هدم الممتلكات بحجّة ''الاحتياجات العسكريّة''

منظمات حقوق الإنسان تتوجه الى المستشار القضائي للحكومة، ميني مزوز: عليك يإصدار أمر الى الجيش الإسرائيلي بإلغاء خطة الهدم الجماعي في رفح.

توجهت يوم الأربعاء الماضي ثماني منظمات لحقوق الإنسان إلى المستشار القضائي
للحكومة، ميني مزوز، وطالبته بالإعلان عن عدم قانونية خُطط الجيش الإسرائيلي
بخصوص الهدم الجماعي للبيوت في محور "فيلادلفي"، وإصدار أمر
بإلغاء هذه الخطط.

وكانت وسائل الإعلام قد نشرت مؤخراً أن الجيش الإسرائيلي
توجه الى المستشار القضائي للحكومة، ميني مزوز، طالباً الحصول على
رأيه بخصوص خطة الجيش الاسرائيلي المتعلقة بحفر قناة مغمورة بالماء كوسيلة
لمكافحة عمليات تهريب الأسلحة بواسطة الأنفاق. وطبقاً للتقارير، فقد عرض
الجيش الإسرائيلي ثلاثة بدائل مختلفة لحفر القناة، وهي بدائل تقتضي هدم
حوالي 3.000 بيت وفقاً للخطة الموسعة، وهدم حوالي 700 بيت طبقاً للخطة
المتوسطة، وهدم حوالي 200 بيت ضمن الخطة "المقلصة".

وكان الجيش الإسرائيلي قد هدم أكثر من 1700 بيت في رفح منذ بداية الانتفاضة،
علماً أن الخطة الجديدة تأتي في سياق الاستمرار في السياسة التي تهدف إلى
إيجاد منطقة معقمة داخل مخيم اللاجئين المكتظ بالسكان. حوالي 17.300 شخص
فقدوا حتى اليوم بيوتهم في رفح نتيجة لهذه السياسة.

وجاء في خطاب المنظمات الحقوقية الموجه إلى المستشار القضائي للحكومة
أن هدم بيوت المواطنين الفلسطينيين في رفح من أجل توسيع "محور فيلادلفي" يُشكِّلُ
خرقاً فاضحاً لتعليمات القانون الدولي والإنساني. وطبقاً لهذا القانون
فإن الجيش الإسرائيلي ملزم بإحترام حقوق السكان الفلسطينيين في المناطق
الفلسطينية والاهتمام برفاهيتهم، بقدر ما تتيح الظروف ذلك. إن عمليات هدم
البيوت بهذا الحجم الواسع، كوسيلة لمكافحة عمليات تهريب الأسلحة عن طريق
الأنفاق، لا يتفق مع مضمون البند 53 اتفاقية جنيف الرابعة، والذي يتيح
المس بأملاك المواطنين الذين يعيشون في منطقة محتلة كخطوة استثنائية فقط،
ومقتصرة على وجود "الحاجة العسكرية المطلقة" التي تبرر مثل هذا
الإجراء. إن أحد المعايير الأساسية لتعريف الحاجة العسكرية المطلقة يكمن
في كون هذه الوسيلة هي الأخيرة التي يمكن إتباعها بعد فشل وسائل أخرى بديلة
تم اتباعها، وكانت أقل مساً بالسكان المدنيين، ولم تكن هذه الوسائل ناجحة.

وطبقاً للتقرير الذي نشرته مؤخراً منظمة "حراس حقوق الإنسان HRW" فإنه
يتوفر عدد من الوسائل البديلة للتعاطي مع الأنفاق المشابهة لتلك الأنفاق
المستعملة لتهريب الأسلحة والموجودة في رفح. وقد تم تجربة هذه الوسائل
بنجاح في أماكن أخرى من العالم، وهي وسائل تحول دون هدم البيوت المقترح،
وتؤدي الى جانب ذلك الى تنجيع مكافحة عمليات تهريب الأسلحة. وعلى الرغم
من هذا فإن الجيش الإسرائيلي يقترح أكثر الوسائل تطرفاً وضرراً من أجل
التعاطي مع مشكلة الأنفاق: الهدم المُكثَّف للبيوت.

