البوجرومات ناجعة والترانسفير على قدمٍ وساق
تتّخذ إسرائيل، منذ سنوات، سلسلة من الإجراءات لجعل حياة عشرات التجمعات الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية بائسة ومريرة بهدف إجبار سكانها على مغادرة أماكن سكنهم على نحو يبدو إراديًّا، في الظاهر. وعندئذ، يكون باستطاعة الدولة تحقيق طموحها بالاستيلاء على الأراضي. لهذا الغرض تمنع الدولة سكّان هذه التّجمعات من بناء منازل أو مبان للماشية أو مرافق عامّة، ومن ربط مواقع سكنهم بشبكتي المياه والكهرباء، ومن تعبيد الطرقات كما تسارع إلى تهديدهم بهدم منازلهم ومبانيهم وفي بعض الحالات تقوم بهدم ما بنوه رغم كلّ شيء، في ظلّ غياب أي خيار آخر لديهم.
أعمال العنف التي ينفذها المستوطنون هي أداة أخرى تستخدمها الدولة لجعل حياة سكان التجمعات أكثر بؤسًا. وقد تفاقمت هذه الأعمال بشكل كبير منذ وصول الحكومة الحالية إلى السلطة، وفي جزء من الأماكن حوّلت أعمال العنف هذه حياة سكان التجمعات إلى كابوس يوميّ، إلى درجة أنّهم حُرموا من أي إمكانية للعيش بكرامة ولو بالحدّ الأدنى منها. هذا العنف يمنعهم من أي إمكانيّة لمواصلة كسب لقمة عيشهم وقد كانوا يعيشون في رعب إلى درجة شعورهم بالخر على حيواتهم ثم أدركوا أنه ليس هنالك مَن يحميهم.
هذا الواقع لم يترك أمامهم أيّ خيار آخر فاضطر سكان بعض التجمعات إلى مغادرة منازلهم وأماكن سكنهم والانتقال إلى أماكن أكثر أمانًا، في ظل غياب أي بديل آخر. تعيش عشرات التجمعات الموزّعة في أنحاء الضفة الغربية في واقع مماثل. وإذا ما واصلت إسرائيل سياستها هذه، فسيكون سكان هذه التجمعات عرضة للترحيل أيضًا. بهذه الطريقة تحقق اسرائيل هدفها وتستولي على أراضيهم.
خلفية التهجير
تعيش في أنحاء الضفة الغربية العشرات من التجمعات الرعوية، تُعتبر جميعها في نظر إسرائيل "قرى غير معترف بها". هذه التجمعات غير مرتبطة بالبنى التحتية لشبكة الكهرباء والمياه والطرق، وإسرائيل تمنع عنها ذلك. تعتبر الدولة أن منازل سكان هذه التّجمعات والمرافق العامة وحظائر الأغنام التي بنوها "غير قانونية" وتقوم بإصدار أوامر هدم بحقها كما تقوم بتنفيذ جزء منها في بعض الحالات. أعيد بناء بعض هذه المباني من جديد وتمّ هدمها عدّة مرات.
في السنوات الأخيرة أقيم حول هذه التّجمعات عدد من البؤر الاستيطانية والمزارع بمساعدة من الدولة، ومنذ ذلك الحين ازدادت أعمال العنف ضد سكان التجمّعات، حتى وصلت إلى ذروتها خلال فترة ولاية الحكومة الحالية. هذه الأعمال التي تحوّلت إلى روتين مخيف ويومي تشمل طرد الرعاة من المراعي والمزارعين من الحقول التي يملكونها، وتشمل أيضًا الاعتداء الجسدي على السكان واقتحام منازلهم في منتصف الليل، وتشمل كذلك إشعال الحرائق، إخافة الأغنام وإتلاف المحاصيل، السرقات وقطع الطرقات. وأفاد السكان أيضًا بأنّ المستوطنين يقومون بفتح صمامات خزانات المياه الخاصة بهم وبجلب قطعان أغنامهم (المستوطنين) للشرب من مياه آبار التّجميع الخاصّة بالسكان.
