أصواتٌ من غزّة

هناء البطنيجي

(40عامًا)، من سكّان مدينة غزّة، تحدّثت عن ابنها (17 عامًا) الذي كان يعاني من مرض السّيلياك وتوفّي نتيجة سوء التغذية جرّاء نقص الغذاء وانعدام العلاج الطبّي:

حتى اندلاع الحرب في تشرين الأول 2023 كنت أقيم مع زوجي علاء وأولادنا الثلاثة: أحمد (17 عامًا) وعمر (16 عامًا) وأنس (13 عامًا) في حيّ الشجاعيّة، شرق مدينة غزّة.

خلال الحرب السّابقة، في العام 2014، اكتشفنا أنّ أحمد مُصاب بمرض السّيلياك (حساسيّة للجلوتين). كان يظلّ متعبًا طوال الوقت وظهرت عليه أعراض سيلياك، مثل نقص في الألبومين، تقرّحات في الجلد، فقر دم (أنيميا)، نقص في الحديد والفيتامينات، تساقط الشعر، آلام في المفاصل، التهاب الأمعاء، التهاب الاثني عشر وقروح في المعدة. سافر أحمد مع جدّه لتلقي العلاج خارج قطاع غزّة وعاد بعد شهر وقد اختفت تلك الأعراض.

الصورة
أحمد البطنيجي قبل وبعد تدهور حالته. صورتان قدمتهما العائلة مشكورة
أحمد البطنيجي قبل وبعد تدهور حالته. صورتان قدمتهما العائلة مشكورة

بعد ذلك بدأ أحمد يتّبع حمية غذائيّة خاصّة بمرضى السّيلياك. صار يمتنع عن تناوُل أيّ طعام يحتوي على الجلوتين، كالقمح مثلًا، ويأكل فقط طحينًا خاصًّا كانت توفّره لنا جمعيّة "أرض الإنسان" بشكل دائم. كنت أعدّ له من هذا الطحين الخاصّ خبزًا وكعكًا وكنت أجلب له المُنتجات الخاصّة بمرضى السّيلياك المتوفّرة في قطاع غزّة وأعدّ له منها كلّ ما كان يشتهيه. كانت جميع الفيتامينات التي يحتاج إليها متوفّرة، والحمد لله كانت صحّته جيّدة ولم يشكُ من أيّ شيء.

عندما اندلعت الحرب في تشرين الأول 2023 اضطررنا إلى النزوح إلى جنوب القطاع. هناك، كنّا نتمكّن من الحصول على خضار وطعام معلّب، كما استطعنا الحصول على لُحوم لفترة قصيرة، ومن تلك المُنتجات كنت أعدّ الطعام لأحمد. كانت صحّته تتوعّك أحيانًا فنأخذه إلى المستشفى وهناك كانوا يعطونه مُسكّنات للأوجاع وسوائل ومحلولًا وريديًّا فيتحسّن وضعه.

عندما دخل اتّفاق وقف إطلاق النار إلى حيّز التنفيذ، في كانون الثاني 2025، عُدنا إلى شمال القطاع. كان وضع أحمد مستقرًّا، ولكن بعد أن أغلقوا المعابر في بداية آذار واستُؤنفت الحرب، أخذت صحّته تتدهور. اضطررنا إلى النزوح مرّة أخرى فذهبنا إلى حيّ الرّمال في غرب مدينة غزّة. عانينا من نقص في المُنتجات الغذائيّة والمياه غير الصّالحة للشرب والتلوّث في كلّ مكان. كنّا نأكل العدس فقط ولم نكن نعرف مصدره، أي هل أتى من بيئة فيها قمح أيضًا. لم يكن لأحمد طعام آخر يتناوله وقد تدهورت صحّته تدريجيًا وضعف جهازه المناعيّ.

أخذناه إلى مستشفى "أصدقاء المريض" في حيّ الرّمال، وقلنا للأطبّاء أنّه يعاني من إسهال حاد منذ عدّة أسابيع وأنّ ما يتناوله من طعام يخرج منه كما هُو. أجرى الأطبّاء فحوصات لأحمد وتبيّن أنّه يُعاني العديد من أعراض السّيلياك وأنّ وظائف كبده قد تعطّلت كثيرًا. لم يكن جسمه قادرًا على امتصاص أيّ غذاء وكان يعاني من نقص الفيتامينات وسوء التغذية. طلبت أن يُساعدوني، أن يقدّموا له أيّ علاج حتى لو كان مجرّد محلول وريديّ. أجابوني بأنّه لا يتوفّر لديهم أيّ علاج له وأنّه لا توجد أدوية ولا حتى سرير شاغر لاستقباله.

