سياسة إطلاق النار

شريط فيديو جديد من حادثة مقتل ياسين السراديح في أريحا يُظهر جنودًا يضربونه وينكّلون به وهو جريح ملقًى على الأرض وأنّهم لم يقدّموا له الإسعاف الطبّي اللّازم

في 22.2.2018 نحو الساعة 1:00 بعد منتصف الليل، دهم ما يقارب عشرين جنديًّا مركز مدينة أريحا لأجل تنفيذ مهمّات اعتقال في المدينة - وفقًا لادعاء الجيش. بعد ربع ساعة اقتحم بعض الجنود منزلاً في أحد الأزقّة وأجروا فيه تفتيشًا فيما انتظر جنود آخرون عند نهاية الزقاق. أدى وجود الجنود إلى اندلاع مواجهات تخلّلها رشق حجارة نحوهم. في مرحلة ما ركض ياسين السراديح (35 عامًا) محاولاً الهجوم على الجنود الواقفين في الزقاق وفي يده قضيب معدني موصول آخره بـ"جنط".

في مشاهد مصوّرة التقطتها كاميرات مراقبة مثبّتة على حوانيت في المنطقة يظهر السراديح وهو يركض نحو الجنود والقضيب في يده، وجنديّ يطلق عندها النيران من مسافة صفر على الجزء السفليّ من جسده. بعد إطلاق النيران عليه يخرج من الزقاق ثلاثة جنود آخرين ويهاجم الجنود الأربعة السراديح الملقى على الأرض - يشبعونه ركلاً شديدًا ويضربونه بأسلحتهم ويجرّونه إلى داخل الزقاق. هناك يواصل الجنود جرّه وهو على بطنه ثمّ ينحنون فوقه ويوجّهون إليه نور مصباح ويركلونه قليلاً ويزيحونه بأرجلهم. بعد مضيّ نحوعشر دقائق لم يقدّم له فيها أيّ إسعاف طبّي يطلق أحد الجنود قنبلة غاز مسيل للدموع في مدخل الزقاق وعندها يظهر الجنود وهم ينقلون السراديح إلى داخل الزقاق (على ما يبدو لأنّ الغاز تطاير نحوهم) خارج نطاق تغطية الكاميرات.

بعد مضيّ رُبع السّاعة يظهر الجنود مجدّدًا خارج الزقاق وفي هذه المرّة يحملون السراديح من يديه ورجليه. يلقونه داخل جيب عسكري كان قد اقترب منهم ثم ينقله الجيب من المكان.

غيّر الناطق بلسان الجيش عدّة مرّات روايته عمّا حدث. في تعقيبه الأوّل قيل إنّ السراديح الذي كان يحمل سكّينًا هاجم الجنود وحاول خطف سلاحهم وأنّه جُرح في أثناء اعتقاله وتلقّى إسعافًا طبّيًّا. ثمّ في تعقيب لاحق في اليوم نفسه كُتب فقط أنّه حاول مهاجمة القوّة العسكرية التي "ردّت بإطلاق النار اشتبكت عن قُرب مع المخرّب ونجحت في كبحه" وكُتب أنّه وُجد لاحقًا سكّين في حوزته. ثمّ في اليوم التالي زعم الجيش أنّ السّراديح توفّي على مايبدو جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدموع. نتائج تشريح الجثة التي نشرتها وسائل الإعلام في اليوم نفسه أظهرت أنّ السّراديح أصيب ببطنه جرّاء إطلاق الرصاص الحيّ وأنّه قد يكون توفّي بسبب فقدان الدماء لكنّ الجيش واصل زعمه بأنّ الطاقم الطبي الذي عالج السراديح لم يرَ علامات إطلاق نار على جسمه.

