حمدي نعسان برفقة أولاده. صورة قدّمتها الأسرة مشكورة
في يوم السبت الموافق 26.1.19 جاء من جهة مستوطنة "عدي عاد" نحو 15 مستوطنًا مسلّحين بالبنادق والهراوات والأنابيب والبلطات وهاجموا مزارعين فلسطينيّين كانوا يعملون في أراضيهم في قرية المغيّر حيث أطلقوا النيران نحوهم وطاردوهم حتى أطراف القرية. خرج بضع عشرات من سكّان القرية إلى المكان وأخذوا يرشقون المستوطنين بالحجارة في محاولة لصدّ الهجوم. في هذه الأثناء وصلت إلى القرية مجموعة أخرى من المستوطنين المسلّحين - نحو 15 - وأخذ بعضهم يطلق النار نحو السكّان. قُتل جرّاء إطلاق النار حمدي نعسان (38 عامًا) متزوّج وأب لولدين بعد أن أصيب في ظهره كما جُرح تسعة آخرون من سكّان القرية.
أبلغ السكّان مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيلي عمّا يجري لكنّ أحدًا من مندوبيها لم يفعل شيئًا لمساعدة السكّان ووقف ما يجري. الأنكى من ذلك أنّ عناصر من قوّات الأمن كانت تتواجد في مكان قريب قد تمّ تبليغها عن الهجوم - الذي تواصل طيلة بضع ساعات وعن إطلاق النار لكنّهم لم يحاولوا منع وصول المستوطنين ولم يحاولوا منعهم من إطلاق النار على سكّان القرية ولم يعتقلوهم بعد انتهاء الأحداث. علاوة على ذلك لم يقترب عناصر قوّات الأمن من القرية إلّا حين بدأ السكّان بملاحقة المستوطنين وهم ينسحبون نحو المستوطنة. عندها أخذ العناصر في إطلاق الرّصاص الحيّ في الهواء وقنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ" نحو السكّان الفلسطينيّين الذين أصيب أحدهم في رأسه بالرّصاص "المطاطيّ".
تقع قرية المغيّر شمال شرق رام الله ويبلغ عدد سكّانها 2,400 نسمة. في عام 1998 أقيمت على بُعد نحو كيلومترين إلى الشمال من القرية مستوطنة "عدي عاد" حيث منذ اقامتها يعاني المزارعون سكان القرى المجاورة من اعتداءات ومضايقات مستمرة من قبل المستوطنين بدعم من السلطات. وفقًا لتوثيق منظمة "يش دين" منذ عام 2015 تم توثيق 51 هجومًا شنّه مستوطنون على الأراضي الزراعيّة التابعة للقرى المحيطة بمستوطنة "عدي عاد" وكذلك داخل القرى نفسها (المغيّر وترمسعيّا وجالود وقريوث). وقد اشتملت أعمال العنف التي ارتكبها المستوطنون خلال تلك الهجمات اعتداءات جسديّة على أشخاص أحداث "تدفيع الثمن" وإتلاف أشجار زيتون. إضافة إلى ذلك في 31.7.15 أشعل مستوطنان من "عدي عاد" منزل أسرة دوابشة من قرية دوما وقتلوا ثلاثة من أفراد العائلة من ضمنهم رضيع بلغ سنة واحدة من عمره.
تسلسُل الأحداث:
في يوم السبت الموافق 26.1.19 نحو السّاعة 8:00 صباحًا وصل أربعة مزارعين من سكّان القرية للعمل في كرومهم الواقعة على بُعد نحو كيلومتر واحد إلى الشمال من منازل القرية. على بُعد نحو 700 متر من الكروم هناك برج مراقبة عسكريّ يشغله جنود. قرابة السّاعة 14:15 جاءت مجموعة من 15 مستوطنًا برفقة جنود من جهة مستوطنة "عدي عاد" على ما يبدو وأخذوا يهبطون عن سفوح تلّة قريبة - كان المستوطنون ملثّمين ومسلّحين بالأنابيب والهراوات والبلطات. إزاء ذلك فرّ المزارعون الفلسطينيّون الأربعة نحو القرية مخلّفين وراءهم التراكتور والمفتاح فيه ثمّ توقّفوا على بُعد نحو مائتي متر؛ ومن هناك شاهدوا المستوطنين يصلون إلى كرمهم ويشرعون في تكسير زجاج بعض نوافذ التراكتور ثمّ يعتلونه ويسوقونه مسافة تقارب مائتي متر في اتّجاه المستوطنة حيث توقّفوا وهناك تابعوا تخريب التراكتور وبعد ذلك غادروا المكّان.
