثة في المكان كانت كريهة. دفنّا أحمد بعد حُلول الظلام ثم عُدنا، دون أخي، تملؤنا مشاعر الحزن والندم.

نحن الآن مهجّرون في غرب مدينة غزّة ولا نعرف إلى أين نذهب. يقصف الجيش في كلّ مكان ويوزّع أوامر الإخلاء في كلّ منطقة وشارع ومنزل. أنا أنتظر الآن مع أعمامي سيّارة تقلّنا إلى وسط القطاع. أسعار النقل باهظة جدًّا - 1,700 شيكل تقريبًا، فقط لنقلنا نحن بما علينا من ملابس، بدون الخيام. نحن ذاهبون إلى المجهول، بدون موادّ لإقامة خيمة، بدون بطّانيّات، بدون أيّ شيء. معظم سكّان المدينة يهيمون في الشوارع، هربًا من القصف. أعداد هائلة. الناس ينزحون جنوبًا. في الشمال، ليس هنالك مياه للشرب والاغتسال ومتطلّبات الحياة كلّها معدومة. يوجد موت وقصف فقط. كلّ نصف ساعة يقصفون منازل ومجمّعات. الوضع في غرب مدينة غزّة كأنه يوم القيامة - ألسنة النيران المتصاعدة جرّاء القصف تلتهم كلّ شيء. شيء لا يمكن وصفه.

نحن على وشك النزوح وإبقاء أخي أحمد وحده في الشمال، ولا نعرف ما إذا كنّا سنعود ذات يوم.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 14.9.25