أصواتٌ من غزّة

عبدالله شقورة

(40 عامًا)، أرمل وأب لثلاثة، من سكّان مدينة خان يونس، يتحدّث عن زوجته التي قُتِلت أمام عينَي ابنه، عن النزوح وعن الجوع المدقع

فقدتُ زوجتي، ألفت خالد حمودة (35 عامًا)، في 24.1.24 جرّاء نيران الجيش. أنا أب لثلاثة أولاد: محمّد (14 عامًا)، أمجد (12 عامًا) وأركان (7 أعوام). حتّى اندلاع الحرب كنتُ أعمل في مطعم. لكن منذ ذلك الحين فقدتُ عملي وأصبحت عاطلًا عن العمل.

عندما اندلعت الحرب بقينا في منزلنا في حيّ الأمل في مدينة خان يونس حتّى كانون الثاني 2024. ولكن بعد ذلك بدأت قوّات الاحتلال بالتقدّم نحو حيّنا بالتزامن مع القصف من الدبّابات ومن الطائرات وإطلاق النيران من الطائرات المسيّرة (الكوادكوبتر). قرّرتُ أنا وألفت النزوح مع الأطفال إلى مكان آمن وبدأنا بتنظيم أنفسنا للمغادرة. في ذلك اليوم، كان ابننا أركان يعاني من آلام في الأسنان وقبل أن نغادر أخذته ألفت إلى عيادة الأسنان التابعة للهلال الأحمر القريبة من منزلنا. بقيتُ أنا في المنزل مع الولدين الآخرين لرَزْم أمتعتنا استعدادًا للرحيل ولترتيب سيّارة نسافر بها. 
 

الصورة
عبد الله شقورة مع أولاده، من اليمين: محمد، أركان وأمجد. صورة قدمها هو مشكورًا
عبد الله شقورة مع أولاده، من اليمين: محمد، أركان وأمجد. صورة قدمها هو مشكورًا

رغم أنّ الجيش كان قد أصبح متواجدًا في المنطقة المحيطة بمنزلنا، إلّا أنّني لم أفكّر في أنّهم سيؤذون زوجتي وابني وهما في طريقهما إلى العيادة. ولكن بمجرّد وصولهما إلى بوّابة الهلال الأحمر، كان هناك هجوم مُدمَج: إطلاق نار من طائرة كوادكوبتر وقذيفة من دبّابة. أصيبت زوجتي بشظايا في بطنها وقُتِلت على الفور. أمّا أركان، الذي كان شاهدًا على مقتل والدته، فقد عاد إلى المنزل وحيدًا وهو يبكي. عندما سألتُه عمّا حدث أخبرني فقط بأنّ والدته ماتت. في تلك الساعة استمرّ إطلاق النار والقصف ولم أتمكّن من الوصول إليها.

جمعتُ الأولاد وخرجنا من المنزل بسرعة. أنا لا أعرف حتّى من الذي جلب زوجتي لدفنها. في ذلك اليوم نفسه نزحنا إلى مدينة رفح.

بالإضافة إلى الحرب والخوف والذعر خلال السنة ونصف السنة الأخيرة، أُصِبنا أيضًا بفقدان زوجتي وأمّ أولادي. هذا الفقدان قاسٍ جدًّا بالنسبة لي وللأولاد. كانت صدمة أركان شديدة وحادّة بشكلّ خاصّ، لأنّه رآها تُقتل أمام عينيه، وهو مشهد لا يمكنه أن ينساه وربّما لن يستطيع أن ينساه أبدًا. نحن نعيش منذ ذلك الحين في حالة من الحزن والأسى كبيرين. كانت ألفت كلّ شيء بالنسبة لنا وبدونها حياتنا أكثر سوادًا من السواد نفسه. الأمّ هي العالم كلّه بالنسبة لأولادها. كلّما سمعوا كلمة "أمّي" أرى الحزن على وجوههم، وخاصّة أركان. بالإضافة إلى ذلك، في 21.7.24، أي بعد نصف سنة على فقدانهم ألفت، توفّيت والدتي، زهر شقورة (77 عامًا)، أيضًا وعانوا من فقدان آخر. منذ ذلك الحين وهم يسألون عنهما طوال الوقت، وكلّ ما أستطيع قوله لهم هو: "انظروا إلى أعلى نحو السماء، أمّكم وجدّتكم هناك".

