أصواتٌ من غزّة

بلال الرّقب

40 عاماً وأب لسبعة، من سكّان بني سهيلا، يحدّث عن اقتلاع أسرته وصُعوبة الحياة في خيمة في فصل الشتاء

قبل الحرب كنت أعمل في التصميم الجرافيكي، لكنّني عاطل عن العمل منذ أن اندلعت الحرب. حتى شهر كانون الأوّل 2023 كنّا نقيم في مدينة بني سهيلا شرقيّ خان يونس، وكان منزلنا عبارة عن شقّة في بناية مؤلّفة من أربع طوابق مع أولادنا السّبعة: نبال (18 عاماً)، وصال (17 عاماً)، نهال (15 عاماً)، نهيل (12 عاماً)، ريتال (9 سنوات) والتوأم أنس وعبّود (4 سنوات). وفي البناية نفسها كان يقيم إخوتي وأسَرهم.

في كانون الأوّل 2023 اضطررنا إلى مُغادرة البناية والنزوح إلى مدينة رفح، بعد أن قصفت طائرات الحرب الإسرائيليّة المنطقة كلّها وطوّقتها بأحزمة ناريّة. عندما وصلنا إلى رفح اقتنيت خيمة كلّفتني 1،500 شاقل. ونصبتها في منطقة تلّ السّلطان. أقمنا في الخيمة حتى شهر أيّار 2024، مع إخوتي وأسَرهم. عندما اجتاح الجيش الإسرائيليّ رفح اضطررنا إلى النزوح مجدّداً. حاولنا العودة إلى منزلنا في بني سهيلا، ولكن عندما وصلنا تبيّن لنا أنّ البناية قد تهدّمت تماماً. استأجرت مع إخوتي قطعة أرض مُحاذية للمنزل ونصبنا فيها خياماً أقمنا فيها.

منذ أن عُدنا إلى بني سهيلا وحتى يومنا هذا نزحنا نحو خمس مرّات، لمدّة أسبوع أو أسبوعين في كلّ مرّة. كنّا نذهب لنمكث لدى أقاربنا في المواصي. وكنّا في كلّ نزوح نترك الخيمة ونأخذ معنا فقط الملابس والفرشات.

عندما عُدنا من المواصي في المرّة الأولى وجدنا أنّ شظايا قد أصابت الخيمة وجعلتها غير صالحة للاستعمال. اضطررت لشراء شوادر جديدة كلّفتني ما يُقارب 400 شاقل. ثمّ قرّرنا الانفصال بسبب الاكتظاظ في الخيمة - صارت زوجتي ونهال تنامان في خيمة منفردة، وذهبت وصال لتمكث مع جدّتها لأمّها في منزلها في بني سهيلا.

قبل بضعة أيّام هطلت هنا أمطار غزيرة، طوفان حقّا، وهبّت رياح شديدة. ولأنّ خيمتنا منصوبة في مكان منخفض تسرّبت إليها أثناء اللّيل كميّات كبيرة من مياه الأمطار بكميّات كبيرة. حشرنا أنفسنا طوال اللّيل في زاوية الخيمة، وما زالت جميع ملابسنا والفرشات والبطّانيّات مبتلّة. مرّت علينا ليلتان صعبتان جدّاً. فقط عندما توقّف المطر استطعنا إخراج الفرشات والملابس لكي تجفّ.

طلبت من البلديّة أن ترمّم البُنى في المنطقة، ولو قليلاً. لكنّهم لم يتمكّنوا من مُساعدتنا بسبب نقص الوقود. بنينا جدراناً من الحجارة حول الخيمة لكي نمنع دخول مياه الأمطار في المرّة القادمة. كذلك أجلب رمالاً في دلاء وأكوّمها حول الخيمة لمنع التسرّب، مع ذلك ما زالت المياه تدخل، أيضاً عبر الثقوب في سقف الخيمة. حاولت سدّ الثقوب بواسطة شريط لاصق، غير أنّه لم يمنع تسرّب المياه. أضع طناجر في أرضيّة الخيمة لكي تنزل فيها مياه الأمطار فلا تُغرق كلّ شيء.

في الخيمة نعاني من البرد الشديد، ولا توجد لدينا وسائل تدفئة - لا يوجد كهرباء، ولا نملك المال لشراء الحطب فهو يُباع بأسعار باهظة. كذلك ليس لدينا ما يكفي من البطانيات والملابس الشتويّة. في اللّيالي تتجوّل بين الخيام قطعان الكلاب الضالّة وأولادي يخافون منها كثيراً. الحياة في الخيمة كانت صعبة بما يكفي أيضاً في الصّيف. بسبب الحرارة عانت زوجتي من صُداع مستديم طوال فصل الصّيف. وكنّا نعاني أيضاً من الحشرات والقوارض.

ولأنّني عاطل عن العمل وضعنا الاقتصاديّ سيّء وتراكمت عليّ دُيوك كثيرة. ارتفعت أسعار كلّ شيء، ونحن بلا مصدر دخل. لا نستطيع شراء المواد الغذائيّة ولذلك يذهب أولادنا إلى التكيّة كلّ يوم لكي يجلبوا الطعام. في معظم الأحيان نأكل أرُز، فاصولياء، شعيريّة وعدس، ممّا يُطبخ في التكيّة.

خيمتنا ساء حالُها مرّة أخرى، ولأجل إصلاحها يجب أن أقتني على الأقلّ ثلاث شوادر جديدة، وكلّ شادر يكلّف 400 شاقل. هذا مبلغ طائل بالنسبة إلينا. إضافة إلى ذلك، لكي أثبّت الخيمة ينبغي أن أقتني حجارة طوب وإسمنت بتكلفة تُقارب 4،000 شاقل. ناهيك عن أنّه من الصّعب أيضاً العثور عليها هنا في الوقت الحاليّ.

* هذه الإفادة استمع إليها هاتفيّاً باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة، في 12.1.25