اعمال الضرب والتنكيل

بتسيلم تتابع: عنف شديد وتعذيب أثناء التحقيق مع عشرات القاصرين في محطة شرطة "غوش عتصيون"

منذ تشرين الثاني 2009، حصلت منظمة بتسيلم على عشرات الإفادات التي أدلى بها فلسطينيون من سكان قضاء بيت لحم وقضاء الخليل، غالبيتهم من القاصرين، والذين تحدثوا عن تعرضهم للعنف الشديد أثناء التحقيق معهم، لدرجة تحوّله إلى تعذيب في بعض الحالات، وإلى التهديد، وذلك في محطة شرطة "غوش عتصيون" الواقعة في منطقة الخليل والتابعة للواء "شاي" (الضفة الغربية). ويتضح من الإفادات أنّه طُلب من المحقَّق معهم أثناء التحقيقات الاعتراف بارتكاب مخالفات، غالبيتها تتمثل في إلقاء الحجارة. وفي الغالبية الساحقة من هذه الحالات، أوقف المحققون ممارسة العنف ضدّ المحقق معهم لحظة اعترافهم بالتهمة.

يحقّ لكلّ إنسان أن يكون منعتقًا من التنكيل والتعذيب –الجسدييْن أو الذهنييْن- وهذا الحق واحد من حقوق الإنسان المعدودة الذي يُعتبر حقًا مطلقًا، لا يجب "موازنته" في مقابل حقوق أو قيم أخرى، ولا يمكن تأجيله أو تقييده أبدًا، حتى في الظروف الصعبة التي تسود الحرب أو مكافحة الإرهاب. ويتمتع هذا الحق اليوم بمكانة هي الأعلى والأكثر إلزامًا في القانون الدوليّ. وبالطبع، فإنّ أيّ اعتراف يُدلى به من خلال انتهاك هذا الحق لا يمكن أن يكون أساسًا لتذنيب شخص ما.

م.ح. من سكان حوسان، كان في الرابعة عشرة من عمره أثناء اعتقاله

أدخلني المحقق إلى غرفة، أمسكني برأسي وبدأ بضربه في الحائط. بعدها لكمني بقبضته وصفعني وركلني على رجليّ. كان الألم هائلاً وشعرتُ بأنني غير قادر على الوقوف على قدميّ. بعدها بدأ المحقق بشتمي. وقال أمورًا نابية جدًا عني وعن أمي. وقد هدّد باغتصابي وبارتكاب أفعال جنسية معي إذا لم أعترف بإلقاء الحجارة. كنت خائفًا جدًا من تهديداته لأنه كان قاسيًا جدًا ولأننا كنا وحدنا في الغرفة. تذكّرت ما رأيته في الأخبار عن جنود بريطانيين وأمريكيين اغتصبوا وصوّروا مواطنين عراقيين وهم عراة. (من إفادة م.ح., من سكان حوسان، كان في الرابعة عشرة من عمره أثناء اعتقاله)

التحقيقات:

في تشرين الثاني 2009، بدأت بتسيلم بتلقي تقارير ومعلومات تتعلق بالعنف الذي يمارسه المحققون مع قاصرين جرى التحقيق معهم في محطة شرطة "غوش عتصيون". وحتى تموز 2013، جمع الباحثون في بتسيلم 64 إفادة من سكان ثماني بدلات تقع جنوب الضفة الغربية، تحدثوا عن عنف مارسه ضدّهم محققون في محطة عتصيون. وقد كان 56 شخصًا منهم قاصرين أثناء التحقيق معهم.

ووصف المحقق معهم في إفاداتهم العنف الجسديّ الشديد الذي خضعوا له أثناء التحقيق أو الاستجواب، والذي وصل في بعض الحالات حدّ التعذيب. وشمل العنف المذكور الصفع واللكم والركل والضرب بأغراض مختلفة مثل المسدس أو العصا. وقال البعض ممّن أدلوا بإفاداتهم إنهم تعرضوا للتهديد أيضًا: ففي 12 حالة من الحالات ادّعى المحقق معهم أنّ المحقق هدّدهم أو هدّد نساء العائلة بالاعتداء الجنسيّ مثل الاغتصاب، وإلحاق الأذى بالأعضاء التناسلية. وفي ست حالات قال المحقق معهم إنّ المحققين هدّدوهم بالإعدام، وفي ثماني حالات قال المحقق معهم إنّ المحققين هدّدوهم بالمسّ بأفراد عائلاتهم، فيما هدّدوا في خمس حالات أخرى بكَهرَبة المحقق معهم، بحيث يؤدي ذلك إلى إلحاق الأذى بخصوبتهم، من بين سائر الأضرار.

