نحو السّاعة الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 24.1.20 اقتحم جيب عسكريّ قرية دير نظام شمال غرب رام الله. عندما اقترب الجيب من الجامع القديم في القرية توقّف وترجّل منه جنديّان. انقضّ الجنديّان على الفتى أ.ت (15 عامًا) وأدخلوه إلى الجيب.
أدناه إفادة الفتى أ.ت. - أدلى بها في 27.1.20 إلى باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد قائلًا:
"نزل من الجيب جنديّان الذي بجانب السّائق وآخر كان يجلس في الخلف وهجما عليّ. أمسك أحدهما بيديّ إلى الخلف وأخذ يصرخ بالعبريّة ولم أفهم ممّا قاله سوى جملة "أنت ترشق الحجارة". هذه العبارة أعرفها لأنّ الأولاد يستخدمونها أثناء اللّعب. فهمت أنّه يتّهمني برشق الحجارة.
خفت كثيرًا، خاصّة وأنّ الشارع كان خاليًا من الناس وكلّ شيء هادئ من حولي. لم أفهم لماذا يعتقلونني وكيف يتّهمونني برشق الحجارة. صرت أصرخ مستغيثًا بأهلي والناس. خرج بعض الأهالي ممّن سمعوا صراخي وحاولوا التدخّل".
جاء إلى المكان أفراد أسرة أ.ت وعدد من أهالي القرية وحاولوا إقناع الجنود بإخلاء سبيل الفتى لكنّ الجنود صرخوا عليهم وألقوا نحوهم قنبلة صوت.
بعد دقائق معدودة تقدّم الجيب والفتى أ.ت. في داخله بضعة عشرات من المترات في منحدر الشارع لكنّ الأهالي استمرّوا في محاولات تخليصه من أيدي الجنود وعندها أطلق أحد الجنود في الهواء عددًا من الأعيرة الناريّة. في هذه اللّحظات كان بلال تميمي (26 عامً) في موقع آخر قريب فصوّب الجنديّ نحوه وأصابه بعيار ناريّ في منطقة الحوض من الخلف. أخلي بلال إلى المستشفى الاستشاري في رام الله.
بعد إطلاق النار غادر الجنود في الجيب العسكريّ فورًا وأخذوا معهم أ.ت. معصوب العينين مكبّل اليدين إلى الخلف واتّجهوا إلى معسكر للجيش وهم يضربونه في الطريق إلى هناك. طيلة ساعتين لم يكلّف أحد نفسه عناء تبليغ والديه عن مكان وجوده. في المعسكر حيث كان الفتى وحيدًا وخائفًا حقّقوا معه وقاموا بتهديده. لم يخلوا سبيله إلّا بعد مضيّ ستّ ساعات تقريبًا - منعوه خلالها من دخول المرحاض وحرموه الطعام والماء.
معظم الجمهور الإسرائيلي وقيادته والجيش وقادته يعتبرون ما جرى في دير نظام جزءًا من روتين عاديّ. هو روتين أيضًا بالنسبة لمن يرزحون تحت سيطرتنا من أهالي دير نظام لكنّه روتين وحشيّ مُرعب يخلّف الندوب في نفوسهم وأجسادهم: الانقضاض على فتىً في ظهيرة يوم جمعة. التحقيق معه طوال ساعات دون أن تعرف أسرته أين هو. المعاملة المهينة أثناء التحقيق. إلقاء قنابل الصوت وإطلاق الرّصاص الحيّ وإصابة بلال تميمي. الاحتمال الوارد جدًّا، أنّ هذا كلّه كان من الممكن أن ينتهي بخسائر في الأرواح، لا سمح الله، مثلما حدث في مرّات أخرى - وفي عبارة أخرى: روتين، كما قلنا.
الصورة
بلال تميمي في المستشفى. تصوير: اياد حداد، بتسيلم، 26.1.20
إطلاق النار على بلال تميمي
بعد أن سمع محمد تميمي (58 عامًا) وهو أب لتسعة أبناء ومن سكّان دير نظام أنّ جنودًا يحتجزون الفتى أ.ت توجّه في سيّارة إلى منطقة الجامع مع ثلاثة من أقربائه .
في إفادة أدلى بها في 26.1.20 إلى باحث بتسيلم الميداني إياد حدّاد قال:
الصورة
محمد تميمي. تصوير: اياد حداد، بتسيلم، 26.1.20
فيما كنّا نقترب بالسيّارة من الجنود لكي نحاول تخليص الولد من أيديهم صرخ علينا قائد المجموعة وأمرنا بالتوقّف. بعد أن توقّفنا خبط بقوّة على زجاج السيّارة الأماميّ بيديه وأمرنا أن ننزل. عندما نزلنا أمرنا بتسليمه بطاقات هُويّاتنا وهواتفنا. رفضت أن أسلّمه إيّاهم وقلت له بالعبريّة: "نحن لم نفعل شيئًا، لماذا تحتجزنا وتطلب بطاقات هويّاتنا؟" فأخذ يصرخ علينا مجدّدًا وألقى أحد الجنود قنبلة صوت بهدف ترهيبنا. ابتعدنا نحو مقهىً يقع على بُعد بضع عشرات من الأمتار على أمل أن يهدأ الوضع ويخلوا سبيل الولد.
تقدّم الجنود والجيب إلينا فيما آخرون من الأهالي يحاولون تحرير الولد ولكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب من الجنود كثيرًا، لأنّ هؤلاء كانوا عدوانيّين جدًّا وخاصّة القائد الذي كان طوال الوقت يصرخ ويتصرّف بعُنف. اقترب القائد منّي كثيرًا وأطلق في الهواء بضع رصاصات حيّة. كان قريبًا منّي لدرجة أنّني أحسست بخراطيش الرّصاصات تتناثر عليّ. خفت كثيرًا وابتعدت عنه. وكان جنديّ آخر يلقي قنابل الصّوت بشكل عشوائيّ نحو الأهالي الذين خرجوا من بيوتهم ليشاهدوا ما يحدث.
فجأة رأيت القائد الذي كان على بُعد أمتار فقط منّي، يصوّب بندقيّته إلى قريب لي يُدعى بلال تميمي كان واقفًا على بُعد نحو 25 مترًا منّي. أطلق القائد بضع رصاصات رغم أنّ الأهالي في تلك اللّحظات قد بدأوا يتفرّقون ولم أر أيّ رشق حجارة في ذلك اليوم. أصيب بلال ووقع أرضًا في الشارع.
بعد إطلاق الرّصاص حدثت فوضى. أخذ الناس يصرخون على الجنود وبعض الأهالي أخذوا بلال في سيّارة إلى المستشفى. عندها صعد الجنود فورًا إلى الجيب وغادروا المكان والولد معهم.
يقيم المصاب، بلال تميمي (26 عامًا) في رام الله ويعمل موظّفًا في المحكمة. أتى في ذلك اليوم لزيارة عائلته في القرية وخرج ليشتري مشروبات.
أدلى بلال بإفادته في 26.1.20 واصفًا ما حدث:
قبل أن أخرج سمعت انفجارات قنابل صوتيّة وظننت أنّ هذا أمر عاديّ فأنا من أهالي القرية وقد انتقلت منها قبل شهرين فقط ونحن معتادون على جنود يقتحمون القرية لملاحقة راشقي الحجارة والأطفال وفي هذه الأثناء يطلقون الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت والرّصاص الحيّ أحيانًا ثمّ يغادرون.
عندما أصبحت قرب الجامع شاهدت الجنود في حالة هستيريا. لكي أحمي نفسي منهم وأيضًا لكي أشاهد ما يحدث صعدت الدّرج الخارجي في منزل أقرباء لي قريب من هناك. قلت فلأنتظر هناك إلى أن يهدأ الوضع ولم يخطر في ذهني أن يصيبني الجندي لأنّ الوضع كان هادئًا. لم يكن رشق حجارة أو على الأقلّ أنا لم أشاهد رشق حجارة.
