أصواتٌ من غزّة

باسل كفينة

(28 عامًا)، من سكان مخيم النصيرات للاجئين وسط القطاع، وصف كيف يخاطر بحياته في "مراكز توزيع المساعدات" والجهد اليومي لجلب الطعام لعائلته:

الصورة
باسل كفينة. الصورة مقدمة من الشاهد
باسل كفينة. الصورة مقدمة من الشاهد

أسكن مع والديّ وأخي وأختيّ. أنا المعيل الوحيد للأسرة. منذ حوالي ثلاثة أشهر ونحن نجد صعوبة بالغة في الحصول على الطعام. من الصعب بشكل خاص الحصول على الطحين، فهو سلعة أساسية بالنسبة لنا، ناهيك عن اللحم أو الدجاج.

قبل الحرب، كان لدي كشك فلافل في سوق مخيم النصيرات للاجئين. ولكن بسبب نقص الزيت وغاز الطهي والأسعار المرتفعة للمنتجات الأساسية مثل البقوليات، اضطررت إلى التوقف عن صنع الفلافل. بدلاً من ذلك، بدأت أبيع مواد التنظيف وكنت أحيانًا أشتري وأبيع كميات صغيرة من المواد الغذائية، حسب المتوفر في السوق، وهو ما كان يسمح لي بشراء حاجيات لعائلتي. بسبب الأسعار الباهظة، أجد نفسي أحيانًا أشتري لترًا من زيت الطهي مقابل 180 شيكلًا أو كيلوغرامًا من البندورة مقابل 60 شيكلًا. كيلوغرام الخيار يكلف 60 شيكلًا أيضًا. لم نأكل اللحم أو الدجاج منذ فترة طويلة.

نستخدم الحطب للطهي، لأن الغاز غير متوفر. كيلوغرام الحطب للتدفئة يكلف ثمانية شواكل، لكن هذا لا يكفي للطهي أو لتسخين المياه للاستحمام. غالبًا ما نشتري 3- 4 كيلوغرامات من الحطب بسعر 20- 30 شيكلًا.

منذ الحصار الذي فُرض في آذار 2025، عندما انتهى وقف إطلاق النار، كاد الطحين أن يختفي من السوق. وعندما يكون متوفرًا، يمكن أن يصل سعر الكيلوغرام الواحد من الطحين إلى 90 شيكلًا. لتوفير الطحين، كانت والدتي تطحن المعكرونة أو العدس وتصنع منهما الخبز، على الرغم من أن كيلوغرام العدس يكلف 40 شيكلًا أيضًا. الطعم فظيع، لكن ليس هنالك خيار آخر. نأكل ما هو متوفر.

قبل حوالي شهر ونصف الشهر، أُعلن عن إنشاء "مراكز لتوزيع المساعدات". في البداية، كنت خائفًا من الذهاب إلى هناك. إنها بعيدة عن منزلي وسمعت أنهم يطلقون النار على الناس هناك وأن هناك جرحى وقتلى. عائلتي أيضًا لم تسمح لي بالذهاب إلى هناك خوفًا من أن أتعرض للأذى.

ولكن عندما ازداد الوضع سوءًا، كان عليّ أن أحاول إحضار الطعام إلى المنزل. خاصة بعد أن أغلقت كشكي في السوق. قررت الذهاب إلى مركز التوزيع في "نتساريم". مشيت أربعة كيلومترات في كل اتجاه. اعتقدت أن المساعدات توزع بطريقة منظمة، لذلك أخذت بطاقة هويتي. ولكن، عندما وصلت إلى هناك وجدت آلاف المواطنين ينتظرون دون أي نظام أو تنظيم.

فقط حوالي الساعة 4:00 فجرًا سُمح لنا بدخول ساحة التوزيع. كانت هناك فوضى عارمة. من ليس قويًا، لا ينجو. مشينا بين سواتر ترابية، في ممرات ضيقة، نتدافع ونتسلق للوصول إلى الساحة. في ذلك الوقت، أطلق الجيش النار بكثافة نحونا. كان هناك العديد من الجرحى ولم يتمكن أحد من إخراجهم لأن الجميع كانوا يخشون الإصابة أو الدهس. بعد معاناة كبيرة، تمكنت من دخول ساحة التوزيع، لكنني لم أجد شيئًا هناك. لا يحضرون ما يكفي من الطرود الغذائية لجميع الأشخاص الذين يأتون لتلقي المساعدات.