أضفْ إلى ذلك، أنّ المحقق معهم ادّعوا في 12 حالة من الحالات بأنّ اعترافهم الأول أدليَ أمام شخص يرتدي الملابس المدنية، وبأنّ التحقيق معهم في هذه المرحلة لم يُسجّل، على حدّ علمهم. وفقط بعد اعترافهم بإلقاء الحجارة، نُقلوا إلى غرفة أخرى، وهناك طلب منهم محقق يرتدي زيّ الشرطة الإدلاء باعترافهم ثانية، حيث جرى تسجيلهم هذه المرة. بعدها أمرهم المحققون بالتوقيع على مستند بالعبرية، وهي لغة لا يتقنونها، من دون أن يدركوا ما يوقّعون عليه.

عناية السلطات بالمسألة:

نقلت بتسيلم إلى وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش")، بين السنوات 2009 و2013، 31 شكوى باسم فلسطينيين قالوا إنهم خضعوا للتحقيق تحت العنف وخضعوا لتهديدات المحققون في محطة عتصيون. وفي سائر الحالات التي وثقتها بتسيلم فضّل المحقق معهم أو عائلاتهم عدم تقديم شكوى إلى وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش")، سواءً بسبب الخوف من أن يؤدي الأمر إلى المسّ بالأبناء الذين حُقق معهم أو بأفراد آخرين من العائلة، أم نتيجة لانعدام الثقة التام بالجهاز القضائيّ الإسرائيليّ.

وقد تراجع 20 شخصًا من أصل 31 شخصًا حُقق معهم وتوجّهت بتسيلم باسمهم إلى وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش")، عن نيتهم تقديم شكوى لدى وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") والإدلاء بإفاداتهم، نتيجة لنفس الأسباب التي ردعت مشتكين آخرين. وقد قررت وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") عدم التحقيق بتاتًا في شكاوى لا يحضر فيها المشتكي للإدلاء بإفادته، كما أنّ المعلومات التي وفرتها منظمة بتسيلم بخصوص هذه الحالات لم تُفحص أبدًا، برغم أنّ بإمكانها المساعدة على التحقيق في الظاهرة، وذلك وفق ما قيل لبتسيلم.

ولم تفتح وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") تحقيقًا إلا بشأن 11 حالة قدّم فيها المشتكون إفاداتهم. كما أُغلقت ثلاثة ملفات من ملفات التحقيق، فيما لم يُستكمل التحقيق بعد في ثمانية ملفات فُتحت جميعها ابتداءً من حزيران 2012.

في إطار توجّهتها إلى وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش")، طالبت بتسيلم بأن يجري الاعتناء بمسألة العنف في التحقيقات في محطة عتصيون بشكل مَبنويّ، وبألا تكتفي وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") بتحقيق عينيّ يخصّ الشكاوى نفسها. في المقابل، طرح ممثلو بتسيلم هذا المطلب، أيضًا، أمام جهات في الشرطة ووزارة القضاء. وجاء في ردّ وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") على بتسيلم، أنه يجري بالفعل فحص مبنويّ للمسألة.

وبرغم التوجّهات الكثيرة إلى الشرطة لم تنجح بتسيلم في الحصول على ردّ رسميّ على السؤال حول ما إذا اُتخذت تدابير ما لعلاج الظاهرة، وفي حال أنها اُتخذت فما هي هذه التدابير. وقد اصطدمت جميع توجّهاتنا إلى الشرطة بالنفي. فمثلا، في اللقاء الذي جرى يوم 7/1/2013 بين ممثلي بتسيلم وبين قائد منطقة الخليل في الشرطة، أنكر ممثلو الشرطة وجود هذه الظاهرة. ولم يتطرق ممثلو الشرطة إلى الشكاوى نفسها بادّعاء أنها موجودة رهن التحقيق لدى وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") ولذلك فهم لا يملكون أيّ قدرة على فحص تفاصيل هذه الحالات، خوفًا من التشويش على مجريات التحقيق. كما علمت بتسيلم خلال هذا اللقاء أنّ ضابط التحقيقات في محطة عتصيون قد تغيّر، لكنهم شدّدوا على أنّ الأمر جرى من دون أيّ علاقة بشكاوى بتسيلم.