كانت المسافة بيني وبين الجنود 20 - 30 مترًا. أطلق الجندي بضع رصاصات أصابتني واحدة في يسار منطقة الحوض عندما استدرت لجهة الدّرج. أحسست مثل ضربة كهرباء وأصابني دُوار وغثيان. خفت. بدأ الدّم يسيل ووقعت أرضًا على الشارع. ناديت مستنجدًا فقدم بعض الشباب فورًا وحملوني إلى سيارة أخذتني إلى المستشفى الاستشاريّ. في الطريق لفّ الشباب جرحي وضغطوا عليه لوقف النزيف. كنت في كامل وعيي وأحسست آلامًا شديدة. خفت أن تكون إصابتي خطيرة وتؤدّي إلى موتي. استغفرت ربّي وتشاهدت.
في المستشفى وبعد صور الأشعّة أجريت لبلال عمليّة جراحيّة لإخراج شظايا الرّصاصة التي أصابته في أسفل منطقة الحوض من الخلف ورقد رهن العلاج حتى 6.2.20. في إفادته من يوم 23.2.20 قال:
ما زلت أعاني أوجاعًا وخدرًا في رجلي اليسرى. لا أستطيع المشي لمسافة طويلة لأنّ الإصابة أثّرت على ملتقى الأعصاب في الفخذ، وكذلك لا أستطيع صعود الدّرج أو قيادة السيّارة. أحيانًا أستعين بعكّاز وأحتاج مساعدة زوجتي أثناء المشي. طمأنني الأطبّاء وقالوا أنّ وضعي سوف يتحسّن خلال بضعة أشهر.
أنا متغيّب عن العمل منذ إصابتي وأخشى أن أفقد عملي. هذه المخاوف تؤثر سلبًا على نفسيّتي. مزاجي متعكّر لأنّني مللت القعود في المنزل. أنا محبَط وقلق وأخشى على مستقبلي. هذا القلق يسبّب لي الأرق. وضعي صعب. الله وحده يعلم بحالي.
"التحقيق" مع الفتى أ.ت.
بعد إطلاق النار وإصابة بلال تميمي أدخل الجنود أ.ت. (15 عامًا) إلى الجيب العسكريّ وأجلسوه في المقعد الخلفيّ ثمّ غادروا والفتى معصوب العينين ومكبّل اليدين إلى الخلف. أخذوه إلى معسكر للجيش يقع على بُعد بضعة كيلومترات شمال دير نظام.
في إفادة أدلى بها أ.ت في 27.1.20 قال:
أثناء سفر الجيب قلت مرارًا للجندي الذي كان يجلس إلى جانبي انّني لم أرشق الحجارة ولكنّه كان يدفع رأسي إلى أسفل ويضربني على رأسي أو رقبتي كلّما تكلّمت. عند مدخل القرية التقى الجنود مركبة عسكريّة ("خنزيرة") فقالوا للجنود الذين فيها أنّهم قبضوا على راشق حجارة فأخذ هؤلاء بشتمي. قالوا لي "بندوق" و"ابن زانية" وعبارات أخرى من هذا القبيل.
عندما وصلنا إلى المعسكر وهو يبعد بضعة كيلومترات عن قريتنا أنزلني الجنود من الجيب وأجلسوني على الأرض في الخارج ركوعًا على ركبتيّ ووجهي إلى حائط الكرفان. كانت الأرض مفروشة بالحصى ممّا آلمني لأنّ الحصى كان يغرز في ركبتيّ وساقيّ لكنّهم منعوني من التحرّك أو القيام.
بعد مضيّ نصف ساعة أدخل الجنود أ.ت إلى الكرفان وهو معصوب العينين. كان في الغرفة شخص سأل الفتى عن تفاصيله الشخصيّة وطرح عليه أسئلة حول محيطه الاجتماعيّ. بعد فترة يقدّرها أ.ت بعشرين دقيقة أزالوا العصبة عن عينيه ودخل ضابط إلى الكرفان أخذ يحقّق معه حول رشق حجارة نحو مستوطنة "حلميش" وعرض عليه شريط فيديو يظهر فيه أولاد يرشقون الحجارة نحو المستوطنة. أنكر أ.ت. تهمة رشق الحجارة.
يتابع الفتى في إفادته قائلًا:
جاء محقّق آخر لاحظت أنّه أخذ يجادل المحقّق الأوّل ثمّ بدأ هو أيضًا يحقّق معي. صرخ عليّ باللّغة العربيّة "لا تُثر أعصابي! قل الحقيقة. هذا الذي في الصّورة أنت. لا تكذب!". ولكن حقًّا أنا لم أظهر في ذلك الشريط. قلت له "ولماذا أكذب؟ أنا أصلًا لم أكن هناك". ثمّ أخذ يسألني عن أصحابي. قلت له "ليس لديّ أصحاب". سألني عن زملائي في الصفّ وبعد ذلك قال "إذن أنت لا تريد أن تتكلّم. سوف أجلب لك محقّقًا يُجبرك على الكلام غصبًا عنك". بعد ذلك عصب عينيّ مجدّدًا وشدّ العصبة حتى لم أعدْ قادرًا على رؤية شيء عبرها.
أجلسني على الأرض وخرج من الكرافان. شعرت بالبرد وأخذ البرد يزداد ويزداد حتى صرت أرتجف. طلبت الذهاب إلى المرحاض ولكنّهم لم يسمحوا لي كما أنّهم أبقوني دون طعام وماء.
طيلة خمس ساعات كنت في هذا الوضع: خائف وأرتجف من البرد. وكنت كلّما طلبت شيئًا - ماء أو طعام أو ذهاب إلى المرحاض - لا يجيبون سوى بإسكاتي "هُصّ، اسكت". كان جنود يروحون ويجيئون طوال الوقت وأحيانًا يشتمونني قائلين "يا ابن الزّانية".
بعد أكثر من خمس ساعات اقتادني الجنود إلى الجيب وكنت ما زلت معصوب العينين. تحرّك الجيب ولم أعرف إلى أين يتّجه. فجأة أخلوا سبيلي قرب مدخل النبي صالح. كانت السّاعة الثامنة أو التاسعة ليلًا. سلّموني إلى رئيس المجلس المحلّي وكان ينتظر هناك مع والدي. من هناك أخذوني إلى بيتنا.
سمع والد الفتى أ.ت (52 عامًا) عن إصابة بلال تميمي فجاء إلى المستشفى لزيارته وهناك علم من الأهالي المتجمّعين أنّ الجيش اعتقل ابنه.
في إفادته التي أدلى بها يوم 5.2.20 قال:
قلقت كثيرًا وخشيت على ابني فأنا كثيرًا ما أسمع عن تنكيل الجيش بالقاصرين الذين يعتقلهم أو يحتجزهم. تراكضت في ذهني أفكار سوداء: هل أجلسوه بوضعيّة "الشّبْح" في البرد، هل ضربوه؟ هل أهانوه وأذلّوه؟
كان في المستشفى رئيس المجلس المحلّي وعضو المجلس. قالا لي أنّهما ومنذ اللّحظة الأولى أجروا اتّصالاً مع مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة ومنظمات حقوق إنسان وأنّهم يواصلون متابعة وضعه.
من شدّة توتّري وارتباكي صرت أروح وأجيء في ممرّات المستشفى. كانت تصلني اتّصالات من حين لحين من زوجتي وأولادي والأقارب جميعهم يسألون عن وضع أ. بعد ساعة أو ساعتين أبلغونا من مديريّة التنسيق والارتباط الإسرائيليّة - أو ربّما الفلسطينيّة. لا أذكر بالضّبط - أنّ ابني بخير وأنّه محتجَز في معسكر للجيش وسوف يسلّمونا إيّاه في السّاعة 20:00. لم يقولوا أين هو محتجَز. اطمأنّيت وهدأت قليلًا ولكن بقيت قلقًا وخائفًا.
