خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
خربة المالح (حمّامات المالح)، الأغوار الشمالية: إسرائيل تهجّر تجمّعًا آخر بواسطة اعتداءات عنيفة، سرقة المواشي وقتلها، منع الوصول إلى المراعي، تخريب الممتلكات والمضايقات اليومية
مدخل خربة المالح صباح 22.4.26. صورة قدمها ناشطو وناشطات الأغوار مشكورين
في ساعات الصباح الباكر من يوم الأربعاء الموافق 22.4.26، اكتشف سكان كانوا يسافرون على شارع 5799، المار بمحاذاة تجمّع خربة المالح، أن مستوطنين مزوّدين بجرّافة حضروا إلى التجمّع ليلًا وهدموا مجمّع مدرسة المالح. وكانت هذه المدرسة قد أقيمت في العام 2020 على أراضي البطريركية اللاتينية من أجل أطفال خربة المالح والتجمّعات المجاورة. وكان المجمّع يضم روضة أطفال وثلاث غرف دراسية؛ واحدة لطلاب الصفين الأول والثاني، واثنتين لطلاب الصفين الثالث والرابع، ومطبخًا وغرفة خدمات احتوت على نظاميّ الكهرباء والطاقة الشمسية الخاصين بالمدرسة، وخيمة خارجية وساحة ألعاب للأطفال ومراحيض ومشارب مياه وبرّاد مياه وخزانات مياه وسياجًا محيطًا وساحة معبّدة.
الصورة
خربة المالح (حمّامات المالح)، قبل تهجيره. صورة قدمها ناشطو وناشطات الأغوار مشكورين، 20.9.24
كذلك هدم المستوطنون منازل خالية تملكها عائلات هُجّرت من منازلها خلال الأسابيع السابقة. وعلّقوا أعلامًا إسرائيلية على مبنى حجري كان في الأصل فندقًا عثمانيًا، وشكّل لبضع سنوات منزلًا لإحدى عائلات التجمّع، كما نصبوا عشرات الأعلام على جانبَي الطريق المؤدية إلى المكان. وفي اليوم التالي، وصل مستوطنون وجنود ومندوبون عن المجلس الإقليمي للمستوطنات، ولحموا نجمة داود حديدية ضخمة على سطح المبنى الحجري.
الصورة
أنقاض المدرسة. صورة قدمها ناشطو وناشطات الأغوار مشكورين
عندما هُدمت المدرسة، لم يكن قد بقي فيها أي طلاب، بعدما أجبر مستوطنون أقاموا بؤرًا استيطانية في المنطقة سكان حمّامات المالح على مغادرة منازلهم تدريجيًا. فقد اعتدى المستوطنون جسديًا على السكان الفلسطينيين وضايقوهم بطرق مختلفة، شملت اقتحام المنازل وإدخال قطعان الأبقار إلى التجمّع وتخريب الممتلكات وغير ذلك. كما أسهمت عمليات الهدم التي نفّذتها الإدارة المدنية في تهجيرهم.
هُجّر تجمّع أم الجمال من مكانه في آب 2024 تقريبًا، بعد وقت قصير من إقامة بؤرة "حفات يد هشومير" الاستيطانية على مسافة تقل عن كيلومتر واحد غربيّ منازل التجمّع، ونحو كيلومترين شرقيّ خربة المالح. وبدأت العائلات المتبقية بمغادرة المنطقة بعد اعتداء المستوطنين العنيف في تموز 2025، والذي شمل سرقة مئات رؤوس الأغنام والماعز وقتل نحو 100 منها. حتى ذلك الحين، كانت تقيم في خربة المالح 14 عائلة تضم 79 نفرًا، بينهم 38 طفلًا، وفي الميتة كانت تقيم 18 عائلة، وفي البرج عشر عائلات. خلال الأسابيع والأشهر التي تلت الاعتداء، غادرت ثماني عائلات خربة المالح، وغادرت ثماني عائلات الميتة، فيما أخلت عائلات كثيرة أخرى قطعانها من المنطقة خشية سرقتها.
