لؤي الزعانين
29 حزيران/يونيو 2025
(49 عامًا)، أب لأربعة، من سكان بيت حانون، تحدث عن مقتل ابنه بنيران الدبابات أثناء توزيع أكياس الطحين في شمال قطاع غزة في 17.6.25
حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجتي هنية عثمان (48 عامًا) وأولادنا الأربعة: دينا (22 عامًا) ولانا (21 عامًا) والتوأمين مصطفى ويامن (19 عامًا) في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، قرب الحدود وحاجز "إيرز". عندما اندلعت الحرب لم تكن زوجتي معنا، فقد غادرت القطاع قبل ذلك مرافقةً لأختها المريضة بسرطان الأمعاء.
اجبرنا القصف المتواصل، منذ اليوم الأول للحرب، على مغادرة منزلنا في شمال القطاع على الفور. في البداية، نزحت أنا وأولادي إلى منزل أقارب لنا في غرب مدينة غزة ومكثنا هناك حوالي 20 يومًا. عندما هاجم الجيش الإسرائيلي المكان الذي نزحنا إليه أيضًا، انتقلنا إلى خان يونس وسكنا في مخزن. بعد ذلك، استأجرتُ شقة في بلدة القرارة في محافظة خان يونس وعشنا هناك لمدة شهرين تقريبًا، حتى أمرنا الجيش بإخلاء المنطقة. هذه المرة، نزحنا إلى مدينة رفح. في يومنا الأول في رفح، بقينا في الشارع ثم استأجرت شقة سكنّا فيها حتى اجتياح مدينة رفح. ثم انتقلنا إلى وسط القطاع، إلى مدينة دير البلح، حيث نصبتُ خيمة وعشنا فيها حتى أُعلن عن وقف إطلاق النار في شهر كانون الثاني 2025.
كانت فترة النزوح من مكان إلى آخر مليئة بالمعاناة والألم والشعور بالظلم الحارق. هذه المعاناة لا تزال ترافقنا حتى الآن. الخوف، الجوع، صعوبة الحصول على الماء. كان غياب زوجتي محسوسًا بشدة وعذّبتني المسؤولية الثقيلة التي وقعت على عاتقي وحدي. زوجتي أيضًا تعاني كثيرًا من البعد عنا والقلق على سلامتنا. وهي تحرص على البقاء على تواصل معنا والاطمئنان علينا طوال الوقت، لكننا جميعًا نشتاق إليها كثيرًا.
في فترة وقف إطلاق النار، عدنا إلى شمال القطاع وذهبت إلى بيت حانون لأتفقد وضع منزلنا. لكن لم يبقَ منه شيء، مجرد تراب وحجارة. استأجرتُ لنا شقة صغيرة في حي الشيخ رضوان، غرب مدينة غزة، وهناك نعيش حاليًا. في بداية وقف إطلاق النار، تحسن الوضع من حيث توفر المواد الغذائية. ولكن بعد ذلك أغلقت إسرائيل المعابر واختفت المواد مرة أخرى من المتاجر، وبعد ذلك تجددت الحرب أيضًا؛ الضجيج المتواصل للقنابل والقذائف، الصراخ، الصرخات وصفارات سيارات الإسعاف، عادت لتصبح روتينًا يوميًا. الآن يعمّ الجوع بكل ما للكلمة من معنى. لم يعد من الممكن شراء أكياس طحين بوزن 25 كيلوغرامًا. نحن نشتري كيلوغرامًا واحدًا بأسعار باهظة ونقسم قطع الخبز على جميع أفراد الأسرة ليأكل الجميع. الخضروات باهظة الثمن جدًا ونحن نشتري حبة واحدة من كل نوع. نحن نأكل وجبتين في اليوم، واحدة الساعة 15:00 بعد الظهر ووجبة أخرى أخفّ في الليل.
لكن على الرغم من الظروف القاسية والجوع الذي ينهكنا، لم يخطر ببالي الذهاب إلى مراكز المساعدات التي أقامها الجيش الإسرائيلي ولم أسمح لأولادي بالذهاب إلى هناك. هذه الأماكن هي مصائد موت بالنسبة لنا، بالإضافة إلى الفوضى السائدة هناك وعصابات اللصوص وقطّاع الطرق.
في 17.6.25، خرج ابني يامن، الذي يعمل حارس أمن في مستشفى العودة في جباليا، من المنزل. ظننت أنه ذاهب إلى سوق حي الرمال ليشتري ملابس بمناسبة خطوبة أخته دينا، التي كانت مقررة في اليوم التالي. بعد ساعتين، اتصلت به كالعادة لأطمئن عليه ولكن بدلًا من يامن، ردّ عليّ شاب أخبرني أن يامن أصيب بالقرب من مركز توزيع المساعدات القريب من منطقة السودانية (زيكيم) شمال القطاع وتم نقله إلى مستشفى الشفاء.
توجهت بسرعة مع شقيقه التوأم، مصطفى، للبحث عنه في المستشفى. مع كل خطوة كنت أشعر أن روحي تغادر جسدي. بحثنا عنه بين الجرحى في مستشفى الشفاء ولم نجده. ذهبنا إلى المستشفى المعمداني وهناك أيضًا لم نجده. عدنا مرة أخرى إلى مستشفى الشفاء وهناك وجدناه في ثلاجة الموتى. كانت تلك أصعب اللحظات بالنسبة لي. اللحظة التي تلقيت فيها خبر إصابة يامن، اللحظة التي وجدته فيها قتيلًا في ثلاجة الموتى، اللحظات التي يعلم الله وحده كيف وجدتُ فيها القوة للاتصال بوالدته وشقيقتيه وإخبارهن بأنه قُتل.
أخبرني أصدقاء يامن أنهم ذهبوا إلى مركز المساعدات، على الرغم من أنني منعته من الذهاب إلى هناك. كان هناك إطلاق نار من الدبابات فقُتل أشخاص وأصيب آخرون. حاول يامن مساعدة شاب جريح فأصيب هو أيضًا من جرّاء إطلاق النار. أصابته الرصاصة في خاصرته وقتلته على الفور. قُتل ابني يامن بإطلاق النار لمجرد لأنه ذهب إلى مركز المساعدات، فقط لأنه أراد إحضار الطحين للعائلة وحاول مساعدة جريح.
في صباح اليوم التالي، أخذنا يامن من المستشفى إلى المنزل وودعناه بألم فظيع، أنا وشقيقه وشقيقتيه. كانت ابنتي دينا في حالة صدمة تامة. تحولت فرحة خطوبتها إلى حِداد. بعد الجنازة، أقمت بيت عزاء.
كان يامن محبوبًا جدًا. كان حساسًا واجتماعيًا وكريمًا وشجاعًا. كان وجوده في المنزل لطيفًا ومريحًا. كل ركن في المنزل يذكّرنا به. أحيانًا ننسى أنه قُتل ونناديه ليأتي ويجلس معنا لتناول الطعام. نحن نتعذب كل يوم، كل لحظة وفي كل مكان من فقدان يامن. تكافح العائلة بأكملها للتعامل مع الحزن معًا وزوجتي معنا أيضًا عبر الهاتف. تعاهدنا أن ندعم بعضنا البعض ونساعد بعضنا البعض وأن نبقى أقوياء حتى نتمكن من التغلب على هذه الخسارة الفادحة. أدعو الله أن يمنحنا القوة لتحمل فقدان يامن.
* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 29.6.25