في ظروف كهذه، لم يتمكن سكان التجمعات من مواصلة الخروج إلى المراعي والحقول. في بعض التجمعات، بدأ المستوطنون بفلاحة الأراضي الزراعية التي ظلت فارغة، بينما يقوم الجنود بحمايتهم؛ وفي أماكن أخرى انتقل المستوطنون لرعي قطعان مواشيهم في المراعي التي كان يستخدمها الرعاة الفلسطينيون حتى وقت قريب جدًّا. اضطر الفلسطينيون إلى شراء علف ومياه بأثمان باهظة لقطعان الماشية، ما أدّى إلى تكبّدهم خسائر مالية كبيرة وإلى عدم قدرتهم على كسب رزقهم.
للحكومة الحالية يدٌ طولى في حصول هذا كلّه. فرض القيود على البناء، هدم المنازل واستخدام عنف المستوطنين من أجل الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية هي أفعال ليست حكراً على الحكومة الحالية وحدها، لكنّ هذه الحكومة تعطي شرعية كاملة لأعمال العنف ضد الفلسطينيين، من خلال تشجيعها ودعمها بالتصريحات العلنيّة. من بين أعضاء الحكومة الحالية ثمّة أشخاصٌ قادوا بأنفسهم في الماضي أعمال العنف هذه واليوم، هم الذين يقررون السياسة وهم الذين يخصصون الميزانيات التي تموّل العنف وهم المسؤولون عن تطبيق القانون على المستوطنين الذين يعتدون على الفلسطينيين.
هذه الحكومة تخلّت حتى عن الضريبة الكلامية في إدانة العنف ويقوم أعضاؤها بامتداح المستوطنين العنيفين وبالعمل أيضًا على محو الأداء الشكلي لمنظومة تطبيق القانون، التي من المفترض بها أن تحقّق مع أولئك الذين يعتدون على الفلسطينيين وتحاكمهم، وهو ما أصرّت الحكومات السابقة على الحفاظ عليه: وزير في الحكومة يدعو إلى "محو حوّارة"، أعضاء في الكنيست يزورون المشتبه به بقتل فلسطيني في المستشفى، وزراء يرفضون إدانة أعمال العنف وآراؤهم هذه تحظى بالقبول، ويُنفَّذ بوجروم بعد بوجروم في داخل القرى الفلسطينية دون أي عائق أو إزعاج.
إنّ أول من يتأذى من هذا التغيير هو التجمعات المعزولة والأكثر ضعفًا. يعيش سكان هذه التّجمعات في ظروف أساسية للغاية وتحيط بهم بؤر استيطانية مُنح سكانها مطلق الحرية في المساس بهم دون أن يخضعوا لأيّة محاسبة. إذا كانت الحماية للسكان الفلسطينيين لم تُوفَّر في الأماكن الأكثر استقرارًا، مثل حوّارة وترمسعيا وأم صفا، والجنود وأفراد الشرطة فيها تعاونوا مع المستوطنين المعتدين، فماذا يتبقى أمام سكّان هذه التجمّعات، إذًا؟ بالنظر إلى الخوف الوجودي الذي استولى عليهم، وبعد إدراكهم أن حياتهم وحياة أطفالهم أصبحت بلا قيمة، وبالتزامن مع انهيار مصادر رزقهم، فمن الواضح جدًّا أنّه لم تبق لديهم أيّ فرصة للبقاء على قيد الحياة في أماكن سكنهم، ولذلك أجبروا على الرحيل.
التجمّعات التي هُجِّرت
خلال العامين الماضيين تمّ تهجير سكان على الأقل ستة تجمّعات في الضفّة الغربية من منازلهم.
