الزراعة

قطاف الزيتون 2013: 27 حالة اعتداء على قاطفي الزيتون وممتلكاتهم تشير إلى أنّ جاهزية الجيش الإسرائيليّ لم تكن كافية

حضر زياد صوان من قرية أماتين، بالتنسيق مع الجيش، من أجل قطف الزيتون في أرضه المجاورة للبؤرة الاستيطانية حفات جلعاد، ووجد أنّ أغصان سبع شجرات قد كُسرت. تصوير: عاطف أبو الرب, بتسيلم, 13/10/13
حضر زياد صوان من قرية أماتين، بالتنسيق مع الجيش، من أجل قطف الزيتون في أرضه المجاورة للبؤرة الاستيطانية حفات جلعاد، ووجد أنّ أغصان سبع شجرات قد كُسرت. تصوير: عاطف أبو الرب, بتسيلم, 13/10/13

وثقت منظمة بتسيلم في موسم قطاف الزيتون الأخير 27 حادثة مارس المستوطنون العنف خلالها ضدّ فلسطينيين وألحقوا الأضرار بممتلكاتهم. وتتعلق ستة أحداث من التي وثقها الباحثون في بتسيلم بالاعتداء على القاطفين أنفسهم، وتشمل رشق الحجارة والتهديد بالسلاح والاعتداء الجسديّ. وقد كان أخطر هذه الأحداث الاعتداء على متطوع بتسيلم، ياسر نعسان، وعمّه رتيب نعسان، أثناء قيامهما بقطف أشجار الزيتون التابعة لهما. كما تتعلق 21 حادثة من هذه الحوادث بإلحاق الأذى بالممتلكات، مثل قطع الأشجار وحرقها وتسميمها، وقطع وكسر الأغصان وسرقة الزيت والمعدّات الزراعية.

بدأ موسم الزيتون رسميًا يوم 10/10/2013 واستمرّ قرابة أربعين يومًا، لكنّ محاولات الاعتداء على الكروم الفلسطينية، وعلى غرار السنوات الماضية، بدأت قبل القطاف، ولذلك فنحن نستعرض هنا أحداثًا وقعت ابتداءً من يوم 30/9/2013، قبل افتتاح موسم قطاف الزيتون رسميًا. وبما أنّ المزارعين عاجزون في قسم كبير من الحالات عن الوصول إلى أراضيهم من دون تنسيق مع الجيش الذي يسمح بوصولهم إليها لأيام معدودة فقط في مواسم الحصاد والقطاف، فإنهم لم يكتشفوا الأضرار التي لحقت بكرومهم إلا عند وصولهم لقطف الزيتون، ومن الممكن أنّ الأضرار قد وقعت قبل ذلك.

وقد وقعت 8 حالات من أصل 21 حالة إتلاف للأشجار أثناء القطاف، في المناطق التي يمنع الجيش الفلسطينيين من الوصول إليها غالبية أيام السنة، نتيجة لقربها للمستوطنات أو وجودها في منطقة عُرّفت كجزء من مستوطنة أو من منطقتها الأمنية الخاصة المحيطة بها. وفي مثل هذه الحالات، يضطر المزارعون الذين يرغبون بقطف زيتونهم لتنسيق حضورهم إلى الأراضي مع الجيش سلفًا وذلك عبر دائرة التنسيق والارتباط، وترتيب مسألة المرافقة العسكرية لأيام معدودة في موسم القطاف. وفي سبع حالات من أصل الحالات الثماني المذكورة لم يكتشف أصحاب الأشجار الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم إلا بعد وصولهم للقطاف. وفي الحالة الثامنة سمع صاحب الأرض بذلك عبر تقارير في وسائل الإعلام. أما بالنسبة للمزارعين الذين يقوم المستوطنون بإتلاف مزروعاتهم فإنّنا نتحدث عن مسّ مزدوج: ففي غالبية أيام السنة يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم ولذلك فإنّ محصول الأشجار تنخفض بشكل ملحوظ نتيجة للإهمال الذي تعانيه الكروم. وإلى جانب ذلك، يكتشف المزارعون لحظة وصولهم للقطف الدمارَ اللاحق بأشجارهم، وفي بعض الأحيان يكون الدمار كبيرًا لدرجة أنّهم لا يجدون ما يقطفونه.