إنّ هذه الحادثة من أخطر الأحداث التي شهدتها الأراضي المحتلّة: جنود يركلون بشدّة جريحًا مصابًا بجروح بليغة وهو ملقًى على الأرض ويضربونه بأسلحتهم على رأسه وفي الجزء العلويّ من جسده وفي مفترق فخذيه. بعد ذلك يجرّونه على الأرض في الزقاق وكأنّه ليس إنسانًا وطيلة أكثر من نصف ساعة بعد إطلاق النار عليه يمتنعون عن تقديم العلاج الطبّي اللّازم له.

إزاء ممارسات مقلقة كهذه يتلوّى الناطق بلسان الجيش جاهدًا في تبريرها بذرائع شتّى وهذا أمر يثير القلق بالقدر نفسه وكذا دويّ صمت الجهات الرسميّة في الجيش وخارجه. غياب التصريحات الرّافضة بوضوح حاسم أفعال الجنود يضفي الشرعيّة على هذه الأفعال ويمهّد السبيل إلى تكرارها مستقبلاً. أفادت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية قد باشرت التحقيق ولكنّ نشر خبر كهذا غايته خلق حالة من الوهم تصوّر الجيش وكأنّه يتعاطى مع الحادثة بجدّية وحدّة. غير أنّ تجربة الماضي تجعلنا نفترض أنّ تحقيقًا كهذا لن ينتهي بتقديم أحد من المسؤولين إلى المحاكمة بتهمة مهاجمة وقتل ياسين السراديح وبالتأكيد ليس أحدًا من ذوي الرّتب والمناصب الرفيعة.

مستجدات:

في 23.2.18  نشرت وسائل إعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية باشرت التحقيق في الحادثة. في26.8.19 علمت بتسيلم أنّ ملفّ التحقيق قد أُغلق دون تقديم لائحة اتّهام.  في 26.8.19 علمت بتسيلم أنّ ملفّ التحقيق قد أُغلق دون تقديم لائحة اتّهام. 

روابط إلى مادة الفيديو الكاملة:

https://www.youtube.com/watch?v=qtatiw0ELxc

https://www.youtube.com/watch?v=q2pRbKG-YyU

https://www.youtube.com/watch?v=d-LDGmQTbzk

https://www.youtube.com/watch?v=nsMtuLsk5o4

مواد مقترحة

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

مشروع المحو

منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.

14 أيلول/سبتمبر 2026

מגדל צבאי שהציב הצבא באחת הכניסות לעיירה סילוואד. צילום: איאד חדאד, בצלם, 27.8.16.

