غياب المساءلة والمحاسبة

منظمتا حقوق الإنسان بتسيلم ويش دين: إسرائيل غير معنية بالتحقيق في انتهاكات ارتكبت ضد الفلسطينيين

الدمار في بيت حانون، محمد صباح، بتسيلم، 5/8/2014
الدمار في بيت حانون، محمد صباح، بتسيلم، 5/8/2014

يش دين وبتسيلم، منظمتا حقوق إنسان إسرائيليتان، سباقتان في مراقبة التحقيقات في الانتهاكات التي ترتكبها قوات الأمن ضد الفلسطينيين، تقران بأن نظام تطبيق القانون العسكري قد أخفق تماما. تدعي المنظمتان بعد فحص نتائج مئات التحقيقات، أن منظومة التحقيقات الموجودة لا تسمح بإجراء تحقيق جدي وفعال، وأن الآلية تعاني من إخفاقات هيكلية خطيرة، تجعلها غير قادرة على إجراء تحقيقات مهنية.

إن الآلية القائمة حاليا غير مؤهلة للتحقيق في مسائل سياسية أو في انتهاكات للقانون من قبل أشخاص ذوي رتب عسكرية عالية في الجيش، ولذلك فإنه من غير الممكن أن تؤدي هذه الآلية إلى محاكمة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. تؤكد المعطيات أن السلطات الإسرائيلية غير معنية بالتحقيق في انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبت بحق فلسطينيين من قبل قوات الأمن. ما يعزز هذا الاستنتاج هو عدم تنفيذ توصيات لجنة تيركل بعد مضي سنة ونصف السنة على نشرها.

قررت منظمة بتسيلم رفض طلب المقدم في الجيش رونن هيرش، المدعي العام للمسائل المتعلقة بالعمليات العسكرية في النيابة العامة العسكرية، والذي كان قد طلب إرسال معلومات للجيش، حول أحداث "استثنائية" حصلت أثناء العملية العسكرية "الجرف الصامد"، خلافا لسياسة المنظمة بعد أحداث الحرب السابقة قامت إسرائيل بتنفيذها في قطاع غزة. تم اتخاذ هذا القرار في أعقاب النتائج الركيكة على أقل تقدير للتحقيقات التي قامت بها النيابة العامة العسكرية حتى الآن.

حاجاي إلعاد، المدير العام لبتسيلم: "ترى منظمة بتسيلم بأنه من الضروري التحقيق في التعليمات والأوامر التي أعطيت للقوات العسكرية، من قبل الأشخاص ذوي المراتب السياسية والعسكرية العليا، وبالأخص التحقيق في شبهات حول سياسة الهجوم غير الشرعي، والتي تم التمهيد لها مسبقا من قبل النيابة العامة العسكرية.

نظريا من الواضح جدا أن جسما معينا لا يستطيع أن يستجوب نفسه، ولكن هذه المرة أيضا، من المتوقع أن يقوم الجيش بالتحقيق في أفعاله التي قام بها خلال عملية "الجرف الصامد"، وسوف تجري التحقيقات هذه المرة أيضا من دون مراقبة خارجية. بصرف النظر عن نظام السرية القائم حاليا، إذا تم إنشاء آلية تحقيق مستقلة لفحص شبهات انتهاك القانون الإنساني الدولي، هدفها الكشف عن الحقيقة واتخاذ إجراءات ضد المسؤولين - فإننا سنبارك هذا الأمر وسنقدم مساعدة مهنية، بأفضل ما لدينا من قدرات احترافية، في تحقيق جدي كهذا".

تشير بيانات يش دين المنشورة الآن، والمتعلقة بنتائج التحقيقات في الاشتباه بارتكاب انتهاكات من قبل جنود ضد فلسطينيين، إلى انخفاض ملحوظ بتقديم لوائح الاتهام نسبة إلى سنوات سابقة. تدعو منظمة يش دين إلى القيام بإصلاحات عاجلة وبعيدة المدى في منظومة التحقيقات والتشريعات المتعلقة بارتكاب جرائم حرب ومعاقبة مرتكبيها. هذه الخطوات ضرورية من أجل ضمان تحقيقات مهنية وفعالة ومن أجل مقاضاة المسؤولين عن هذه الجرائم.