عند السّاعة 20:00 أبلغني رئيس المجلس أنّ الجيش سوف يخلي سراح ابني قرب بوّابة النبي صالح فتوجّهت إلى هناك فورًا. عانقته وفرحت كثيرًا لإخلاء سراحه. كان سليمًا معافىً ولم يعاني من أيّ شيء لكنّه كان خائفًا ومتجمّدًا من البرد. زعم الضّابط أنّهم أخلوا سبيله رغم أنّ في حوزتهم شريط من كاميرا حراسة يظهر فيه وهو يرشق الحجارة قرب مستوطنة "حلميش" ويحاول كسر الكاميرا؛ وأضاف أنّهم في المرّة القادمة سوف يعتقلونه لأيّ عمل يقوم به.
عدنا إلى المنزل وكان الجميع مسرورين جدًّا وخاصّة والدته التي كانت تنتظر وصوله بلهفة لتتأكّد أنّه بخير. الحمد لله أنّ ابني عاد سليمًا معافىً.
منذ الحادثة تلك وابني يُصاب بالذّعر عندما يرى جنودًا أو يسمع أنّهم في القرية. إذا كان في الخارج يفرّ مبتعدًا لكي لا يصادفهم وإذا كان في المنزل يبقى فيه حتى يتأكّد أنّهم غادروا القرية.
في يوم الجمعة الموافق 18.8.23 نحو الساعة 11:30 حضر ابنا الخالتين محمود ويحيى النواجعة (18 و16 عامًا على التوالي) إلى حاجز "ميتار" الذي تمّ توصيلهما إليه بسيّارة فلسطينيّ من مواطني إسرائيل. كان الاثنان في طريق عودتهما من داخل إسرائيل إلى منزلهما في تجمُّع الجوايا، جنوبي- شرق بلدة يطّا في تلال جنوب الخليل. عندما وصلا إلى الحاجز أخرج الجنود السائق والراكبَين من السيّارة وأجروا تفتيشًا على أجسامهم. أخذ الجنود من الثلاثة حقائبهم وهواتفهم المحمولة وكذلك سوارًا وخاتمًا كان يضعهما يحيى عليه وأجرة عمل بمبلغ 8,000 ش.ج. نقدًا كان ابنا الخالتين يحتفظان بها في جيبيهما. بعد ذلك قام الجنود بربط أيادي الثلاثة خلف ظهورهم بأكياس من النايلون وغطّوا أعينهم بأكياس من النايلون وأدخلوهم في سيّارة جيب عسكريّة. وردًّا على سؤالهم قيل لهم إنّه سيتمّ أخذهم إلى حاجز "بيت يتير/خ. لصيفر" ("متسدوت يهودا"). بعد وصولهم إلى المعسكر المجاور لحاجز "بيت يتير" أُنزِل الثلاثة من سيّارة الجيب وأجلِسوا على الأرض في ساحة المعسكر. على هذه الحال جلسوا على الأرض وأياديهم مربوطة وأعينهم معصوبة طوال ساعات الليل كلّها حتّى ساعات الظهيرة من اليوم التالي. حتّى في ساعات الظهر، في عزّ الحرّ الشديد، منع الجنود الشبان الثلاثة من الشرب أو الأكل أو الذهاب إلى المرحاض. وعندما طلبوا من الجنود الجلوس في مكان مظلل رفض الجنود ذلك، كما مُنِعوا من الاتّصال بأفراد عائلاتهم أو بالمحامي لإبلاغهم بمكان وجودهم. في وقت لاحق، اقتيد الثلاثة إلى غرفة في القاعدة العسكريّة وتمّ تقييد أياديهم بالأصفاد مجدّدًا، وهذه المرّة من الأمام، وتمّ استبدال الأكياس التي على أعينهم بأغطية من القماش. جرى التحقيق معهم بالعربيّة وسُئلوا عن أسمائهم وأعمارهم وعن كيفيّة دخولهم إلى إسرائيل وبماذا عملوا هناك. من هناك تمّ نقلهم إلى منشأة عسكريّة أخرى، حيث تمّ أخذ بصمات الأصابع من ثلاثتهم وهم مقيّدو الأيدي ومعصوبو الأعين ثمّ قام الجنود بفصل السائق الذي كان يُقلّ محمود ويحيى وأطلقوا سراحه فيما بعد. أدخِل محمود ويحيى إلى السيّارة مجدّدًا وأُجلِسا في داخلها لمدّة نصف ساعة تقريبًا. وبعد سفرة قصيرة إلى دوّار بيت عينون على شارع 60، شمال الخليل، أخرجهما الجنود من السيّارة وأبلغاهما بأنّه تمّ إطلاق سراحهما. بعد توسّلهما فقط، أزال الجنود الأصفاد وعصابات الأعين عنهما ثمّ أعادا لهما هاتفيهما المحمولين وليحيى الحلى التي كانت عليه أثناء الاعتقال. وعندما طالبا الجنود بالنقود التي أخِذتْ منهما أيضًا زعم هؤلاء بأنّ النقود حُوِّلتْ إلى الشرطة وغادروا المكان. اتّصل محمود بوالده الذي حضر إلى المكان وأوصلهما إلى منزليهما بعد أكثر من عشرين ساعة دون طعام أو شراب. في اليوم التالي توجّه محمود ويحيى النواجعة إلى محطّة الشرطة في "كريات أربع" للمطالبة باستعادة نقودهما، لكنّ أفراد الشرطة أحالوهما إلى معسكر شرطة حرس الحدود في مستوطنة "تيلم". عندما وصلا إلى هناك قِيل لهما إنّ عليهما العودة في اليوم التالي. في 31.8.23 توجّه الاثنان إلى "مركز الدفاع عن الفرد" لكي يقدّم باسمهما شكوى في الشرطة للمطالبة بإعادة نقودهما. باحث بتسيلم الميدانيّ باسل العدرة سجّل إفادتي الاثنين: محمود النواجعة (18 عامًا)، من سكّان الجوايا، قال في إفادته: منذ أن أنهيتُ دراستي وأنا أساعدُ في إعالة الأسرة. في شهر حزيران 2023 بدأتُ أعمل في بلدة عرّابة داخل الخطّ الأخضر. لم يكن لديّ تصريح عمل فتسلّلتُ. وبعد شهر تقريبًا انضمّ إليّ ابن خالتي يحيى النواجعة (16 عامًا) للعمل أيضًا. في 18.8.23 قرّرنا العودة إلى المنزل ودفعنا أجرة السفريّة لفلسطينيّ مواطن في إسرائيل. نحو الساعة 23:30 وصلنا إلى حاجز "ميتار" وأوقف عنصر الحراسة هناك السيّارة وطلب رؤية بطاقات الهويّة. أظهر له السائق بطاقة هويّته وأنا قلتُ له إنّ بطاقة هويّتي ليست معي. ويحيى قال أيضًا إنّه ليس لديه بطاقة هويّة لأنّ عمره 16 عامًا ولم يُصدرها بعد. أمرنا رجل الحراسة بالخروج من السيّارة وطلب من السائق أن يوقفها في موقف السيّارات المجاور للحاجز. أبعدنا بعض الجنود عن السيّارة قليلًا وقامت جنديّة بتفتيش السيّارة بجهاز إلكترونيّ. في تلك الأثناء أمرني الجنود بالاتّصال بوالديّ لأطلب منهما أن يرسلا لي رقم بطاقة هويّتي أو صورة عنها. حاولتُ الاتّصال لكنّ أحداً لم يردّ. أدخلوني أنا ويحيى والسائق إلى إحدى الغرف في الحاجز والتقطوا لنا صورًا هناك، ثمّ تعرّفوا على وجوهنا. بعد ذلك نقلونا إلى مقصورة