المنظمات الموقعة على الخطاب الموجه: بتسيلم- مركز المعلومات الإسرائيلي
لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، مركز حماية الفرد، DCI- الجمعية الدولية
لحقوق الولد، اللجنة الشعبية لمكافحة التعذيب في اسرائيل، أمنيستي انترناشيونال-
فرع اسرائيل، أطباء من أجل حقوق الإنسان، بمكوم- مخططون من أجل حقوق التخطيط،
حراس القانون- رجال دين يهود من أجل حقوق الإنسان.

مواد مقترحة

מבנים שהחריבה ישראל בצפון הרצועה, בסמוך לגדר שבין הרצועה לישראל. צילום: סוזאנה ורה, רויטרס, 18.2.24

قطاع غزة

إنشاء الحزام "الأمنيّ" في قطاع غزّة جريمة حرب

في بداية تشرين الثاني 2023، منذ الشهر الأوّل للحرب، بدأت إسرائيل العمل على إنشاء حزام "أمنيّ" داخل أراضي قطاع غزّة. وفقاً لما نشرته وسائل الإعلام، يُفترض أن يبلغ عرض هذا الحزام نحو كيلومتر واحد ويمتدّ على كامل الحدود مع إسرائيل والتي يبلغ طولها نحو ستّين كيلومتراً. وسوف يشمل الحزام نقاطاً عسكريّة وطرقاً معبّدة ووسائل مراقبة. لن يكون بمستطاع الفلسطينيّين الدّخول إلى نطاق الحزام - بمن فيهم أولئك الذين كانوا يُقيمون في هذه المنطقة قبل الحرب أو كانوا يفلحون فيها أراضيَ زراعيّة.لأجل تحقيق هذا الهدف تعكف إسرائيل على هدم كلّ ما يوجد في المنطقة المخصّصة للحزام "الأمنيّ" من مبانٍ سكنيّة ومبانٍ عامّة - بما في ذلك المدارس والعيادات والمساجد والحقول الزراعيّة والكروم والدفيئات. وصف أحد الجنود المنخرطين في هذه العمليّات كيف "جرى دك كلّ شيء". وفقاً لشهادات جنود احتياط، لا يجري الهدم بناءً على معلومات استخبارتيّة أو نتائج عُثر عليها في الموقع وإنّما بهدف إخلاء مساحة لغرض إنشاء الحزام "الأمنيّ". تنجو من الهدم فقط مباني وكالة الغوث أو منشآت تبرّع بها الاتحاد الأوروبيّ - مثل خزّانات المياه ومرافق معالجة مياه الصّرف الصحّي.صور الأقمار الصناعيّة التي نشرتها وسائلالإعلام تكشف الأضرار الجسيمة التي ألحقها الجيش. تحليل هذه الصور يُظهر كيف هدم الجيش في مناطق تبعُد مئات الأمتار عن الحدود أحياء سكنية بأكملها ومبانيَ عامّة. وفي مناطق أخرى دُمّرت مساحات زراعية شاسعة.بناءً على تحليل أجراه لصور الأقمار الصناعيّة ذكر عدي بن نون من قسم الجغرافيا في الجامعة العبرية أنّ إسرائيل هدمت 1072 مبنىً حتى تاريخ 17.1.24، من أصل 2824 مبنىً يبعُد عن الحدود كيلومتراً واحداً أو أقلّ - معظمها مبان سكنية. ويضيف بن نون أنّ المنطقة الأكثر اكتظاظاً بالمباني توجد قريباً من خان يونس، حيث جرى هدم 704 من أصل 1048 مبنىً يقع ضمن النطاق المذكور، أي نحو 70% من المباني. وذكر كلّ من كوري شير من جامعة مدينة نيويورك وجيمون فان دن هوك من جامعة أوريجون أنّ الأرقام أعلى من ذلك، وأنّ عدد المباني التي هُدمت في المنطقة المخصّصة للحزام "الأمنيّ" لا يقلّ عن 1329 مبنى.يجسّد الدّمار في بيت حانون هذه السياسة التي تتّبعها إسرائيل، إذ يُمكن أن نرى في صور الأقمار الصّناعيّة تدمير حيّ بأكمله كان يشتمل على أكثر من 150 مبنىً سكنيًّا ومدارس ومستشفيين، وكانت المنطقة محاطة بمساحات زراعيّة قد جرى تدميرها كلّها. مثال آخر على هذه السياسة هو هدم بلدة خُزاعة الواقعة مقابل "كيبوتس نير عوز" وكانت منازلها الأقرب إلى الحدود. لقد هدم الجيش جميع المباني التي كانت في خُزاعة بما فيها منازل ومسجد ودفيئات زراعيّة وكذلك الأراضي الزراعيّة التي كانت تحيط بها.