وقد وصف إبراهيم صلاح، وهو من سكان فرعتا، الأذى الذي لحق بكرمه، والذي لا يستطيع الوصول إليه من دون تنسيق، وذلك في الإفادة التي أدلى بها أمام الباحث الميداني في بتسيلم، عاطف أبو الرب، يوم 13/10/2013:

إبراهيم صلاح.  تصوير: مجدي صلاحأنا أسكن في فرعتا ولي أراض زراعية مساحتها قرابة 19 دونمًا. في عام 2002 أقام مستوطنون على قسم من الأراضي خيمًا وكرفانات، بحيث تحوّلت هذه إلى جزء من بؤرة حفات جلعاد الاستيطانية. وفي السنوات الأخيرة قام مستوطنون وفي عدة مناسبات بإلحاق الأذى والتلف بمزروعاتي.. ومن ضمن ذلك، أنهم قطعوا وأتلفوا قرابة 50 شجرة في عدّة مناسبات مختلفة. ولأنني لم أكن قادرًا على ترميم الأشجار وإصلاحها كما يجب، فإنها توقفت عن الإثمار. ومن بين قرابة 180 شجرة كانت في الأرض، لديّ اليوم قرابة 130 شجرة فقط.

منذ عام 2002 وحتى 2008 منعني الجيش من الدخول إلى أرضي بتاتًا. ومنذ عام 2008 لا يُسمح لي بالدخول إليها إلا مرتين في السنة، وبالتنسيق مع الجيش، في موسم قطاف الزيتون وفي موسم الحراثة. وقد حضرت هذه السنة إلى الأرض كي أحرثها في شهر آذار.

وكانت أيام قطاف الزيتون التي رُتّبت للمزارعين في قريتي في 13 و14 تشرين الأول. ولكن قبل ذلك الموعد، في يوم 7/10/2013، حضرت إلى أرضي في جولة نُسّقت مع الجيش، كمُمثل عن المزارعين في القرية، كي أتفحّص وضع الأرض والأشجار. وفي اليوم ذاته اكتشفت أنّ الغالبية العظمى من الأشجار في أرضي، أي نحو 130 شجرة قد قُطفت ولم يتبقّ لي إلا ثلاث أشجار كانت تحمل الزيتون.

واليوم حضرت مع أفراد عائلتي إلى قطعة الأرض وقطفنا الأشجار الثلاث التي لم يقطفها المستوطنون. وكان محصول ذلك أقلّ من كيس زيتون واحد. مرة وقبل إلحاق الأذى بالأشجار وعندما كان بوسعي الوصول إلى أرضي واستصلاحها بحرية خلال السنة كلها، كنت أنجح في جني 40-50 كيسَ زيتون في السنة.

في 13 حادثة وُثقت هذه السنة تضررت أشجار وسُرق زيتون ومعدات زراعية في المناطق التي يطلب فيها الجيش من المزارعين تنسيق وصولهم إلى الأراضي. وفي إفادة أدلى بها صلاح رضوان، وهو من سكان عزون، أمام الباحث في بتسيلم عبد الكريم السعدي، يوم 3/11/2013، يصف ما حلّ بأرضه:

صلاح رضوان.  تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم أنا أعتاش على الزراعة ورعي الماشية. أنا وأخوتي نملك أرضًا مساحتها قرابة 5 دونمات شرقيّ عزون، في منطقة تُسمّى خلة خليل. وتقع الأرض مقابل مدخل مستوطنة كرنيه شومرون. في عام 2008 زرعنا هناك 130 شجرة زيتون، وفي مطلع تشرين الأول هذه السنة قطفناها للمرة الأولى وكان محصولها 26 صفيحة زيت. أنا من يعتني بالأساس بالكرم وأنا أذهب إليه كلّ يوم تقريبًا. في يوم الأربعاء، 30/10/2013، عملت في الأرض حتى المساء، وجهّزت الإعدادات لريّ الأشجار. في اليوم التالي (الخميس) 31/10/2013، حضرت إلى الأرض في الساعة 8:00 صباحًا من أجل ريّها. وبنظرة أولى اعتقدتُ أنّ الأشجار كُسّرت بسبب الرياح، ولكن عندما اقتربت رأيت أنّ 60 شجرة قُصّت بواسطة منشار. وبرغم أنني لم أكن موجودًا أثناء الاعتداء على أرضي، إلا أنه لا يمكنني أن أتخيل أناسًا آخرين يقومون بهذا باستثناء المستوطنين، وخصوصًا أننا لسنا على خلاف مع أحد.