عدت إلى المنزل خالي اليدين.

حدث لي هذا مرة أخرى عندما عدت إلى "نتساريم" في ليلة أخرى. حتى في ذلك الوقت كان هناك إطلاق نار كثيف ورأيت الكثير من الجرحى والقتلى. نحن نتابع إعلانات الجيش على الإنترنت حول مواعيد التوزيع، لكنهم لا يلتزمون بالساعات التي يعلنون عنها. أحيانًا يعلنون عن التوزيع في الساعة 6:00 صباحًا، لكنهم يفتحون البوابة في الساعة 2:00 ليلًا أو 4:00 فجرًا. لذلك يذهب الناس ليلًا وينتظر آلاف الأشخاص هناك.

لا توجد آلية واضحة أو منظمة للدخول. يخاطر الناس ويتقدمون نحو مدخل نقاط التوزيع لأن من يدخل أولاً لديه فرصة أكبر للحصول على المساعدات. أحيانًا يسمح الجيش بالاقتراب ثم يطلق النار. في كل مرة يسقط قتلى وجرحى.

واصلت الذهاب إلى هناك كل يومين أو ثلاثة. في إحدى المرات، عندما وصلت، وجدت وجمعت منتجات سقطت من صناديق كرتون مفتوحة - بضعة كيلوغرامات من الطحين وكيس ملح وزيت طهي وعلب فاصوليا وبازلاء معلبة. وضعتها في كيس أحضرته معي وعدت إلى المنزل.

في إحدى الليالي، كالعادة، ذهبت إلى هناك وانتظرت. بدأت أتقدم مع أناس آخرين لأننا اعتقدنا أن ذلك مسموح به، ثم بدأ الجميع يركضون معًا. فجأة، فُتحت نيران كثيفة من دبابات كانت متمركزة على بعد بضع مئات من الأمتار منا، وكذلك من طائرات مسيّرة. استلقيت على الأرض خلف ساتر ترابي، زحفت وهربت. في تلك الليلة، قُتل أكثر من 30 شخصًا وأصيب حوالي 50.

عندما أعود إلى المنزل دون أي شيء، أشعر بسوء شديد. لقد بذلت جهدًا هائلاً. مشيت كيلومترات، زحفت، ركضت، تدافعت بين آلاف الأشخاص وطوال ذلك الوقت كانت حياتي في خطر. وفي النهاية عدت بدون طعام.

ذات مرة عندما كنت عائدًا ببعض علب الطعام من "نتساريم"، حاول أحد البلطجية أن يأخذ مني الكيس الذي فيه الطعام. رفضت، فطعنني بأداة حادة في يدي اليمنى. هرب وواصلت طريقي إلى المنزل. من شدة التعب لم ألاحظ حتى أنني أصبت في يدي. عندما وصلت إلى المنزل رأيت أن ملابسي ملطخة بالدماء. ذهبت إلى مستشفى العودة، حيث نظفوا لي الجرح وضمدوه.

المنطقة التي يقع فيها مركز التوزيع بعيدة جدًا عن منزلي. الطريق غير معبدة ونحن نمشي ليلاً بين أنقاض المنازل. يطلقون النار علينا طوال الوقت وهناك بلطجية ولصوص في كل زاوية. الخطر يتربص بنا من كل اتجاه. إذا أصبت، لن يكون هناك من يساعدني، وخاصة في مراكز توزيع المساعدات المكتظة بالحشود، ولا توجد سيارات إسعاف بالقرب منها. لم يبقَ لدينا أي شعور بالأمان.

في كل مرة أذهب فيها إلى "مركز توزيع المساعدات"، أرى على وجوه أفراد عائلتي مدى خوفهم عليّ وكأنها المرة الأخيرة التي يرونني فيها. الذهاب إلى مركز المساعدات هو بمثابة ذهاب إلى الموت. عندما أعود، يبدو الأمر وكأن الله قد وهبني الحياة من جديد.

* سجّل الإفادة باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة في 1.7.25