في المنطقة الواقعة شرق وشمال- شرق رام الله تم تهجير على الأقل أربعة تجمّعات رعوية قسرًا، جزءٌ منهم كانوا يعيشون على أراضٍ تابعة لفلسطينيين يسكنون في المنطقة وبموافقتهم، وذلك بعد طردهم من أماكن أخرى داخل حدود إسرائيل السياديّة وأنحاء الضفّة. خلال السنوات الأخيرة أقيمت عدّة بؤر استيطانية ومزارع من حولهم، بمساعدة من الدولة، كانت أوّلها "مزرعة ميخا" في العام 2018. على غرار البؤر الاستيطانية الأخرى في بقيّة أنحاء الضفة الغربية، يتمّ ربط هذه البؤر أيضًا بالبنى التحتيّة للمياه والكهرباء وشبكة الطرق، بشكل فوري تقريبًا، وهي تتمتع بحصانة من عمليات الهدم ويعمل سكانها بتنسيق وتعاون تامّين مع الجيش الذي يوفّر لهم الحماية. أقيم بعض هذه البؤر الاستيطانية على أراضٍ تعرّفها إسرائيل بأنّها "مناطق إطلاق نار"، وهي مناطق ممنوع أن تقام فيها مستوطنات بشكل رسميّ، لكنّ الدولة دعمت إقامتها فيها رغم ذلك. التجمعات الأربعة التي تمّ تهجيرها هي:
- راس التين: في 7.7.22 ترك نحو 120 فردًا – نصفهم من القاصرين تقريبًا – من أبناء تجمّع راس التّين منازلهم. أُقام التّجمع في هذا المكان في نهاية الستّينات سكان كانت إسرائيل قد طردتهم قبل ذلك من منطقة جنوب تلال الخليل، على أراضٍ خاصة ومنظّمة يمتلكها سكان قريتي كفر مالك والمغير. على مرّ السنين هدمت إسرائيل ثلاثة مبانٍ ليست للسكن في التّجمع. وأصدرت الإدارة المدنية أيضًا أمر هدمٍ لمدرسة كان سكان التّجمع قد بنوها. في عام 2018 أقيمت "مزرعة ميخا" بجانب التّجمع، ومنذ ذلك الحين يبلّغ السكان عن ازدياد حاد في أعمال العنف التي تحوّلت إلى ممارسات يوميّة تشمل المضايقات والسرقات وتخريب الممتلكات والعنف الكلامي.
- عين سامية: في 22.5.23 ترك آخر من تبقى من سكان تجمع عين سامية، والذي سكنته 28 عائلة وصل عدد أفرادها إلى نحو مائتي فرد، مكان سكنهم. كانوا قد سكنوا في هذا المكان بعد أن استأجروا أراضيه من سكان قرية كفر مالك القريبة في عام 1980، بعد أن طردتهم إسرائيل من أماكن أخرى عدة مرات. بمرور السنين هدمت إسرائيل في التجمّع 21 منزلًا، كان يسكنها 83 فردًا، بينهم 52 قاصرًا، و28 مبنى غير سكنيّ. على مرّ السنين أصدرت الإدارة المدنيّة أوامر هدم لبعض منازل السكان وكذلك لمدرسة التّجمع التي كانت من المفترض أن تخدم نحو أربعين طفلًا هم أطفال التّجمع. في تشرين الأول 2022 رفضت المحكمة المركزية في القدس التماس السّكان بشأن تجميد أوامر الهدم، فغادر السكان المكان قبل تنفيذ الأمر. بلّغ سكان هذا التّجمع هم أيضًا عن ازدياد كبير في عنف المستوطنين منذ عام 2018. في الأسبوع الذي سبق ذلك صادرت الشرطة عشرات رؤوس الأغنام من سكان التّجمع، بدعوى كاذبة مفادها أن الأغنام قد سُرقت من المستوطنين. وكان هؤلاء قد دخلوا إلى التّجمع في ساعات الليل وهاجموا السكان ومبنى المدرسة وأطلقوا طائرة بدون طيّار حلّقت فوق السكان وأشعلوا النيران في المراعي وأحرقوها. بالإضافة إلى ذلك، أطلقوا قطعان مواشيهم في حقول تابعة لسكان التّجمع ما أدّى إلى تخريب محاصيلهم الزراعية.
- البقعة: في 10.7.23 تمّ تهجير 33 شخص من سكّان هذا التّجمع، بينهم 21 قاصرًا. وفي 1.9.23 تم تهجير آخر عائلة المكونة من 5 أنفار من بينهم قاصرًا. سبقت التّهجير اعتداءات يومية من قبل المستوطنين الذين أقاموا "مزرعة" على بعد نحو خمسين مترًا عن منازل التّجمع ونصبوا ألواحًا شمسية وربطوها بالبنية التحتيّة للمياه التابعة للبؤرة الاستيطانية المجاورة "نفي إيرز" وسيطروا على الطريق الذي يصل بين التّجمع والشارع الرئيسيّ. قام المستوطنون أيضًا برعي قطيع ماشيتهم الذي ضمّ ما بين 60 إلى 70 رأسًا من الغنم في المراعي التي يستخدمها التجمع وقاموا بمضايقة رعاة التّجمع حينما كانوا يرعون أغنامهم. في 7.7.23 قرابة السّاعة 6:30 صباحًا أضرِمت النيران في إحدى خيام التّجمع التي كانت تقع بعيدًا عن باقي الخيام. لم يكن أفراد العائلة في الخيمة حينئذٍ لأنّهم بدأوا ينامون في خيمة أخرى منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة، خوفًا من تعرّض المستوطنين لهم. رأى أفراد العائلة الخيمة من بعيد وهي تشتعل فاتّصلوا بالشّرطة، لكن لم يحضر أحد من أفرادها إلى المكان.
