أصواتٌ من غزّة

إسراء أبو حليب

(31 عامًا)، أم لأربعة أطفال، من سكان بلدة القرارة، تتحدث عن وفاة ابنتها الرضيعة بسبب سوء التغذية وانعدام العلاج الطبي اللازم، خان يونس 25.7.25:

حتى اندلاع الحرب، كنت أسكن مع زوجي أحمد (38 عامًا) وأطفالنا الثلاثة، أسيل (10 أعوام) ومريم (8 أعوام) وحمزة (6 أعوام) في بلدة القرارة، شرق خان يونس. في بداية الحرب، عندما اشتد القصف على القرارة، انتقلنا إلى مدرسة بالقرب من مدينة أصداء، غرب مدينة خان يونس. مكثنا لمدة عشرة أيام في غرفة واحدة مع 11 عائلة أخرى. ثم انتقلنا إلى رفح لفترة قصيرة، ثم انتقلنا مرة أخرى إلى مواصي القرارة وعشنا في مزرعة دواجن لمدة عام كامل. كانت الحياة هناك مليئة بالمعاناة والألم. فهو مكان غير صالح لسكن الإنسان، كريه الرائحة ومليء بالحشرات. في الصيف كان الجو حارًا بشكل لا يطاق وفي الشتاء كنا نتبلل من المطر ونتجمد من البرد.

طوال تلك الفترة عانينا من الجوع ومشقة النزوح من مكان إلى آخر. لقد استُنزِفنا تمامًا. في إحدى عمليات النزوح، وجدنا أنفسنا مرميين في الشارع لمدة ثلاثة أيام، لأنه لم يكن لدينا مكان نذهب إليه. تمنيت الموت، لأنه لا ينبغي أن يعيش الناس في مثل هذه المعاناة.

الصورة
زينب أبو حليب، قبل الحرب وبعدها. صور قدمتها العائلة مشكورة
زينب أبو حليب، قبل الحرب وبعدها. صور قدمتها العائلة مشكورة

خلال تنقلاتنا، في شهر حزيران 2024 تقريبًا، حملت لأنه كان من المستحيل الحصول على وسائل منع الحمل مثل حبوب منع الحمل وما شابه ذلك. كان حملي صعبًا للغاية. كنت أتقيأ طوال الوقت، لم يكن هناك طعام ولا فيتامينات. في كل زيارة لعيادة متابعة الحمل، كان الطبيب يقول إن الجنين في حالة جيدة ولا توجد مشاكل وإنني بحاجة إلى تناول الطعام كي لا تحصل مضاعفات. ولكن من أين أحصل على الطعام؟ لم تكن هناك خضروات ولا لحوم ولا سكريات ولا فيتامينات. ذهبت ذات مرة إلى طبيب خاص لإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية فقال إنني حامل بابنة إنها بخير.

ساعدني زوجي ودعمني طوال الوقت. كان يطبخ على الموقد ولم يسمح لي بالاقتراب من النار. بذل قصارى جهده لتوفير الطعام لي. كنت قلقة وخائفة على أطفالي طوال الوقت. لم أتخيل أبدًا أن أطفالي سيتضورون جوعًا ويعيشون في خوف شديد من القصف.

عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في بداية العام، عدنا إلى منزلنا وصدمنا عندما اكتشفنا أن الجيش الإسرائيلي قد محاه من على وجه الأرض، ببساطة. نصب زوجي أحمد خيمة في المكان الذي كان يقوم فيه منزلنا.

في 15.2.25 أنجبت ابنتي زينب في مستشفى ناصر. شعرت أنا وزوجي بالانفعال كما لو انها كانت طفلتنا الأولى. ولدت زينب بصحة جيدة ووزن طبيعي. أخذتها بين ذراعي وعدت بها إلى الخيمة وعندما وصلت كانت تنتظرني مفاجأة: استقبل الأطفال زينب، وقفوا بجانب "التكية" وقرعوا على القدور! أحزنني كثيرًا أنني لم أستطع شراء ملابس جديدة لزينب كما فعلت عندما ولد إخوتها، لأنه لم يكن لدي ما يكفي من المال. حصلت على ملابس لها من الأقارب والجيران، لكن هذا لم يكن كافياً في برد الشتاء.