عندما رأيت أغصان الأشجار اليانعة والقوية مقطوعة وملقاة هكذا على الأرض كنت مصدومًا وآلمني الأمر كثيرًا. أنا أعرف كلّ شجرة لأنني أعتني بهذه الأشجار التي زرعتها وربّيتها برفقة إخوتي. لقد حلمت أن تكون هذه الأشجار مصدر دخل لي ولإخوتي، لكنّ الأحلام تبدّدت صباح يوم الخميس.

قام ضابط من الإدارة المدنية بزيارة الموقع والتقط الصور للأشجار المقطوعة. بعدها، قدّم أخي إبراهيم شكوى لدى الشرطة الفلسطينية في قلقيلية.

في يوم 14/8/2013، وقبل بدء موسم قطاف الزيتون، توجّهت منظمة بتسيلم ومنظمات حقوق إنسان أخرى إلى قائد لواء المركز والمستشار القضائي لعصبة "أيوش" (يهودا والسامرة)، مطالبين بأن تتجهّز قوات الأمن في المناطق التي وقعت فيها في السنوات الماضية اعتداءات متكرّرة على المزارعين الفلسطينيين وألحق المستوطنون فيها الأضرار بممتلكاتهم. وجرى التشديد في هذا التوجّه على الفترة التي تسبق افتتاح موسم القطاف الرسميّ، حيث أنّ تجارب السنوات الماضية تشير إلى أنّ الكثير من عمليات الإتلاف للأشجار تحدث في هذه الفترة.

حضر سكان عينابوس بالتنسيق مع الجيش لقطف الزيتون في الأرض المجاورة لمستوطنة يتسهار ووجدوا أنّ 300 شجرة من أصل 500 شجرة في الكرم قد أُحرقت. تصوير: سلمى الدبعي, بتسيلم, 29/10/13
حضر سكان عينابوس بالتنسيق مع الجيش لقطف الزيتون في الأرض المجاورة لمستوطنة يتسهار ووجدوا أنّ 300 شجرة من أصل 500 شجرة في الكرم قد أُحرقت. تصوير: سلمى الدبعي, بتسيلم, 29/10/13

وقد قام الجيش في بعض المناطق بالتهيؤ فعلاً لمنع إلحاق الأذى بالقاطفين وبممتلكاتهم، ويبدو أنّ هذه الجاهزية قد منعت بالفعل وقوع المزيد من الأذى. إلا أنّ الحالات الـ 27 التي وثقتها بتسيلم تشير إلى أنّ جاهزية الجيش لم تكن كافية، وأنه لم يُبذل ما يكفي من أجل منع المسّ بممتلكات ومصادر أرزاق المزارعين الفلسطينيين.

إن من واجب الجيش منع مثل هذه الأعمال المؤذية قبل القطاف وأثنائه وبعده، وذلك إلى جانب الواجب بمنع الاعتداء على القاطفين أنفسهم. ومع أنّ تطبيق هذه الواجبات –وخصوصًا الجاهزية سلفًا لمنع الأحداث العنيفة والمسّ بالممتلكات- مرهون بتخصيص القوات والموارد، إلا أنه ما دامت الدولة تسمح وتشجع تشييد المستوطنات، خلافًا للقانون الدوليّ، فإنّ الجيش ملزم بالحفاظ على أمن الفلسطينيين، حيث أنهم يشكلون السكان المحميين في المنطقة المحتلة، ومن ضمن ذلك منع وصول المستوطنين إلى المناطق الزراعية الفلسطينية.

