قوات إسرائيلية

جنود يقتلون بنيرانهم صلاح صوافطة (58 عاماً) دون أن يشكّل خطراً على أحد والجيش يُسارع، كعادته، إلى التنصّل من المسؤوليّة، طوباس، 19.8.22

الصورة

في ساعات الفجر من يوم الثلاثاء الموافق 19.8.22 اقتحمت قوّات الجيش بلدة طوباس. في المواجهات التي اندلعت بين شبّان وجنود رشق بعض الشبّان الحجارة نحو الجنود وأطلق بعضهم الآخر النار نحوهم، بينما أطلق الجنود الرّصاص الحيّ.

نحو السّاعة 5:00 صباحاً دخل ستّة جنود إلى بناية مكاتب في الشارع الرّئيسيّ في طوباس وتمركزوا داخل المكاتب في الطابق الثالث. بعد ذلك بوقت قصير أطلق الجنود النيران عبر نوافذ المكاتب مستهدفين فلسطينيّين في الزقاق المجاور للبناية كانوا يُطلقون النار نحوهم. عند السّاعة 5:20، بعد انتهاء صلاة الفجر، خرج المصلّون من المسجد، الواقع هو أيضاً في الشارع الرئيسيّ على بُعد نحو 200 متر من بناية المكاتب المذكورة. خرج صلاح صوافطة (58 عاماً) مع المصلّين الآخرين وتوجه نحو منزله. وخلال ذلك، مرّ على الرّصيف المقابل لبناية المكاتب. في تلك الأثناء، جاءت ثلاث سيارات جيب عسكريّة وتوقّفت في جوار البناية.

في تسجيل فيديو وثّقته كاميرات مراقبة، وكذلك في أشرطة فيديو صوّرها أشخاص تواجدوا في الموقع، يظهر صالح صوافطة في الشارع الرّئيسيّ نحو السّاعة 5:30 وهو يمشي مُسرعاً في اتّجاه منزله. عندما وصل إلى مدخل مخبز السّراج، على بُعد نحو 100 متر جنوب بناية المكاتب، أصيب في رأسه بنيران أطلقها الجنود المختبئون في البناية. ارتمى صلاح على الأرض وبعد أقلّ من دقيقة وصلت سيّارة إسعاف كانت تقف في الجوار فأخلاه طاقمها إلى المستشفى.

سارع الجيش إلى الادعاء بأنّ "هناك احتمالاً كبيراً لأن يكون صوافطة قد قُتل بنيران مسلّحين فلسطينيّين"، غير أنّ تحقيق بتسيلم يُظهر أنّ المسلّحين الفلسطينيّين تواجدوا شمال غرب مخبز السّراج وأنّه من موقعهم هذا ليس هنالك خطّ إطلاق إلى المكان الذي أصيب فيه صلاح صوافطة. إضافة إلى ذلك، أظهرت نتائج فحص الجثمان على يد طبيب شرعيّ بتكليف من بتسيلم أنّ الرّصاصة اخترقت رأس صوافطة من الجهة اليمنى، أي من جهة مبنى المكاتب الذي تواجد فيه الجنود. كذلك زعم الجيش بأنّ "القنّاصين الذين انتشروا في القرية غادروا مواقعهم قبل أن يُصاب صوافطة" وأنّ "المركبات العسكريّة التي شاركت في العمليّة كانت قد بدأت تتحرك". لكنّ المركبات العسكريّة في الواقع غادرت المكان فقط بعد مرور دقيقتين على إخلاء صلاح صوافطة، وهو ما يظهر بوضوح في تسجيلات الفيديو. حسبما نُشر في وسائل الإعلام، لم يتقرر بعد إنْ كان سيُجرى تحقيق الشرطة العسكرية أم لا. 

في 11.5.22 قُتلت الصحفيّة الفلسطينيّة شيرين أبو عاقلة. بعد مقتلها مباشرة سارع الجيش إلى التنصّل من أيّة مسؤوليّة عن مقتلها، ملقياً المسؤوليّة على مسلّحين فلسطينيّين. ولكن بعد مرور أسابيع اضطرّ الجيش إلى الاعتراف - ليس بملء الفم وبعد ضغط أمريكيّ – بوجود "احتمال كبير" لأن تكون شيرين أبو عاقلة قد قُتلت بنيران جنوده. وبعد مضيّ ثلاثة أشهر على ذلك، ها هو الجيش يعود مرة أخرى ويسارع إلى التنصّل من أيّة مسؤوليّة عن مقتل صلاح صوافطة ويكرّر المزاعم نفسها، خلافاً للوقائع ودون تقديم ما يُثبت مزاعمه.

غير أنّ الأكاذيب التي ينشرها الجيش لا يمكنها طمس الحقائق: إطلاق النار على صلاح صوافطة لم يكن حدثاً استثنائيّاً وإنّما جزءاً من سياسة إطلاق النار غير القانونية والمنافية للأخلاق التي تطبّقها إسرائيل في المناطق المحتلّة، إذ تسمح للجنود بإطلاق الرّصاص الحيّ على الفلسطينيّين دون أيّ مبرّر. إثر إطلاق النيران على الفلسطينيّين، وحتى في الحالات التي تؤدي إلى قتلهم، يتمتّع الجنود مطلقو النيران بحصانة مطلقة ودعم تامّ من أعلى المراتب في المنظومتين العسكريّة والسياسيّة وبغضّ النظر عن ملابسات الحادثة. هذه السياسة تعكس، أكثر من أي شيء آخر، عُمق استهتار إسرائيل بحياة الإنسان طالما أنّه فلسطينيّ.