كما أنّ كثرة الإفادات المتعلقة بممارسة العنف أثناء التحقيقات في محطة عتصيون، والفترة الزمنية المتواصلة التي أُدليت فيها هذه الإفادات، تثير الشكّ الكبير في أنّ الحديث لا يدور عن محقق واحد فقط قرّر تبني أساليب تحقيق غير قانونية، بل عن جهاز يدعمه ويُمكّن من وجود وبقاء مثل هذه المسلكيات. وبرغم ذلك، وعلى حدّ علم بتسيلم، لم يُبذل حتى اليوم أيّ جهد حقيقيّ لمنع مواصلة التنكيل ولم يُجرَ فحص للجهاز برُمّته. وكل ما جرى حتى الآن تمثل بالتحقيق في شكاوى قليلة، وهذا التحقيق مستمرّ منذ أكثر من سنة. ويسمح جهاز تطبيق القانون بوجود مثل هذا الواقع، برغم أنّ جميع الجهات ذات الصلة تعي أنّ الادعاءات تتعلق بممارسة العنف ضدّ قاصرين أثناء التحقيقات، وبأنّ بعض هذه التحقيقات وصل حدّ التعذيب.

وفي أعقاب خطورة الشبهات وحجمها، يجب على وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") وشرطة إسرائيل أن تجريا فحصًا مَبنويًا لهذه الظاهرة، وفي حال تبيّن صدق الادعاءات، أن تضع حدًا لها فورًا وأن تتخذ التدابير القضائية والإدارية ضد المسؤولين، بمن فيهم أصحاب المناصب الذين كانوا على دراية بهذه المسلكيات وسمحوا باستمرارها. كما يجب التأكّد من وجود أجهزة رقابة ناجعة تحول دون تكرّر مثل هذه الحالات.

على وحدة التحقيق مع افراد الشرطة ("ماحَش") أن تستكمل التحقيق في هذه الحالات فورًا، والتي تتواصل منذ أكثر من سنة، وفي حال تبيّن صحة الادعاءات، يجب اتخاذ تدابير قضائية ضد المسؤولين واستنفاد الإجراءات القانونية معهم.

نهايةً، في حال اتضح أنّ الاعترافات التي سُحبت بوسائل غير قانونية قد اُستخدمت كدليل مركزيّ في محاكمة المحقق معهم أو أشخاص آخرين، فيجب عندها إلغاء المحاكمات التي استندت إلى هذه الاعترافات، واتخاذ جميع التدابير المترتّبة على ذلك.

مواد مقترحة

جنود أثناء اقتحام مخيم العربو للاجئين في محافظة الخليل. تصوير: آن فك، آكتيفستلز، 24.5.13

روتين العُنف

روتين الاحتلال: جنود يهاجمون فتى في السادسة عشرة من عمره في مخيم العروب للاجئين ويكسرون فكه ويعتقلونه لمدة 26 يوما