يُضاف إلى عنف المستوطنين المسّ بأرزاق المزارعين عقب القيود التي يفرضها الجيش على وصولهم إلى الأراضي في المناطق التي تقع فيها كروم الزيتون داخل المستوطنات أو بالقرب منها أو في المناطق الأمنية الخاصة المحيطة بها. وتُفرض هذه القيود –وفق ادعاء الجيش- من أجل الحفاظ على أمن المستوطنين. إلا أنّ هذه السياسة التي تُفرض من خلالها القيود جارفة جدًا على الفلسطينيين وحدهم، وهي لا توازن بشكل معقول بين الاحتياجات الأمنية وبين حقوق المزارعين. يجب على الجيش أن يسمح للمزارعين الفلسطينيين بالوصول الآمن لأراضيهم طيلة السنة، بما يُمكّنهم من استصلاحها وكسب أرزاقهم منها بكرامة، ويجب عليه البحث عن حلول بديلة تلبي الاحتياجات الأمنية التي يواجهها.

مواد مقترحة

الزراعة

إخلاء – بناء – استغلال

التقرير الذي ينشره بتسيلم اليوم يتقصّى الوسائل التي تستخدمها إسرائيل في الاستيلاء على الحيّز القرويّ الفلسطيني، تحطيمه إلى شظايا، ونهب أراضي ومياه السكّان لنقلها إلى أيدي المستوطنين. يأتي وصف عملية الاستيلاء من خلال عرض مصائر قرىً ثلاث في محافظة نابلس – عزموط ودير الحطب وسالم، والمسار الذي اجتازته منذ أقامت إسرائيل مستوطنة ألون موريه في جوار هذه القرى. حكاية القرى الثلاث هي مثال على سياسة واسعة النطاق تطبّقها إسرائيل في أنحاء الضفة الغربية منذ عشرات السنين، يلعب المستوطنون فيها دورًا مركزيًا.

5 كانون الأول/ديسمبر 2016

خربة سوسيا، جنوب الخليل: قرية كاملة تحت خطر الهدم. تصوير: إن بك، أكتيف ستيلز، 15.6.2012