الصورة
أولاد عبد الله شقورة، من اليمين: محمد، أركان وأمجد. صورة قدمها هو مشكورًا
أولاد عبد الله شقورة، من اليمين: محمد، أركان وأمجد. صورة قدمها هو مشكورًا

بقينا في رفح خمسة أشهر، في خيمة لم تكن صالحة للسكن حقًّا. كان هناك قصف في كلّ مكان. كأب، أحاول أن أفعل كلّ ما في وسعي للاهتمام باحتياجات أولادي وحمايتهم. لكنّ النزوح تجربة منهكة ومؤلمة للجميع وقد كانت تلك خمسة أشهر من المعاناة.

بعد ذلك اجتاح الجيش رفح واضطررنا إلى النزوح مرّة أخرى. عدنا إلى منزلنا في خان يونس فوجدناه قد تضرر كثيرًا، لكنه ظل قائمًا. أصلحتُ فيه ما أستطيع حتّى نتمكّن من السكن فيه. توجّهتُ إلى رجال الدفاع المدنيّ فأخذونا إلى قبر زوجتي. عندما وصل أولادي إلى قبر والدتهم للمرة الأولى، لم يرغبوا في مغادرة المكان طوال اليوم. تحدّثوا معها وبكوا. ثم قمنا، في وقت لاحق، بنقل جثمانها إلى مقبرة الحيّ.

خلال هذه الحرب الشرسة عانينا من أشياء قاسية كثيرة: القتل، النزوح، الدمار والجوع. لكنّ الجوع الذي نعاني منه خلال الشهرين الأخيرين هو بمقاييس مختلفة. أغلِقت المعابر ومُنع إدخال البضائع إلى القطاع بشكل تامّ. هذه طريقة أخرى من طرق الحرب التي يستخدمها الجيش الإسرائيليّ ضدّ المدنيّين في القطاع: حرب التجويع. أولادي يتوسّلون إليّ أن أحضر لهم اللحم أو البيض وأنا أضطرّ أن أقول لهم إنّ هذه غير متوفرة وإنّني لا أستطيع. ما هي الجريمة التي ارتكبها أولادي؟ ولماذا يتمّ تجويعهم؟

الجوع الذي فُرض علينا الآن مدقع للغاية. لا يمكنك الحصول على أيّ شيء هنا باستثناء القليل من الطحين، المعلّبات، الأرزّ والحبوب، البازلاء والفاصوليا. الخضروات الطازجة الوحيدة التي تُباع هنا هي البندورة، الخيار والفلفل، لكنّها باهظة الثمن بالنسبة لنا. لا توجد لحوم أو أسماك أو بيض هنا على الإطلاق. ولكن حتّى ما نستطيع شراءه، لا نقدر تحمّل تكاليف طبخه. لا يوجد غاز للطبخ على الإطلاق، والطبخ ممكن على موقدة فقط، لكنّ الحطب باهظ الثمن بالنسبة لنا. لذلك، نحن نعتمد فقط على الطعام الجاهز الموزَّع في التكايا وعلى بعض المعلّبات. بدون التكايا لكنّا قد متنا من الجوع. نحن نقف في طوابير طويلة لتوزيع الطعام لكي نعود إلى المنزل مع طبق من الحساء. أحيانًا يقف أولادي في الطابور وفي بعض الأحيان أقف أنا. سعر الكيلوغرام الواحد من الطحين خمسون شاقلًا. عندما أستطيع، أشتريه وأخبزه لهم، لكن هذه الكمّيّة تنفد بسرعة كبيرة. منذ 53 يومًا ونحن نتعرض للتجويع الحقيقي.