روتين العُنف

روتين الاحتلال: أربعة جنود ينكّلون بسكّان بلدة سلواد طوال ثلاثة أسابيع

تقع بلدة سلواد شمال شرق رام الله ويسكنها نحو 10,000 نسمة. قرب المدخل الرئيسيّ للبلدة يوجد بُرج مراقبة عسكريّ. منذ أواسط تشرين الثاني 2020 وطيلة ثلاثة أسابيع تعرّض سكّان البلدة لتنكيل يوميّ ورُعب حقيقيّ على يد أربعة جنود - يرجّح أنّهم من جنود البُرج - كانوا ينصبون الحواجز عند مداخل البلدة ويفتشون الخارجين منها والدّاخلين إليها، يتجوّلون في شوارع البلدة، يعتدون جسديّاً على السكّان، يلقون قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع، يخرّبون السيّارات، وذات مرّة حتى أطلقوا النار وأصابوا فتىً في الـ16 من عمره. أدناه يصف أ. ن. ما حدث في البلدة خلال هذه الأسابيع، وهو عامل في معامل شركة الجنيدي لتصنيع الألبان في الفرع القريب من البلدة - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ: يلقي الجنود قنابل الصّوت ويطلقون الغاز المسيل للدّموع في ساعات اللّيل ويستخدمون الرّصاص "المطّاطيّ" وحتى الرّصاص الحيّ. إنّهم يضايقون السكّان، يُفزعون الأطفال والناس من نومهم ويُربكون نظام حياتنا. أصبح الوضع سيّئاً إلى درجة لا يمكن وصفها. قبل أن يأتي أولئك الجنود كنت أذهب مع زوجتي إلى البقالة القريبة في ساعات المساء لنشتري حاجيّاتنا أو حليباً للأولاد، أمّا الآن فنحن لا نذهب إلى هناك خوفاً من الجنود وأيضاً لأنّ صاحب البقالة لا يفتح دكّانه في المساء في الفترة الأخيرة. إنّه يغلق باكراً قبل مجيء الجنود وبدء المشاكل. أصبحنا نشعر وكأنّنا تحت منع التجوّل الليليّ أو الحبس المنزليّ. الناس بدأت تحسّ بعدم الأمان وهناك شعور بطغيان الفوضى. طوال ثلاثة أسابيع تعمّد الجنود الأربعة تنغيص عيش سكّان البلدة دون أن يردعهم أو يعيقهم شيء. لم يوقف أيّ من المسؤولين عنهم التنكيل بالسكّان ووفقاً لما تعلّمناه من تجربة الماضي لا يبدو أنّه ستُتّخذ بحقّهم أيّة إجراءات. الحقيقة المؤلمة هي أنّ غياب المساءلة والمحاسبة هدفه حماية الجنود وحماية نظام الاحتلال نفسه لأنّ عُنفهم يخدم نظام الاحتلال ويتيح استمراره إذ لا يمكنه الاستمرار سوى بالعُنف. أدناه عدد من الإفادات التي أدلى بها سكّان من البلدة أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد حول حادثتين وقعتا خلال الفترة المذكورة وهُما إصابة الفتى رمزي حامد (16 عاماً) وضرب وإذلال خمسة من عمّال شركة الجنيدي لتصنيع الألبان في طريقهم إلى العمل في البلدة: إصابة رمزي حامد، 28.11.20 نحو الـ 8:30 من مساء السّبت الموافق 28.11.20 كان رمزي حامد وصديقه ع.