نيتا باتريك، المديرة العامة لمنظمة يش دين: "إن منظومة التحقيقات لدى جيش الدفاع الإسرائيلي فاشلة. على المعطيات أن تضئ ضوءا أحمرا بشأن عدم استعداد إسرائيل للقيام بتحقيقات جدية ومهنية. تثبت الدراسات التي قامت بها يش دين طوال سنوات عديدة أن هذه المنظومة غير مؤهلة لإجراء تحقيقات فعالة في الأيام العادية، فكم بالحري في أيام حرب. في كل سنة نعود ونحذر مجددا حول الوضع الخطير لمنظومة التحقيقات لكن على ما يبدو فإن إسرائيل ترفض معالجة الإخفاقات الهيكلية، أو على الأقل محاولة القيام بفعل من أجل تحسين الوضع، على الرغم من انتقادات اللجان العامة والمنظمات. الاستنتاج الذي لا مفر منه هو أن دولة إسرائيل غير معنية بالتحقيق بانتهاكات حدثت ضد فلسطينيين".

بيانات: آلية تحقيقات فاشلة، وتحقيقات لا تفضي إلى محاكمة المسؤولين

تشير بيانات بتسيلم المتعلقة بالعمليات العسكرية التي أجرتها إسرائيل في قطاع غزة في الماضي إلى فشل آلية التحقيقات في التحقيق بأحداث الحرب:

  • بعد العملية العسكرية "الرصاص المصبوب" تم فحص حوالي 400 حدث، اشتبه بأنه ارتكب فيهم انتهاك للقانون خلال العملية. في أعقاب الفحص تم فتح تحقيق من قبل الشرطة العسكرية في 52 حالة على الأقل. بعدها تم تقديم لائحة اتهام في ثلاث حالات فقط والعقوبة الأكبر تم فرضها على جندي سرق بطاقة ائتمان.
  • نتائج التحقيقات في العملية العسكرية "عامود السحاب" لم تكن مختلفة كثيرا - قالت النيابة العامة العسكرية إنه تم فحص أكثر من 80 حدثا من بينها 65 حدثا لم ير المدعي العام العسكري الرئيسي أنه يتوجب فتح تحقيق جنائي بها اعتبارا من أبريل 2013. لا علم لدى بتسيلم عن فتح تحقيقات جنائية بعد العملية العسكرية.
  • تشير بيانات يش دين المتعلقة بمتابعات على مدى سنوات عديدة لتحقيقات في انتهاكات حدثت من قبل جنود ضد فلسطينيين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة إلى فشل منظومة التحقيقات لدى جيش الدفاع الإسرائيلي أيضا في التحقيق بأحداث لا تعد جزءا من أحداث الحرب، وتشير إلى انخفاض ملحوظ في معدل تقديم لوائح الاتهام نسبة إلى سنوات سابقة:
  • من التحقيقات التي تم فتحها في أعقاب شبهات بارتكاب جرائم جنائية نفذها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ضد فلسطينيين وإصابات لحقت بممتلكاتهم ما بين الأعوام 2010–2013، تم تقديم لوائح اتهام بنسبة 2.2% منها فقط.
  • في عام 2013 تم فتح 199 تحقيقا في الشرطة العسكرية، في أعقاب انتهاكات ضد فلسطينيين: 84% منها تم فتحها في أعقاب أحداث عنف (8% حالات موت و 76% حالات إصابة/ عنف). من بين كل هذه التحقيقات، فقط ست حالات أسفرت عن تقديم لوائح اتهام ضد الجنود المتورطين.
  • يوضح فحص البيانات من إجمالي البلاغات التي قدمت للشرطة العسكرية أن احتمال محاسبة جندي بعد تقديم فلسطيني لشكوى ضده هو احتمال ضعيف - 1.4% فقط من مجموع البلاغات (الشكاوى) التي قدمت للشرطة العسكرية بين الأعوام 2010–2013 أدت لتقديم لوائح اتهام (البلاغ الذي يقدم للشرطة العسكرية لا يلزم بفتح تحقيق).