اتّصل المزارعون الفلسطينيّون بأكرم نعسان عضو المجلس المحلّي فاتّصل بدوره بمديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة وأبلغ عن الحادثة. بعد مضيّ وقت قصير عاود المزارعون الاتّصال به ليبلغوه أنّ عددًا من المستوطنين عادوا إلى المكان وأنّهم أطلقوا النار نحوهم. اتّصل نعسان بضابط مديريّة الارتباط فطلب منه هذا الانتظار إلى أن حين قدومه.
سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ في منطقة رام الله، إياد حداد، إلى إفادات أدلى بها عدد من السكّان الذين تواجدوا في موقع الحادثة:
عوض نعسان (42 عامًا) أحد المزارعين الأربعة وهو متزوّج وأب لثمانية أولاد. أدلى عوض بإفادته في 30.1.19 محدّثًا عن إطلاق النار نحوهم:
الصورة
عوض نعسان. صورة قدّمتها الشاهد
نحو السّاعة 14:45 جاء من جهة الشمال مستوطنان مسلّحان يرتديان ملابس بيضاء. في البداية ظنّنا أنّهما من حرّاس المستوطنة وأنّهم جاءوا ليستطلعوا ما يجري حيث كنّا قد سمعنا عن احتمال وصول قوّة من الشرطة وأشخاص من الجيش أو من الارتباط. في الوقت نفسه جاءت سيّارة "تندر" غامقة اللّون وتوقّفت قرب التراكتور الذي كان يسدّ الطريق. كانوا يبعدون عنّا بضعة مئات من الأمتار. المستوطنان وعدد آخر من المستوطنين الذين ترجّلوا من السيّارة على ما يبدو أخذوا يطلقون النار نحونا.
هربنا في اتّجاه القرية لكنّ المستوطنين أخذوا في مطاردتنا وواصلوا إطلاق النار علينا. كان الرّصاص يرتطم بالصّخور من حولنا وبالأشجار والسّناسل. من حسن حظّنا أنّنا خرجنا أحياء. لقد استمرّوا في مطاردتنا إلى أن أصبحنا قرب القرية.
عندما اقترب المزارعون من القرية وكانت السّاعة 15:00 تقريبًا وصل نحو ثلاثين من أهالي القرية إلى المكان لكي يصدّوا المستوطنين. بعض الأهالي رشق الحجارة نحو المستوطنين عن بُعد بضع عشرات من الأمتار وأطلق المستوطنون نحوهم الرّصاص الحيّ. عندئذٍ وصلت مجموعة من 10-15 مستوطنًا آخرين توقّفوا هم أيضًا على بُعد بضع عشرات من الأمتار من الأهالي. بعض هؤلاء المستوطنين أيضًا أطلق الرّصاص الحيّ نحو الأهالي. عند السّاعة 15:15 أصيب أحد السكّان (20 عامًا) جرّاء إطلاق النار ونُقل إلى مستشفى في رام الله.
عند السّاعة 16:00 تقريبًا باغت ثلاثة مستوطنين عددًا من الأهالي الذين رشقوا الحجارة طوّقوهم وأطلقوا عليهم الرّصاص الحيّ فأصابوا أحدهم، حمدي نعسان (38 عامًا) في ظهره حيث توفّي متأثّرًا بجراحه بعد ذلك بوقت قصير.
الصورة
التراكتور الذي أتلفه المستوطنون. صورة قدّمها الأهالي مشكورين
ج. ن. (52 عامًا) أحد سكّان القرية الذين قدموا إلى موقع الأحداث منذ بدايتها أدلى بإفادته في 29.1.19 فوصف ما جرى في الموقع:
وصلت إلى هناك بعد السّاعة 15:00 بقليل. اختبأت في كرم الزيتون الواقع فوق منزل الحاج موسى؛ وكان بعض الشبّان ينتشرون في الكرم ويرشقون المستوطنين بالحجارة. وقع أحد الشبّان (م.، 20 عامًا) قربي. كان مصابًا في الحوض. سحبناه إلى سيّارة خاصّة متوقّفة قبالة منزل موسى لكي نخليه إلى الشارع حيث انتظرت سيّارة الإسعاف.