الصورة
مستوطنون، بدعم من جنود وبمشاركة مندوب عن المجلس الإقليمي، يلحمون "نجمة داود" على سطح المبنى في 23.4.26. صورة قدمها ناشطو وناشطات الأغوار مشكورين
في نهاية كانون الأول 2025، وبعد اعتداء مستوطنين العنيف على عائلة برهان دراغمة التي كانت تسكن في المنزل الحجريّ ـ الفندق العثماني سابقًاـ والذي جرى خلاله ضرب أبناء العائلة وابنه صهيب، بل وتم اعتقاله أيضًا، نقل برهان قطيعه من المكان، ثم نقل أبناءه لاحقًا أيضًا، خشية الاعتداء عليهم أو اعتقالهم مجددًا. وغادر سكان آخرون أيضًا خربة المالح في تلك المرحلة، فيما بقي نحو عشرة أشخاص من خمس عائلات لحراسة المباني والممتلكات وأرض المدرسة. وفي شباط 2026، هُجّرت جميع عائلات عين الميتة والبرج. كما أُجبر السكان القليلون الذين تمكنوا من الصمود في خربة المالح حتى بداية نيسان على المغادرة في تلك المرحلة جراء عنف المستوطنين.
الصورة
مستوطنون يقتحمون التجمّع ويتجولون بين المنازل. من فيديو توثيقي قدمه السكان مشكورين
خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، وثّقت بتسيلم ما لا يقل عن 12 حادثة اقتحم فيها مستوطنون خربة المالح وضايقوا سكانها واعتدوا عليهم. وهذه الحوادث ليست سوى أمثلة على الاعتداءات والمضايقات شبه اليومية التي عانى منها التجمّع حتى تهجيره في بداية نيسان 2026:
في 17.1.26، نحو الساعة 8:00 صباحًا، أدخل مستوطنون نحو 50 بقرة إلى الحقول المحاذية لخيام السكان والمدرسة، وبقوا في المكان نحو ست ساعات. أثار وجودهم الرعب لدى السكان ومنعهم من إخراج قطعانهم إلى المراعي. وخشية مواجهة المستوطنين، وقف السكان الفلسطينيون ساعات بجوار منازلهم يراقبون ما يحدث. وأفادوا بأن مركبات عسكرية مرّت في المنطقة خلال الحادثة، لكن أحدًا لم يتدخل لإخراج الأبقار.
في 22.1.26، أقام مستوطنون بؤرة استيطانية ضمّت زريبة للأبقار ومأوى للبشر، على بُعد نحو 400 متر شمالي غرب خربة المالح، بالقرب من المكان الذي كانت تقيم فيه سابقًا العائلات التي تعرّضت للاعتداء في 17.7.25. أحضر المستوطنون قطيع أبقار إلى المكان وراحوا يُدخلون أبقارهم مرارًا إلى التجمّع، بين منازل السكان وزرائب المواشي والمدرسة.
في 28.1.26، بينما كان الطلاب في المدرسة، ساق مستوطنون قدموا من جهة البؤرة الجديدة عشرات الأبقار إلى ما بين خيام السكان وعلى مقربة شديدة من مباني المدرسة. تجول المستوطنون في المكان على تراكتور صغير، فيما وصلت الأبقار إلى مداخل الخيام. أثارت الحادثة الذعر لدى الطلاب وأفراد عائلاتهم واستغرق السكان أكثر من ساعتين لإبعاد الأبقار.
في اليوم التالي، الموافق 29.1.26، أدخل المستوطنون مجددًا عشرات الأبقار إلى داخل التجمّع وساحة المدرسة. وتجولوا بين منازل السكان سيرًا وعلى تراكتور صغير، وصوّروا المباني والسكان. وخشية وقوع مواجهة، امتنعت بعض العائلات عن إخراج ما تبقّى في التجمّع من أغنام وماعز من الزريبة.
الصورة
أبقار البؤرة الاستيطانية ترعى في أراضي التجمّع. صورة قدمها السكان مشكورين
في 31.1.26، اقتحمت مجموعة من المستوطنين التجمّع. تجول المستوطنون بين خيام السكان واقتحموا المنازل وحاولوا فتح زرائب المواشي. مكثوا في المكان ساعات، وفي مرحلة معينة أحضروا الأبقار مجددًا لترعى على مسافة قريبة جدًا من الخيام وساحة المدرسة. وفي الوقت نفسه، تجول مستوطنون في أنحاء التجمّع وفوق أسطح المباني وبجوار المبنى الحجري. كما اعتدى المستوطنون على نشطاء تضامن حاولوا توثيق الحادثة، فضربوا أحدهم وطرحوه أرضًا وركلوه.