صغيرة وقاموا بتفتيش أجسادنا وأخذوا منّا كلّ شيء كان معنا: هواتفنا المحمولة، الحقائب بما فيها من ملابس، وكذلك مبلغ 5,000 شيكل كسبتُه في كلّ أشهر العمل ومبلغ 3,000 شيكل الذي كسبه يحيى وكان معه. بعد ذلك ربطوا أيدينا خلف ظهورنا بأكياس من النايلون وغطّوا أعيننا بأكياس أيضًا وأصعدونا نحن الثلاثة إلى سيّارة جيب عسكريّة سوداء. سألتُهم إلى أين يأخذوننا فأجاب أحد الجنود: "إلى متسودات يهودا". بعد نحو عشر دقائق من السفر (نحو الساعة 00:30)، أنزلونا من السيّارة وأجلسونا على الأرض في داخل قاعدة عسكريّة. شعرتُ بسيّارات تسير بسرعة كبيرة بجانبنا. كان هذا الأمر مخيفًا حقًّا وقلقتُ جدًّا بشأن ما سيحدث، خصوصًا أنّه لم يعلم أحد من عائلتنا بتاتًا بأنّهم اعتقلونا. طلبتُ من الجنود أن يحاولوا الاتّصال ثانيةً بأحد أفراد العائلة لكنّهم رفضوا. كذلك عندما طلبنا منهم شرب الماء أو الأكل لم يعطونا أيّ شيء واكتفوا بأمرنا بالصمت وبعدم التحدّث مع بعضنا البعض. سألنا كم من الوقت سنبقى على الأرض هكذا، فقال أحد الجنود لوقت طويل. بقينا هناك على هذه الحال طوال الليل. في صباح اليوم التالي، بعد نحو ساعة ونصف الساعة من سماعنا أذان الفجر، كان الجوّ قد أصبح حارًّا جدًّا. لم نعد قادرين على تحمّل حرارة الشمس وطلبنا من الجنود الانتقال إلى مكان أكثر فيئًا لكنّهم رفضوا. في ساعات الظهيرة أصبح الأمر لا يطاق وطلبنا ثانية عدّة مرّات، لكنّهم رفضوا في كلّ مرّة. في مرحلة ما تمكّنت من إزالة النايلون عن عينيّ، وفي غضون لحظة أعاده لي بعض الجنود وصرخوا عليّ بأنّه ممنوع أن أزيله. جلسنا على الأرض وأيدينا مربوطة وأعيننا مغطّاة لمدّة 15 ساعة متواصلة، حتّى أدخلنا الجنود إلى غرفة في القاعدة. أزالوا النايلون عن أعيننا وغطّوها مجدّدًا بقطعة قماش وربطوا أيدينا بإحكام بأصفاد بلاستيكيّة، من الأمام هذه المرّة، ثمّ أجلسونا على كراسٍ. فجأةً تحدّث معنا شخص لم أرَ وجهه. عرَّف عن نفسه بأنّه "خالد" وسأل كلّ واحد منّا أسئلة بلغة عربيّة غير جيّدة. سألني عن اسمي وكم عمري وأين عملتُ وكيف دخلتُ إلى إسرائيل. وسأل أيضًا يحيى والسائق الذي أقلّنا نفس الشيء. بعد ذلك أصعدنا الجنود إلى سيّارة الجيب مرّة أخرى وسافرنا أربعين دقيقة حتّى أنزلونا وأدخلونا مرّة أخرى إلى الغرفة التي أخذوا منّا فيها بصمات أصابعنا، بينما كانت أيدينا لا تزال مقيّدة بالأصفاد وأعيننا معصوبة. بعد ذلك أصعدوني أنا ويحيى إلى سيّارة مدنية. لا أعرف إلى أين أخذ الجنود السائق الذي أقلّنا. انتظرنا في السيّارة نحو نصف ساعة حتّى بدأت السيارة بالتحرّك، وبعد بعض الوقت أنزلونا وقالوا لنا إنّ بإمكاننا الذهاب. لم يزيلوا العصابتين عن أعيننا وكانت أيادينا لا تزال مقيّدة بالأصفاد. فقط بعد أن توسّلنا إليهم أن يزيلوا الأصفاد والعصابتين فعلوا ذلك، ثمّ أدركنا أنّنا موجودان في دوّار بيت عينون. أعاد لنا أحد الجنود الهاتفين. سألْنا أين نقودنا فقال الجنديّ إنّ النقود موجودة لدى الشرطة، ثمّ غادر الجنود. تمكّنتُ من تصوير لوحة السيّارة الخاصّة بهم. كان ذلك نحو الساعة 18:00-17:30. اتُصلتُ بوالدي وجاء لاصطحابنا. كنّا منهكَين بشكل فظيع. اتّصلتُ لاحقًا بالسائق الذي أقلّنا فأخبرني بأنّهم أطلقوا سراحه وبأنّ أصدقاءه أقلّوه، لكنّ الجنود صادروا سيّارته. في اليوم التالي ذهبتُ مع يحيى إلى شرطة "كريات أربع" لاستعادة نقودنا لكنّهم قالوا لنا إنّ ملفّنا يُعالَج في معسكر "تيلم". ذهبنا إلى معسكر "تيلم" لكنّهم طُلبوا منّا أن نعود في اليوم التالي. في صباح اليوم التالي اتّصلوا بي من شرطة "كريات أربع" وطلب منّي المترجم أن أشرح له ما حدث وكم هو مبلغ النقود، فأخبرته وقلت له إنّني أنوي الحضور في اليوم التالي إلى معسكر "تيلم" لتسلّم النقود من هناك. قال إنّهم سيتّصلون بي لكنّ ذلك لم يحدث. يحيى النواجعة (16 عامًا)، من سكّان يطّا، قال في إفادته: بحثتُ عن عمل خلال العطلة الصيفيّة حتّى يكون لديّ ما يكفي من مصروف جيب للسنة الأخيرة من دراستي الثانويّة. رتّب لي ابن خالتي، محمود النواجعة، عملًا سويّةً معه في منطقة عرّابة في إسرائيل وبدأتُ بالعمل هناك في 15.7.23. كان يوم 20.8.23 هو اليوم الدراسيّ الأوّل وأردتُ أن يكون لديّ وقت كافٍ للاستعداد، لذلك ترك كلانا العمل في 18.8.23. خرجنا نحو الساعة 21:30 مع سائق فلسطينيّ مواطن في إسرائيل وأقلّنا مقابل أجر، ونحو الساعة 23:30، عندما وصلنا إلى حاجز "ميتار"، احتجزنا رجل الحراسة هناك عندما رأى أنّنا، أنا ومحمود، بدون بطاقة هويّة. أبرز السائق الذي أوصلنا بطاقة هويّته لرجل الحراسة، وأمرني رجل الحراسة أنا ومحمود بالخروج من السيّارة وأمر السائق بركْنها في الساحة المجاورة للحاجز. خرج كلانا من السيّارة ورافقنا جنديّان في داخل الساحة ذاتها، ثمّ جاء جنديّان آخران وجنديّة، وقامت هي بتفتيش السيّارة بجهاز إلكترونيّ. طالبنا الجنود مرّة أخرى بإظهار بطاقات الهويّة ولكنّنا قلنا لهم مرّة أخرى أنّه ليس لدينا. اقتادونا نحن الثلاثة إلى داخل غرفة في الحاجز، صوّرونا هناك ثمّ أجروا تفتيشًا على أجسادنا في داخل مقصورة صغيرة. أخذوا منّا هواتفنا وأخذوا منّي أيضًا سوارًا وخاتمًا كنت أضعهما على يدي، كما أخذوا مبلغ 3,000 شيكل كنتُ قد كسبتُه من العمل. أخذوا من محمود أيضًا مبلغًا قدره 5,000 شيكل كان قد كسبه. بعد ذلك قام الجنود بربط أيدينا خلف ظهورنا بأكياس من النايلون، كما قاموا