- القابون: تم تهجير هذا التّجمع الذي يضمّ 12 عائلة – 86 فردًا، بينهم 26 قاصرًا – في بداية آب 2023. عاش سكان التّجمع في هذا المكان منذ العام 1996 بعد أن قامت إسرائيل بطردهم من النقب في أوائل الخمسينيّات. على مرّ السنين هدمت إسرائيل في التجمّع 6 منازل كان يسكنها 41 فردًا، بينهم 18 قاصرًا، و12 مبنى كانت تُستخدم لأغراض غير سكنيّة. صدرت أوامر هدم ضد بعض منازل السكان. في شباط من هذا العام أنشأ مستوطنون بؤرة استيطانية قرب التّجمع، في منطقة كانت إسرائيل تعرّفها بأنّها "منطقة إطلاق نار"، وقام هؤلاء بالتنكيل بسكان التّجمع الذين أفادوا بأنّ المستوطنين كانوا يتجولون حول منازلهم، بل ويدخلونها، وكانوا يأتون على أحصنة وتراكتورات في ساعات متأخّرة من الليل ويخيفونهم، ثم استولوا على أراضيهم الزراعية ومنعوهم من رعي أغنامهم في المراعي.
في منطقة جنوب تلال الخليل تم تهجير على الأقل تجمعين قسرًا: التّجمع الأوّل هو تجمع خربة سيمري، الذي سكنته عائلتا شقيقين مكوّنتان من عشرين شخصًا، ثمانية منهم قاصرون. في عام 1998 أقيمت البؤرة الاستيطانية "متسبيه يائير" على قمة التلة التي كانوا يسكنون عليها، ومنذ ذلك الحين ازدادت أعمال العنف ضدهم. قام المستوطنون بالتنكيل بأبناء العائلة، هدّدوهم ودخلوا إلى منازلهم ومنعوهم من رعي أغنامهم واقتحموا منازلهم. في العام 2020 جلب مستوطنون قطيع أبقار إلى المكان وأخذوا يرعونه في الأراضي التي اعتاد سكان التّجمع على رعي ماشيتهم فيها. في تموز 2022 قرّر السكان مغادرة المكان.
التّجمع الثاني هو تجمّع ودادي التحتا الذي يبلغ عدد سكّانه 20 شخصًا، بينهم 12 قاصرًا، سكنوا هناك نحو خمسين عامًا. قبل نحو سنتين أقام مستوطنون بؤرة استيطانية على بعد 500 متر تقريبًا عن بيوت التّجمع. منذ ذلك الحين حاول المستوطنون مرارًا وتكرارًا منع السكان من رعي أغنامهم في المراعي التي تحيط بمنازلهم. ومن جملة ما اعتادوا فعله استخدام مروحية رباعية لترويع القطيع في المرعى وتشتيته، وكانوا يدخلون في جميع ساعات النهار، وهم مسلّحون، إلى منازل السكان – وفي بعض المرات مع كلب، وكانوا يهاجمون ويضربون سكان التّجمع ويهددونهم بالسلاح. بالإضافة إلى ذلك، قبل نحو عام أصدرت الإدارة المدنية أوامر هدم ضدّ جميع مباني التّجمع، والتي شملت ثلاثة مبان سكنية وحظيرة أغنام. في 27.6.23 جاء إلى التّجمع مستوطنان مسلّحان وهددا أحد السكان بينما كان يرعى أغنامه قرب منزله. هرب الشاب من المكان لكي يطلب النجدة من أبناء عائلته. حاول المستوطنون سرقة قطيع الأغنام، لكن حينما رأوا السكان يقتربون تركوا القطيع وعادوا إلى بؤرتهم الاستيطانية. توجه السكان إلى الشّرطة، لكنّها رفضت مساعدتهم. بعد هذا الحادث، أدرك أفراد العائلة بأن خطرًا كبيرًا جدًّا يحيق بهم ويهدّدهم فقرروا مغادرة المكان.