الصورة
مستوطنون يرعون أبقارهم في أراضي التجمّع، فيما تبقى أغنام السكان وماعزهم محجوزة داخل الزريبة. من فيديو توثيقي قدمه السكان مشكورين
في 1.2.26، حضر مستوطنان على تراكتور صغير إلى التجمّع ورعيا الأبقار بمحاذاة المنازل.
في اليوم التالي، الموافق 2.2.26، أدخل مستوطنون الأبقار إلى داخل التجمّع منذ الساعة 6:00 صباحًا. ووفقًا لسائق الحافلة التي كانت تقل الطلاب إلى المدرسة، وضع المستوطنون الأبقار أمام الحافلة وسدّوا طريقها. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، تجول مستوطنون على تراكتور صغير عدة دقائق داخل ساحة المدرسة، بالقرب من غرفة الإدارة وغرفة المعلمين، ثم غادروا
الصورة
سكان مقيّدون بالأصفاد وأضرار لحقت بالممتلكات بعد اقتحام الجيش للتجمّع. صور قدمها السكان المحليين.
في تلك الليلة، اقتحم نحو عشرة جنود من قاعدة عسكرية قريبة منزل عائلة دراغمة في مبنى الفندق القديم. جمع الجنود أفراد العائلة، وجميعهم بالغون، واثنين من نشطاء التضامن الأجانب في غرفة واحدة، وقيّدوا أيديهم وصادروا الهواتف وبطاقات الهوية وعبثوا بمحتويات المنزل وألحقوا أضرارًا بالممتلكات. وفي طريقهم إلى خارج التجمّع، حطم الجنود باب غرفة إدارة المدرسة الواقعة في الطابق السفلي من مبنى الفندق القديم. وبعد مغادرتهم، شعرت إحدى بنات العائلة بوعكة صحية ونُقلت بسيارة إسعاف إلى عيادة في بلدة عين البيضا.
الصورة
بنتسي فيتكون من مستوطنة مسكيوت، مسلح بسلاح طويل، يرعى الأبقار في أراضي التجمّع. صورة قدمها السكان مشكورين
في صباح 7.2.26، حضر مستوطنان، أحدهما هو "بنتسي فيتكون" من مستوطنة "مَسكيوت"، وكان مسلحًا ببندقية هجومية، ورعيا الأبقار في أراضي التجمّع.
في 19.2.26، نحو الساعة 22:30، حضر إلى منطقة المدرسة، على تراكتور صغير وسيارة، نحو ستة أو سبعة مستوطنين ملثمين، كان واحد منهم على الأقل يحمل غاز الفلفل. بدأوا يغنون ويحتفلون ويشغّلون الموسيقى بصوت مرتفع عبر مكبرات الصوت. توجه المستوطنون إلى خلف مبنى الفندق القديم، حيث كانت عائلة دراغمة لا تزال تقيم، وكان فيه في تلك الليلة أيضًا نشطاء وسكان من المنطقة، وحاولوا تخريب خزانات المياه. خرج ناشطان، رجل وامرأة، من المبنى وحاولا منعهم من تفريغ الخزانات، فهجم عليهما المستوطنون بالركل واللكم، وحطموا نظارة الناشطة ورشّوا غاز الفلفل على الناشط. وخلال الحادثة، حطم المستوطنون بالحجارة زجاج مركبتين، إحداهما تابعة للنشطاء والأخرى لمجلس المالح. شعر رئيس المجلس، الذي كان موجودًا في المكان، بآلام في صدره، ونُقل لتلقي العلاج الطبي. لم تحضر قوات الجيش والشرطة إلا بعد نحو 20 دقيقة من مغادرة المستوطنين، وطلبت من السكان تقديم شكوى إلى الشرطة.
مع بداية آذار، لم يبقَ في التجمّع سوى عدد قليل من السكان، لكن اقتحامات المستوطنين تواصلت بصورة شبه يومية.