تلال جنوب الخليل

خربة سوسيا

خلفيّة تقع قرية خربة سوسيا الفلسطينية جنوبي جبال الخليل، منذ سنوات الثلاثين من القرن التاسع عشر. وقد اعتاش أهلها على رعي المواشي وزراعة أشجار الزيتون. في عام 1983 أقيمت بجوار القرية مستوطنة سوسيا على أراض فلسطينية جرى الإعلان عنها أراضيَ دولة. وفي عام 1986 بلغ عدد العائلات التي سكنت خربة سوسيا، في المباني والمُغر، قرابة 25 عائلة. وفي تلك السنة أعلنت الإدارة المدنية عن منطقة القرية "موقعًا أثريًا"، ثم صودرت الأراضي "لأغراض عامة" وطرد الجيش الإسرائيلي سكانها من بيوتهم. ودون وجود أي خيار، انتقلت العائلات إلى مُغر أخرى في المنطقة وإلى خيم وعرائش أقاموها على أراض زراعية تبعد بضعة مئات الأمتار جنوبي-شرقي القرية الأصلية والموقع الأثريّ. في تموز 2001، وبعد فترة قصيرة على قتل فلسطينيين ليئير هار سيناي، من سكان مستوطنة سوسيا، قامت قوات الجيش الإسرائيلي بطرد سكان القرية مجدّدًا، لتكون هذه آخر مرّة من ضمن مرّات عديدة. وقد جرت عملية الطرد بلا تحذير حيث هدم الجنود خلالها ممتلكات السكان ودمروا المغر وسدّوا آبار المياه. وفي أعقاب التماس إلى المحكمة العليا قدّمه سكان القرية بواسطة المحامي شلومو ليكر، أصدرت المحكمة في أيلول 2001 أمرًا مؤقتًا منع استمرار الهدم إلى حين البتّ في الالتماس. في السنوات التي تلت ذلك، وفيما كان الالتماس عالقًا، اضطرّ السكان لمواجهة وضعيّة غير معقولة: فمن جهة كانوا مضطرّين لتشييد مبانٍ سكنيّة لهم وللمواشي بعد أن هدم الجيش المباني التي كانوا يستخدمونها. ومن جهة أخرى، رفضت الإدارة المدنيّة تجهيز خارطة هيكليّة للقرية تُمكّن السكان من تشييد بيوتهم بشكل قانونيّ والارتباط بشبكتي المياه والكهرباء، وقد رُفضت طلبات قدّمها السكان للحصول على رخص بناء. وقد اضطرّ سكان خربة سوسيا، مُكرهين، لتشييد بيوت عشوائية وخيمًا سكنيّة، لتقوم الإدارة المدنية بإصدار أوامر هدم للمباني الجديدة التي شُيدت، حيث ادّعت أنّ قرار المحكمة المؤقت لا يسري عليها. في حزيران 2007 شطبت المحكمة "العليا" الالتماس، من دون البتّ فيه. وقد واصلت الإدارة المدنيّة إصدار أوامر هدم لعشرات المباني في خربة سوسيا. وفي مرّ السنين، قدّم السكان التماسات إضافيّة في محاولة لمنع عمليّات الهدم والسماح بتخطيط القرية، إلاّ أنّ القضاة رفضوا الأمر بمنع هدم المباني. في العام 2011 هدمت الإدارة المدنية 10 مبان سكنية في القرية، ستة مبان استخدمت حاجات معيشية واربعة ابار ماء. هدم خيمة سكنية وبركس في قرية خربة سوسيا. تصوير: نصر النواجعة. بتسيلم. 24.11.11. منع محاولات تخطيط القرية يعيش في خربة سوسيا اليوم قرابة 250 شخصًا دائمين ونحو مئة آخرين يمكثون فيها بشكل موسميّ لكسب أرزاقهم. وفي نهاية عام 2012 قدّمت منظمة "شومريه مشباط"- حاخامات من أجل حقوق الإنسان، إلى الإدارة المدنية، وباسم سكان القرية، خارطة هيكليّة للقرية. وفي كانون الثاني 2013 أعلمت الدولة المحكمة العليا بأنّ الإدارة المدنية تنظر في هذا المخطط، وحتى اتخاذ قرار بشأنه، لن تُنفذ أوامر الهدم في المكان. في تشرين الأول 2013، رفضت اللجنة الفرعيّة للتخطيط والترخيص التابعة لمجلس التخطيط الأعلى في الإدارة المدنيّة، الخارطة الهيكليّة المقترحة. عكست المسوّغات من وراء رفض الخارطة الهيكليّة تعاملاً غير موضوعيّ واستعلائيًا، إذ اُدّعي أنّ الانتشار الواسع للقرى الصغيرة في المنطقة، ومن بينها خربة سوسيا، لا يسمح لمدينة يطا بتوفير خدماتها للقرية مثل خدمات التربية والرفاه