أيضًا بتغطية أعيننا بأكياس من النايلون. بعد ذلك أصعدنا الجنود إلى سيّارة جيب، وبعد عشر دقائق من السفر أنزلونا وأجلسونا على الأرض في داخل قاعدة عسكريّة. كان ذلك مخيفًا لأنّني لم أرَ شيئًا ولم أكن أعرف ما الذي يخطّط له الجنود. شعرتُ فقط بسيّارات تسير بسرعة كبيرة بجواري. طلبتُ من الجنود الذهاب إلى المرحاض عدّة مرّات لكنّهم لم يسمحوا لي بذلك. لم يعطونا ماءً وطعامًا أيضًا ومنعونا من التحدّث مع بعضنا البعض. طلبتُ أنا ومحمود الاتّصال بعائلتنا أو بمحامٍ، لكنّ أحد الجنود كان يقول في كلّ مرّة نفس الكلمة: "ممنوع". بعد نحو ساعة ونصف الساعة من سماعنا أذان الفجر، وكانت الشمس قد أشرقت، طلبنا منهم أن ينقلونا إلى الظلّ لكنّهم رفضوا. عند الظهر، لم نعد قادرين على تحمّل الحرارة الشديدة بعد أن جلسنا مقيَّدين هناك لمدّة 15 ساعة متواصلة، لكنّهم استمرّوا في الرفض عندما طلبنا الانتقال إلى مكان أكثر فيئًا. في مرحلة ما أدخلونا نحن الثلاثة إلى غرفة في المعسكر وعصبوا أعيننا بالقماش بدلًا من النايلون، كما استبدلوا ربط أيدينا بأصفاد بلاستيكيّة وهذه المرّة قيّدونا من الأمام. قام أحد الجنود بتقييد يديّ بشكل شديد جدًّا وكان ذلك مؤلمًا. ثمّ سأل ثلاثتنا شخصٌ قال إنّ اسمه "خالد" بعض الأسئلة بلغة عربيّة غير متقنة، مثل كم عمرنا، أين عملنا وكيف دخلنا إلى إسرائيل. بعد ذلك أخرجونا نحن الثلاثة من الغرفة وأصعدونا ثانيةً إلى سيّارة جيب. بعد 40 دقيقة من السفر أنزلونا وأدخلونا إلى غرفة ما وأخذوا بصمات أصابعنا رغم أنّ أيدينا كانت لا تزال مقيَّدة وأعيننا معصوبة. بعد ذلك أصعدونا ثانية أنا ويحيى فقط إلى سيّارة وانتظرنا في داخلها لمدّة نصف ساعة تقريبًا. وبعد سفرة قصيرة أنزلنا الجنود وقالوا لنا إنّ بإمكاننا الذهاب دون أن يزيلوا لنا الأصفاد والأغطية عن الأعين. طلبنا منهم أن يفكّوها لنا لكنّ أحدهم قال إنّ ذلك ممنوع. لم نفهم لماذا كان يريد أن يتركنا هكذا في منتصف الشارع وظللنا نصرّ على ذلك حتّى قام أحدهم بفكّ الأصفاد لنا وبإزالة أغطية الأعين. شعرتُ بالارتياح. كما أعادوا لنا هاتفينا وأعادوا لي السوار والخاتم اللذين كنتُ أضعهما في يدي. لم يعيدوا لنا النقود التي أخذوها منّا وعندما طلبنا إعادتها لنا قال الجنديّ إنّها لدى الشرطة. بعد ذلك غادروا المكان واتّصل محمود بوالده الذي جاء ليأخذنا. كنّا جائعين ومتعبين للغاية وأردنا النوم فقط.
في يوم الثلاثاء الموافق 28.6.22 نحو السّاعة 4:00 فجراً، جاء ما يقارب ثلاثين عنصراً من الشرطة و"الشاباك"، بعضهم ملثّمون، إلى منزل عائلة الرّويضي في سلوان. اقتحم قسم منهم غرفة مجد (15 عاماً) فاستيقظ مذعوراً. أخذ والده يهدّئ من روعه وقال له إنّهم من الشرطة. حين ردّ مجد قائلاً "وماذا أفعل لهُم" (بمعنى لا يهمّني أمرهم) دفعه أحد عناصر الشرطة بقوّة فردّ مجد بدوره ودفعه أيضاً. حينئذٍ انقضّ على الفتى عناصر شرطة آخرون وانهالوا عليه ضرباً ثمّ اقتادوه إلى الاعتقال وهو حافي القدمين والنصف العلويّ من جسمه عارٍ. كبّل عناصر الشرطة يدي مجد وواصلوا ضربه في الطريق إلى مركز الاعتقال في المسكوبيّة. في المحطّة أيضاً ضرب العناصر الفتى حتى جاء محاميه وصوّر علامات الضرب البادية على وجهه وجسمه. اقتيد مجد إلى التحقيق حيث اتّهموه برشق حجارة نحو سيّارات مستوطنين وعناصر شرطة وعند السّاعة 16:00 أُحضِر أمام محكمة الصّلح وكانت قد مرّت أكثر من 12 ساعة على انتزاعه من سريره وضربه والتحقيق معه، دون أن يأكل أو يشرب خلالها شيئاً. مدّد القاضي اعتقال مجد ليومين مكث خلالهما في الزنزانة طوال الوقت لأنّ أحداً لم يجلبه للتحقيق. في 30.6.22 أفرج عن مجد في ساعات العصر بعد أن وقّع والده على كفالة بقيمة 5,000 شيكل ومن ثمّ أرسل إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. ليست هذه حادثة استثنائيّة وإنّما هي جزءٌ من روتين حياة عائلات فلسطينيّة كثيرة في شرقيّ القدس. العُنف الذي تعاني منه هذه العائلات تمارسه وتتيحه سلطات عديدة: عناصر الشرطة الذين دهموا منزل العائلة في دُجى اللّيل وأفزعوا جميع أفرادها وهم نيام ثمّ انتزعوا فتىً في الـ15 من سريره بعُنف؛ عناصر "الشاباك" الذين رافقوهم؛ وأخيراً، القاضي الذي أمر بتمديد الاعتقال الذي لم يتّضح مبرره طالما أنّه لم يتمّ التحقيق مع مجد مرّة أخرى، ثمّ أرسله إلى الحبس المنزليّ دونما إجراء قضائيّ يمكّنه من الدّفاع عن نفسه. بمنتهى الاعتياديّة، تدير جميع السّلطات حياة الفلسطينيّين في شرقيّ القدس على هذا النحو وهي تتمتّع بصلاحيّات واسعة وتعمل دون حسيب أو رقيب. استمع باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري إلى إفادات أدلى بها عدد من أفراد الأسرة. من إفادة مجد الرّويضي (15 عاماً) الذي روى ما جرى في تلك اللّيلة وخلال اعتقاله: في يوم الثلاثاء الموافق 28.6.22 نحو السّاعة 4:00 فجراً أيقظتني جلبة في المنزل. فجأة شاهدت أشخاصاً ملثّمين في غرفتي. تحدّث معي أحدهم بالعربيّة قائلاً "قُم وتعالَ معنا". خفت كثيراً. قال لي والدي إنّهم من الشرطة فتوتّرت وأخذت أصرخ. عندما نهضت من السّرير دفعني أحدهم فدفعته بدوري. طرد عناصر الشرطة الجميع من الغرفة ثمّ انهالوا عليّ ضرباً. ظلّوا يركلونني ويصفعونني طيلة بضع دقائق ثمّ كبّلوا يديّ إلى الخلف واقتادوني إلى خارج المنزل وأنا حافي القدمين ولا أرتدي قميصاً. ناولتهم والدتي قميصاً لكي أرتديه لكنّهم استخدموه ليغطّوا