أصواتٌ من غزّة

رِهام الرّيفي

(27 عاماً) وأمّ لثلاثة، من سكّان حيّ الدّرج في مدينة غزّة، تروي كيف فقدت في الحرب زوجها وأخويها وبقيت وحدها مع أطفالها في مخيّم المهجَّرين

حتى اندلاع الحرب كنت أقيم مع زوجي المرحوم أحمد الريفي (32 عاماً) وأطفالنا الثلاثة: مجدي (7 سنوات) وخُلود (5 سنوات) وماهر (سبعة أشهر) مع عائلة زوجي في حيّ الدّرج في مدينة غزّة.

لم نغادر منزلنا رغم القصف الشديد في منطقتنا. كان زوجي بائع خضروات وكنّا نعتاش من القليل الذي يتمكّن من بيعه من حين إلى آخر. في 2.11.23 خرج زوجي مع ابن عمّه زكي الرّيفي وأشخاص آخرين لكي يحاولوا بيع الخضار فنتمكّن من شراء احتياجاتنا وخاصّة حفاضات لماهر. حاولت أن أقنعه بعدم الخروج لأنّني كنت خائفة حيث القصف مستمرّ من حولنا، لكنّه أصرّ على الخروج وقال إنّهم مدنيّون ولا يشكّلون خطراً على أحد.

الصورة
زوج ريهام، مجدي الريفي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.
زوج ريهام، مجدي الريفي. الصورة قدمتها العائلة مشكورة.

 بعد 20 دقيقة عاد زكي مُصاباً بجروح خطيرة وقال إنّ زوجي قد استُشهد. أخذت حماتي تصرخ أمّا أنا فقد أخذتني الصّدمة. استغرقني بعض الوقت قبل أن أجهش بالبكاء. لم أصدّق أنّ هذا قد حدث فعلاً. لم أكن قادرة على الكلام بتاتاً. في الخارج كانت النيران تُطلق على المارّة فلم أستطع الخروج للبحث عن جثة أحمد.

عائلة زكي نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث أجريت له عمليّة وبُترت يده. لاحقاً، في اليوم نفسه، جلبت سيّارة إسعاف جثة أحمد إلى منزلنا فودّعناه بحزن وأسىً بالغين. بكيناه كثيراً، وأطفالي بكوا والدهم. كان الوداع أليماً جدّاً إذ كان زوجي معنا وخلال لحظة قرّر الخروج لوقت قصير ولم يعُد إلينا.

بعد مضيّ أسبوع استُشهد شقيقاي فاخر ماهر الرّيفي (30 عاماً) وياسر الرّيفي (23 عاماً) حين كانا في الشارع من جرّاء قصف مخيّم الشاطئ للّاجئين. إنّي أختنق كلّما تحدّثت عنهما. كنت أحبّهما كثيراً، وقد نزل خبر استشهادهما عليّ وعلى أمّي كوقْع الصّاعقة. أخذنا نصرخ كلتانا ونبكي. جلبوا شقيقيّ مقطّعين أشلاء. عندما رأيتهما فقدت عقلي. شعرت بصدمة هائلة حين رأيتهما. زوجي وشقيقاي خلال أسبوع واحد! لم أتحمّل ما جرى لي - فقدان الغوالي، زوجي وأخويّ.

بعد استشهاد زوجي وشقيقيّ انتقلت مع أطفالي وعائلتي جنوباً، إلى خان يونس، واستقرّ بنا المقام في مدرسة حوّلوها إلى مخيّم للمهجّرين. بقي والدا زوجي في المنزل في غزّة.

بعد مضيّ شهر على استشهاد زوجي استُشهدت شقيقته رمزيّة الرّيفي (27 عاماً) وطفلاها عديّ (7 سنوات) وصباح (4 سنوات). جثة رمزيّة ما زالت تحت الأنقاض ولم يتمّ انتشالها بعد. جثة صباح وجدوها في الشارع، بدون يدها. بعد مضيّ أسبوعين على ذلك استُشهد شقيق زوجي ويُدعى ممتاز الرّيفي (16 عاماً) حين كان مسافراً إلى غرب غزّة على عربة يجرّها حمار لكي يجلب الماء لأسرته. أطلقوا عليهم قذيفة مدفعيّة.

عندما هدم الجيش الإسرائيليّ مخيّم المهجّرين في خان يونس أجبرنا على الانتقال إلى رفح. الآن أنا هُنا وحيدة مع أطفالي في رفح، في خيمة من قطع الخشب والنايلون. أحياناً يأتي أخي داوود ويبيت عندنا لأنّني أخاف أن أنام لوحدي.

نحن نعيش في ظروف صعبة جدّاً. لا توجد معنا نقود ولا نقدر على شراء الطعام بتاتاً. أمّا عن الخضار واللّحوم فلا حاجة للكلام. أرسل أطفالي كلّ يوم لكي يجلبوا الطعام من تكيّة المخيّم. يجلبون من هناك طبخات مثل المجدّرة والفاصوليا والأرزّ. عدا عن ذلك نحصل على معلّبات. لقد انخفض وزني كثيراً. خيمتنا لا تليق حتى بالحيوانات. وأنا هنا وحيدة جدّاً ومن الصّعب عليّ العناية بأطفالي وحدي. خاصّة وهُم يمرّون بهذه المعاناة. لقد أصبحوا أيتاماً في سنّهم المبكرة هذه، ناهيك عن الحرمان من كلّ شيء.

الطعام غير صحّي بتاتاً، وهو أيضاً ملوّث. والمراحيض ملوّثة. لهذا السّبب أصيبت خُلود باليَرقان. ولا توجد لديّ ملابس كافية لأطفالي.

ها قد جاء رمضان ونحن هنا نتناول الإفطار وحيدين. وجبة الإفطار التي نحصل عليها من تكيّة المخيّم ضئيلة جدّاً من أصلها. عندما أستيقظ لتناوُل السّحور لا أجد شيئاً آكله فأشرب الماء وأعود للنوم. أحصل من حين إلى آخر على بعض النقود فأشتري حبّتي بندورة وباذنجانة وحبّتي بطاطا وأعدّ منها طبخة آكلها مع أطفالي.

اضطُررت أن أفطم طفلي الرّضيع ماهر لأنّني لا أستطيع الحصول على مسحوق حليب له. الحفاضات أحصل عليها من المدرسة.

زوجي كان كلّ شيء بالنسبة لي. فقدت كلّ شيء وللأبد - أنا الآن أرملة وأطفالي يتامى محرومون من حُبّ أبيهم وعطفه. إنّهم يسألونني عنه كلّ يوم. يتحدّثون عنه بشوق، وخاصّة خُلود لأنّه كان يدلّلها كثيراً، فلا أملك سوى أن أريهم صوره في الهاتف.

ابني مجدي أصبح عُدوانيّاً جدّاً. لم يتغلّب على صدمة وفاة والده. نحن الآن مشرّدون بلا مأوىً ومتروكون هنا. لقد استُنزفت قواي. أنا متعبة ومحطّمة نفسيّاً وحزينة جدّاً. حياتي انتهت حين فقدت زوجي. أمضي الوقت بكاءً عليه وعلى أخويّ.

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 26.3.24