عقيدة غزّة: الضفة الغربيّة تحت النار
10 آذار/مارس 2025
تستنسخ إسرائيل في شمال الضفة الغربيّة طرائق ونظريّات القتال التي طبّقتها وطوّرتها خلال العُدوان على قطاع غزّة. يشمل هذا المنحى، فيما يشمل، استخداماً متزايداً للغارات الجوّية التي تستهدف مناطق سكنيّة، وسُكّاناً مدنيّين بالتالي، هدماً واسع النطاق ومتعمّداً لمنازل وبُنى تحتيّة مدنيّة، تطبيق سياسة إطلاق نار مُتهاونة للغاية وتؤدّي في حالات كثيرة إلى مسّ عشوائيّ وغير تناسُبيّ بمدنيّين فلسطينيّين، وتهجيرًا للسكّان المدنيّين (نقل قسريّ) من مناطق أعلنها الجيش كمناطق قتال. هذا كلّه يدلّ على أنّ إسرائيل تعمل على تطبيق نموذج غزّة في الضفة الغربيّة، أو ما بات يُعرف بـ "غَزْوَنة" الضفة الغربيّة، وهو ما يجري تطبيقه الآن في شمال الضفة الغربيّة، ومن المتوقّع، وفقاً لتصريحات مسؤولين في الحُكومة، توسيعه إلى مناطق أخرى.
المُديرة العامّة لمنظّمة بتسيلم، يولي نوﭬـاك، قالت: "الدّوس التامّ على أحكام القانون الدوليّ، والذي ميّز العمليّات الإسرائيليّة خلال الحرب في قطاع غزّة، يُستنسَخ الآن إلى الضفة الغربيّة، ويُطبّق في هذه المرحلة في شمال الضفة بالأساس وإن كان – حتى الآن - على نطاق أضيق. منذ الآن يؤدّي ذلك إلى قتلٍ وتدميرٍ عشوائيّين وغير تناسُبيّين. على امتداد 15 شهراً من الحرب في قطاع غزّة، أوضحت حُكومة إسرائيل عبر مُمارساتها أنّها لا تنوي الالتزام بواجباتها المُدرَجة ضمن القانون الدوليّ. من المُتوقّع أن يستمرّ هذا التنكّر العلنيّ لواجب حماية حياة الإنسان وحُقوق الإنسان، أو الانصياع لمعايير أخلاقيّة وإنسانيّة أساسيّة، طالما أنّ القيادة الإسرائيليّة لا تخضع لأيّة مُساءلة ومُحاسبة جدّية على الجرائم التي ترتكبها ضدّ الشعب الفلسطينيّ".
منذ الأسابيع الأولى بعد هُجوم "حماس"، في 7 أكتوبر 2023، أوضح كثيرون من ممثّلي الجُمهور أنّ الحرب التي خرجت فيها إسرائيل لا تدور فقط قطاع غزّة وإنّما هي تستهدف جميع الفلسطينيّين الواقعين تحت سيطرة النظام الإسرائيليّ. في عدّة مناسبات منذ بداية الحرب، طالب سياسيّون كبار وشخصيّات عامّة إسرائيليّة بتصعيد العُنف ضدّ الفلسطينيّين في الضفة الغربيّة. ضمن ذلك، دعا يسرائيل كاتس، وزير الخارجيّة آنذاك ووزير الأمن حاليّاً، إلى "مُعالجة التهديد [في الضفة الغربيّة] بالضّبط مثلما يتمّ التعامُل مع بُنى الإرهاب في غزّة، بما في ذلك إخلاء مؤقت للسكّان الفلسطينيّين وأيّة خطوة أخرى تلزم".
