أصواتٌ من غزّة

خديجة العطار

(29 عامًا)، أم لأربعة، من سكان بلدة جباليا، تحدثت عن معاناة عائلتها المهجّرة من الجوع والظروف المعيشية القاسية وعن ابنتها (سنة ونصف السنة) التي تعاني من سوء التغذية الحاد الذي يعيق نموّها:

الصورة
نجاح العطار (1,5 سنة). صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
نجاح العطار (1,5 سنة). صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في اليوم الذي بدأت فيه الحرب على قطاع غزة، يوم السبت الموافق 7.10.23، استيقظنا على صوت إطلاق الصواريخ ولم نكن نعرف ما الذي يحدث. سرعان ما تفاقم الوضع وبدأت الطائرات تقصف كل مكان في القطاع دون توقف. قصفوا المنازل دون سابق إنذار والمساجد أثناء الصلاة والمدارس. كنت حاملاً في الشهر السادس بابنتي نجاح، التي تبلغ من العمر الآن عامًا ونصف العام، وكنت أعيش مع زوجي، محمود العطار (29 عامًا)، وأطفالنا الثلاثة، مريم (11 عامًا) وأميرة (8 سنوات) وعصام (5 سنوات)، في بلدة جباليا شمال مدينة غزة، في منزل عائلتنا الذي تبلغ مساحته 250 مترًا مربعًا والذي تقاسمناه مع أشقاء زوجي.

منذ اليوم الأول للحرب، بدأ السكان في المناطق القريبة من السياج، في الشمال والشرق، بالفرار خوفًا من التعرض للأذى. أنشأت إسرائيل "حزامًا ناريًا" - قصفًا مكثفًا للمناطق السكنية بعشرات الصواريخ التي أطلقت في وقت واحد من الطائرات الحربية. شعرت كأنه زلزال هائل: انهارت المنازل وتحولت المنطقة إلى كومة من الأنقاض. قُتل من كانوا داخل المنازل وشعر الآخرون بخوف شديد. تطايرت الأبواب والنوافذ من قوة القصف. صرخ الأطفال والنساء وكبار السن. شعرنا كأننا في الجحيم. لم نشعر بمثل هذا الخوف من قبل.

بقينا في المنزل، على الرغم من القصف حولنا وتضرُّر المنازل المجاورة من نيران المدفعية العشوائية. كانت الطائرات بدون طيار تنثر كل يوم منشورات تأمرنا بمغادرة جباليا والتحرك جنوبًا، لكننا رفضنا لأنه لم يكن لدينا مكان نذهب إليه. بعد 40 يومًا بدأنا نشعر بأن الموت يقترب منا. ازداد ضجيج الدبابات واقترب القصف.

في 17.11.23، قرابة الساعة 20:00، دخل الجيش إلى حارتنا. بقينا محاصرين في المنازل، تحت القصف وإطلاق النار المستمر، حتى الساعة 7:00 من صباح اليوم التالي. عندما هدأ إطلاق النار قليلاً، خرجنا من هناك مع مئات الأشخاص. لم نأخذ أي شيء، ولا حتى ملابس لتبديل ما كنا نرتديه. ركضت في الشوارع مع زوجي وأطفالي تحت القصف العشوائي من كل اتجاه. سمعنا صرخات النساء والأطفال ورأينا عشرات الجثث ملقاة على الأرض وفي العربات. ركض الناس في حالة ذعر بحثًا عن شخص يأخذ الجرحى إلى المستشفيات.

خرجنا من الحي سيرًا على الأقدام دون أن نعرف إلى أين نتجه. قرر زوجي أن ننتقل جنوبًا على أمل أن نجد الأمان هناك. مشينا مع آلاف المهجرين من جميع الأعمار على طول شارع صلاح الدين إلى ساحة الكويتي، ومن هناك إلى حاجز "نتساريم" الذي أقامه الجيش الإسرائيلي. انتظرنا عند الحاجز من الساعة 7:00 حتى 17:00 مساء وعندها فقط سمحوا لنا بالمرور جنوبًا.

واصلنا السير على الأقدام حتى وصلنا إلى رفح. لم يكن لدينا حتى شيكل واحد. لم نأكل شيئًا طوال ذلك اليوم. وصلنا إلى رفح منهكين من الجوع والعطش ومحروقين من الشمس. عندما دخلنا المدينة، انهرتُ من التعب وسال الدم من أنفي. في النهاية، وجد زوجي ملجأ في غرفة صغيرة في مدرسة القدس بالقرب من ميدان العودة. كنا في تلك الغرفة مع 12 عائلة أخرى، في حالة ازدحام شديد. نمت على الأرض مع الأطفال، على بطانية واحدة بدون فراش. عانيت من البرد والتعب وآلام الظهر ونقص حاد في الغذاء. كنت منهكة وضعيفة وتوسلت إلى زوجي أن يحضر شيئًا نأكله لأنني كنت خائفة على الجنين في رحمي. نام زوجي في فناء المدرسة لأنه لم يكن هناك مكان في الداخل. بدأنا نأكل مما قدمه مطبخ خيري (تكية) في المدرسة: العدس والبازلاء، وأحيانًا كانت هناك معكرونة معلبة.

الصورة
الخيمة التي كانت تسكن فيها خديجة العطار مع عائلتها في جباليا. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة
الخيمة التي كانت تسكن فيها خديجة العطار مع عائلتها في جباليا. صورة قدمتها الشاهدة مشكورة

كان الوضع في رفح صعبًا للغاية. تدفق مئات الآلاف من الأشخاص إلى هناك بحثًا عن مأوى وامتلأت المدينة تمامًا في غضون يومين. ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وأصبح سعر كيس الطحين بين 700 و1,400 شيكل. لم نتمكن من شراء أي شيء. بحث زوجي عن عمل وبالكاد وجد شيئًا، لتوفير الطعام لنا والفيتامينات لي بسبب الحمل.