قال لي الأطباء في المستشفى إنه لكي أتمكن من إرضاع زينب، أحتاج إلى تغذية جيدة وفيتامينات ومكملات غذائية. عندما أغلقت المعابر وتجددت الحرب، لم تكن هناك كمية كافية من المواد الغذائية في الأسواق وعانينا من الجوع. لم أتمكن من إرضاع زينب واضطررت إلى الحصول على بدائل الحليب لها ولكن كان من الصعب العثور عليها وكانت باهظة الثمن.

في منتصف نيسان، مرضت زينب وعانت من الإسهال والقيء. أخذتها إلى مستشفى ناصر. قال لي الأطباء إنها مصابة بالتهاب في الأمعاء وأعطوها محاليل عن طريق الوريد. ربما لم يكن هذا هو العلاج المناسب لها. رفضت الرضاعة الطبيعية وأعطيتها بديل الحليب مرة أخرى. كنت أعود بها إلى المستشفى كل بضعة أيام لإجراء الفحوصات وإعطائها المحاليل.

في 16.5.25، قصف الجيش الإسرائيلي القرارة واضطررنا إلى الفرار من هناك. خرجت من الخيمة بدون أي شيء، زينب فقط كانت بين ذراعي بينما حمل زوجي ابننا حمزة بين ذراعيه. انتقلنا إلى المواصي في خان يونس.

واصلت الذهاب مع زينب إلى المستشفى وواصلوا إعطاءها المحاليل. في مستشفى ناصر، أحالونا إلى المستشفى الأوروبي، لأنه ليس لديهم قسم لجراحة الأطفال، فقرروا هناك إجراء عملية جراحية لها في الأمعاء. بعد 5 دقائق من خروج زينب من العملية، قصف الجيش الإسرائيلي عدة مواقع حول المستشفى فأخذنا، أنا وزوجي، زينب وركضنا في الشوارع حتى وصلنا إلى مستشفى ناصر، حيث أدخلوا زينب إلى قسم العناية المركزة لعدة أيام.

لم نتمكن من العثور على بديل حليب مناسب لزينب. كانت تتلقى الحليب عن طريق الأنف، بأنبوب إلى المعدة، وقد تسبب لها جميع أنواع الحليب بالإسهال. ظهرت عليها أعراض سوء التغذية وكانت تعيش على حقن المحاليل والمضادات الحيوية القوية. لم يتمكن الأطباء من تشخيص مرضها. قرروا إحالتها إلى العلاج في الخارج وتلقينا نموذج الإحالة. كانت زينب منهكة تمامًا وكانت على وشك الموت ولم يتمكن أحد من تشخيص حالتها.

في 21.7.25، قرر الأطباء تسريح زينب من المستشفى، على الرغم من أنها كانت في حالة خطيرة، لأن الجيش الإسرائيلي كان يقترب من هناك.

في يوم الجمعة الموافق 25.7.25، تقيأت زينب قيئًا بني اللون وكانت عيناها متعبتين. قررت أنا وزوجي العودة بها إلى مستشفى ناصر. ركضت بها في الشارع وهي على يديّ. وعندما نظرت إليها حسبت أنها ستموت. قلت لزوجي فأوقف سيارة نقلتنا إلى المستشفى. عندما وصلنا، فحصها الأطباء وأخبرونا أنها ماتت قبل أن نصل إلى هناك.

بدأت أنا وزوجي نبكي ولم نكن نعرف ماذا نفعل. أثار موت طفلتي مشاعر لم أعرفها من قبل. كانت تلك لحظات صعبة بالنسبة لنا. بقيت زينب في الثلاجة في غرفة الموتى وعدنا نحن إلى الخيمة، حزينين للغاية على فقدان طفلتنا.

في صباح يوم السبت الموافق 26.7.25، ذهبنا إلى مستشفى ناصر وودعنا زينب. كانت لحظات الوداع صعبة للغاية. في كل دقيقة وكل ثانية نتذكر طفلتنا الجميلة. علقت صورة لها في الخيمة. يسأل إخوتها إلى أين ذهبت زينب، وهذا هو أصعب سؤال على الإطلاق، لأنني لا أعرف إلى أين ذهبت وبماذا أجيبهم. أدعو الله أن يغمر زينب برحمته وأن يمنحني القوة لتحمل ألم فقدانها.

قبل يومين اتصلوا بنا من منظمة الصحة العالمية بشأن إرسالها للعلاج في الخارج فأخبرهم زوجي بأن زينب قد توفيت.

قبل أن تمرض، كان وزن زينب خمسة كيلوغرامات وعندما توفيت كان وزنها حوالي كيلوغرامين اثنين.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد في 4.8.25