بعد إخلائه عدت مرّة أخرى إلى موقع الاحداث. في هذه الأثناء كان قد أصيب شابّ آخر (20 عامًا) وهو داخل أرض وعريّة قريبة من منزل موسى. وصلت إليه مع شخصين آخرين وسحبناه إلى سيّارة خاصّة أخرى كانت متوقّفة على بُعد 50-70 مترًا من منزل موسى.
ثمّ عدت مرّة أخرى إلى موقع الأحداث وكانت المواجهات لا تزال متواصلة. رأيت المزيد والمزيد من الأشخاص يقعون جرحى. كنت أقف فوق سور حجريّ عالٍ وهكذا استطعت التنبّه إلى ثلاثة مستوطنين يتقدّمون خفية من أسفل ويحاولون الاقتراب من أهالي القرية من جهة اليمين. أخذت أصرخ محذّرًا الشبّان: "انتبهوا يا شباب هؤلاء قادمون بهدف القتل".
ما كدت أتفوّه بهذه الكلمات حتّى أخذ الجرحى يتساقطون واحدًا تلو الآخر. أصيب م.ع (55 عامًا) في فخذه وأصيب عادل أبو عاليا (56 عامًا) في كتفه. أخلينا الجريحين وقال عادل أثناء إخلائه: "اهتمّوا بحمدي، حمدي هناك في الخلف". عدنا إلى الخلف لكنّني لم ألاحظ أنّ حمدي مصاب. في هذه الأثناء ابتعد المستوطنون قليلًا نحو الأعلى وعندها تمكّن الشباب من الوصول إلى حمدي وأخلوه إلى سيّارة خاصّة كانت متوقّفة قرب منزل موسى. في البداية اعتقدت أنّ إصابته خفيفة ولكن تبيّن لاحقًا أنّ حياته في خطر.
أحد المصابين وهو عادل أبو عالية (56 عامًا) متزوّج وأب لتسعة أولاد فقد أدلى بإفادته في 29.1.19 قائلًا:
الصورة
عادل أبو عالية. تصوير إياد حداد، بتسيلم، 29.1.19
نحو السّاعة 6:00، كان إلى جانبي قرابة عشرة شبّان وبضمنهم حمدي. كانوا يرشقون الحجارة نحو المستوطنين. وكان عدد آخر من الأهالي يحذّروننا أنّ المستوطنين آخذون في تطويقنا من جهة اليمين من أسفل. رأيت اثنين منهم: أحدهما كان يرتدي ملابس بيضاء والثاني يرتدي قميصًا أسود. وصل الاثنان من أسفل واقتربا حتى أصبحا على مسافة نحو عشرين مترًا منّا. وتواجدت مجموعة أخرى من المستوطنين في الأعلى على بُعد نحو خمسين مترًا. شرعت المجموعتان في إطلاق الرّصاص بكثافة نحونا. ناداني حمدي طالبًا أن أستلقي على الأرض واستلقى هو أيضًا. كنت مستلقيًا على الأرض والرّصاص من حولنا يرتطم بالصخور القريبة منّا. نظرت إلى حمدي وكان يبعد عنّي مسافة خمسة أمتار تقريبًا فلاحظت أنّه لا يتحرّك وخمّنت أنّه مصاب. خشيت أن أصاب أنا أيضًا فقمت وهربت وعندها أصابتني رصاصة في كتفي الأيسر. شعرت بهزّة تعتري جسدي ولكنّي انطلقت راكضًا لكي أبتعد عن متناول نيرانهم وكنت أصرخ: "لقد أصبت!، لقد أصبت!".