في 5.12.23، عندما كنت في شهري الثامن، بدأت أشعر بآلام حادة في البطن والظهر. في البداية، اعتقدت أن ذلك بسبب البرد والنوم على الأرض ولكن عندما وصلت إلى المستشفى الإماراتي للولادة في تل السلطان، قال الأطباء إنني أعاني من سوء تغذية حاد وإنهم بحاجة إلى إجراء عملية قيصرية لإنقاذ حياتي وحياة الجنين.

أجريت العملية وولدت نجاح. ولدت وهي تعاني من سوء تغذية حاد وكانت في حالة خطيرة. تم نقلها إلى وحدة العناية المركزة للخدّج وبقيت هناك ثلاثة أيام بين الحياة والموت. وعندما استقرت حالتها، عدت بها إلى مدرسة القدس وأحضر لي الجيران فراشًا وبطانية.

بقينا في المدرسة حتى 6.5.24. بعد أن هدد الجيش بغزو المدينة، اقترب القصف منا واضطررنا إلى المغادرة مرة أخرى. ذهبنا سيرًا على الأقدام إلى منطقة "موراج" بين رفح وخان يونس، بالقرب من مدرسة الصفوة. أقمنا هناك خيمة من القماش. لم يكن لدينا مال ولم نتلق أي مساعدة من أحد. بدأ زوجي بالتسول. طوال أسبوعين بعد وصولنا إلى هناك، لم نأكل إلا من المال الذي جلبه زوجي من التسول أو من بقايا الطعام التي وجدها في القمامة. عشنا حياة الجحيم - بلا مال، بلا طعام، بلا مأوى.

بقينا في خان يونس ثلاثة أشهر. عانينا من الجوع والإذلال ونقص المياه وعدم الوصول إلى المرافق. في نهاية تموز 2024، اقتربت الدبابات من المنطقة وبدأت عمليات القصف. هربنا مرة أخرى، تحت النار، إلى دير البلح في وسط القطاع هذه المرة. نمنا هناك في شارع الشاطئ، في خيمة مع حوالي 30 شخصًا آخر.

في تلك الأثناء، رأيت أن نجاح لا تكبر. كانت تعاني من سوء تغذية حاد وكانت مصابة بالجفاف. أخذتها إلى المستشفى الأمريكي للولادة في منطقة الزوايدة في وسط القطاع، فقال الأطباء إنها في حالة خطيرة للغاية بسبب نقص طويل الأمد في الطعام والفيتامينات. بدأت بإحضارها إلى هناك للمتابعة وتلقت هناك تغذية وريدية أربع مرات في الأسبوع.

كنا نرسل مريم إلى "التكية" كل يوم تقريبًا لإحضار الطعام للغداء والعشاء. في معظم الأحيان كانت تحصل على العدس أو الأرز. في بعض الأحيان كنا نبقى يومين أو ثلاثة أيام بدون طعام لأن "التكايا" لم تكن تعمل، وتقاسمنا المكملات الغذائية المخصصة لنجاح. في بعض الأحيان، كنت أنا وزوجي نتخلى عن وجبتنا حتى يأكل الأطفال.

بقينا على هذا الحال حتى تم إعلان وقف إطلاق النار في 19.1.25. بقينا أسبوعًا آخر في الجنوب ثم عدنا سيرًا على الأقدام إلى مدينة غزة، لأن الجيش منع دخول المركبات. عندما وصلنا إلى جباليا، وجدنا منزلنا مدمرًا. انتقلنا للعيش في مخيم للمهجرين في شارع حلاوة في جباليا، مع حوالي 1,200 عائلة فقدت منازلها.

لم يدم الهدوء طويلاً. في 18.3.25 تجددت الحرب وبدأ القصف مرة أخرى. أغلقت المعابر وبدأ نقص حاد في الغذاء. ارتفعت الأسعار بشكل كبير: وصل سعر كيس الطحين إلى 1,500 شيكل. لم يكن لدينا ما نشتريه.

نحن نعيش اليوم على ما تقدمه إدارة المخيم - نصف كيلو من الطحين مرة كل يومين. أعجن العجين وأخبز الخبز على موقد حطب، لأنه لا يوجد غاز للطهي منذ أكثر من ثلاثة أشهر. بسبب الطهي على نار الموقد، احترقت يدي اليمنى ولدي حروق من الدرجة الثالثة لا تتم معالجتها ومن الصعب العمل هكذا.

بعد تجدد الحرب، توقفت العديد من "التكايا" عن العمل على الرغم من أنها كانت المصدر الرئيسي للغذاء للناس. ظل معظم الناس جائعين. لم نتلق وجبات مطبوخة منذ أكثر من شهر. نضطر إلى التسول للحصول على وجبة واحدة للأطفال في اليوم، وخاصة لنجاح.

نجلس في الخيمة عاجزين ونأمل أن يوقف الله هذه الحرب التي أخذت منا كل شيء: البيت، الطعام والهدوء. لا نعرف كيف يمكن أن نبقى على قيد الحياة بدون غذاء. قبل بضعة أيام تلقينا 4 كيلوغرامات من خليط الخبز مكونة من طحين القمح ودقيق العدس والمعكرونة المطحونة وقليل من الخميرة. خبزت منه خبزًا لكنه كان قاسيًا للغاية. ومع ذلك، نأكله لإسكات الجوع الذي نذوي فيه منذ شهور. نحن ننتظر فقط اللحظة التي تنتهي فيها هذه الحرب.

* سجّل هذه الإفادة باحث بتسيلم الميداني محمد صباح في 18.5.25