ع. (كلاهما في الـ16 من عمره) عائدين من مركز قريتهما سلواد إلى منزليهما. في الطريق التقيا فتية حذّروهما من وجود جنود في تتمّة الطريق. واصل الصّديقان السّير وبعد عدّة عشرات من الأمتار أطلق نحوهما الجنود قنبلة غاز مسيل للدّموع وكانوا على بُعد نحو مئة متر منهما. استمرّ رمزي وصديقه يتقدّمان وعندئذٍ ألقى الجنود قنبلتي غاز وبعد ذلك مباشرة أطلق أحدهم طلقتين من الرّصاص الحيّ أصابت إحداهما رمزي في صدره. تراجع رمزي وصديقه فوراً إلى الوراء ثمّ نُقلا إلى عيادة البلدة في سيّارة خاصّة ومن العيادة أخلي رمزي خلال دقائق في سيّارة إسعاف إلى مستشفىً في رام الله حيث رقد رهن العلاج لمدّة أسبوع وغادر المستشفى والرّصاصة لا تزال في جسمه. أدناه يصف رمزي حامد ما حدث في ذلك المساء - من إفادة أدلى بها في 30.11.20: أعمل في صالون حلاقة يقع في مركز البلدة. خلال الأسبوعين الماضيين ومنذ أن بدأ الجنود يقفون عند مدخل البلدة الغربيّ صرت أحرص على إنهاء العمل باكراً - بين السّابعة والثامنة مساءً - إذ أصبح من غير الآمن التواجُد في الخارج. لهذا السّبب انتظرت في يوم السّبت صديقي ع.ع. لكي نعود سويّة إلى منزلينا . خرجنا نحو السّاعة 20:20 ثمّ التقينا في الطريق مجموعة من الأولاد. سألناهم كيف الوضع وماذا يحدث فأجابوا "أولئك الجنود موجودون قرب محطّة الوقود". لم نكترث للأمر لأنّ الأولاد كانوا يجلسون بهدوء ولم نشهد رشق حجارة. قرّرنا مواصلة السّير على أن نقول للجنود إذا اعترضونا أنّنا في طريقنا إلى المنزل وهو قريب. واصلنا السّير بضع عشرات من الأمتار في الشارع متّجهين غرباً، وفجأة رأينا الجنود يتقدّمون نحونا ثمّ يطلقون قنبلة غاز مسيل للدّموع عن بُعد 100 متر تقريباً. بعد ذلك ألقوا قنبلة أعتقد أنّها كانت قنبلة صوت ورغم خوفنا واصلنا السّير - أوّلاً لأنّ أحداثاً كهذه تقع كثيراً في الآونة الأخيرة وثانياً لأنّنا لم نفعل شيئاً والجنود رأوا ذلك بأعينهم. على هذا الأساس تقدّمنا بضع عشرات أخرى من الأمتار. كانوا ثلاثة جنود وجوههم مغطّاة بما يشبه الكمّامة وكان اثنان منهما يحملان بندقيّة والثالث يحمل هراوة. فجأة ودون أيّ سبب إذ لم نفعل شيئاً يثير الشبهة أطلق أحد الجنود طلقتين من رصاص حيّ فأصابتني إحداهما في صدري. في البداية حين أدركت أنّني أصبت أحسست بغثيان ودُوار. وضعت يدي على موضع الإصابة فشعر بالدّم ينزف. قلت لصديقي "أُصِبت! أُصِبت!" وانطلقت فارّاً من المكان لكي لا يُمسك بي الجنود لكنّني وقعت أرضاً بعد عدّة خطوات. أعانني صديقي على النهوض ثمّ واصلنا الرّكض. كنت أركض ببطء وبصعوبة بالغة لكنّي قطعت أكثر من خمسين متراً حتى وصلت إلى الدوّار. هناك أوقف صديقي سيّارة نقلتني إلى عيادة البلدة حيث تلقّيت الإسعاف الأوّليّ ثمّ نُقلت في سيّارة إسعاف إلى مستشفىً في رام الله. مكث رمزي في المستشفى لمدّة أسبوع ثمّ غادر إلى المنزل. يُذكر أنّ الأطبّاء قرّروا في الوقت الحاليّ عدم إجراء عمليّة لإخراج الرّصاصة من صدره نظراً لموضعها الحسّاس. أدناه يحدّث رمزي حامد عن وضعه الحاليّ - من إفادة استمع إليها باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد هاتفيّاً في 20.12.20: أنا اليوم في حالة قلق وتوتّر دائمين حيث أخشى