قرابة الثامنة من صباح الأحد الموافق 29.11.20 اقتحم جيبان عسكريان مخيم العروب للاجئين. رشق فتيان وشبان الجنود بالحجارة الذين ألقوا نحوهم قنابل الصوت والغاز. كانت مستوطنتان قد أصيبتا قبلئذ إصابات طفيفة جراء رشق حجارة عندما كانتا تسافران في سيارة في شارع قريب من المخيم. كان أحد الجيبين يلاحق الشبان فأصاب محمد مقبل (16 عاما) فوقع ثم نهض واستمر في الركض حتى أمسكه الجنود فضربه أحدهم على فكه فوقع ثانية. ركله جندي آخر على جميع أنحاء جسده عندما كان ملقى على الأرض فقيد الجنود يديه ووضعوه في الجيب وقد استمر أحد الجنود في ضربه في الطريق. أُخذ محمد مقبل وفتيان آخرون ممن اعتقلوا في المخيم في اليوم نفسه إلى مركز شرطة "عتسيون" وقد انتظروا هناك ساعات طويلة وكانوا يحققون معهم على نحو متقطع. تم التحقيق مع مقبل في إطار انتهاك حقوقه الأساسية وفي نهايته جعلوه يوقع على وثيقة باللغة العبرية وهي لغة لا يفهمها. في نهاية التحقيق نقل الجنود الفتية إلى المطبخ وقال لهم أحدهم إن بإمكانهم المبيت على الأرض ولم يعطوا طعاما وشرابا طيلة هذه الساعات. في الثالثة فجرا أخذ الجنود محمد مقبل إلى مستشفى "هداسا عين كارم" في القدس وهناك قيدوه بالسرير ووقف جنود في باب الغرفة ومنعوا والده في البداية من الدخول إليها. بعد يومين أجريت له عملية جراحية في الفك وفي مساء اليوم التالي الموافق 4.12.20 نُقل إلى سجن "مجيدو". قدم الادعاء العسكري ضده لائحة اتهام في 6.12.20 تحوي بندين إذ تطرق الأول إلى إلقاء زجاجة حارقة في آذار 2020 والثاني لإلقاء حجارة في يوم اعتقاله. طالب الادعاء اعتقال مقبل حتى انتهاء الإجراءات ولكن القاضي رفض ذلك. رُفض كذلك استئناف الادعاء وأُطلق سراحه في 25.12.20 بعد إيداعه كفالة قدرها 3,000 شيكل. في 8.3.21 أدين محمد مقبل في إطار صفقة ادعاء وحُكم عليه بالسجن مدة 26 يوما وذلك بعدما شُطب البند الأول من لائحة الاتهام وهي المدة التي قضاها في السجن كما حُوّل مبلغ الكفالة إلى غرامة. ليست حالة محمد مقبل استثنائية وهي تعكس روتين الحياة العنيف الذي يفرضه الاحتلال على الفتية في الضفة الغربية. تعتقل إسرائيل سنويا مئات القاصرين الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم بشكل ممنهج ومنظم بدءا باعتقالهم مرورا بالتحقيق معهم وفي النهاية الإجراءات القضائية في المحاكم العسكرية للشبيبة. صحيح بأن إسرائيل تتفاخر بالقوانين والإجراءات التي أُعدت نظريا للحفاظ على حقوق القاصرين إلّا أن هذا أمر شكلي هدفه الحقيقي إضفاء الشرعية على الأضرار الجسيمة التي تلحقها بالقاصرين. تحدّث محمد مقبل عن اعتقاله والفترة التي قضاها في السجن وقوامها 26 يوما في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش: كنت أركض بسرعة فصدم أحد الجيبات العسكرية كتفي ثم وقعت ونهضت وأكملت الركض. دخلت إلى منزل كان بابه مفتوحا وكانت ثلاثة جنود يلاحقونني فأمسكني أحدهم وضربني على فكي من اليسار. تألمت كثيرا إلى درجة أنني سقطت أرضا. هاجمني جندي آخر وشرع يركلني في كافة أنحاء جسدي. كان فمي ينزف. نهضت فأخذوني إلى الشارع وقيدوا يديّ من الخلف وأجلسوني أمام دكان مغلق. بعد عدة دقائق وضعوني في الجيب وعصبوا عينيّ. جلست على أرضية الجيب الذي كان فيه أربعة جنود وضربني أحدهم وركلني وبصق عليّ عدة مرات. سار الجيب قرابة 500 مترا وتوقف في مدخل المخيم بالقرب من البوابة فأنزلني الجنود هناك بجوار البوابة الكهربائية ورأيت من تحت عصبة العينين أربعة معتقلين آخرين ممكن اعتقلهم الجنود سابقا كانوا يقفون في المدخل. دنا مني شخص بلباس عسكري وقال لي إنه الكابتن "كرم". كنت قد سمعت عنه وأعلم أنه ضابط الشاباك المسؤول عن مخيمنا. ضربني على وجهي بمؤخرة بندقيته. لقد أزال عصبة عيني وصورني وكذلك بقية المعتقلين ثم بعد خمس دقائق تقريبا أخذونا جميعا في مركبة عسكرية كبيرة إلى مستوطنة "كرمي تسور". تركونا هناك في الساحة نحو عشرين دقيقة. كان فكي ينزف ويؤلمني بشدة. عندها وضعونا في مركبة عسكرية أخرى ونقلونا إلى مركز شرطة "عتسيون". وصلنا إلى هناك في ساعات الظهر وأنزلنا الجنود إلى الساحة ثم في ساعات ما بعد الظهر بدأوا بالتحقيق معنا واحدا تلو الآخر وقد كنت أنا الثالث. قبل التحقيق كلمني محام وقال إن لي الحق بالتزام الصمت وقال لي لا تخف. حقق معي محقق يدعى يوسف وقد اتهمني بإلقاء زجاجة حارقة على حافة إسرائيلية قبل عدة شهور وكذلك برشق مركبات عسكرية بالحجارة. أنكرت التهمتين وبعد 10 دقائق أخرجني المحقق إلى الساحة فتركوني هناك حتى المساء. أعادوني بعدئذ إلى غرفة التحقيق وحقق معي محقق واحد. لقد صرخ بي وقال إنني أكذب وصار يسألني "هل الجنود وأهالي المخيم الذين رأوك تفعل هذا يكذبون وأنت وحدك الصادق؟". استمريت بالإنكار وسجل المحقق ما قلته وأمرني بالتوقيع على إفادتي وقد قال إنني أوقع على ما قلتُه فوقعت وأخذوا بصماتي وصوروني. قرابة الساعة 21:00 وبعد أن انتهوا من التحقيق مع المعتقلين الأربعة الآخرين أخذنا الجنود إلى مكان مقابل الساحة يبدو