الصورة
محمد صبيح في المستشفى بعد الاعتداء. تصوير: عارف دراغمة، بتسيلم
في 1.3.26، نحو الساعة 4:00 فجرًا، اقتحم مستوطنون التجمّع ورشقوا المبنى الحجري بالحجارة، واعتدوا على سكان حاولوا صدّهم بالحجارة وسرقوا حمارًا.
في ليلة 8.3.26، اعتدى مستوطنون بالحجارة على منزل محمد صبيح (74 عامًا)، بينما كان هو وزوجته في داخله، وألحقوا أضرارًا بالممتلكات وحطموا زجاج مركبة ناشط تضامن كانت متوقفة هناك.
بعد يومين، في 10.3.26، نحو الساعة 20:00، دخل مستوطنون منزل صبيح، الذي كان آنذاك الوحيد الموجود في التجمّع. ركله المستوطنون وضربوه وحاولوا خنقه بواسطة كوفيته. وبعدما تركه المستوطنون، توجه صبيح إلى المبنى الحجري الواقع على بُعد نحو 100 متر من منزله، واكتشف أن نشطاء التضامن المقيمين فيه تعرّضوا للاعتداء أيضًا، وأن أحدهم أصيب ولحقت أضرار بمركبتهم. نُقل صبيح بسيارة إسعاف إلى المستشفى في طوباس، حيث تلقى العلاج من جرح عميق في يده اليمنى تطلب أربع قُطب، ومن جروح سطحية وكدمات في ذراعه اليمنى وجرح في أذنه. بعد خروجه من المستشفى، لم يعد صبيح إلى منزله في خربة المالح. وكان قد انتقل إلى التجمّع مع زوجته بعد تهجيرهما من تجمّع الفارسية خلة خضر، حيث كانا يعيشان منذ سنوات طويلة.
الصورة
يدا محمد صبيح (74 عامًا) بعد اعتداء مستوطنين عليه داخل منزله. صورة قدمها ناشطو وناشطات الأغوار مشكورين
بعد الاعتداءات الثلاثة الأخيرة، أصبح البقاء في التجمّع بالغ الخطورة، ولا سيما في ساعات الليل، ولم يعد بإمكان السكان مواصلة الإقامة فيه. رغم ذلك، واصلوا العودة لبضع ساعات يوميًا لمحاولة إصلاح الأضرار التي تسبب بها المستوطنون.
في 6.4.26، حضر عشرات المستوطنين إلى خربة المالح وأقاموا فيها "فعالية جماهيرية" شملت صلوات وغناء وتجمّعًا بجوار المبنى الحجري وسط التجمّع. وحمل تسجيل مصوّر نشروه عن الفعالية العبارة: "بعد سنوات ظل خلالها في أيدٍ إسماعيلية، احتللنا حمّام المالح!".
في 13.4.26، بينما كان سكان وعمال ينفذون أعمال إصلاح وترميم في المدرسة ومبانٍ أخرى تضررت خلال اعتداءات سابقة للمستوطنين، حضر مستوطن مسلح ببندقية ومستوطنة إلى المكان، وهددا الموجودين وزعما أنه يُحظر عليهم التواجد هناك وأن المنطقة تابعة للمستوطنين. وبعد وقت قصير، جاء جنود وفحصوا بطاقات هوية الموجودين ثم غادروا.
بعد تسعة أيام، في 22.4.26، هدم المستوطنون المدرسة ونصبوا الأعلام وثبّتوا "نجمة داود" على المبنى الحجري، في محاولة لفرض وقائع على الأرض ومنع عودة السكان وحرمانهم من إمكانية إعادة بناء المدرسة واستعادة الحياة في التجمّعات التي عاشوا فيها عشرات السنين.
الصورة
حجارة ألقاها المستوطنون داخل منزل محمد صبيح (74 عامًا) وزوجته. من فيديو توثيقي صوّره ناشطو وناشطات الأغوار مشكورين
في يوم السبت الموافق 25.4.26، أجرى مندوبون عن بطريركية اللاتين في القدس، التي تملك الأراضي في منطقة حمّامات المالح، جولة في التجمّع. وبعد الزيارة، أصدرت البطريركية بيانًا طالبت فيه باتخاذ إجراءات بحق المسؤولين عن هدم المدرسة، وأعلنت اعتزامها اتخاذ إجراءات قانونية، من بين أسبابها نصب علم إسرائيلي على ممتلكات الكنيسة، أي مبنى الفندق العائد إلى الحقبة العثمانية.