رسميّاً، لا تعترف إسرائيل بأنّها تعتزم إنشاء حزام "أمنيّ" على امتداد الحدود، إذ يكرّر الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ وجهات رسميّة أخرى أنّ أعمال الهدم الموسّعة سببها تصرّفات حماس وأنّ جميع أعمال الهدم التي طالت المنازل والطرق والأراضي الزراعيّة تستهدف البُنية التحتيّة للإرهاب. على سبيل المثال، في ردّ على تقرير صحفيّ تناول إنشاء الحزام "الأمنيّ" ادّعى الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إنّ حماس قد "غرست الأصول العسكرية في مناطق مكتظّة بالسكّان… وإنّ الجيش يحدّد مواقع منشآت الإرهاب ويدمّرها، بما في ذلك تلك المُدمجة داخل مبانٍ سكنيّة في هذه المناطق". وتابع الناطق في ردّه: "في بعض الحالات تتحوّل أحياء بأكملها في قطاع غزّة إلى مجمّعات قتاليّة تشتمل على كمائن ومراكز قيادة وتحكّم ومخازن أسلحة وأنفاق قتاليّة ونقاط مراقبة ومنصّات إطلاق نار ومنازل مفخّخة وشوارع مزروعة بالمتفجّرات".غير أنّ تصريحات رسميّة أخرى توضح أنّ إسرائيل تعتبر إنشاء الحزام "الأمنيّ" جزءاً من منظومة دفاعيّة لحماية بلدات الجنوب وأنّ هذه ضروريّة لتمكين سكّانها من العودة إلى منازلهم. من ذلك أنّ هرتسل هليفي قائد الأركان قال إنّ الغاية من هذه الأنشطة هي "خلق شروط أمنيّة تُتيح عودة آمنة لسكّان غلاف غزّة". كذلك أوضح الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ أنّ "هدم المباني غايته توفير الشروط الأمنيّة المطلوبة لإتاحة عودة سكّان الجنوب إلى منازلهم".لكنّ هذه الغاية لا تبرّر التدمير الشامل داخل قطاع غزّة وإنشاء حزام "أمنيّ". أعمال الهدم التي تنفّذها إسرائيل لتحقيق هذه الغاية محظورة وتشكّل جريمة حرب إذ تنفّذ كوسيلة وقائيّة غايتها مجابهة خطر مستقبليّ، والهدم لسبب كهذا ممنوع منعاً باتّاً.القانون الإنسانيّ الدوليّ، الذي يحدّد ما هو مسموح وأكثر من ذلك ما هو ممنوع، يسمح للأطراف المتحاربة أن تُلحق أضراراً بأهداف عسكريّة. و"الهدف العسكريّ" يعرّف بمحدّدين اثنين: أن يُسهم مساهمة فعالة في عمليّة عسكريّة وأن يحقّق المسّ به أفضليّة عسكرية واضحة للطرف المُهاجم. من هنا ينبغي أن يُفحص عينيّاً فيمَ كانت تُستخدم المباني والمناطق التي هُدمت، لا أن تُفحص احتمالات استخدامها مستقبلاً.هدم ممتلكات خاصّة مسموح فقط في حالات استثنائيّة جدّاً. أمّا هدمُها بهدف الرّدع أو الترهيب أو الانتقام من السكّان المدنيّين أو بهدف إحداث أضرار دائمة أو طويلة الأمد فهو محظور بنصّ صريح. إضافة إلى ذلك فإنّ الهدم على النطاق الموسّع الذي تنفّذه إسرائيل يخالف أحد المبادئ الأساسيّة للقانون الإنسانيّ الدوليّ، ونقصد مبدأ التناسبيّة الذي يحظر أيّة عمليّات تُلحق بأناس لم يشاركوا في القتال وبممتلكاتهم أضراراً مُفرطة أو مبالغاً فيها نسبة إلى الميزة العسكريّة المتوقّعة من هذه العمليّات.