أن تؤدّي أيّة حركة منّي إلى تحرّك الرّصاصة في صدري على نحوٍ يعرّضني للخطر. ثمّ إنّ وجود الرّصاصة داخل جسمي يذكّرني دائماً بلحظة إطلاق النّار عليّ. تلك اللّحظة المروّعة من أصعب الذكريات عندي. كأنّ حياتي أصبحت مرتبطة بهذه الرّصاصة المستقرّة في جسمي. لقد خسرت امتحانات نصف الفصل الأوّل وتراكمت عليّ موادّ دراسيّة كثيرة وينبغي أن أتداركها. لم أذهب إلى المدرسة حتى اليوم ولم أشارك في التعلّم عن بُعد لأنّ وضعي الصحّي والنفسي لا يزال سيّئاً. إضافة إلى ذلك تمنعني الإصابة من استئناف عملي كمساعد حلّاق علماً أنّ والدي عاطل عن العمل وأنا الابن البكر وتقع عليّ مسؤوليّة إعالة أسرتنا. كنت أكسب 50 - 70 شاقلاً في اليوم وهو مدخول متدنٍّ جدّاً لكنّه يقينا ذلّ التسوّل. لا أعرف متى سأتمكّن من العودة إلى عملي. لقد أصبحت لي خبرة سنتين في مهنة الحلاقة وأنا أحبّها رغم أنّها تتطلّب الوقوف المتواصل. المشكلة أنّني أعاني من ضيق تنفّس عقب الإصابة ولا أتحمّل الرّوائح والعطور القويّة التي نتعرّض لها في عملنا. أنا حائر ويائس حيث أتساءل كيف سنُمضي الأشهر العديدة القادمة دون أيّ مدخول. آمل أن يُفرجها ربّ العالمين. الاعتداء على اثنين من عمّال شركة الجنيدي لتصنيع الألبان، 13.11.20 في منتصف ليلة 13.11.20 نصب أربعة جنود حاجزاً عند المدخل الجنوبيّ للبلدة وأخذوا يوقفون ما ينتقونه عشوائيّاً من السيّارات والمارّين. ضمن ذلك أوقف الجنود في حادثتين منفصلتين خمسة من عمّال شركة الجنيدي واعتدوا عليهما جسديّاً - صفعاً وركلاً وضرباً بالهراوات والبنادق - عدا الإهانات وإلحاق أضرار بسيّارة أحدهم. أدناه أقوال أ. ع. (25 عاماً) من سكّان بيت عور التحتا - من إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ: في يوم الجمعة الموافق 13.11.20، في ساعة متأخّرة من اللّيل، سافرت في سيّارة زميل يعمل معي في معامل شركة الجنيدي في سلواد. أنا أعمل هناك منذ ستّة أشهر. عندما وصلنا إلى جسر عين يبرود - سلواد كانت حركة المرور متوقّفة ورأينا أربعة جنود يغلقون المفترق. كان الجنود يقفون قرب جيب عسكريّ ولا يرتدون الكمّامات. لوّح أحدهم بمصباح مشيراً لنا أن نتوقّف واعترضنا اثنان بحيث وقفا قبالة السيّارة. حين توقّفنا أمر أحدهما السّائق، زميلي، أن يفتح النافذة وعندما فتحها أمره أن يفتح أيضاً النافذة الخلفيّة ثمّ سأله بالعبريّة: "من أين أنت؟" فأجابه "من دير جرير". عندئذٍ سأله الجندي إن كان يتحدّث العبريّة ولمّا أجابه بالنفي قال الجنديّ: "كيف تقول أنّك لا تعرف العبريّة؟ عندما سألتك من أين أنت قلت لي اسم قريتك". في هذه المرحلة أمره الجنديّ أن يطفئ المحرّك ويخرج من السيّارة. لم يطلب الجنود بطاقات هويّانا ولا هُم سألونا عن أيّ شيء آخر. خرج زميلي من السيّارة فأوقفه الجنديّان إلى جانبها. كان أحدهما طويل القامة نحيفاً ذا بشرة غامقة وله لحية متوسّطة الطول، وكان الآخر أشقر قصير القامة. أمرني الاثنان أن أدير وجهي ولا ألتفت. بعد ذلك توجّها نحو زميلي وقد سمعته يقول لأحدهما "تكلّم معي بالعربيّة فقط. لا تتكلّم بالعبريّة". سمعت أحد الجنديّين يأمره أن يضع يديه على السيّارة ثمّ أخذ الجنديّ ذي اللّحية المتوسّطة يضربه بين ساقيه ويتحسّسه جسده يفتّشه ويتحدّث معه بالعبريّة. قال له زميلي: "تكلّم معي بالعربيّة. أنا لا أفهم العبريّة". قال له الجنديّ: "كيف إذن فهمت حين سألتك من أين أنت؟ لقد فهمتَ ما قلتُه" فأجابه زميلي: "كانت تلك صُدفة"، لكنّ الجنديّ ظلّ يسأله "هل تتكلّم العبريّة أم لا تتكلّم العبريّة؟". عندئذٍ جلب الجنديّ الأشقر هراوة تلسكوبيّة وفتحها لكي يخيفنا بها ثمّ أمر زميلي أن يعود ويجلس داخل السيّارة وأمرني أن أخرج. حين خرجت أوقفني ووجهي نحو السيّارة رافعاً يديّ إلى الأعلي وأمرني أن أفرج ساقيّ واستمرّ يأمرني بذلك حتى أصبحت لا أقدر على المزيد ثمّ أخذ يضربني على ساقيّ ويتحسّس جسمي. ضمن ذلك تحسّس قلماً في جيبي فسألني "ما هذا؟" وأجبته "هذا قلم". أردت أن أُخرج القلم فسارع يأمرني أن لا أُنزل يديّ فعدت ورفعتهما. بعد ذلك سألني "كم عمرك؟" ولمّا أجبته أخذ يضربني بالهراوة على خاصرتي بقوّة. في هذه المرحلة انضمّ الجنديّ الثاني، ذو اللّحية، وأخذ يركلني بين ساقيّ بكلّ ما أوتي من قوّة وقد آلمتني خصيتاي كثيراً. بعد ذلك ضربني الجنديّ الأشقر ببندقيّته على عنقي من خلف وأوجعني كثيراً. فجأة سألني الجنديّ الأشقر "أين السّلاح؟". أجبته "لا يوجد معي سلاح" فعاود يسألني "أين المسدّس؟". قلت له: "يا بني آدم! من أين لي المسدّس؟ هل ترون هنا كلّ يوم أناساً يحملون مسدّسات؟!". عندئذٍ ضربني مرّة أخرى على خاصرتي اليمنى بالهراوة الحديديّة بقوّة شديدة. أحسست ما يشبه ضربة كهرباء ووقعت أرضاً من شدّة الألم. كنت أتلوّى من الألم ولم أستطع أن أقول كلمة. كان الوقت بعد منتصف اللّيل ولو جادلناهم أو حتى سألناهم لماذا تضربوننا لزادونا تنكيلاً. لهذا صمتّ. أمرني الجنديّ أن أدخل مجدّداً إلى السيّارة ثمّ أمرنا أن نغادر المكان. قدنا السيّارة إلى المعمل وحدّثنا زملاءنا العمّال بما جرى لنا. كذلك اتّصلنا بزملاء لنا كانوا في طريقهم إلى العمل وحذّرناهم ألّا يأتوا من ذلك الطريق. سمعت منهم لاحقاً أنّهم صادفوا جنوداً وحسب الوصف رجّحت أنّهم الجنود أنفسهم. لقد بدأت العمل في هذا المعمل قبل ستّة أشهر وهذه أوّل مرّة أتعرّض فيها لمثل ذلك. لقد آلمتني خاصرتي كثيراً طوال عشرة أيّام بسبب ضرباتهم. أدناه إفادة س. ز. (24 عاماً) وهو من سكّان الخليل ويعمل أيضاً في معمل الجنيدي للألبان في سلواد: في 13.11.20 عند منتصف اللّيل تقريباً، كنت أقود سيّارة الشركة متّجهاً إلى العمل في معمل لشركة ألبان الجنيدي فرع سلواد برفقة زميلين لي (ب.م وشقيقه ش.