كمطبخ فقال أحدهم إن بإمكاننا المبيت على الأرض. جاء في ذلك الوقت طبيب عسكري وأجرى لنا فحص الكورونا وسألنا إن كنا نعاني من أمراض. جلسنا على أرضية المطبخ قرابة ست ساعات ولم يوفروا لنا الأكل والشراب كما لم نتمكن من النوم. كان فكي يؤلمني بشدة. كنا مقيدين ومعصوبي الأعين طيلة هذا الوقت وكان الوقت يمر ببطء شديد. نحو الثالثة فجرا أخرجني الجنود من المطبخ حيث كانوا قد أخرجوا الآخرين قبلئذ. أخذوني بسيارة صغيرة يرافقني أربعة جنود وجلست في المقعد الخلفي بين اثنين منهم وسافرت السيارة إلى مستشفى "هداسا عين كارم" وقد عرفت ذلك من اللافتة في المدخل. وصلت إلى هناك قرابة الرابعة وأجروا لي هناك فحص الكورونا ثانية ثم أعطوني مسكنات للآلام. رافقني جنديان وكان أحدهما من هاجمني عند الاعتقال. أدخلوني إلى غرفة وقيد أحد الجنديين يدي اليسرى بالسرير. لم أستطع النوم من شدة الألم. في المساء أخذوني لإجراء صور أشعة ثم أعادوني إلى الغرفة التي كان فيها مريض من القدس فقال لي إنه سمع الأطباء يقولون بأنهم سيجرون لي عملية جراحية. جاء والدي بعد الغروب وحاول الدخول إلى الغرفة. لقد نادى عليّ وسألني عن حالي فطرده الجنديان. حاول والدي مرات عدة أن يصل إلى باب الغرفة ليطمئن علي ويقول لي ألّا أقلق. بعد ظهر اليوم التالي الموافق الثلاثاء نقلوني إلى غرفة أخرى وبدلوا الجنديين. سمح الجنود الجدد لوالدي بالدخول إلى الغرفة لبضع دقائق والتحدث إليّ حيث أخبرني بأنه وقع على تصريح بإجراء عملية جراحية لي وقال إنها ستجرى يوم الأربعاء. أخذوني يوم الأربعاء إلى غرفة العمليات وقد بدأت العملية قرابة الساعة 12:00 واستمرت نحو 4 ساعات أعادوني بعدها إلى الغرفة. علمت بأن الأطباء قد ثبتوا فكي من الجهة اليسرى مما منعني من مضغ الطعام وتحريك فكي. قرابة الثامنة مساء يوم الخميس أخذوني بمركبة لنقل المعتقلين إلى سجن "مجيدو" وقد كانت يداي ورجلاي مقيدة. في السجن أدخلوني إلى غرفة مكثت فيها لوحدي أربعة أيام ثم نقلوني إلى غرفة أخرى فيها خمسة معتقلين قاصرين. بقيت في سجن "مجيدو" 18 يوما. كنت أحصل على الحساء ومسكنات الآلام وقد حضرت في هذه المدة ثلاث جلسات للمحكمة عبر الفيديو وقد كان المحامي يمثلني. نقلوني لاحقا إلى سجن "عوفر" وهناك أجريت الجلسة الأخيرة في 24.12.20 والتي حضرتها عبر الفيديو أيضا. استمرت الجلسة مدة فاقت نصف الساعة وسألني القاضي عما أنوي فعله عندما أعود إلى المنزل فأجبته بأنني أود العودة إلى المدرسة. لم أفهم كثيرا مما قاله المترجم بسبب مشاكل تقنية في الإرسال ولم أفهم ماذا قرر القاضي. أعادوني إلى غرفة في "عوفر" وبقيت هناك في الليل. في صباح يوم الجمعة أخبروني بأنهم سيطلقون سراحي وعندما فعلوا علمت بأنني خرجت مقابل كفالة قدرها 3,000 شيكل. في نفس اليوم الموافق 25.12.20 قبيل الظهر أخذني جيب عسكري إلى حاجز الجيب وكان والدي ينتظرني هناك بسيارة صديقه وذهبنا إلى المنزل. لا أستطيع حتى الآن الأكل بشكل اعتيادي وأتناول السوائل فقط وقال لي طبيب في مستشفى في الخليل إنني أحتاج أسبوعين على الأقل لنزع المثبت المعدني من فكّي. منير مقبل والد محمد (47 عاما) وهو والد لستة أبناء أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش في 6.12.20 عندما كان محمد ما يزال معتقلا: في ساعات الظهر من اليوم التالي للاعتقال اتصلوا بي من مستشفى "هداسا" وطلبوا مني الذهاب إلى هناك للتوقيع على تصريح لإجراء عملية جراحية لابني محمد. لقد أرسلوا لي دعوة أرسلتها إلى مكتب التنسيق والإرتباط وفي الخامسة تلقيت تصريح دخول. ذهبت رأسا إلى مستشفى "هداسا" وصعدت إلى الطابق السابع ورأيت محمد في إحدى الغرف وحاولت الدخول إليه لكن الجنديين الذين كانا في الغرفة منعاني. وقفت في مدخل الغرفة وسألت محمد عن حاله فقال إنه بخير. حاولت مرارا دخول الغرفة لكن الجنديين لم يسمحا لي بذلك. تمكنت من تصوير محمد والذي كان مقيدا بالسرير. بقيت طيلة الليلة في الرِواق وحاولت أن أغفو على أحد الكراسي هناك لكني لم أستطع. في يوم الثلاثاء نقلوه إلى غرفة أخرى وقد استبدل الجنديين الذين كانا هناك جنديان آخران. سمح لي أحد الجنديين الجديدين بالدخول إلى الغرفة والتحدث معه لبضع دقائق كما تمكنت كذلك من تصويره. كانت يده اليسرى مقيدة بالسرير وقد علمت من أحد المرضى في الغرفة بأن العملية الجراحية ستُجرى في يوم الأربعاء. قرابة الساعة 12:00 من يوم الأربعاء أخذوه إلى غرفة العمليات وقد استمرت العملية 4 ساعات أعادوه بعدها إلى الغرفة وتمكنت من التحدث معه لمدة ربع الساعة تقريبا. شرح لي الأطباء بأنهم وضعوا له مثبتا معدنيا على الفك ولذلك سيكون من الصعب عليه تناول الطعام لمدة طويلة. توقعت أن يظل محمد في المستشفى لاستكمال العلاج لكنني تفاجأت في اليوم التالي أي يوم الخميس في ساعات المساء أن الجنود نقلوه إلى سجن "مجيدو". عدت إلى البيت وقد بقت على اطلاع بالمجريات بواسطة محامي الهيئة الدولية للدفاع عن الطفل. أنا وأمه قلقان جدا لأنهم أعادوه إلى السجن بعد العملية الجراحية مباشرة.