إنشاء الحزام "الأمنيّ" في غزّة ليس فكرة جديدة لدى إسرائيل. قبل الحرب أيضاً كان الجيش يفرض قيوداً على دخول الفلسطينيّين إلى الأراضي الممتدة حتى مسافة 300 متر من الشريط الحدوديّ إذ عرّفها "مناطق محظورة" يُمنع الدخول إليها. في الواقع لم يحدث أبداً أن أعلنت إسرائيل هذه السياسة بشكل رسميّ، كما أنّها لم تكلّف نفسها عناء التوضيح للفلسطينيّين أيّ الأراضي بالضبط هي التي يُحظر دخولهم إليها. لكنّ الجيش كان يطبّق هذا الحظر بواسطة تعليمات إطلاق النار التي تسمح بإطلاق النار على الفلسطينيّين المتواجدين داخل هذه الأراضي، حتى إذا لم يشكّلوا خطراً على أحد. والنتيجة أنّه منذ تنفيذ "خطّة الانفصال" في أيلول 2005 وحتى 6.10.23 (لا يشمل جولات القتال) قُتل في هذه الأراضي ما لا يقلّ عن 88 فلسطينيّاً، وكلّهم لم يشاركوا بأيّ قتال. كذلك طبّق الجيش هذا الحظر بواسطة رشّ المزروعات المجاورة للشريط الحدوديّ بالموادّ الكيماويّة.لقد غيّرت هذه السياسة الإسرائيليّة ملامح المنطقة: قبل فرض الحظر كان السكّان يزرعون في هذه الأراضي أشجار الفاكهة، وحتى أنّ بعض الأراضي كان يُستخدم كمراعٍ للأغنام والأبقار. ثمّ بسبب سياسة إسرائيل انتقل المزارعون إلى زراعة محاصيل تتطلّب عناية أقلّ ولا يحجب ارتفاعها مجال رؤية الجيش - إذ كانت هذه ذريعته دائماً. في الوقت الحاضر تنتشر في هذه الأراضي المزروعات البعليّة التي لا تحتاج الريّ، ومنها القمح والشعير والفاصولياء والخضروات.وجود الحزام "الأمنيّ" داخل أراضي قطاع غزّة سوف يغيّر إلى حدّ بعيد الواقع الذي أنشئ في المنطقة وسوف تترتّب عليه آثار بعيدة المدى. وجود الحزام "الأمنيّ" سوف يقلّص مساحة قطاع غزّة وهي أصلاً من المناطق الأكثر اكتظاظاً في العالم. آلاف السكّان لن يستطيعوا العودة إلى منازلهم، وسوف تدمّر تجمّعات بأكملها وتُباد حيوات بُنيت هناك على مدار سنين. إلحاق أضرار بمساحات زراعيّة واسعة سوف يمسّ بقدرة سكّان قطاع غزّة على إنتاج الغذاء لأنفسهم ويحرم المزارعين من كسب رزقهم ويقوّض المستقبل الغذائيّ لسكّان القطاع.قبل الحرب كان نزيه أبو ربيع (50 عاماً) وهو أب لسبعة أولاد، يُقيم على بُعد نحو كيلومتر واحد من الحدود. عندما اندلعت الحرب فرّ من منزله وحطّ به المقام في دير البلح. في نهاية كانون الثاني علم من أحد الأقارب أنّ الجيش هدم منزله وكرم الزيتون خاصّته، إضافة إلى نحو عشرين منزلاً في الجوار. أقواله في الإفادة التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة تجسّد تبعات وآثار السياسة الإسرائيليّة:"لم أفاجَأ بما قاله لي ابن أخي، ولكن شعرت بأسىً عميق لأنّني فقدت كلّ ممتلكاتي وخاصّة بعد الجهود التي بذلتها طوال السّنين وبعد أن وظّفت كلّ ما كسبته في بناء المنزل ثمّ يُهدم خلال لحظات قليلة. كانت خطّتي أن أبني في المستقبل طابقاً ثانياً لأحد أبنائي وأن أبني منزلاً آخر في أرضي. أنا قلق جدّاً. لا أعلم إن كنا سنستطيع العودة إلى أرضنا، هل سيُمكننا أن نبني فيها مرّة أخرى. لقد وُلدت على هذه الأرض ونشأت هناك، ومن قبلي كان هناك أبي وجدّي. لا مكان آخر لديّ".

21 شباط/فبراير 2024