Hebron

معتصم دعنا (46 عاماً)، أب لثمانية، من سكّان حيّ وادي النصارى في وسط مدينة الخليل، اعتدى عليه جنود في 28.7.24

أعمل صحفيّاً وأقيم مع زوجتي وأولادنا الثمانية قرب مدرسة زياد جابر الابتدائيّة في الخليل.

الصورة
معتصم دعنا. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
معتصم دعنا. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

في 28.7.24، نحو السّاعة 9:30 صباحاً، خرجت من منزلي متّجهاً إلى محطّة الإذاعة التي أعمل فيها. سرت في الشارع المؤدّي إلى حاجز جابر، في طريق المصلّين. عندما وصلت إلى الحاجز فوجئت بأنّ الجنود قد أغلقوا الممرّ بواسطة أسلاك شائكة وُضعت بين مكعّبات الإسمنت. حين قفزت فوق مكعّبات الإسمنت لكي أمرّ تقدّم نحوي ثلاثة جُنود، كانوا يجلسون قرب بناية جابر، وهُم يصرخون ويصوّبون أسلحتهم نحوي.

عندما وصلنا إلى المُعسكر أدخلوني إلى ساحة وأمروني بأن أركع وأطأطئ رأسي. كانوا يضحكون ويتهكّمون عليّ، وفي الخلفيّة سمعت أصواتاً تصدر عن هواتفهم. كان واضحاً لي أنّهم يصوّرونني

عندما وصل الجُنود إليّ انقضّ عليّ اثنان منهُم ودفعاني بطريقة همجيّة ووجهي نحو الحائط، فيما ظلّ الجُندي الثالث يوجّه سلاحه نحوي. ركلا رجليّ وفتّشاني وشتموني. أوضحت لهُما أنّني صحفيّ وأردت فقط أن أصل إلى مكان عملي، لكنّهما استمرّا يركلانني ويضربانني وهُما يصرخان بي أن أصمت ولا أتحرّك.

أخرج الجنود من جيبي بطاقة هُويّتي وبطاقة الصحفيّ خاصّتي، وأمروني بأن أفتح هاتفي ففعلت. حين تصفّحوا هاتفي وجدوا فيه موادّ تتعلّق بالحرب في غزّة، بالأسرى الفلسطينيّين وبانتهاكات القانون من جانب قوّات الاحتلال. سألوني: "هل أنت حماس؟". فقلتُ لا. وأوضحتُ أن هذه المواد تتعلق بعملي الصحفي وبعضها يتعلق بالانتهاكات من جانب حماس أيضًا. واصل الجنود التفتيش في هاتفي وكلما رأوا شيئًا له علاقة بالحرب في قطاع غزة كانوا يشتمونني، يصفعونني ويركلونني.

الصورة
آثار خلّفتها القيود المشدودة بقوة على معصميّ دعنا. الصورتان قدمهما الشاهد مشكورًا
آثار خلّفتها القيود المشدودة بقوة على معصميّ دعنا. الصورتان قدمهما الشاهد مشكورًا

جلب أحد الجنود خيطًا [يُستعمل في أعمال المواسير]، لوى يديّ خلف ظهري بعُنف وقيّدهُما بالخيط وهو يشدّه على معصميّ بقوّة. بعد ذلك عصب الجنود عينيّ واقتادوني سيراً على الأقدام مسافة نحو 250 متراً، وُصولاً إلى معسكر للجيش يقع قرب البوّابة الجنوبيّة لمستوطنة "كريات أربع". كان الجنود يسيرون بسُرعة ولم أتمكّن من مُواكبة وتيرتهم وعيناي معصوبتان. دفعوني بالقوّة مراراً وتكراراً وهُم يأمُرونني بأن أسرع في المشي. عندما وصلنا إلى المُعسكر أدخلوني إلى ساحة وأمروني بأن أركع وأطأطئ رأسي. كانوا يضحكون ويتهكّمون عليّ، وفي الخلفيّة سمعت أصواتاً تصدر عن هواتفهم. كان واضحاً لي أنّهم يصوّرونني.

سألوني حول أحداث 7 أكتوبر وقتل الأطفال في مجدل شمس، وعندما أجبتهُم أنّني لا أعرف عن ذلك شيئاً لأنّني أقيم في الخليل، أخذوا يركلونني وهُم يقولون لي "هذه اسمُها إسرائيل."

احتجزوني في هذه الوضعيّة، تحت حرّ الشمس، مدّة ساعة تقريباً، وكانوا طوال الوقت يركلونني ويصفعونني ويشتمونني. حسب ما سمعت، كانوا يُشاهدون أشرطة فيديو وجدوها في هاتفي. في مرحلة ما رفعوني عن الأرض واقتادوني إلى داخل بُرج المُراقبة العسكريّ. اقتادوني على درج حديديّ صُعوداً إلى غرفة صغيرة، وهُناك أجبروني مرّة أخرى على أن أركع وأطأطئ رأسي. كان معصماي يؤلمانني جدّاً وأخذت أحسّ خدراً في اليدين. وكان الجُنود يضربونني ويشتمونني كلّما طلبت منهُم أن يُرخوا الخيط أو يستبدلوه بأصفاد بلاستيك.