الإخفاقات في آلية التحقيقات

تشير بتسيلم إلى ثلاثة إخفاقات في آلية التحقيق المتبعة في الأحداث ذات السمة الحربية:

  • آلية التحقيقات غير معدة أو غير مؤهلة لاستكشاف الرتبة السياسية أو رتبة القيادة العليا للمسؤولين عن مثل هذه السياسات والأوامر;
  • إن المدعي العام العسكري الرئيسي يتصرف بازدواجية، فهو الذي يقدم استشارة قانونية بشأن مشروعية الأوامر، قبل وخلال الحرب، وهو الذي يقرر في نهاية الحرب مقاضاة الذين انتهكوا القانون. في الحالات التي تم فيها إعطاء أوامر غير قانونية، بعد الاستشارة القانونية التي قدمها، فقد وجد المدعي العام العسكري الرئيسي في تضارب مصالح. • إن تحقيقات الشرطة العسكرية تركز فقط على الجندي المتواجد على الأرض كما يحدث تأخير في فتح هذه التحقيقات، التحقيق العسكري يسمح للجنود بمواءمة رواياتهم، في الكثير من الحالات لا يصل المحققون إلى مكان الحادث.

تشير متابعة يش دين لآليات التحقيق والدعاوى العسكرية على مدى سنوات عديدة إلى أن منظومة التحقيقات الإسرائيلية تعاني من إخفافات هيكلية خطيرة، ما يجعل منها منظومة غير قادرة على إقامة تحقيقات جدية:

  • عدم الحرفية والجودة المنخفضة لتحقيقات الشرطة العسكرية، والتي تتمثل في عدم القيام بأعمال التحقيق الأساسية، المماطلة والتأخر في فتح التحقيق;
  • إعاقة اتخاذ قرار بفتح تحقيق جنائي: خلال عام 2013 تم فتح 75 تحقيقا، في أعقاب تقديم بلاغات في عام 2012 - أي تقريبا 40% من التحقيقات تم فتحها بعد مضي أشهر على وقوع الحدث;
  • إن إعداد البحث حول العملية العسكرية والذي يتخذ في نهايته القرار بفتح التحقيق، هو ما يؤدي بشكل أساسي إلى التأخير في فتح التحقيق. بصرف النظر عن التأخير نفسه فإن موضوع البحث المتعلق بالعملية لا يعد تحقيقا جنائيا، وإعداده يضر في هذا التحقيق الذي من المحتمل إجراؤه;
  • نقص في الجاهزية، والمتمثل في عدم وجود قواعد للشرطة العسكرية في الضفة الغربية: في عام 2013 تم تقديم 239 بلاغا للشرطة العسكرية، حول الاشتباه بارتكاب جرائم جنائية بحق فلسطينيين، 6 فقط من هذه البلاغات قدمت مباشرة من قبل فلسطينيين، والباقي من خلال وسطاء;
  • عدم وجود تشريعات تحظر جرائم الحرب وتعاقب من يقوم بها في القانون الإسرائيلي، لا يسمح بفرض عقوبات تلائم جسامة هذه الجرائم;
  • عدم وجود مبدأ مسؤولية القادة في القانون الجنائي الإسرائيلي - في إسرائيل من غير الممكن محاكمة قائد أو مواطن على جرائم حرب نفذها مرؤوسيه، إلا في حال أنه أمر شخصيا بتنفيذها;
  • في الكثير من الحالات تقوم النيابة العسكرية بالتحقيق في أحداث كانت هي ذاتها شريكة بخلقها أو قامت بالموافقة عليها. هذا الدور المزدوج للنيابة العسكرية يشكك في استقلالية هيئة التحقيق.