جزء من سياسة طويلة الأمد
لم ينتج قرار سكان التجمعات مغادرة مكان إقامتهم من فراغ، وإنّما هو نتيجة مباشرة للسياسة الإسرائيلية التي لطالما كانت غايتها تحقيق هذه النتيجة تمامًا: طرد الفلسطينيين وتقليص المساحات التي يعيشون عليها، من أجل نقل الأرض إلى أيدٍ يهودية. تعتمد هذه السياسة على سلسلة طويلة من القيود والمضايقات وممارسات التنكيل من جانب الدولة ومبعوثيها، وهي بدرجات متفاوتة من الخطورة، بعضها رسميّ وبعضها الآخر غير رسميّ.
بشكل رسميّ: قيودٌ مشدَّدة على أيّ بناءٍ أو تطوير
تحظر إسرائيل بشكل شبه تامّ أي أعمال بناء أو تطوير للفلسطينيين في المنطقة (ج). تشكّل هذه المنطقة حوالي %60 من مساحة الضفة الغربية، ويعيش فيها ما بين 200 إلى 300 ألف فلسطينيّ، يتوزّع الآلافُ منهم على عشرات التّجمعات التي تكسب لقمة عيشها من رعي الماشية والزراعة. يؤثر هذا الحظر على جميع السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، على الرغم من أن غالبيتهم يعيشون في الأراضي المعرّفة كمنطقة (أ) وكمنطقة (ب) في اتفاقية أوسلو ب، التي تمّ توقيعها قبل ثلاثين عامًا تقريبًا وكان من المفترض أن تكون سارية المفعول لمدة خمس سنوات فقط. ذلك لأن الجزء الأكبر من هاتين المنطقتين كان مأهولاً بالسكان عند التوقيع على الاتفاقية، ومنذ ذلك الحين ازداد عدد السكان الفلسطينيين ضعف ما كان عليه تقريبًا. المساحات التي كان من المفترض أن يستخدمها الفلسطينيون للتطوير الحضري والزراعي والاقتصادي – بقيت بغالبيتها في المنطقة (ج).
لكي تمنع الفلسطينيين من البناء في هذه المنطقة، عرّفت إسرائيل نحو %60 من المنطقة (ج) بأنّها مساحات يحظر على الفلسطينيين البناء فيها، وذلك من خلال وضع تعريفات قانونية مختلفة لمناطق واسعة (تتداخل أحيانًا مع بعضها البعض): "أراضي دولة" – نحو %35 من المنطقة (ج)، مناطق تدريبات عسكريّة (مناطق إطلاق نار) – نحو %30 من المنطقة (ج)، محميات طبيعية وحدائق وطنية – نحو %14 من المنطقة (ج)، أو مناطق نفوذ تابعة للمستوطنات – نحو %16 من المنطقة (ج). وتشنّ إسرائيل حربًا متواصلة ضد الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه المناطق، حيث يتمّ طردهم مرارًا وتكرارًا من أراضيهم تحت ذرائع كاذبة مثل القيام بـ "تدريبات عسكرية"، كما تقوم بهدم بيوتهم ومصادرة ممتلكاتهم.
أمّا الـ %40 المتبقّية من مساحة المنطقة (ج)، فإنّ إسرائيل – التي تتحكّم بشكل حصريّ بأنظمة التخطيط في الضفة الغربية – تفرض قيودًا مشدّدة على أي بناء أو تطوير فيها. ترفض الإدارة المدنية إعداد خرائط هيكلية للغالبيّة العظمى من البلدات الفلسطينية في هذه المنطقة، حتى أن الخرائط الهيكلية القليلة جدًّا التي وافقت الإدارة المدنية عليها، والتي تبلغ مساحتها أقلّ من %1 من مساحة المنطقة (ج)، والتي أصبح معظمها مبنيًّا أصلًا، فإنّها لا تستوفي معايير التخطيط المقبولة في العالم اليوم.