فيما يلي بعض الإفادات التي سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ عارف دراغمة:

"أ" هو سائق تاكسي (50 عاماً، من سكّان طوباس) كان قد شاهد صلاح صوافطة متوجّهاً من المسجد إلى منزله، قبل إطلاق النار عليه بلحظات قليلة، قال:

نحو السّاعة 5:00 صباحاً ذهبت لأصلّي في المسجد القديم، بعد أن عملت طوال اللّيل. في طريقي إلى المسجد سمعت أناساً يقولون إنّ قوّات من الجيش قد دخلت إلى طوباس.

بعد أن انتهت الصّلاة وخرجنا من المسجد قال لي بعض المصلّين إنّ عليّ اتّخاذ الحيطة والحذر لأنّ جنوداً قد دخلوا إلى البناية الواقعة قبالة محطّة التاكسيّات التي أعمل فيها، في الشارع الرئيسيّ. مشيت في اتّجاه المحطّة سالكاً طريقاً التفافيّة، لكي أفحص ما إذا كان الجنود متواجدين فعلاً في المنطقة. عن بُعد، شاهدت صلاح صوافطة، وكان قد صلّى معي في المسجد، يهبط في الطريق المؤدّية مباشرة إلى محطّة التاكسيّات.

بعد وُصولي إلى المحطّة بلحظات معدودة شاهدت مركبتيّ "جيبب"عسكريّتين تصلان وتتوقّفان تحت بناية المكاتب المقابلة للمحطّة. في الوقت نفسه أطلق رصاص من عدّة اتّجاهات، وخاصّة من قسم البناية العلويّ.

صوّرت ما يجري بواسطة هاتفي النقّال، في حين كان إطلاق الرّصاص متواصلاً. بعد دقيقة واحدة تقريباً، عندما توقّف إطلاق الرّصاص، سمعت صفّارة سيّارة إسعاف في الجهة الجنوبيّة من الشارع وافترضت أنّ أحدهم قد أصيب. بعد دقائق خرج من البناية جنود وصعدوا إلى مركبات "الجيب" التي كانت تنتظر في الخارج، ثمّ اتّجهوا جنوباً.

زكريّا صوافطة (27 عاماً، من سكّان طوباس) هو أحد العاملين في مخبز السراج، كان شاهد عيان على إصابة صلاح صوافطة، قال:

نحو السّاعة 5:30 أوقفت سيّارتي قبالة المخبز. بينما كنت أهمّ بإنزال البضاعة سمعت صوت رصاصات تُطلق من جهة الشمال وشاهدت صلاح صوافطة يقترب من المخبز ويحاول الفرار من الرّصاص. عندما أصبح قريباً جدّاً من المخبز شاهدت أحد العاملين، ويُدعى عبد المجيد المصري، يُطلّ برأسه ثمّ يعود إلى الدّاخل. في اللّحظة نفسها أصيب صلاح في رأسه ووقع أرضاً.

ابتعدت مسافة 150 متراً تقريباً وناديت سائق سيّارة الإسعاف التي كانت متوقّفة في الجوار فوصل خلال وقت قصير وأخلى صلاح إلى المستشفى. عندما عدت إلى المخبز كانت الدّماء تملأ المكان.

كنت أعرف صلاح جيّداً فقد كان يمرّ من أمام المخبز صباح كلّ يوم في طريقه إلى المسجد وفي طريق عودته منه. وكان يتوقّف لشُرب القهوة عندنا. شخص مُسنّ عائد من صلاة الصّبح. أنا لا أفهم لماذا قتلوه!

"خ" (29 عاماً) هو سائق سيّارة الإسعاف التي أخلت صلاح صوافطة بعد إصابته، قال:

في 19.8.22 ليلاً دخلت قوّات من الجيش إلى طوباس واندلعت مواجهات بين الجنود وشبّان رشقوهم بالحجارة وأطلقوا نحوهم الرّصاص. حينذاك كنت وسيّارة الإسعاف على أهبة الاستعداد طوال اللّيل.

نحو السّاعة 5:00 صباحاً، كانت سيّارة الإسعاف متوقّفة قرب مخبز السّراج وأنا في داخلها. شاهدت عدداً من الجنود يدخلون إلى بناية مكاتب تقع على الشارع الرّئيسيّ. أشعل الجنود الأضواء في الطابق الثالث ثمّ أطفأوها. بعد نحو عشرين دقيقة انتهت الصّلاة وأخذ المصلّون يخرجون من المسجد. عندئذٍ وقع تبادُل إطلاق النار بين الجنود المتواجدين في الطابق الثالث وشبّان متواجدين في زقاق مجاور للشارع الرئيسيّ. قدت سيّارة الإسعاف إلى الخلف مسافة 150 متراً تقريباً وتوقّفت في مكان بدا لي أكثر أماناً.

بعد لحظات معدودة جاء عدد من الشبّان وقالوا إنّ هناك مصاباً ملقىً على الأرض عند مخبز السّراج. توجّهت إلى هناك مع المُسعف ووصلنا خلال ثوانٍ. أنزلنا النقّالة ثمّ تقدّم المُسعف نحو المُصاب، وقد ساعدنا أحد الأشخاص هناك في إدخال الجريح إلى سيّارة الإسعاف. في هذه الأثناء كانت المواجهات مستمرّة ولذلك غادرنا عبر طرق التفافيّة منطلقين إلى المستشفى التركيّ.

كان الجريح، صلاح صوافطة، مصاباً في الجهة اليمنى من رأسه. يبدو انّه تلقّى ضربة قويّة في الرأس حين وقع أرضاً، ومن المحتمل أنّ ذلك قد فاقم وضعه. كان في حالة بالغة الخطورة ولذلك أحالوه إلى مستشفى رفيديا في نابلس. بعد ساعتين أعلنوا عن استشهاده.