منطقة حمّامات المالح، التي كانت تقيم فيها سابقًا عشرات العائلات، خالية اليوم من الفلسطينيين. تقع المنطقة على بُعد نحو عشرة كيلومترات شرقيّ طوباس، في الأغوار الشمالية. وكان فيها قديمًا أيضًا نُزل عثماني وطاحونة دقيق وينابيع مياه ساخنة اعتاد آلاف الفلسطينيين وعابري السبيل الاستحمام فيها، ومنها استمد المكان اسمه. بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، أقام الجيش معسكرات تدريب في المنطقة، أحدها على بُعد كيلومتر واحد فقط من حمّامات المالح، وأغلق مساحات واسعة أمام السكان المحليين. وتملك البطريركية اللاتينية أكثر من 90% من أراضي المنطقة. وقد وثّق سكان محليون ونشطاء تضامن فعاليتين جماهيريتين على الأقل أقامهما مستوطنون في خربة المالح بعد زيارة البطريركية.
مريم خليل (64 عامًا)، أم لتسعة، تحدثت إلى باحث بتسيلم الميداني عارف دراغمة في 21.4.26 عن الحياة في حمّامات المالح وعن المعاناة في ظل الاحتلال والتهجير من منزلها:
أعيش في منطقة حمّامات المالح منذ أكثر من خمسين عامًا، وقد قضيت هناك معظم حياتي. عشنا أنا وعائلتي هناك طوال تلك السنوات؛ ربّينا الأبقار والأغنام، وكانت حياتنا جيدة نسبيًا. كانت لدينا مياه ومراعٍ مفتوحة، وكان كل شيء متاحًا لنا. كانت تعيش في حمّامات المالح أكثر من عشر عائلات. كانت لدينا مدرسة، وكانت هناك مبانٍ قديمة، مثل الفندق والطاحونة، وكنا جميعًا نعيش معًا، جيرانًا، بأمان وطمأنينة. هناك أنجبت جميع أبنائي وزوّجت بعضهم.
لكن خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بدأت قوات الاحتلال والمستوطنون يمارسون علينا ضغوطًا متزايدة. أحضروا الأبقار والأغنام، وأقاموا بؤرًا استيطانية بالقرب منا، وبدأوا يلاحقوننا في جميع مناحي حياتنا. تدريجيًا، لم نعد نستطيع الخروج إلى المراعي أو حراثة الأراضي أو حتى الابتعاد بضعة أمتار عن خيامنا. كان المستوطنون يتجولون يوميًا بين الخيام، تارةً مع أبقارهم وتارةً على تراكتورات صغيرة وهم مسلحون ويعتدون على كل من يقترب من التلال التي اعتشنا منها طوال عشرات السنين.
الصورة
المبنى الحجري، الفندق العثماني القديم، صباح 22.4.26. صورة قدمها ناشطو وناشطات الأغوار مشكورين
هددونا بلا توقف وطالبونا بمغادرة المنطقة. أفرغوا خزانات المياه، وحطموا الألواح الشمسية، وسرقوا الأغنام، واعتدوا على السكان، وكانوا أحيانًا يحضرون الجيش لاعتقالنا واعتقال أبنائنا. وفي إحدى المرات، مرّوا بجانبي بينما كنت أخبز، وكان العجين على النار، فسكبوه على الأرض أمام عيني. كانت هذه إهانات يومية هدفها تهجيرنا.
خلال السنة الأخيرة، وخصوصًا في الأشهر الأخيرة، تصاعدت الاعتداءات كثيرًا، إلى أن أدركت جميع العائلات أنه لم يعد بالإمكان البقاء. كنت أبكي كل يوم تقريبًا لمجرد التفكير في أنني سأُضطر إلى مغادرة المكان الذي عشت فيه طوال حياتي، وكان أبنائي يرونني أبكي. لكننا شعرنا في النهاية أنه لا خيار أمامنا؛ كان علينا إنقاذ عائلاتنا وما تبقّى من مصدر رزقنا.