21 آذار/مارس 2021

التعذيب والتنكيل

برعاية القانون

تقرير مشترك مع مركز الدفاع عن الفرد الحرمان من النوم، التكبيل لفترات طويلة، العنف اللفظي والجسدي أحيانًا. التعرض للبرد والحرارة، توفير النزر اليسير من الطعام المتردّي؛ الزنازين المنبعثة منها رائحة كريهة، العزل، والنظافة المتدنيّة. هكذا يبدو التحقيق العادي في مقرّ جهاز الامن العام (الشاباك) في سجن “شيكما” كما يُبيّن تقرير جديد صادر عن هموكيد ـ مركز الدفاع عن الفرد ومنظّمة بتسيلم. يستند التقرير على شهادات وإفادات قدّمها 116 سجينًا أمنيًا فلسطينيًا تم التحقيق معهم في الفترة ما بين آب 2013 وأذار 2014. 14 شخصا منهم على الاقل تمّ التحقيق معهم تحت وطأة التعذيب الممارس من قبل السلطة الفلسطينية قبلها بفترة وجيزة. يتمّ تفعيل هذا النظام من تحقيقات جهاز الامن العام (الشاباك) بمصادقة سلطات الدولة، بما في ذلك محكمة العدل العليا.

1 كانون الأول/ديسمبر 2015