والدين والصحة كما يجب، إذ أنّ ذلك يُبهظ الخزينة العامة. ويأتي هذا في الوقت الذي تقوم فيه الجهة التخطيطيّة ذاتها بتنظيم وتسوية عشرات البؤر الاستيطانيّة الصغيرة المنتشرة في الضفة الغربيّة، وترفض تسوية مكانة القرية الفلسطينيّة. وقالت اللجنة الفرعيّة أيضًا إنّ الخارطة المقترحة ستُكرّس المبنى المجتمعيّ القائم على الانتماء العائليّ، الأمر الذي سيمسّ بفرص الفرد والمرأة الفلسطينيّة خصوصًا، التمتع بالأفضليّات الكامنة في الحياة المدنيّة، مثل أدوات الدفع الاجتماعيّ وفرص تكسّب الرزق والتعزيز الثقافيّ والتربويّ: "المبنى المدنيّ يربط الناس ويقرّب بينها ويضاعف الفرص، ويُثري الآفاق لكلّ واحد وواحدة في داخل عائلته وقبيلته وفي ضمن المجتمع الواسع أيضًا. ولذلك، نحن نرى أنّ الخارطة الهيكليّة الحاليّة تشكّل محاولة أخرى لمنع السكان الفقراء من إمكانيّة التقدّم وإمكانيّة الاختيار بين مصادر الرزق الجزئيّة أو مصادر أخرى، وتمنع المرأة الفلسطينيّة من الخروج من دائرة الفقر، وتمنع عنها فرص التعليم والعمل. وعلى هذا النسق فإنّ هذا المخطط يمنع الطفل الفلسطينيّ من رؤية كلّ الإمكانيّات المتاحة أمام أيّ إنسان آخر، إذ أنها تحدّد مصيره بالعيش في قرية صغيرة وبالية لا تملك الأدوات اللازمة للتطوّر. نحن نوصي برفض المخطط." وأوصت الإدارة المدنيّة أمام سكّان خربة سوسيا بالمبادرة لتخطيط بديل في مكان أقرب من مدينة يطا، بما أنّ القرية تقع على بعد كيلومترات عديدة من مدينة يطا، الواقعة في منطقة A. لكنّ ما أوصت به اللجنة على أرض الواقع، هو إبعاد سكّان خربة سوسيا عن منطقة C. في شباط 2014 التمست منظمة "شومريه مشباط" المحكمة العليا، بادّعاء أنّ قرار اللجنة الفرعيّة للتخطيط والترخيص رفض الخارطة الهيكليّة ليس معقولاً. وطلب الملتمسون من المحكمة إصدار أمر مؤقت يأمر السلطات بالامتناع عن هدم بيوت القرية، ما دام الالتماس لم يُحسم. في نهاية آذار 2015 قدّمت الدولة ردّها على الالتماس. وفي الردّ طلبت الدولة من المحكمة رفض الالتماس، مُدّعية أنّ لا مبرّر للتدخّل في القرار الصحيح الذي اتخذته مؤسّسات التخطيط برفض الالتماس. وقال ممثلو الدولة في ردّهم إنّ سكّان القرية يواصلون البناء من دون ترخيص. في مطلع أيار 2015، رفض القاضي سولبرج طلب الملتمسين بإصدار أمر مؤقت يمنع هدم بيوت القرية إلى حين البتّ في الالتماس، وذلك على خلفيّة مواصلة البناء من دون ترخيص في القرية منذ تقديم الالتماس، والتي قال عنها إنّها "ممارسة القانون بشكل شخصيّ". وقال القاضي إنّ سلطات المنطقة سجلت استعدادها لفحص إمكانية دفع إضبارة تخطيطيّة بديلة"، وقال إنّ تداول الالتماس سيتمّ بأسرع وقت. منذ ذلك الحين جرت محادثات بين سكّان سوسيا والدولة، استمرّت إلى أن أوقفتها الدولة. في جلسة محكمة العدل العليا، التي انعقدت في 1.8.2016، أبلغ وكلاء الدولة أنّ المحادثات أوقفت لأنّ وزير الأمن الجديد لم يبلور بعد موقفه من الموضوع. أمهلت المحكمة الدولة أسبوعين لتبلور موقفها. القاضيات نأور، براك إيرز وحيوت رفضن الإيعاز للدولة بعدم هدم بيوت سكّان سوسيا إلى حين بلورة الموقف، وبذلك تُرك السكّان رهن تعسّف السلطات الإسرائيلية وفي حالة من اللّايقين تحيط بمستقبلهم. منذ ذلك الحين طلبت الدولة مهَلاً إضافيّة لتقديم موقفها، وكانت المهلة الأخيرة في 1.10.2017. منذ أن قدّم سكّان خربة سوسيا التماسهم الأخير، في عام 2014، أبلغت الدولة أنّها تعتزم هدم عدد من المباني التي أقامها السكّان بعد تقديم الالتماس - ضمن ذلك كانوا قد