به وجهي. لحق بي أحد إخوتي وناولني حذاءً. أدخلوني إلى سيّارة وفي داخلها انتعلت حذائي. لم أستطع رؤية شيء لأنّ وجهي كان مغطّىً بالقميص. أثناء سير الجيب انهالوا عليّ ضرباً مرّة أخرى - على وجهي ورأسي وعُنقي. عندما توقّف الجيب سحبوني إلى خارجه بعُنف حتى أنّني كدت أقع منكفئاً على وجهي. لاحقاً علمت من محاميّ أنّني موجود في غرفة 4 في مركز التحقيقات في المسكوبيّة. أجلسوني راكعاً على ركبتيّ وواصلوا ضربي من حين لآخر. كانوا يصفعونني ويركلونني ويضربونني بمسدّس أو بندقيّة في مختلف أنحاء جسمي. لا أعرف كم من الوقت استمرّ ذلك. في مرحلة ما جاء المحامي وأراد أن يصوّر علامات الضرب التي على وجهي وجسمي. أوضح لي المحامي تفاصيل إجراء التحقيق والاعتقال وبعد أن غادر أخذوني إلى المرحاض حيث غسلت وجهي ثمّ جلبوني للتحقيق. كان في الغرفة محقّقان بلباس مدنيّ. جلست على كرسيّ ويداي مقيّدتان. اتّهمني المحقّقان بأنّني رشقت حجارة على سيّارات مستوطنين وعناصر شرطة. لا أعرف كم من الوقت استمرّ التحقيق معي، ربّما ساعتين. لم أكن أقدر على الكلام إلا بصعوبة بسبب الأوجاع الناجمة عن الضرب. كنت عطشاً جدّاً وقد طلبت ماءً لأشرب لكنّهم لم يجلبوه ولم يجلبوا لي طعاماً لآكل. كان التحقيق يجري باللّغة العربيّة لكنّهم دفعوا إليّ بأوراق مكتوبة بالعبريّة لكي أوقّع عليها وأنا لا أقرأ العبريّة. قال لي المحقّق إنّها أقوالي. وقّعت ومن ثمّ نقلوني إلى غرفة هي بالأحرى قفص بقُضبان. كانت يداي لا تزالان مقيّدتين وكنت منهكاً وعطشاً وجائعاً وأتألّم في جميع أنحاء جسمي. نحو السّاعة 16:00 جلبوني إلى المحكمة وهناك رأيت والدي وشقيقيّ أحمد (21 عاماً) وسمير (22 عاماً). لم أتمكّن من التحدّث إليهم. مدّد القاضي اعتقالي ليومين ثمّ أعادوني إلى مبنى المسكوبيّة. عرضوني على طبيب أعطاني مسكّنات للأوجاع ثمّ أدخلوني إلى غرفة فيها ثلاثة فتية في مثل سنّي تقريباً. كنت جائعاً وكان في الغرفة خبز ومربّى إلّا أنّني غفوت فوراً من شدّة التعب. عندما استيقظت تناولت قطعة خبز واحدة وشربت عصيراً. لم تكن لديّ أيّة شهيّة للطّعام. أبقوني في الغرفة حتى السّاعة 17:00 من يوم الخميس. لم يحقّقوا معي مرّة أخرى. وقّع والدي على كفالة بمبلغ 5,000 شيكل ثمّ أرسلوني إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. بعد أن أخرجوني من المعتقل ذهبت مع والدي وشقيقيّ أحمد وسمير إلى عيادة في عين اللّوزة في سلوان وهناك أجريت لي صور أشعّة. قال الطبيب إنّه توجد كدمات في أماكن مختلفة من جسمي وآثار دم جافّ في أذني اليسرى. أدناه يحدّث الوالدمحمود الرّويضي (49 عاماً) عن اعتقال ابنه وما جرى بعد ذلك: سمعت طرقات قويّة على الباب فنهضت ونهضت زوجتي إسلام (43 عاماً). سألت "من في الباب؟" فأجابوا: "نحن من الشرطة. افتح". كان هناك أكثر من ثلاثين شرطيّاً بعضهم يرتدي ملابس عاديّة وبعضهم يرتدي زيّاً أسود. كان قسم منهم ملثّماً. كان معهم ضابط "شاباك" سألني عن أسماء أبنائي فأجبت أنّه يوجد لديّ أربعة أبناء: ريتال (11 عاماً) ومجد (15 عاماً) وأحمد (21 عاماً) وسمير (22 عاماً). سألني أين ينام مجد فقلت له "في غرفة مع أخويه". عندئذٍ أمرني بأن أرافقه إلى الغرفة. دخل ثلاثة عناصر شرطة إلى الغرفة وانتشر الباقون في أرجاء المنزل. استيقظ مجد من نومه مذعوراً. قلت له "لا تخف. إنّهم من الشرطة" فأجابني: "وماذا أفعل لهم؟". عندما سمعه العنصر الذي من "الشاباك" دفعه بقوّة ففعل مجد بدوره بالمثل. ثلاثة أفراد من وحدة "يسام" ضربوا مجد ودفعوه نحو الأرض وانهالوا عليه ركلاً. صرخت عليهم أطالبهم بأن يتوقّفوا وأقول لهم إنّه مجرّد طفل. كانت زوجتي وابنتي تقفان عند باب الغرفة وتشاهدان ما يجري وهُما تصرخان وتبكيان. بعد ذلك دخل إلى الغرفة نحو 15 شرطيّاً وطردوني إلى الخارج. سمعت مجد يصرخ متألّماً. بعد مضيّ دقائق معدودة أخرجوه حافياً وبدون قميص. حاولت زوجتي أن تناول مجد قميصاً لكنّ شرطيّاً أخذه منها وغطّى به رأس مجد بدلاً من أن يناوله لمجد فيرتديه. خرج سمير يركض وراء مجد وناوله حذاءً. فور أن غادرت القوّة هاتفت المحامي محمد محمود وأخبرته بما جرى. بعد مضيّ ساعة عاود الاتّصال بي وأخبرني أنّ مجد معتقل في "غرفة 4" وأنّه قد تمّ تعيين جلسة في محكمة الصّلح في القدس عند السّاعة 11:00 صباحاً. بالطبع لم نستأنف نومنا بعد كلّ هذا، لا أنا ولا زوجتي ولا الأولاد. كنت قلقاً عليه كثيراً. أنا قلق على مستقبله عموماً لأنّني أيضاً كنت معتقلاً في السّابق لفترات مختلفة منذ العام 1988 ولا أريد لابني أن يمرّ بالتجربة نفسها. لا أريد أن يضيع مستقبله في السّجون. هاتفني المحامي لاحقاً وأخبرني بأنه قد تمّ تأجيل الجلسة إلى السّاعة 17:00. ذهبت إلى المحكمة مع ولديّ سمير وأحمد. عندما جلبوا مجد إلى قاعة المحكمة لم أصدّق أنّ هذا ابني. كانت ملامح وجهه متغيّرة تماماً. كان وجهه متورّماً ومليئاً بالكدمات لشدّة ما ضربوه. مدّد القاضي اعتقال مجد ليومين ثمّ أخلي سبيله بعد أن وقّعت على كفالة غير مدفوعة بقيمة 5,000 شيكل. بعد ذلك أرسلوه إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. بعد الإفراج عنه أخذناه فوراً إلى عيادة في سلوان حيث أجروا له فحوصات وأعطوه مسكّنات للأوجاع. الحمد لله أنّه لم تكن لديه كُسور، فقط كدمات وأوجاع. نحن نحاول أن ندعم مجد ونسانده في مجابهة الضرب والمهانة التي ذاقها. هو اليوم في حالٍ أفضل، الحمد لله.