إنّ احتمال حصول شخص فلسطيني على رخصة للبناء – حتى عند الحديث عن بناء على أرض بملكيّته الخاصة – هو احتمال يؤول إلى الصفر. فبحسب معطيات حصلت عليها منظمة "السلام الآن" من الإدارة المدنية، في السنوات العشر ما بين 2009 حتّى 2018، فقد تمّت الموافقة على 98 رخصة بناء لأغراض السكن ولأغراض صناعية وزراعية وخدمات بنى تحتية فقط من أصل 4,422 طلبًا تمّ تقديمها (أي %2). وبحسب معطيات مقدّمة إلى منظمة "بمكوم"، بين عامي 2016 و 2020، فقد تمّ تقديم 2,550 طلبًا وصودق على 24 منها فقط (أقلّ من %1). لا تعكس هذه المعطيات احتياجات الفلسطينيين بشكل حقيقيّ، إذ إنّ غالبيتهم لا يجدون فائدة أصلًا في عناء تقديم طلبات للحصول على رخص بناء، لأنّهم يعلمون مسبقًا بأنّه سيتمّ رفضها في جميع الأحوال.
غياب المخططات لا يمنع البناء لأغراض السكن فحسب، بل يمنع أيضًا البناء للاحتياجات العامة، كبناء المدارس والعيادات الطبيّة مثلاً، ويمنع كذلك إقامة البنى التحتية التي تشمل ربط السكان بالطرق وشبكتي الكهرباء والمياه. إن هذا الحظر يجعل حياة السكان أكثر صعوبة عامًا بعد عام في ظل أزمة المناخ. ولا تكتفي الدولة بذلك، بل تقوم بمنع السكان حتى من سد احتياجاتهم بأنفسهم، فتحظر عليهم حفر آبار لتخزين المياه، وتمنعهم من تركيب منظومات ألواح شمسيّة وتصادر خزانات المياه التي يشترونها. وهكذا، وبسبب عدم إتاحة الارتباط بشبكة المياه، فإن استهلاك المياه لدى أفراد هذه التّجمعات يبلغ نحو 26 ليترًا في اليوم للفرد الواحد – ما يعادل استهلاك الإنسان في مناطق تحصل فيها الكوارث، وهو يشكّل ربع كمية المياه الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية، والتي تبلغ 100 ليتر في اليوم للفرد الواحد.
أمام هذا الواقع، يضطرّ الفلسطينيون إلى تطوير بلداتهم وبناء منازلهم من دون رخص بناء. وهم لا يفعلون ذلك لأنّهم مخالفون للقانون وإنّما لأنهم لا يحصلون على أية إمكانية للبناء بشكل قانونيّ. تصدر الإدارة المدنية بحقهم أوامر هدم، وتقوم بتنفيذها في بعض الحالات. بحسب معطيات "بتسيلم"، منذ عام 2006 حتّى 31.7.23 هدمت إسرائيل في أنحاء الضفة الغربيّة 2,123 مبنىً سكنيّاً. 8,580 شخصًا فقدوا منزلهم، بينهم 4,324 قاصرًا. بالإضافة إلى ذلك، وفي الفترة ذاتها، هدمت إسرائيل 3,387 مبنى غير سكنيّ.
هكذا، ومن خلال استخدام لغة تخطيطية وقانونية خالصة، والتمسّك بالأوامر العسكرية وبـ"قوانين التخطيط والبناء"، تنجح إسرائيل في إبعاد الفلسطينيين عن مناطق شاسعة تطمع هي فيها، وتقوم بتجميعهم في مساحات ضيّقة وتجميد حياتهم فيها وتنفيذ سياسة تهدف إلى منع أيّ عملية إنماء وتطوير. يجد الفلسطينيون أنفسهم مجبرين على العيش في حالة مستمرّة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم وفي حالة خوفٍ لا ينتهي من قدوم ممثلي الإدارة المدنية إليهم لتسليمهم أوامر هدمٍ أو لهدم ما قد نجحوا في بنائه، ويُجبَرون على العيش في عوز دائم، في ظروف بعيدة كل البعد عن تلك السائدة في المستوطنات المقامة بجوارهم والتي تقام في كثير من الأحيان على أراضيهم.
وبشكل غير رسميّ: عنف المستوطنين
تسيطر إسرائيل على الأراضي أيضًا من خلال أعمال العنف اليوميّة التي تقوم بها عصابات من المستوطنين يعملون بلا رادع أو خوف، حيث تقوم الدولة بتسليحهم ودعمهم وتشجيعهم وتمويلهم، إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر. إن أعمال العنف هذه ما هي إلا جزء من إستراتيجية واسعة النطاق تهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضي المنطقة (ج).