استنتاجات بتسيلم ويش دين على ضوء النتائج

قررت بتسيلم رفض طلب المقدم في الجيش رونن هيرش، المدعي العام للمسائل المتعلقة بالعمليات العسكرية في النيابة العامة العسكرية، بإرسال معلومات حول أحداث "استثنائية" حصلت أثناء العملية العسكرية "الجرف الصامد". كتب حاجاي إلعاد، المدير العام لبتسيلم لهيرش قائلا إن منظمة بتسيلم قررت "ألا ترسل معلومات وألا تقدم مساعدات للنيابة العامة العسكرية، في كل ما يتعلق بالتحقيق في حالات كهذه، لأن آلية التحقيقات العسكرية لا تسمح بمساءلة المسؤولين عن انتهاك القانون... لا تقتصر المشكلة على النيابة العامة العسكرية، وإنما تكمن في المصاعب التكوينية لنظام تطبيق القانون في إسرائيل، والذي تشكل النيابة العامة العسكرية جزءا منه، في كل ما يخص التحقيقات بشبهات انتهاكات للقانون الإنساني الدولي".

في رده على المقدم هيرش قال المدير العام لبتسيلم إن الانتهاكات التي حدثت ضد السكان المدنيين خلال العملية العسكرية "الجرف الصامد" كانت هائلة: وفقا للمعلومات الأولية التي جمعتها منظمة بتسيلم، فإن حوالي 40% من الفلسطينيين الذين قتلوا خلال العملية كانوا قاصرين ونساء ومن تزيد أعمارهم عن 60 عاما. خلال الحرب دمرت آلاف البيوت ونزح مئات آلاف الناس من بيوتهم. إن هذا الأمر الواقع هو نتيجة مباشرة للتعليمات التي أعطيت للجيش، يُشك بأن جزءا منها على الأقل لم يكن قانونيا: تعليمات بشأن قصف منازل ناشطي حماس والتنظيمات الأخرى، كما لو أنها كانت أهدافا عسكرية مشروعة; اعتبار مناطق واسعة أعطي فيها للسكان تحذيرات كانت غير ناجعة بترك بيوتهم - اعتبار أن هذه المناطق يجب "تعقيمها" وأنه من الشرعي قصفها; عدد كبير من السكان المدنيين قتلوا في العديد من الأحداث، وكان العدد أكبر منه في الحروب السابقة في غزة، سواء من حيث عدد الضحايا في كل حدث أو من حيث عدد الأحداث.

لا تريد منظمة بتسيلم أن تلعب دورا في آلية التحقيقات التي أسستها السلطات الإسرائيلية. استنادا إلى خبرتنا السابقة، فلم يتبق لنا سوى أن نعلن بأسف أن سلطات تطبيق القانون الإسرائيلية ليست معنية وليست مؤهلة للتحقيق في الادعاءات المتعلقة بانتهاكات للقانون الإنساني والدولي، والتي ارتكبت خلال الحرب في غزة. إذا ما تم استبدال الآلية السرية المتسترة بآلية تحقيق مستقلة سيسعدنا التعاون معها.

تدعو منظمة يش دين لسن تشريعات مناسبة في القانون الإسرائيلي تشمل حظر جرائم الحرب وفرض عقوبات نابعة من الخطورة الخاصة للانتهاكات المتعارف عليها لدى سائر الأمم على أنها جرائم حرب. إن توصية بهذا الشأن تفضي إلى التوصيات في تقرير تيركل.

ترى منظمة يش دين أن دولة إسرائيل غير معنية بالتحقيق في انتهاكات ضد الفلسطينيين، وأن نظاما يجد صعوبة في التحقيق في أوقات "روتينية" - أي انتهاكات ارتكبت في أوقات ليست أوقات حرب - سيجد صعوبة أكثر بالتحقيق بانتهاكات ارتكبت في حالة حرب. الاستنتاج هو أن آلية التحقيقات تتطلب إصلاحات عميقة لجعلها آلية مستقلة وفعالة، يمكنها أن تؤدي إلى الحقيقة وإلى محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات.