في يوم الإثنين الموافق 28.3.22 نحو السّاعة 19:00، تحرّشت مجموعة من نحو ثمانية فتية من قرية راس كركر في محافظة رام الله بجنود وعناصر شرطة من وحدة "يَسام" كانوا عند مدخل القرية وذلك بواسطة أشعة الليزر. بعد ذلك، فرّ الفتية إلى داخل القرية فطاردتهم القوّات في مركبة وتمكّنت من القبض على راغب سمحان (13 عاماً) الذي يعاني من محدودية عقلية تطورية. هاجمت القوّات الطفل وقيّدت يديه بقطع قماش وعصبت عينيه ثمّ أخذته من المكان وحده ودون تبليغ أيّ شخص. بعد نحو ساعتين أعاد عناصر الشرطة راغب إلى أبناء عائلته الذين كانوا ينتظرون عند مدخل القرية وهناك أخلوا سبيله وهو لا يزال مقيّداً ومعصوب العينين. بعد مضيّ نصف ساعة تقريباً حضر نحو 15 جنديّا وشرطيّاً إلى منزل راغب سمحان حيث كان قد تجمّع عدد من أبناء العائلة وأهالي القرية لاستقباله. اعتقل أفراد القوّة اثنين من أقارب العائلة: محمد سمحان (19 عاماً) ونادر نوفل (18 عاماً). عصب عناصر الشرطة أعين الشابين وقيّدوا أيديهما إلى الخلف ثمّ اقتادوهما إلى معسكر للجيش في المنطقة وهُم يحقّقون معهما في الطريق إلى هناك. احتجز أفراد القوّة الشابّين محمد ونادر طيلة ساعتين داخل السيّارة ثمّ نقلوهما إلى "كرفان" كان فيه عدد من الجنود الذين انهالوا عليهما ضرباً وركلاً وشتماً. بعد مضيّ خمس ساعات، نحو السّاعة 3:00 فجراً، أخلي سبيل الشابّين عند مدخل قريتهما. لاحقاً، تلقّى الاثنان استدعاء للمثول لدى "الشاباك" بعد أسبوع للتحقيق. وبعد التحقيق أخلي سبيلهما دون اتّخاذ أيّة إجراءات بحقّهما. هذه حادثة أخرى في روتين حياة عائلة فلسطينيّة من الضفة الغربيّة: جنود وعناصر شرطة يعتقلون طفلاً يعاني من محدودية عقليّة دون أن يكلّفوا أنفسهم حتى عناء تبليغ والديه. احتجزوه وحقّقوه معه في مكان مجهول طيلة ساعتين دون حُضور بالغ من طرفه ثمّ اعتقلوا اثنين من أفراد أسرته واحتجزوهما ونكّلوا بهما طيلة خمس ساعات تقريباً. هكذا، بسُهولة لا تُطاق ولا يتصوّرها عقل، تُدير إسرائيل حياة ملايين الأشخاص دون أن يكاد أي أحد يتعرض لأية مساءلة أو محاسبة. أدناه يحدّث محمد سمحان (19 عاماً، من سكّان راس كركر) عن اعتقال ابن شقيقته الطفل راغب واعتقاله هو نفسه، وذلك في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: في يوم الإثنين الموافق 28.3.22، نحو السّاعة 19:00، كنت في منزلنا الواقع قرب مسجد الصدّيق وسط القرية. رأيت عبر النافذة مركبتي دوريّة تدخلان إلى القرية - جيب عسكريّ عاديّ وGMC بيضاء تستخدمها عادة وحدات "يسام"، حسبما أعرف. كانوا يطاردون أطفالاً وجّهوا إليهم أشعّة ليزر عند مدخل القرية على شارع 463 ثمّ فرّوا إلى داخل القرية. تقديري أن عدد الأطفال كان سبعة أو ثمانية. توقّفت المركبتان قبالة منزلنا وترجّل منهما جنود وعناصر شرطة ثمّ انطلقوا يطاردون الأطفال بين المنازل. بعد عدّة لحظات سمعت طفلاً يصرخ: "ليس أنا، ليس أنا!". اقتاده شرطيّان نحو مركبة الجيب وهما يضربانه ويركلانه ثم قيّدا يديه إلى الأمام وعصبا عينيه بقطعة قماش بينما الطفل يصرخ طوال الوقت. لم أتمكّن من التعرف عليه. لم ينتظر عناصر الشرطة طويلاً بل أدخلوا الطفل فوراً إلى مركبة "اليسام" ثمّ غادرت المركبتان القرية. خرجت من منزلي لكي أستفسر مَن الذي اعتقلوه فقيل لي إنّه راغب ابن شقيقتي. هو في الـ 13 من عمره ويعاني من محدودية عقلية خفيفة. ذهبت فوراً إلى منزل شقيقتي. سألت زوجها توفيق سمحان (35 عاماً) أين راغب فقال لي إنّه ذهب ليُحضر ماءً من البقالة. عندئذٍ قلت له إنّ الجيش على ما يبدو قد اعتقل راغب. خرجنا معاً لنفتّش عنه. انطلقنا في سيّارتي قاصدين حاجز نعلين لكي نستفسر هناك إلى أين أخذوا راغب لكنّنا التقينا في الطريق، عند مدخل راس كركر، مركبة دوريّة تابعة للجيش فسألنا الجنود عن راغب وأوضحنا لهُم أنّه طفل ذو احتياجات خاصّة. قال لنا الضّابط: "لقد اعتقلناه لأنّه وجّه نحونا أشعة ليزر أخضر ورشق حجارة". طلب الضابط أن يرى بطاقات هويّاتنا وصورةً لراغب. أريناه بطاقتيّ الهوية ولأنّه لم تكن معنا صورة لراغب فقد قفلت راجعاً في السيّارة وجلبت صورة ثم أريتها للضّابط. حينئذٍ أكّد الضابط أنّه هو الطفل المعتقل لديهم. وقع بيننا جدال صاخب وصُراخ وفي النهاية أعطانا الجنود رقم هاتف لكي نتّصل ونستفسر وغادروا. في هذه الأثناء كان قد تجمّع عدد من أهالي القرية بعد أن سمعوا الصّراخ. اتّصلنا بالرّقم الذي أعطانا إيّاه الجنود لكنّ أحداً لم يردّ. نحو السّاعة 21:30، وكنّا لا نزال واقفين في الشارع، جاء عناصر شرطة ومعهم راغب فأخلوا سبيله وهو لا يزال معصوب العينين ومقيّد اليدين. عندما رأيناه على هذه الحال غضبنا جدّاً إزاء هذا المشهد اللّاإنسانيّ. كان الطفل يبكي وكان خائفاً ومضطرباً. أخذنا نشتم الشرطة ونندّد بمعاملتهم هذه لطفل يعاني من محدودية وسلوكهم اللّاإنسانيّ. أزلنا القيد عن يدي راغب والعصبة عن عينيه وأخذناه إلى المنزل. لم يكن راغب قادراً على الكلام فلم يخبرنا بما جرى بل كان يردّد فقط بضع جمل فهمنا منها أنّهم سألوه في الشرطة من الذي رشق الحجارة فأجابهم بأنّه لا يعرف. عُدنا إلى منزل شقيقتي وأخذ سكان من القرية يتوافدون لاستقبال راغب. بعد مضيّ نحو نصف ساعة، وبينما كنت واقفاً خارج المنزل مع بعض الأشخاص، جاء نحو 15 جنديّا وشرطيّاً ومعهم ضابط "يسام" سرعان ما بدأ يشتمنا فور وُصوله. سمع توفيق، والد راغب، الصّراخ فخرج من المنزل وأخذ بدوره يشتم الضابط وقال له إنّ ما فعلوه بابنه عمل غير إنساني. طلب منه الضّابط أن يعرض أمامه جميع الأطفال الذين يسكنون في المنزل فنادينا إلى خارج المنزل إخوة راغب - ياسر (10 سنوات) ويوسف (3 سنوات) وعبد الله (سنة واحدة). نظر الضّابط إليهم لكنّه لم يكن على استعداد لترك العائلة في حال سبيلها. فجأة قال إنّني وابن شقيقتي الأخرى، نادر نوفل (18 عاماً)، رهن الاعتقال. اقتادونا إلى مركبة الـ GMC وقيّدوا أيدينا إلى الخلف بواسطة قطعة قماش وعصبوا أعيننا وبعد أن أدخلوني إلى المركبة قيّدوا رجليّ أيضاً. في الطريق سألني عناصر الشرطة من الذي وجّه أشعّة اللّيزر نحو القوّات. قلت لهم إنّني لا أعرف. عندئذٍ أوقفوا الجيب وظلّوا يوجّهون لي الأسئلة طوال نصف ساعة. لم يوجّهوا أيّ سؤال إلى نادر. بعد ذلك أنزلوني من المركبة وناولني الضّابط الهاتف لأتحدّث مع شخص من "الشاباك" عرّف نفسه بأنّه ’أبو رامي‘ مركّز المنطقة. قال لي إنّه قد حقّق معي في الماضي حين اعتُقلت إبّان المظاهرات ضدّ الحرب على غزّة قبل سنة. قلت له إنّني لا أذكره. اتّهمني هذا الشخص بأنّني وجّهت أشعّة ليزر نحو الجنود وحين قلت له إنّني كنت في المنزل وإنّ الجنود أخذوني من هناك عرض عليّ أن أتعاون معهم وحين رفضت ذلك استدعاني إليه للتحقيق في التاسعة والنصف من صباح يوم الأحد. بعد أن انتهت المحادثة معه أدخلوني إلى المركبة فسارت هذه قليلاً ثمّ توقّفت من جديد. فركتُ رأسي بالمقعد فتمكّنت من إزاحة العصبة قليلاً وعندئذٍ رأيت أنّني ونادر وحدنا داخل المركبة في داخل معسكر للجيش. أبقونا داخل المركبة طيلة ساعتين تقريباً. بعد ذلك جاء جنود وأخذونا إلى ’كرفان‘ وأبقونا فيه مقيّدين ومعصوبي الأعيُن. شغّل الجنود التبريد على درجة برودة عالية جدّاً. سألني أحد الجنود "هل أنت فتح أم حماس؟" وعندما أجبته "فتح" لكمني في بطني. كدت أختنق. ثم شتمني وشتم "فتح" و"حماس". أحضر جنود آخرون مكبّر صوت وأخذوا يُسمعون أغنية بصوتٍ مرتفع. وفي أثناء ذلك قرّب أحد الجنود مكبّر الصّوت من أذني. بعد مضيّ نصف ساعة تقريباً انطفأ مكبّر الصّوت ورفس أحدهم رجلي. كانوا يشتمونني كل الوقت. أحد الجنود جلدَ الأرض بسوط قريباً منّي لكي يُخيفني بينما جلب جنديّ آخر مقصّاً ودفع به فخذي. لم يخترق المقصّ جسمي لكنّه آلمني جدّاً. كذلك كان الجنود يُسمعون أصواتاً تشبه أصوات الماعز والحمير. استمر هذا كلّه إلى أن دخل شخص، هو ضابط على ما يبدو. سألني من الذي ضربني فأجبته "الجنود. ولكن لا أعلم أيّهم بالضّبط لأنّني لا أستطيع أن أرى". سمعته يوبّخ الجنود لأنّهم آذوني. بعد نحو عشر دقائق أخرى أدخلوني أنا ونادر إلى الجيب وكانت أيدينا لا تزال مقيّدة وأعيننا معصوبة وسار الجيب حتى مدخل قريتنا وهناك أنزلونا. أزال أحد الجنود العصبتين عن أعيننا ثمّ سلّمنا استدعاء خطّيّاً وقرأه لنا موضحاً أنّه استدعاء للمثول لدى "الشاباك" في "عوفر" في التاسعة من صباح يوم الأحد. كانت السّاعة آنذاك 3:00 فجراً. أدناه يحدّث نادر نوفل (18 عاماً) عمّا جرى أثناء فترة اعتقاله - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد: كان الجنود يتهكمون علينا ويسخرون منّا وأظنّ أنّهم قاموا بتصويرنا لموقع "تيك توك" لأنهم حين اقتربوا منّا بدوا كأنهم يتحدّثون عبر الهاتف، كأنّهم في بثّ حيّ. كانوا يشتموننا ويشتمون عائلاتنا ويضربوننا ويرفسوننا. كان أحدهم يخبط قربنا بشيء يُصدر صوتاً يشبه الجَلد بالسّوط أو الكرباج بهدف إخافتنا. وكان أحد الجنود يطعنني في كتفيّ ورجليّ بآلة حادّة لم أعرف هل كانت مخرزاً أم مسماراً لكنّ ذلك آلمني كثيراً إذ كنت أصرخ كلّما فعل ذلك. كذلك كان الجنود يُصدرون أصواتاً كأصوات الحيوانات. فقط بعد مضيّ بضع ساعات جاء شخص مسؤول. سأل محمد مَن الذي ضربه لكنّ محمد لم يعرف مَن بالضبط لأنّ أعيننا كانت معصوبة. أخذنا الجنود إلى جيب عسكريّ وأيدينا مقيّدة وأعيننا معصوبة ثمّ أخلوا سبيلنا عند مدخل القرية دون أن يُزيلوا القيود. تمكّنّا من إزالتها بأنفسنا لأنّها كانت من قماش ويسهُل فكّها. عن التحقيق معه لدى "الشاباك" في معسكر "عوفر" بعد ذلك بأيّام معدودة قال نادر في إفادته: في التاسعة من صباح يوم الأحد الموافق 3.4.22 ذهبت سوية مع محمد إلى مقابلة مع "الشاباك" في معكسر "عوفر". انتظرنا نصف ساعة تقريباً ثمّ أدخلونا إلى غرفة صغيرة أشبه بزنزانة في قسم "الشاباك" وهناك انتظرنا حتى السّاعة 11:00. بعد ذلك أدخلوا محمد إلى المقابلة مع "الشاباك" فاستمرّت 40-60 دقيقة. وفقاً لما رواه لي، فقد سألوه بالأساس مَن الذين يرشقون حجارة ويوجّهون أشعّة الليزر نحو الجنود وأسئلة أخرى من هذا القبيل. دخلتُ أنا بعد محمد. استمرّت المقابلة معي نحو ساعتين وسألوني عن الأمور نفسها. كذلك عرض عليّ المحقّق أن أتعاون معهم مقابل أن يضمن لي تصريح عمل في إسرائيل وراتباً جيّداً. قال لي: "أريد منك كلّ يومين أو ثلاثة عندما أتّصل بك أن تردّ عليّ وتخبرني بما يجري في البلدة". عندما رفضت هدّدني بإلغاء تصريح العمل الذي يحمله والدي وتوعّد بألّا يرحمني إذا حدثت لي أي مشكلة مع الجنود في المستقبل وبأن يُدخلني إلى السّجن فوراً. كان المحقّق يضرب الطاولة بقوة لكي يخيفني لأنّني رفضت التعاون. في نهاية المحادثة أمرني بأن أغادر.