في السنوات الأخيرة أقيمت نحو سبعين "مزرعة" في أنحاء الضفة الغربية. إقامة مزارع كهذه تتطلّب استثمارًا في الحد الأدنى من الموارد، مقارنة ببناء مستوطنة. وفي الوقت ذاته فهي تتيح، بواسطة قطعان الماشية والأبقار، السيطرة بشكل أسهل وأسرع على أراضٍ تصل مساحتها إلى آلاف الدونمات، تشمل بشكل عام مساحات للرعي ومصادر للمياه وأراضي مزروعة بأيدي الفلسطينيين. يفرض سكان هذه المزارع نظامًا من الإرهاب على الفلسطينيين الذين يسكنون بجوارها.
الوسائل الأساسية التي يستخدمها سكان هذه المزارع تشمل السيطرة على أراضي الرعي عبر رعي قطعان الماشية والأبقار، قيادة التراكتورات الصغيرة بشكل سريع بين قطعان الماشية التي تعود للفلسطينيين وإطلاق مروحيّات رباعيّة فوق رؤوس الأغنام من أجل إخافتها، كما تشمل كذلك العنف الجسدي ضد سكان التّجمعات – في المراعي وفي الأراضي الزراعية وفي داخل بيوت السكان – بالإضافة إلى إلحاق الضرر بمصادر المياه.
بهذه الطريقة ينجحون في إبعاد الرعاة والمزارعين الفلسطينيين عن حقولهم ومراعيهم ومصادر المياه التي اعتادوا على استخدامها منذ أجيال ويقومون بالسيطرة عليها بأنفسهم. في بحث أجرته منظمة "بتسيلم" قبل ما يقارب العامين اتضح أن خمس مزارع كهذه فقط، يسكن فيها عشرات الأشخاص فقط – في العادة، عائلة واحدة أو اثنتان وبعض الشبّان – تمكنت من السيطرة على مساحة تزيد عن 28 ألف دونم من الأراضي الزراعية والمراعي التي كانت تستخدمها التّجمعات الفلسطينية منذ أجيال.
يتجنب الجيش، الذي هو على دراية تامّة بأعمال العنف هذه، أي مواجهة مع المستوطنين العنيفين، وذلك كنهج سياسيّ. وبدلاً من مواجهتهم، يقوم الجنود ذاتهم أحيانًا بالمشاركة في هذه الأعمال، أو بحماية المستوطنين عن بُعد. كذلك، بعد وقوع الاعتداءات يبذل الجهاز الإسرائيلي المسؤول عن إنفاذ القانون قصارى جهده لتجنب معالجة هذه الحالات، وذلك من خلال مراكمة الصعوبات في تقديم الشكاوى. وفي الحالات القليلة التي يتم فيها فتح تحقيقات يسارع إلى طمس الحقائق، وفقط في حالات استثنائية جدًّا يتم تقديم لائحة اتهام ضد مستوطن اعتدى على فلسطيني. وتشمل تلك اللوائح في الغالب تهمًا بسيطة لا أكثر، وحتى حينها، تكون العقوبات التي تُفرض على منفذيها - في الحالات النادرة التي تتم فيها إدانة المتهم - رمزية فحسب.
نحن لا نتحدث عن ظاهرة جديدة، إذ أن أعمال العنف التي بنفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين وثّقت منذ بداية الاحتلال في عدد لا يحصى من التقارير والوثائق الحكومية وفي الآلاف من الشهادات لشهود عيان فلسطينيين ولجنود اسرائيليين، ووثّقت في كتب وتقارير لمنظمات حقوق إنسان، فلسطينية وإسرائيلية ودولية، وفي آلاف التقارير المسجلة في وسائل الإعلام. لم يكن لهذا التوثيق الشامل والمستمر أيّ تأثير تقريبًا، وبات عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين منذ زمن بعيد جزءًا لا يتجزأ من روتين الاحتلال في الضفة الغربية.
جعلت هذه السياسة الفلسطينيين دون أية حماية، بل حُرموا حتى من حقهم في الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم ضد غزاة أراضيهم، فعندما يحاولون القيام بصدّ المستوطنين الذين يهاجمونهم، والدفاع عن أنفسهم برشق الحجارة مثلا، يقوم الجنود - الذين يقفون حتى ذلك الحين على الحياد أو يشاركون في الهجوم على الفلسطينيين بأنفسهم - بإطلاق الغاز المسيّل للدموع والقنابل الصوتيّة والرصاص "المطاطيّ"، بل وحتى الرّصاص الحيّ عليهم. وفي بعض الحالات، يُعتقل الفلسطينيون وبعضهم تتمّ محاكمته.