مواد مقترحة

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة والرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر عندما هاجمتْ إسرائيل بمبادرتها الكاملة ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: - في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل ثلاثة من جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوق شقته: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). - في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ جارتاهم الشقيقتان ـ دانيا (19 عامًا) وإيمان عدس (17 عامًا). - في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). قصف المنازل ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من سياسة مديدة السنوات تمارسها إسرائيل في قطاع غزّة. لقد قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. لكن في الماضي عندما كان المدنيّون يُقتلون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما أو معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتّى هذه الادّعاءات لم تُطرح. بدلًا من ذلك ادّعتْ جهات رسميّة بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة لأنّ القتلى هم ليسوا أكثر من "ضرر عرَضيّ" وأساسًا فإنّ الذنْب هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين. تستند هذه التبريرات ووجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها إلى تفسير خاطئ للقانون الإنسانيّ الدوليّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه، ويجب رفض كليهما: - الادعاء بأنّ العمليّة كانت تناسبيّة وأنّ القتلى هم "ضرر عرَضيّ" يخفي الضرر اللاحق بالمدنيّين ويفرغ المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ من أيّ مضمون. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السؤال بشأن ما إذا كانت العمليّة تناسبيّة لا يمكن طرحه بتاتًا في هذه الحالة، لإنّ الهجوم استهدف منازل المدنيّين وهي ليست أهدافًا عسكريّة مشروعة، وبالتالي فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي سبَّبه. - الادّعاء بأنّ المسؤوليّة عن القتل تقع على عاتق ناشطي الجهاد الإسلاميّ يبرّر مسبقًا أيّ عمليّة تقوم بها إسرائيل في القطاع مهما كانت نتائجها مروّعة، ويحرّر إسرائيل من واجبها تقليص المساس بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان. إنّ إسرائيل هي التي اختارت أن تطلق في منتصف الليل الصواريخ التي قتلت ودمّرت ولذا فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن النتائج. أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت والأهداف والوسائل لهذه العمليّة. هم مَن اختاروا عن وعي وإدراك إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن كثيرين – ومن ضمنهم أطفال صغار – سيُقتلون. ومثل أيّ جريمة هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها – بمَن في ذلك رئيس الحكومة ووزير الأمن ورئيس الأركان وقائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ.

14 حزيران/يونيو 2023

علي وميار عزّ الدين

قطاع غزة

مسؤولون كبار في إسرائيل يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة عن المساس المتوقع بالمدنيّين بمَن فيهم الأطفال في قطاع غزّة

خلال خمسة أيّام من القصف في قطاع غزة، الرعب وعدم اليقين ("جولة قتال")، قتلتْ إسرائيل ثلاثين فلسطينيًّا. ثلثُهم ـ عشرة ـ لم يشاركوا في القتال. قُتلوا جميعًا في نفس الدقيقة بالضبط، في 9.5.23 قرابة الساعة 2:00 قبل الفجر في ليلة القصف الأولى، عندما هاجمتْ إسرائيل، بمبادرتها الكاملة، ثلاثة منازل يسكنها ناشطون من الجهاد الإسلاميّ وأفراد عائلاتهم: في قصف منزل طارق عزّ الدين (48 عامًا) قُتِل هو وطفلاه ـ علي (8 أعوام) وميار (10 أعوام). كما قُتل جيرانه الذين كانوا يسكنون في الشقّة التي فوقهم: د. جمال خصوان (52 عامًا) وزوجته ميرفت (44 عامًا) وابنهما يوسف (19 عامًا). في قصف منزل خليل البهتيني (44 عامًا) قُتِل هو وزوجته ليلى (43 عامًا) وابنتهما هاجر (4 أعوام). كما قُتِلتْ شقيقتان كانتا تسكنان في الجوار ـ دانيا عدس (19 عامًا) وإيمان (17 عامًا). في قصف منزل جهاد غنّام (62 عامًا) قُتِل هو وزوجته وفاء (61 عامًا). تمّ تدمير الشقق الثلاث بالكامل. كما تمّ تدمير شقّتَين أخريين بشكل كامل وتضرّرت شقّتان أخريان بشكل جزئيّ. لم يكن ذلك خطَأً. أفاد المراسلون الذين حضروا في التوجيهات السرّيّة التي أجراها ممثّلو الجيش مع وسائل الإعلام بعد الهجوم بأنّه تم إبلاغهم بأنّ المسؤولين الذين أمروا بالقصف كانوا يعلمون بوجود أشخاص آخرين في البيوت التي تمّ قصفها وبأنّهم افترضوا أنّ ثمّة احتمالًا كبيرًا لأن يُقتل هؤلاء أيضًا. فعلى سبيل المثال، نُشِر أنّه "في الجيش الإسرائيليّ قالوا إنّهم كانوا يعلمون بوجود أشخاص غير ضالعين على مقربة من قادة الجهاد الثلاثة، وكذلك باحتمال تعرّضهم للأذى، لكنّ هذه التقديرات أُخِذت بالحسبان في قرار تنفيذ عمليّات القتل الموضعي". بالنظر إلى أنّ إطلاق النار تمّ في منتصف الليل على بيوت سكنيّة يعيش فيها أفراد عائلات ناشطي الجهاد الإسلامي، فهذا هو الافتراض المحتّم. في الماضي، عندما قُتل مدنيّون في عمليّات القصف التي نفّذتها إسرائيل في قطاع غزّة، كان المسؤولون يحاولون الادّعاء بأنّ هذه الإصابة لم تكن متوقّعة: نتيجة مؤسفة لخلل ما، معلومات استخباريّة خاطئة أو جزئيّة أو غير محدّثة، وغيرها من الادّعاءات المماثلة. هذه المرّة نُزعت الأقنعة وحتى هذه الادّعاءات لم يتم طرحها. بدلًا من ذلك، حاولتْ إسرائيل الادّعاء بأنّه حتّى في ضوء هذه النتائج المعروفة مسبقًا، فقد كانت العمليّة قانونيّة. محاولات إسرائيل العبثية لتبرير القتل التبرير الإسرائيليّ الأول: إنّه مجرد "ضرر عرَضيّ" قانونيّ أحد الادّعاءات التي طُرحت مفاده أنّ الهجوم كان قانونيًّا وَفقًا للقانون الدوليّ الإنسانيّ لأنّه كان "تناسبيًّا" وأنّ القتلى العشرة، وفقًا لهذا الادّعاء، هم "ضرر عرَضيّ" فحسْب. هكذا على سبيل المثال، ادّعى المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ بأنه "نفّذنا هنا عمليّة موضعية للغاية ذات رسالة واضحة للغاية، بمستوى نوعيّ لضرر عرَضيّ محدّد للغاية". عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكريّة، أوضح أنّ "الجيش الإسرائيليّ وجهاز الشاباك، وبمجرّد تنفيذ عملية التصفية، أثبتا قدرة مذهلة على الهجوم الدقيق في عدّة مواقع بالتزامن، مع حدّ أدنى من الضرر العرَضيّ (إصابة غير الضالعين مؤسفة ولكنّها تناسبيّة) واستنادًا إلى معلومات استخباريّة دقيقة للغاية". غير أنّ هذا الرأي لا أساس له، إطلاقاً. فوفقًا لمبدأ التناسبيّة، يُعتبَر الهجوم