تورّم جسمه بسبب احتباس السوائل وامتلأ بالقروح. تساقط شعره واشتدّ هزاله فلم يعد قادرًا على المشي. كان طريح الفراش لفترة طويلة لأنّه لم يكن يستطيع التحرّك، ولهذا كنت آخذه إلى الطبيب أو إلى المستشفى على كرسيّ عجلات. شاهدته يذبل ويتلاشى أمام عينيّ يومًا بعد يوم وأنا عاجزة عن فعل أيّ شيء لمساعدته.

الصورة
أحمد البطنيجي بعد تدهور حالته الصحية. صورتان قدمتهما العائلة مشكورة
أحمد البطنيجي بعد تدهور حالته الصحية. صورتان قدمتهما العائلة مشكورة

أخذناه إلى طبيب خاصّ لكنّ الطبيب قال لنا فقط "من الضروريّ أن يتّبع حمية خاصّة". قلت له "لو كنّا نستطيع الحصول على الغذاء الذي يحتاج إليه لما كانت هناك أيّة مشكلة"، فنحن لا نستطيع الحصول على أيّ شيء بسبب الحصار الذي يفرضه الجيش الإسرائيليّ على قطاع غزّة. وقد خلت الأسواق، كليًا تقريبًا، من أيّ شيء للبيع ولم نكن قادرين على شراء ما توفّر، لأنّنا لم نكن نملك النقود.

بعد مضيّ بضعة أيّام دخل أحمد في غيبوبة. جئت في الصّباح لأوقظه وحين ناديته "حبيبي، أحمد، استيقظ" لم يستجب أبدًا. أخذناه، أنا ووالده، إلى مستشفى الشفاء وحين فحصت الطبيبة في قسم الطوارئ مستوى السكّر في دمه كانت النتيجة منخفضة جدًّا. كان في حالة هبوط حاد في نسبة السكّر في الدّم مما جعل حياته عرضة لخطر وشيك. أوصلت الطبيبة لوريده محلول جلوكوز وسوائل أخرى وأبقته رهن العلاج في المستشفى.

في ذلك اليوم عُدت إلى المنزل نحو السّاعة 20:00 وبقي زوجي مع أحمد في المستشفى. في اللّيل كانت هناك ممرّضة فقط تأتي لتفحص مستوى السكّر عند أحمد وتغيّر له كيس المحلول. خلال اللّيل استفاق أحمد من غيبوبته لبضع لحظات، قال لأبيه أنّه يتألم ثمّ غاب عن الوعي مرّة أخرى. في ساعات الصّباح الباكر من يوم الأربعاء المُوافق 27.8.25 شاهد زوجي أحمد يشهق ويتصعّب في التنفّس فطلب المُساعدة. أتى طبيب وممرّضة وأخذا يفحصانه، لكنّ أحمد فارق الحياة أثناء الفحص.

حين قالوا لي إنّ أحمد قد فارق الحياة مررت بأصعب لحظة في حياتي. افترقت عن أحمد بصعوبة بالغة. ودّعته بالدموع وقلب يعتصره الألم والحزن والأسى، وهكذا أيضًا والده وإخوته. جميعنا نفتقد أحمد. هكذا كان قدر ابني أحمد ونصيبه في هذه الحياة، لكنّه قدرٌ كان يمكن منعه لو أنّنا استطعنا فقط أن نحصل على طعام له. ليالٍ كثيرة مرّت وأحمد ينام جائعًا. كان يقول لي إنّه يتألّم أيضًا وهو نائم من شدّة الجوع وأنا أسمعه وأعجز عن فعل أيّ شيء من أجله. هذا العجز ما زال يحزّ في نفسي حتى الآن.

لقد سقط ابني شهيدًا في الحرب. قتله الحصار المفروض على قطاع غزّة. فتى صغير في مُقتبل العُمر، لو أنّه من أيّ مكان آخر لعاش عُمرًا مديدًا وحياة جيّدة. توفّي جرّاء سوء التغذية. قتلته سياسة التجويع، قتله النزوح والتلوّث وانعدام العلاجات الطبّية المناسبة.

* سجلت هذه الإفادة أع باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 1.9.25