في 19.1.25، مع دُخول وقف إطلاق النار في قطاع غزّة حيّز التنفيذ، أعلنت حُكومة إسرائيل عن قرار إضافة مطلب "تصعيد العمليّات الهُجوميّة" في الضفة الغربيّة إلى الوثيقة التي تحدّد الأهداف الرسميّة للحرب. هذه الإضافة ما هي إلّا تصديق رسميّ على أنّ إسرائيل تتصرّف في الضفة الغربيّة، ابتداءً من 7.10.23، وكأنّها ساحة قتال إضافيّة تُستنسَخ فيها بعض أساليب العمل المطبّقة في العُدوان على غزّة:
الاعتماد المُتزايد على القصف الجوّي: مُنذ 7 تشرين الأول 2023 أصبحت مخيّمات اللّاجئين والمُدن في شمال الضفة الغربيّة أهدافاً لغارات جويّة متكرّرة يشنّها الجيش الإسرائيليّ. وفقاً لما وثّقته بتسيلم، ففي الفترة الواقعة بين 7.10.23 و 8.3.25، شنّ الجيش الإسرائيلي 69 غارة قاتلة قُتل جرّاءها 261 فلسطينيّاً بضمنهم 41 قاصراً، على الأقل. للمُقارنة، يشار إلى أنّه طوال أكثر من 18 عاماً، منذ العام 2005 وحتى بداية تشرين الأول 2023، قتل الجيش في غارات جوّية في الضفة الغربيّة 14 شخصًا.
سياسة إطلاق نار مُتهاونة: منذ بداية الحرب يُطبّق الجيش الإسرائيليّ سياسة إطلاق نار مُتهاونة للغاية، ممّا يؤدّي في حالات كثيرة إلى مسّ عشوائيّ ولا تناسُبيّ بمدنيّين فلسطينيّين، كثيرون منهُم قاصرون. نتيجة لهذه السّياسة كان العامان الماضيان هُما الأشدّ فتكاً منذ العام 2002 في ذروة الانتفاضة الثانية. وفقاً للمتابعة التي أجرتها بتسيلم، قُتل في الضفة الغربيّة خلال العام 2024 488 فلسطينيّاً على الأقلّ، من بينهم لا أقلّ من 90 قاصراً. وخلال العام 2023 قُتل في الضفة الغربيّة 498 فلسطينيّاً من بينهم 120 قاصراً و-4 نساء. بالمُجمل، قتلت القوّات الإسرائيليّة في مختلَف مناطق الضفة الغربيّة 180 قاصراً فلسطينيّاً منذ 7 تشرين الأول 2023 حتى 8.3.25، إضافة إلى خمسة قاصرين آخرين قُتلوا بأيدي جهات إسرائيليّة مجهولة.
اجتياحات واسعة وهدم بُنى تحتية مدنيّة: في سلسلة من الاجتياحات العسكريّة، اقتحمت قوّات كبيرة من الجيش، تُرافقها جرّافات، عدداً من البلدات ومخيّمات اللّاجئين في شمال الضفة الغربيّة، وهي اقتحامات تُنفّذ منذ بداية الحرب وتزداد تصعيداً منذ أإعلان الجيش عن حملة "مخيّمات صيفية" في آب 2024، بل تشتدّ وتزداد عُنفًا منذ وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، في 19 كانون الثاني 2025. ما يُميّز هذه الاجتياحات الواسعة هو الهدم المُتعمّد والعشوائيّ للبُنى التحتيّة المدنيّة، بما في ذلك الشوارع وشبكات الكهرُباء والمياه والمجاري. كما شملت تلك الاجتياحات الواسعة، أيضًا، تّفجير وهدم مئات المنازل، بشكل كلّيّ أو جزئيّ، وتعطيل المساعدات الطبيّة للسكّان، كما لجأت القوات مؤخّراً إلى استخدام الدبّابات والمدرّعات، وذلك للمرة الأولى منذ الانتفاضة الثانية.
تهجير (نقل قَسْريّ) سكّانٍ مدنيّين: ’استورد‘ الجيش الإسرائيليّ أسلوب تهجير(نقل قسريّ) السكّان المدنيّين، الذي طبّقه في قطاع غزّة، إلى شمال الضفة الغربية أيضًا. فمنذ بدء حملة "الجدار الحديديّ"، التي أعلنها الجيش الإسرائيلي في 21 كانون الثاني 2025 والتي توسّعت من مخيّم جنين للّاجئين إلى مخيّمات طولكرم ونور شمس والفارعة، تم اقتلاع وتهجير نحو 40،000 فلسطينيّ من منازلهم، وفق ما تشير إليه التقديرات. وقد صرّح وزير الأمن يسرائيل كاتس بأنّ هؤلاء المُهجّرين لن يستطيعوا العودة إلى منازلهم خلال السّنة المُقبلة.