أنا أكتفي بوجبة واحدة في اليوم حتّى أتمكّن من إعطاء أولادي وجبتين. في الصباح نأكل الفلافل والخبز. يبيعون هنا حبّتين

الصورة
منزل عبد الله شقورة. صورة قدمها هو مشكورًا
منزل عبد الله شقورة. صورة قدمها هو مشكورًا

 من الفلافل بشاقل واحد، لكنّها كمية لا تسدّ الجوع ولا تُشبِع. في المساء، إذا كنّا محظوظين، نحصل على طعام من التكيّة، وإذا توفرت علب فول أو فاصوليا، أفتح منها.

حتّى الحصار الجديد كنّا نحصل على طرود غذائيّة من "وكالة غوث اللاجئين" (الأونروا) ومنظّمات الإغاثة الأخرى، ولكن الآن لم يعد هناك شيء من هذا. في بعض الأحيان، عندما لا يكون لدينا طعام والتكيّة مغلقة، نكتفي بالخبز والشاي الذي أقوم بإعداده. في الآونة الأخيرة تمّ إغلاق الكثير من التكايا.

الوقوف في طابور توزيع الطعام في التكايا هو أمر خطير جدًّا، وخاصّة بالنسبة للأولاد. سمعتُ منذ فترة غير طويلة أنّه دهس طفل حتّى الموت بسبب التدافع والاكتظاظ في طابور كهذا في شمال القطاع. كما قصف الجيش تكايا في أثناء وقوف حشود من الناس في الطابور وسقط قتلى وجرحى. إحدى هذه الحوادث وقعت في المواصي في خان يونس. قصف الجيش أناسًا أبرياء كانوا يقفون في الطابور للحصول على طبق من الطبيخ.

لم أعد أتذكّر متى تناولنا منتجات الألبان أو الفاكهة أو شربنا العصير. نسينا ما هو الطعام الصحّيّ وفقَد أولادي الكثير من الوزن لأنّهم يأكلون الأطعمة المعلّبة والحبوب وأطباق الطبيخ من التكيّة فقط. هذه الأطباق تُصنع هي أيضًا من الأطعمة المعلّبة عادةً وليس من الخضروات الطازجة. وهذا الطعام غير مُغذٍّ، لا بل ضارّ. في بعض الأحيان يعاني الأولاد من آلام شديدة في البطن ومن إسهال. أشعر بالحزن لرؤيتهم نحيفين على هذا النحو. نحن نشتهي مذاق العديد من الأشياء ورؤية الأسواق مليئة بالسلع الجيّدة. في بعض الأحيان يذهب الأولاد إلى النوم جائعين وقد تعبتُ أنا من العيش بهذا الشكل.

هناك مشكلة كبيرة أخرى هي عدم القدرة على الوصول إلى البنوك، ومن أجل سحب الأموال نقدًا ندفع للتجّار عمولات مرتفعة. وقد أوصلني هذا الوضع إلى الإفلاس. كلّ شيء هنا في القطاع تجمّد في مكانه. لا حياة هنا، هناك موت فقط، دمار، قصف وجوع.

نحن نعاني بشدّة أيضًا من ضجيج القصف المتواصل الذي يفوق بكثير قدرة البشر على التحمّل. أولادي يتوقون إلى ليلة واحدة يستطيعون فيها النوم بهدوء، بدون إزعاج وبدون خوف وذعر.

بالإضافة إلى هذا كلّه، حُرم أولادي أيضًا من حقّهم في الدراسة. تمّ تدمير مدارسهم. سُلبوا كلّ شيء جميل في الحياة. إنّهم يستحقّون أن ينشأوا بهدوء وأمان مثل سائر الأطفال في العالم. لكنّ الاحتلال سلبَهم أمّهم وإمكانيّة العيش بأمان وهو يقوم بتجويعهم أيضًا.

أريد أن يصل صوتي إلى العالم كله. أن يسمع الجميع عن معاناتنا وعن ممارسات التعذيب التي تتعرّض لها عائلتي. عن الفقدان، النزوح والجوع تحديدًا. حرب التجويع هي الأسوأ. نحن محكومون هنا بالموت البطيء. الجميع هنا يتوقّعون الموت بسبب القصف كلّ ساعة وكلّ دقيقة ولكن حتّى لو نجونا من القصف، فسوف نموت من الجوع.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 23.4.25