رمّموا مباني تضرّرت جرّاء العاصفة، وأقاموا عيادة لخدمة سكّان القرية. في 1.2.2018 قرّرت رئيسة المحكمة العليا في شأن سبع مبانٍ، أنّ الدولة يمكنها هدمها فورًا، علمًا أنّه يسكنها 42 شخصًا، نصفهم أطفال، وبعضهم مرضى. طلبت المحكمة من الدولة أن تقدّم ردّها في شأن الخريطة الهيكلية المقدّمة من القرية، في موعد لا يتجاوز 7.5.2018. استيلاء المستوطنين على أراضي سوسيا في عامي 2001 و2002 أقام المستوطنون عدة بؤر استيطانية على جزء من أراضي السكان الفلسطينيّين. ومنذ تدمير خربة سوسيا عام 2001، يمنع مستوطنون من مستوطنة سوسيا وبؤرها الاستيطانية وصول سكان القرية المتواصل إلى قرابة 3,000 دونم من الأراضي المحيطة بالمستوطنة، وفيها قرابة 23 بئرًا للماء. ويجري هذا المنع عبر التهديدات وأعمال العنف، بما في ذلك إتلاف مساحات الرعي والحقول والأشجار وآبار المياه ومضايقة الرعاة. ويستغل مستوطنون من المستوطنات عدم قدرة السكان على الوصول إلى أراضيهم، حيث قاموا في صيف 2010 باستصلاح قرابة 400 دونم، تشكل قرابة 15% من مجمل الأراضي التي مُنع الفلسطينيون من الوصول إليها. مبنى في قرية خربة سوسيا على خلفية مستوطنة سوسيا. تصوير: يوآف جروس، بتسيلم. 17/11/2010. الملفات التي فُتحت في أعقاب شكاوى قدّمها فلسطينيون ضد المسّ بهم، أغلقت في غالب الحالات دون أن تفضي إلى شيء. وبناءً على متابعة منظمة "شومريه مشباط" منذ العام 2007، يتضح أنه من بين 126 شكوى قدمها سكان خربة سوسيا إلى شرطة الخليل ضد اعتداءات وتهديدات واقتحام الأراضي وإلحاق الضرر من جانب مستوطنين، أغلقت تقريبا جميع الملفات من دون تقديم أيّ شخص إلى المحاكمة؛ ولا يزال التحقيق مستمر بشأن ثلاث شكاوى. تابعت بتسيلم منذ عام 2004 وحتى نهاية عام 2012 التطوّرات الخاصة بـ 15 شكوى مقدّمة للشرطة بشأن عنف مستوطنين ضدّ سكان خربة سوسيا، شملت الاعتداءات الجسديّة وإضرام النار في الخيام السكنية والممتلكات، والتهديدات واقتلاع أشجار الزيتون وحصد المحاصيل واعتداءات أخرى على الممتلكات. من بين هذه الشكاوى الـ 15، أغلقت 12 ملفَ تحقيق بدعوى انعدام الأدلة أو أنها سُجلت ضدّ مجهول. في آب 2010 التمس 55 شخصًا من سكان القرية المحكمة العليا بواسطة منظمة "شومريه مشباط"، مطالبين بالسماح لهم بمنالية الوصول اليومي إلى أراضيهم، من ضمن سائر المطالب. ردًا على الالتماس، أعلمت الدولة المحكمة العليا في تشرين الأول 2010 بأنّ الجيش والإدارة المدنية ينويان إعداد خارطة مُلكية على الأراضي في المنطقة، وبناءً على ذلك ستصدر تعليمات لقوات الأمن الميدانية بشأن مواجهة الحاجة لتمكين الوصول إلى الأراضي الزراعية. حتى منتصف أيار 2013 لم يصدر الجيش إلا أربعة أوامر، سدّت أمام المستوطنين قطعة أرض تبلغ مساحتها 417 دونمًا، وهي قرابة 13% فقط من الأراضي التي مُنع السكان الفلسطينيون من الوصول إليها. وقد أخلت السلطات بشكل فعليّ اقتحامًا واحدًا من طرف المستوطنين، من قطعة أرض مساحتها قرابة 3.5 دونمات. وما يزال منع الدخول قائمًا ضدّ قرابة 87% من الأراضي. في مطلع شباط 2014 شطبت المحكمة العليا التماس السكان في مسألة منع الوصول إلى أراضيهم والاستيلاء عليها، بادّعاء أنّ الحديث يدور عن التماس شامل يدمج مسائل مختلفة تعود إلى عشر عائلات. وتطرّق القضاة في قرار الحكم إلى واجب القائد العسكريّ الحفاظ على الممتلكات الخاصّة ومنع اقتحام الأراضي، إلاّ أنهم لم يصدروا قرارًا في هذه المسألة، وأوصوا أمام كلّ عائلة بتقديم التماس منفصل خاصّ بها.

19 آب/أغسطس 2012