م.). حين وصلا إلى جسر سلواد - يبرود تحت شارع 60 وعلى بُعد 200 متر فقط من مكان العمل، اعترض طريقنا أربعة جنود مسلّحين ولا يرتدون كمّامات. كان أحدهم طويل القامة نحيفاً ذا بشرة غامقة وله لحية خفيفة والآخر كان أشقر قصير القامة أزرق العينين وذا بُنية متوسّطة؛ ولا أذكر أوصاف الجنديّين الآخرين. أشاروا لنا أن نتوقّف ثمّ تقدّم نحونا الجنديّ الطويل وأوّل ما فعله أن أمر ب. الذي كان يجلس إلى جانبي أن يخرج من السيّارة. حين خرج ب. سأله الجنديّ لماذا يُلقي الحجارة والزّجاجات الحارقة وبالطّبع أجابه ب. بأنّه لا يُلقي شيئاً. عندئذٍ أخذ الجنديّ يركله ويضربه ببندقيّته وب. يصرخ ويكرّر أنّه لم يُلقِ شيئاً. ظلّ ثلاثة من الجنود يضربونه طوال دقائق ثمّ أمروه أن يدخل إلى السيّارة. حين دخل كان منهكاً ومتألّماً وإذ رآه الجنديّ يدخل بصعوبة إلى السيّارة أمسكه من قميصه وعاد يسأله وهو يهزّه لماذا يُلقي الحجارة. أجابه ب..: "أنا أذهب إلى عملي ولا أُلقي أيّة حجارة". تركه الجنديّ وأمر ش. أن يخرج من السيّارة ولمّا خرج تكرّر الأمر نفسه: هُم اتّهموه بإلقاء حجارة وزجاجات حارقة وأنكر هُو ذلك. كانوا يخبطون رأسه بزجاج السيّارة وهو يصرخ، وقد ضربوه مثلما ضربوا ب. استمرّ ذلك 5 - 6 دقائق ثمّ أمروه أن يدخل إلى السيّارة. ثمّ جاء دوري. جاء الجنديّ الطويل إلى ناحيتي وحاول أن يسحبني إلى الخارج عبر النافذة. فتحت الباب فاصطدم الباب برجله. أمرني أن أخرج وحين خرجت أمرني أن أرفع يديّ وأقف منفرج السّاقين ثمّ أخذ يركلني حتى وقعت أرضاً. كنت كلّما وقعت يأمرني أن أنهض ويوجّه إليّ الأسئلة نفسها مجدّداً ويصرخ عليّ ويشتمني. بعد نحو دقيقتين قال لي: "اسمع، أنتم يا سكّان الخليل نريد أن نفعل بكم كذا وكذا" - كلام مُخجل ولن أعود عليه. ثمّ أمرني أن أدخل إلى السيّارة وأغادر المكان. قدت السيّارة وابتعدت قرابة 30 متراً والجنود يركضون خلفنا ويضربون ببنادقهم على السيّارة وزجاجها الخلفيّ. لم ينكسر الزجاج لحُسن الحظّ ولكن تضرّر هيكل السيّارة. سألني الجنديّ "لماذا مشيت؟" فقلت له "أنتم قلتم لي امش". قال لي "خلص. لا تكرّر" ثمّ تركونا. عندما وصلنا إلى المعمل التقينا عمّالاً آخرين حدّثونا أنّ جنوداً اعترضوهم قرب مدخل سلواد الجنوبيّ وضربوهم. وفقاً لوصفهم يبدو أنّهم الجنود أنفسهم.

2 شباط/فبراير 2021

المحكمة العليا تشرعن الاحتلال

بلا حسيب أو رقيب

في العقدين الأخيرين أنشأت الدولة واقعًا يمكّنها من التملّص شبه التامّ من دفع التعويضات للفلسطينيين المتضرّرين على يد قوّات الأمن، رغم أنّ هذا واجبها الذي ينصّ عليه القانون الدولي. تقرير جديد تنشره بتسيلم هذا الصباح (الأربعاء، 8 آذار) يتقصّى كيف جرى ذلك ويبيّن النتائج المترتّبة عليه: تشهد السنوات الأخيرة انخفاضًا حادًّا في عدد دعاوى التعويضات التي يقدّمها فلسطينيون، كما أجريت "تخفيضات" على الثمن المدفوع مقابل الأضرار اللاحقة بهم. هذا النهج الإسرائيلي يكشف عُمق الاستهتار بحياة الفلسطينيين وسلامة أجسادهم وممتلكاتهم.

8 آذار/مارس 2017