غير قانونيّ إذا كان من المتوقّع أن يتسبّب في "ضرر عرَضيّ" للمدنيّين وممتلكاتهم يكون مفرطًا مقارنة مع الأفضلية العسكريّة "المباشرة والملموسة" المتوقّعة للجانب المهاجم نتيجةً له. إنّ تطبيق هذا المبدأ هو زئبقيّ وملتَبس، إذ لا يوجد تعريف لما يمكن اعتباره إصابة "مفرطَة" وما يمكن اعتباره "أفضليّة عسكريّة" وكيف بالإمكان الموازنة أصلاً بين معيارين اثنين مختلفين إلى هذا الحدّ. بالنظر إلى ذلك، عندما نأتي لفحص تطبيق مبدأ التناسبيّة بخصوص حالة عينيّة، يكون التحليل القانونيّ الجاف غير ممكن، البتّة تقريباً، ومن الواضح أنّ التفسير لا بد أن يتأثّر أيضًا بوجهة نظر المُفسِّر. مع ذلك، وكما هو الحال بخصوص أيّ قاعدة قانونيّة، أخرى ليس كلّ تفسير يُعتَبر شرعيًّا وهنالك بالتأكيد حالات يكون فيها الحسم بشأن ما إذا كان الهجوم "تناسبيًّا" قاطعاً ولا لُبس فيه. فالتفسير المنفصل تمامًا عن أهداف وروح القانون الدوليّ الإنسانيّ ـ مثل التفسير الذي يقول إن الهجوم الذي نفّذه الجيش في منتصف الليل على منازل العائلات كان تناسبيًّا ـ هو تفسير سخيف لا أساس له من الصحّة. إذا قبلنا بهذا التفسير، فمن الصعب أن نرى أيّة قيمة ومعنى يُبقي للقانون الدوليّ الإنسانيّ إجمالًا، لأنّه يُلغي حماية المدنيّين. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ السؤال بشأن ما إذا كان الإجراء تناسبيًّا لا يُطرَح إلّا في الحالات التي كان فيها الهجوم نفسه قانونيًّا ـ أي كالهجوم الذي يستهدف أهدافًا عسكريّة مشروعة. إذا لم يكن الهجوم على هذا النحو، فسيكون غير قانونيّ بغضّ النظر عن مسألة إلحاق الضرر بالمدنيّين وبممتلكاتهم. يُعرَّف "الهدف العسكريّ المشروع" بأنّه الهدف الذي يساهم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" وبأنّه الهدف الذي من شأن إلحاق الضرر به أن يمنح الطرف المهاجِم "أفضليّة عسكريّة بارزة". الهجوم في تلك الليلة استهدف شقق ثلاثة ناشطين من الجهاد الإسلاميّ. بيوتهم، وكذلك بيتان إضافيّان للجيران، دُمّرت تدميرًا كاملًا. هل يمكن اعتبار بيوت الناشطين أهدافًا عسكريّة مشروعة وفقًا للتعريف أعلاه؟ الجواب هو بالنفي طبعًا وإسرائيل لم تحاول ادّعاء ذلك أصلاً: لم يدّعِ أيّ مسؤول رسميّ بأنّه تمّ في تلك الشقق تنفيذ أيّ نشاط قدّم "مساهمة فعّالة في عمليّة عسكريّة" أو أنّ إلحاق الضرر بها سيمنح إسرائيل "أفضليّة عسكريّة بارزة". تمّ إلحاق الضرر بالبيوت عرَضيًّا وليس كهدف في حدّ ذاته. بالنظر إلى هذا، فإنّ الهجوم بأكمله غير قانونيّ، حتّى قبل القتل الواسع النطاق الذي تسبّب به. التبرير الإسرائيليّ الثاني: الذنْب أصلًا هو ذنْبُ ناشطي الجهاد الإسلامي الذين يختبئون خلف المدنيّين التبرير الآخر الذي ذكره المسؤولون الرسميّون هو أنّ ناشطي الجهاد، الذين يختارون الاختباء خلف المدنيّين، هم المسؤولون عن النتائج. فعلى سبيل المثال، قال رئيس أركان الجيش، هرتسي هليفي، إنّه "لو كان بالإمكان تنفيذ اغتيال قادة الجهاد دون إيذاء الأبرياء لكان الجيش الإسرائيليّ قد فعل ذلك، لكن 'يجب تذكُّر أنّ الإرهاب ينشط من بين السكّان المدنيّين، كجزء من نهج، وبذلك يُعرّض سكّان قطاع غزّة للخطر' ". هذا الادّعاء مستهجَن بالنظر إلى أنّ ناشطي الجهاد كانوا نائمين في بيوتهم مع أفراد عائلاتهم ولم يشاركوا في نشاط عسكريّ "من بين السكّان المدنيّين". لكن عدا ذلك، فهذا الادّعاء يقود إلى نتائج غير قانونيّة. صحيح