منزل الحاج موسى والمنطقة التي منها حاول الأهالي صدّ هجوم المستوطنين. في الخلفيّة منازل أخرى من قرية المغيّر. تصوير إيال سجيف، بتسيلم، 7.2.19
المزارع ث.ن (39 عامًا) وهو متزوّج وصل إلى الموقع ليساعد في صدّ هجوم المستوطنين؛ وقد أدلى بإفادته في 29.1.2019 قائلًا:
عندما وصلت المكان رأيت ابن عمّي - حمدي نعسان يُخلي شابًّا مصابًا بمساعدة اثنين من الأهالي. كانت ملابس الجريح عند منطقة البطن مليئة بالدّماء. قالوا لي أنّ المستوطنين أطلقوا عليه النار وأنّهم سحبوه حيث وقع خلف سور حجريّ.
تقدّمت نحو التلّة التي هاجمنا المستوطنون منها. رأيت نحو 25 شابًّا يحاولون إبعادهم. في هذه الأثناء جاءت مجموعة أخرى من المستوطنين المسلّحين بالبنادق من جهة الشمال من خلف التلّة التي كنّا عليها؛ وقد اقتربوا حتى أصبحوا على مسافة 70-100 متر منّا. وحيث هم أيضًا كانوا مسلّحين بالبنادق كنّا تحت مرمى نيران المجموعتين - والشبّان يرشقونهم بالحجارة.
كنت واقفًا على بُعد بضعة أمتار من حمدي. سمعت ج. - الذي كان خلفنا - يصرخ: "انتبهوا! المستوطنون يأتون من الجهة التحتى!"؛ وإذ بثلاثة مستوطنين مسلّحين بالبنادق يتقدّمون من جهة اليمين وقد أصبحوا على بُعد 20-30 مترًا منّا. اثنان منهم كانوا بملابس مدنيّة والثالث كان يرتدي بنطالًا عسكريًّا وقميصًا أسود. في اللحظة التي سمعت فيها التحذير كان هؤلاء قد بدأوا بإطلاق نيران كثيفة نحونا بهدف إصابة أكبر عدد ممكن من الأشخاص. اختبأنا خلف الصخور لنحمي أنفسنا. معظمنا استلقى على الأرض. أخذت في الانسحاب زحفًا نحو منزل الحاجّ موسى. نظرت إلى الخلف لكي أستطلع مكان المستوطنين الذين هاجمونا فوجدت حمدي مستلقيًا على الأرض دون حراك.
بعد مضيّ نصف السّاعة أخذ المستوطنون في الانسحاب معتلين التلّة القريبة، فيما بعض الأهالي يلاحقونهم ويرشقونهم بالحجارة. فقط عندئذٍ اقترب من المكان جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود وأخذوا يطلقون قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطيّ نحو الأهالي. أطلق أحدهم رصاصة "مطّاطيّة" على رأس أحد الأهالي وأصابه. بعد ساعة ونصف غادرت القوّات المكان بعد تفريق الأهالي.
حدث الهجوم العنيف الذي شنّه المستوطنون على قرية المغيّر على موجات حيث ابتدأ باستهداف المزارعين الأربعة وهم يفلحون أرضهم ثمّ تواصل بإطلاق المستوطنين نيرانًا كثيفة نحو أهالي القريّة الذين حاولوا صدّ الهجوم ومنع المستوطنين من دخول القرية. قُتل بنيران المستوطنين حمدي نعسان الذي أصيب في ظهره وجُرح تسعة آخرون. عناصر من قوّات الأمن كانت تتواجد في مكان يبعد مائتي متر عن موقع الأحداث وقد تم تبليغهم عن هجوم المستوطنين منذ البدايه لكنّهم لم يحاولوا منع المستوطنين من الاقتراب من القرية ولم يمنعوهم من إطلاق النار على الأهالي ولم يعتقلوا أحدًا من المعتدين بعد انتهاء الأحداث.
على العكس من ذلك حين وصلت قوّات الأمن أخيرًا إلى الموقع أخذوا يطلقون الرّصاص الحيّ في الهواء وقنابل الغاز المسيل للدموع والرّصاص "المطّاطيّ" نحو الأهالي وأصابوا أحدهم برصاصة "مطّاطيّة" في رأسه.