بعد مضيّ نحو ساعة أدخل الجنود إلى الغرفة شابّين آخرين، لا أعرفهُما من قبل. تمكّنت من التحدّث إليهما قليلاً، وفهمت أنّ الجنود اعتقلوهما في اللّيلة السّابقة، بعد أن ضربوهُما، في دوّار طارق بن زياد. قال لي أحد الشابّين إنّ الجنود عندما اعتدوا عليه أمروه بأن يفتح جهاز الهاتف الخاصّ بأخيه، وحين رفض أن يسلّمهم الهاتف اختطفوه منه بالقوّة. في تلك اللّحظة عاد الجنود إلى الغرفة، وقد سمعتُهم يقتربون من الشابّين ويضربونهما بقسوة، ويطلبون من الشابّ أن يُخبرهم ما "شيفرة" الهاتف، وينهالون عليه ضرباً مبرّحاً كلّما قال لهُم إنّه لا يعرف. في مُوازاة ذلك، واصل الجنود ضربي أنا أيضاً، لكماً وصفعاً. كانوا يُنشدون، بالعبريّة، أغاني ثأر وانتقام من حركة حماس، تمجّد إسرائيل وتدعو لقتل النساء والأطفال؛ وقد أجبرونا أن نردّد وراءهم ونشتم الفلسطينيّين. أنا أفهم العبريّة جيّداً.

الصورة
نقطة عسكرية عند مدخل حي وادي الحصين. تصوير إيال هرئوفيني، بتسيلم، 2019
نقطة عسكرية عند مدخل حي وادي الحصين. تصوير إيال هرئوفيني، بتسيلم، 2019

سألوني حول أحداث 7 أكتوبر وقتل الأطفال في مجدل شمس، وعندما أجبتهُم أنّني لا أعرف عن ذلك شيئاً لأنّني أقيم في الخليل، أخذوا يركلونني وهُم يقولون لي "هذه اسمُها إسرائيل". في تلك المرحلة دخل إلى الغرفة مزيد من الجنود وأخذوا يُسمعون عبر مكبّر الصوت أغاني تمجّد إسرائيل وهُم يرقصون حولنا بحركات وحشيّة. عندما طلب أحد الشابّين ماءً ليشرب سكبوا علينا ماءً ولم يسمحوا لنا أن نشرب. سمعت ضحك صبايا كنّ يتحدّثن مع الجنود، وأظنّ أنّها كانت مُحادثة فيديو. غنّى الجنود ورقصوا حولنا طوال نحو 15 دقيقة وهُم يتناوبون على ضربنا وسكب الماء علينا.

سمعت ضحك صبايا كنّ يتحدّثن مع الجنود، وأظنّ أنّها كانت مُحادثة فيديو. غنّى الجنود ورقصوا حولنا طوال نحو 15 دقيقة وهُم يتناوبون على ضربنا وسكب الماء علينا

بعد ذلك أمر الجنود الشابّ مرّة أخرى أن يُخبرهم ما "شيفرة" الهاتف، وقد أجابهم أنّه لا يكذب، ولو كان يعرف لأخبرهُم. سمعته يصرخ عندما انقضّ الجنود عليه مجدّداً وضربوه ضرباً مبرّحاً. في الوقت نفسه دخل إلى الغرفة ضابط وأخذ يحقّق معي بتهمة المُرور من فوق مكعّبات الإسمنت في الحاجز العسكريّ. قلت له إنّه لم يكن لديّ خيار سوى القفز من فوق المكعّبات لأنّني كنت في طريقي إلى العمل. وقد أوضحت له أنّ الجنود كانوا قد سمحوا لي في اليوم السّابق، السّبت، بأن أفعل الشيء نفسه ولم يعتقلوني أو يضربوني. قال لي المحقّق إنّ هذا ممنوع وبالتالي فأنا أكذب. طلبت منه أن يفحص سجلّات الكاميرات لكي يُشاهد بنفسه ما حدث.

كان الدّم ينزف من معصميّ، وقبل أن يُغادر المحقّق طلبت منه أن يُزيل الخيط الذي ربطوا به يديّ، وبدوره أمر المحقّ الجنود أن يستبدلوا الخيط بأصفاد بلاستيكيّة. قام أحد الجنود بذلك، لكنّه شدّ الأصفاد أكثر ممّا كان الخيط مشدوداً.

نحو السّاعة 14:00، اقتادني الجنود إلى حاجز الحريقة، وهناك أزالوا الأصفاد عن يديّ والعصبة عن عينيّ وأمروني بأن لا أمرّ في الشارع من الآن فصاعداً وتوعّدوني بأن يعتقلوني فوراً إذا رأوني في الشارع. بعد ذلك غادروا وهُم يشتمونني. حين أخرجوني كان الشابّان لا يزالان محتجزين في معسكر الجيش، ولا أعرف ماذا حلّ بهما بعد ذلك.

ما زالت علامات الخيط والأصفاد البلاستيكيّة على معصميّ، وقد ظلّا متورّمين جدّاً. وما زالت لديّ أوجاع شديدة في ذراعيّ ورجليّ لأنّهم أجبروني على الرّكوع طوال ساعات اعتقالي كلّها.

الصورة
برج عسكري في حي وادي الحصين. تصوير: أكتيف ستيلز
برج عسكري في حي وادي الحصين. تصوير: أكتيف ستيلز

 * سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في 5.8.24