أن تنظيمات مسلّحة في قطاع غزّة تنتهك أحكام القانون الدوليّ الإنسانيّ ولا تميّز بين الأهداف المدنيّة والأهداف العسكريّة. وهذا الخلط يقوّض أبسط قواعد القانون الإنسانيّ التي تهدف إلى تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين قدر الإمكان وإبعادهم عن مناطق القتال. وفقًا لإسرائيل، فإنّ هذا السلوك يمنحها حرّيّة تصرّف غير محدودة: إنّه يحرّرها من واجب الامتثال للقانون ويبرّر الأضرار الجسيمة التي تُلحِقها بالسكّان المدنيّين. لكنّ هذا التفسير يبرّر مسبقًا أيّ عمل تسعى إسرائيل إلى تنفيذه في القطاع، مهما كانت نتائجه مروّعة. إنّه يحرّر إسرائيل من واجبها في تقليص الضرر اللاحق بالمدنيّين وبممتلكاتهم قدر الإمكان ويفرغ من أيّ مضمون القاعدة التي تنصّ على أنّ حقيقة كون أحد الطرفين قد انتهك الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من وجوب تطبيقها. إسرائيل هي التي اختارت إطلاق الصواريخ التي قتلت ودمّرت، وبالتالي فهي التي تتحمّل المسؤوليّة الكاملة والحصريّة عن إلحاق الضرر بالمدنيّين الفلسطينيّين وبممتلكاتهم. يجب رفض أيّ تفسير آخر يحمّل الفلسطينيّين المسؤوليّة عن هذا التصرّف ونتائجه، جملةً وتفصيلًا. حتّى الجولة القادمة خلال جولات القتال التي اندلعت في قطاع غزّة في السنوات الأخيرة هاجمتْ إسرائيل مناطق سكنيّة مكتظّة بالسكّان من البرّ والجوّ والبحر. قُتِل آلاف الفلسطينيّين وجُرح آلاف آخرون ودُمّرت عشرات الآلاف من المنازل وبقي مئات الآلاف من الناس بدون سقف يؤويهم. فَقَدَتْ عائلات كاملة عالمَها كلّه في لحظة واحدة، دون أن يتمكّنوا من حماية أطفالهم وأنفسهم داخل منزلهم. على الرغم من عدم قانونيّة هذه السياسة، إلّا أنّها تحظى بدعم كامل من جميع المستويات العليا في إسرائيل: المستوى السياسيّ والمستوى القضائيّ والمستوى العسكريّ. قصف المنازل في قطاع غزّة ليلة 9.5.23 ليس أمرًا استثنائيًّا أو خارجًا عن المألوف وإنّما هو جزء من هذه السياسة. وكما هي الحال في العديد من الحالات الأخرى، لم يتمّ القيام به كعمليّة دفاع عن النفس مقابل خطر واضح وفوري لم يكن بالإمكان منعه بطريقة أخرى. بل على العكس تمامًا: أصحاب القرار الإسرائيليّون هم من حدّدوا التوقيت، الأهداف والوسائل. هم مَن اختاروا، عن وعي وإدراك، إطلاق الصواريخ على المنازل السكنيّة في منتصف الليل، حين كان أفراد العائلات نائمين في أسرَّتِهم، مع علمهم بأنّه يُتوقع أن يُقتَل كثيرو آخرون، بمَن في ذلك أطفال صغار. تستند وجهات النظر القانونيّة التي قدّمتها إسرائيل لنفسها، والتي شرعنت العمليّة، إلى تفسير خاطئ للقانون الدوليّ الإنسانيّ وإلى مفهوم أخلاقيّ مشوَّه ويجب رفض كليهما. مثل أيّ جريمة، هنا أيضًا يوجد مَن يتحمّلون المسؤوليّة الجنائيّة المباشرة عن ارتكابها –ـ بمَن في ذلك رئيس الحكومة، وزير الأمن، رئيس الأركان، قائد سلاح الجوّ والنائب العسكريّ الرئيسيّ. دعكم من "العلم الأسود"، دعكم من "لا قانونيّة تُعمِل في العين وخزًا وفي القلب طعنًا". لم يعد متّخذو القرار في إسرائيل يكلّفون أنفسهم حتّى عناء إخفاء تصوّرهم بأنّ قتل أشخاص لم يفعلوا شيئًا، حتّى الأطفال الصغار، هو أمر مشروع. ليس بسبب انعدام أي خيار آخر، ليس لمواجهة خطر فوريّ وحتميّ على الحياة، وإنّما كطريق ملوكيّ رئيسيّ معتمد، كخاتمة لسيرورة مدروسة في اتّخاذ القرار، بصورة اختيارية وبمحض الإرادة.

14 حزيران/يونيو 2023