أدلى المستوطنون بروايات متضاربة حول الأحداث بعضهم زعم أنّ مجموعة من المستوطنين أو فتًى من مستوطنة قد تعرّض/ـوا لهجوم على يد سكّان من قرية المغيّر قرب مستوطنة "عدي عاد". وبعضهم زعم أنّ "فرقة الطوارئ" التابعة لمستوطنة "عدي عاد" حاولت منع خطف أو أنّها لاحقت مشتبهين في طعن الفتى. أمّا الرّواية الثالثة التي اختلقها المستوطنون والتي وردت على لسان رئيس سكرتاريا المستوطنة فتقول أنّ 600 فلسطينيّ جاءوا إلى منطقة المستوطنة وردًّا على ذلك أطلقت "فرقة الطوارئ" الرّصاص الحيّ.
غداة الهجوم نشرت وسائل الإعلام أنّ الأسلحة التي استخدمها عناصر "فرقة الطوارئ" قد أخذت للفحص لكنّ الجيش سيوفّر لهم في هذه الأثناء أسلحة بديلة. إضافة إلى ذلك جاء في وسائل الإعلام أنّ الشرطة ووحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية قد شرعا معًا في تحقيق مشترك. لكنّنا نعلم وعلى ضوء تجربة سنوات طويلة أنّ مثل هذه التحقيقات لا تبتغي التوصّل إلى الحقيقة فهي ليست سوى جزء من جهاز الطمس الرّوتينيّ الذي سخّرته الدّولة "لمعالجة" آلاف الاعتداءات السابقة التي قُتل فيها فلسطينيّون على يد مستوطنين أو جنود.
الهجوم الفتّاك الذي شنّته "فرقة الطوارئ" التابعة لمستوطنة "عدي عاد" والذي جرى بوجود قوّات الأمن ليس حدثًا استثنائيًّا والمستوطنون الذين أطلقوا النّار ليسوا "أعشابًا ضارّة". هذا الهجوم يندرج ضمن سلسلة متواصلة من مئات الهجمات العنيفة التي شنّها المستوطنون في أنحاء الضفة الغربية مستهدفين ممتلكات وأراضي الفلسطينيّين - وقد شاركت عناصر قوّات الأمن بشكل فعّال في بعض هذه الهجمات وفي بعضها وقفوا متفرّجين ولم يتحرّكوا لمنع الاعتداء وفي البعض الآخر منها لم يتواجدوا أصلًا. قصارى القول: مهما كانت ملابسات هذه الهجمات يبقى أنّ الاعتداءات تتواصل دون رادع وهذا وحده يُظهر كم أنّها ليست نزوات شخصيّة وإنّما هي جزء من سياسة العُنف التي يدعمها مسؤولون سياسيّون وقادة عسكريّون حيث تستخدم الدولة العُنف طوال الوقت - بواسطة الجيش والمستوطنين - لكي تنهب ما أمكنها من أراضي الفلسطينيّين بعد دفعهم إلى النزوح عنها وكأنّما بمحض إرادتهم والسيطرة على أراضيهم. في حملات العنف المنظم هذه من يدفع الثمن دائمًا هم الفلسطينيّون: أحيانًا تُستهدّف أرزاقهم وأحيانًا - كما في هجمة 26.1.19 تُستهدَف أجسادهم وحتى أرواحهم.
يُبيِّن التقرير الأكثر شمولية الذي يصدر عن بتسيلم حتى الآن، حول السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، أن إسرائيل تشغّل بصورة متزامنة خمسَ آلياتٍ تعزّز إحداها الأخرى، بغية تفكيك الوجود الجماعي الفلسطيني في الضفة وإعادة تنظيم الحيّز بواسطة العنف، بهدف ترسيخ وجود وسيادة يهوديّين- إسرائيليّين دائمين ومتواصلين فيه.منذ نهاية العام 2022، ومنذ تشرين الأول 2023 بصورة أخصّ وأشدّ، بدأت مرحلة جديدة في السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقد صعّدت إسرائيل بشكل متطرف سياسةً ممتدة منذ سنوات طويلة تقوم على السيطرة والعنف والسلب وأخذت تطبّقها بصورة علنية واضحة، أكثر عنفًا وأسرع وتيرةً. كما تجري مأسسة هذه الخطوات بدرجة متزايدة، في إطار السياسة الحكومية وممارساتها.في أوج هذا التصعيد اليومي، تنشر بتسيلم تقرير "مشروع المَحْو"، الذي يزيد عدد صفحاته عن 200 صفحة ويستند إلى تحليل نحو 2,000 إفادة أدلى بها فلسطينيون من الضفة الغربية، وإلى عمل ميداني إضافي وإلى عقود من التوثيق. يتتبع التقرير التسارع والتوسع اللذين حصلا خلال السنوات الأخيرة في السياسات والممارسات الإسرائيلية المتواصلة منذ سنوات عديدة."ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة"، كما قالت المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك. "يجري تهجير التجمّعات، يُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. تعمل هذه الآليات معًا لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية. العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع".هكذا يعمل مشروع المحويحدّد التقرير خمس آليات مترابطة تدفع إسرائيل بواسطتها هذا المشروع قدمًا في أنحاء الضفة الغربية:العنف وبثّ الرعب: تستخدم إسرائيل قوات الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة لبث الرعب وفرض العنف والإكراه. منذ 7 تشرين الأول 2023 حتى 31 آب 2026، قتلت إسرائيل 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلًا.التطهير العرقي والاستيلاء على الحيّز: تستخدم إسرائيل العمليات العسكرية وهدم المنازل وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة، بغية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الوجود اليهودي في هذه المناطق. حتى اليوم هجّرت إسرائيل 75 تجمّعًا فلسطينيًا واستولت البؤر والمزارع الاستيطانية على 1,07 مليون دونم، أي ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية. كما هجّرت إسرائيل قسرًا نحو 33,000 فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.تقييد الحركة والتنقّل: تجزّئ إسرائيل الحيّز الفلسطيني بواسطة الحواجز والبوابات وسَدّات الطرق. حتى نهاية العام 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) نحو 925 عائقًا للحركة في أنحاء الضفة الغربية.الخنق الاقتصادي: تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها. فقد ارتفعت نسبة البطالة من 13,1% في العام 2022 إلى أكثر من 31% عام 2024، في ظل الإلغاء الجماعي لتصاريح العمل في إسرائيل واحتجاز مبالغ متزايدة من أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية.التدمير الاجتماعي والسياسي: تجرّم إسرائيل محاولات التنظُّم السياسي وتقتحم مكاتب منظمات المجتمع المدني وتحظر نشاطها، وتقمع الاحتجاجات وتعتقل الناشطين والطلاب والصحفيين. منذ تشرين الأول 2023، اعتقلت إسرائيل ما لا يقل عن 60 صحفيًا فلسطينيًا من الضفة الغربية.الإطار السياسي: يحدد التقرير "خطة الحسم" التي وضعها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 بوصفها وثيقة أساسية لفهم التصعيد الراهن. وتسعى الاستراتيجية الواردة فيها، المسماة "الحسم بواسطة الاستيطان"، إلى جعل السيادة اليهودية أمرًا لا رجعة فيه، من خلال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين، بحيث لا يتبقى أمام الفلسطينيين سوى ثلاثة خيارات: الخضوع أمام الفوقية اليهودية أو الرحيل أو مواجهة القمع العسكري. ورغم أن الخطة لم تُعتمد رسميًا قطّ بوصفها سياسة حكومية، إلا أن سموتريتش يتولى اليوم صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والأراضي وإنفاذ القانون في الضفة الغربية، وتتجلى بعض المبادئ المركزية في المنطق الذي تقوم عليه الخطة في سياسات الدولة وممارساتها، بصورة متزايدة باستمرار.مشروع ممتد منذ عقود: بدأ مشروع المحو قبل سنوات عديدة من خطة سموتريتش من العام 2017 ومن تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها. ترى بتسيلم أن الهجوم الإسرائيلي الراهن على حياة الفلسطينيين هو جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد، يُنفَّذ بواسطة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وفي قطاع غزة، تجسّد هذا المنطق في أشدّ صوره تطرفًا، في الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل؛ أما في الضفة الغربية، فقد سرّعت الحكومة الحالية تنفيذ المشروع وجعلت آلياته أكثر وضوحًا.المسؤولية الدولية: تدعو بتسيلم الحكومات والمؤسسات الدولية إلى التوقف عن التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بوصفها أحداثًا منفصلة، ثم التوقف عن إتاحة المجال لها وتمكينها من مواصلة جرائمها، وحماية الفلسطينيين والعمل على إنهاء نظام الأبارتهايد والحكم العسكري الإسرائيليين. ذلك أن المستقبل العادل يستوجب نظامًا سياسيًا يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لجميع البشر الذين يعيشون في الحيّز الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع الإحقاق الكامل للحقوق الفردية والجماعية وضمان المشاركة السياسية المتساوية.تقول المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك: "يظل الفلسطينيون عرضة لعنف آخذ في التصاعد، بينما تمضي إسرائيل قدمًا في مشروع المحو الذي تنفّذه في الضفة الغربية. لا يمكن للحكومات أن تدين هذه الجرائم، وفي الوقت نفسه تمنح إسرائيل حصانة تتيح لها مواصلة ارتكابها. ويتعين عليها، بالتعاون مع المؤسسات الدولية، استخدام جميع الوسائل المتاحة لها بموجب القانون الدولي، من أجل وقف جرائم إسرائيل وتعطيل منظومة العنف والهدم التي تفكك الحياة الفلسطينية".التقرير الكامل، الملخص، الخرائط والرسوم البيانية متاحة لوسائل الإعلام، مع حظر النشر حتى الموعد المحدد.
منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.
في 21.1.26 أقام مستوطنون بؤرة استيطانيّة أسموها "تل تلبيوت" على قمّة جبل عين عينا في أراضي قرية تلفيت، في قلب منطقة مصنّفة B في اتفاقيّات أوسلو. هذه المنطقة، الواقعة وسط قرى فلسطينيّة وبعيدة عن المنطقة C، لم تشهد أيّ تواجُد لمستوطنين من قبل. عند إقامة البؤرة الاستيطانيّة المذكورة استولى المستوطنون على منزل قيد الإنشاء يملكه شخص من أهالي قرية تلفيت، ومنعوه من إتمام البناء.منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة يعاني أهالي قرى تلفيت وقُصرة وجالود جرّاء عُنف المستوطنين الشديد. وقد وثّقت بتسيلم عشر هجمات شديدة العُنف شنّها المستوطنون على الفلسطينيّين سكان المنطقة خلال الشهر الأوّل الذي تلى إقامة البؤرة الاستيطانيّة، من ضمنها اعتداء عنيف على ناشطي حقوق إنسان كانوا يُرافقون أسرة إلى منزلها في المنطقة، والذي اضطرت إلى الرحيل عنه لاحقًا من جرّاء عُنف المستوطنين.تشمل اعتداءات المستوطنين هجمات بالحجارة والعصيّ، إحراق المنازل، وكذلك تخريب وإحراق سيّارات. في بعض هذه الهجمات تمّ توثيق المستوطنين وهم يأتون على تراكتور صغير، يبدو ظاهريًا مثل التراكتورات الصغيرة التي وزعتها وزراتا المالية والاستيطان، على الأغلب - مبادرة الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك. [block:settlers_blog_map_block nid=217668 updates=217835,217836,217837,217838,217841,217842,217812,217849 arrows hide_nid]انظروا في الخارطة أدناه وصفًا لبعض الهجمات التي شنّها المستوطنون في الفترة الواقعة بين كانون الثاني وآذار 2026في 14.3.26 قتل مستوطنون الشابّ أمير عودة (28 عاماً) أثناء هجومهم على منازل في الأطراف الغربيّة لقرية قُصرة. آنذاك، تقدّم أمير عودة مع والده، معتصم عودة، وعدد آخر من السكان نحو المستوطنين بعد أن ابتعد هؤلاء في اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة. كان ذلك الهجوم الثاني من نوعه في اليوم نفسه على منازل تلك المنطقة ولذلك، خشي السكان أن يعاود المستوطنون الهجوم. بعد أن حصل بين السكان والمستوطنين رشق حجارة متبادل من مسافة 100 متر، أطلق أحد المستوطنين النار نحو السكان وأصاب أمير عودة في صدره وشخصين آخرين في أرجلهما. عندما حاول والد أمير أن يتقدّم لمُساعدته، انهال المستوطنون على الأب وابنه ضرباً بالهراوات وطعناً حتى أغمي على الأب. فقط بعد أن انسحب المستوطنون في اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة تمكّن السكان من إخلائهما إلى المستشفى، وهناك أقرّ الأطبّاء وفاة أمير عودة.