لا تشرّع الدولة أعمال العنف فحسب، بل ونتائجها أيضًا، فتسمح للمستوطنين بالبقاء على الأراضي التي سرقوها بالعنف من الفلسطينيين. يمنع الجيش الفلسطينيين من دخول هذه المناطق، وتقوم الدولة بتقديم دعمها الكامل للمستوطنات التي تقام عليها. لا يتم إخلاء عشرات البؤر الاستيطانية و"المزارع" وتقوم الدولة بدعمها بواسطة الوزارات الحكومية، وقسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية والمجالس الإقليمية في الضفة الغربية، وتدعم المشاريع الاقتصادية المقامة فيها – بما في ذلك إقامة المرافق الزراعية ودعم المزارعين الجدد ورعي قطعان الماشية، وتقوم بتخصيص حصصٍ من الماء لها وتمنحها الحماية القانونية في الالتماسات التي تطالب بإخلائها.
هكذا بدأ التّهجير وهكذا يستمر
تعمل إسرائيل على جعل حياة سكان التجمعات الذين يعيشون في المناطق التي تطمع هي فيها حياة بائسة ومريرة، حتّى يقولوا هم "كفى" ويغادروا منازلهم وأراضيهم، تاركين كل شيء خلفهم للدولة. يتم تنفيذ هذه السياسة بطريقتين متوازيتين: الطريقة الأولى – التي تُصنع بواسطة الأوامر العسكرية والمستشارين القانونيين ومحكمة العدل العليا – تقوم الدولة ذاتها بطرد الفلسطينيين من أراضيهم. والطريقة الثانية الموازية للأولى – يمارس المستوطنون العنف ضدّ الفلسطينيين، بحيث تسمح قوّات الدولة بذلك وتساعد فيه، بل وتشارك فيه أيضًا. وقد أدّت هذه السياسة إلى تهجير سبعة تجمّعات بشكل قسريّ، ولكن تجمّعات كثيرة أخرى في أنحاء الضفة الغربية لا تزال تعيش في هذا الواقع العنيف ذاته، وتتعرّض حاليًّا لخطر الترحيل الفوريّ.
هذه السياسة هي سياسةٌ غير قانونية، وإسرائيل مسؤولة بسببها عن ارتكاب جريمة حرب - والتي هي الترحيل القسريّ. بموجب القانون الدولي، الذي على إسرائيل العمل بموجبه، بل تعهّدت بالالتزام به، ممنوع عليها - مهما كانت الظروف - طرد سكّان أراضٍ محتلة من منازلهم. وحقيقة أنّ الترحيل لا يتم بواسطة حضور الجنود إلى منازل السّكان وطردهم منها بأنفسهم، لا تغيّر من الواقع شيئًا، إذ يكفي أن إسرائيل هي التي تخلق بيئة قمعيّة ولا تترك للسكان أي خيار آخر سوى الرحيل.
ترحيل سكان التّجمعات ليس كارثة جلبتها عليهم الطبيعة وليس قدرًا لا مناص لهم سوى القبول به، إنما هو خيار قرّره نظام الأبارتهايد من أجل تحقيق طموحه في الحفاظ على السيادة اليهودية على كامل الأراضي الواقعة بين النهر والبحر. يرى هذا النظام أن الأرض هي موردٌ غايته خدمة الجمهور اليهودي فقط، ولذلك يتم استخدامه من أجل تطوير وتوسيع المستوطنات اليهودية القائمة ومن أجل إنشاء مستوطنات جديدة لهذه المجموعة السكانية فقط.
لذلك، من الواجب معارضة استمرار هذا الترحيل. واضحٌ أيضًا أنّه ليس هنالك أي واجب يُلزم بالتعاون من أجل استمرار تنفيذ السياسة التي تؤدي إليه. في الآونة الأخيرة، هناك شرائح آخذة في التزايد بين الجمهور الإسرائيلي تعلن رفضها الخدمة العسكرية في دولة غير دمقراطيّة. إذا كان هناك شيء ما من الواجب رفضه فهو المشاركة في ارتكاب جريمة حرب وفي تطبيق سياسة هدفها هو الترانسفير.