خلال الشهر الأخير، بدأنا نفكك الخيام والزرائب وكل ما بنيناه على مدار السنين. نقلت عشرات المركبات أغراضنا، إلى منطقة طوباس أولًا، وكلفنا النقل آلاف الشواكل. انتقلنا إلى تياسير ليوم واحد، لكننا انتقلنا في النهاية إلى منطقة تقع شمال قرية صير في محافظة جنين، ضمن المنطقة A وعلى بُعد نحو 15 كيلومترًا شمالي غرب حمّامات المالح، حيث نصبنا خيامًا وأقمنا زرائب جديدة.
دمّر الانتقال مصدر رزقنا أيضًا. كان لدينا أكثر من 250 رأسًا من الأغنام ولم يتبقَّ لدينا اليوم سوى نحو 100. وكان لدينا أكثر من 60 رأسًا من الأبقار اضطررنا إلى بيعها جميعًا لكي نتمكن من مواصلة العيش من الأغنام التي بقيت. في السابق، كانت المواشي ترعى في التلال القريبة، وكنا بذلك نوفر تكاليف الأعلاف. كنا نبيع الحليب والأجبان وأكثر من 35 عجلًا كل عام، وبعد تغطية المصاريف كان يتبقى لنا ما يكفي للعيش. لكن بعدما أُغلقت المراعي أمامنا، لم نعد قادرين على تحمّل تكاليف الأعلاف والمياه والأدوية اللازمة للأغنام والأبقار. اضطررنا إلى بيع كل شيء تقريبًا بأسعار منخفضة جدًا، وأحيانًا بالدَّين. وبدأ التجار يتهربون منا ويرفضون الدفع، كما ارتجعت الشيكات التي أعطونا إياها. لكن لم يكن أمامنا خيار سوى الاستمرار في البيع بهذه الطريقة. فلم يعد لدينا مكان نسكن فيه أو نرعى فيه مواشينا.
الحياة في المنطقة الجديدة صعبة جدًا أيضًا. هذه أراضٍ زراعية خاصة، ومن الطبيعي أن أصحاب الأراضي هنا لا يقبلون باقتراب الأغنام من حقولهم. نحن نتوخى الحذر، لكننا نسمع كل يوم شكاوى بأن الأغنام تأكل المحاصيل. إضافةً إلى ذلك، نتحمل هنا تكاليف هائلة للأعلاف والمياه وسائر الاحتياجات وأصبحت الحياة لا تُطاق.
كان اقتلاعنا من حمّامات المالح بمثابة نكبة لنا. نحن نعيش كل يوم نكبة جديدة. تشتتت عائلات التجمّع؛ انتقلت كل عائلة إلى منطقة أو محافظة أخرى. في الماضي، كنا نعيش معًا، جيرانًا وأقارب، أما اليوم فيكافح كل واحد منا وحيدًا في مكان آخر. كانت جميع بناتي يسكنّ بالقرب مني، أما اليوم فهن بعيدات، ولا أكاد أسمع منهن حتى كلمة "مرحبًا"عبر الهاتف. الناس منهكون وممزقون ويسألون أنفسهم ماذا يخبئ لهم المستقبل.
واصل المستوطنون ملاحقتنا حتى بعد مغادرتنا. لقد وصلوا إلى المنطقة الجديدة التي انتقلنا إليها. لا نعرف كيف وصلوا إلى هنا أيضًا، لكن من الواضح لنا أنهم يحاولون قطعنا عن مصدر رزقنا وإجبار مربي المواشي على بيع حيواناتهم وتركنا بلا شيء. ومن الواضح لنا اليوم أيضًا أن الأمر لا يتعلق بمستوطنين أفراد فحسب؛ فهم يحظون بدعم حكومة الاحتلال والجيش والشرطة. المستوطنون مسلحون ويعملون تحت حماية كاملة من سلطات الاحتلال. لقد وفّروا لهم الأبقار والأغنام والأعلاف وكل ما يلزم للاستيلاء على المنطقة وتهجيرنا منها.
اليوم، يستولي المستوطنون على منطقة حمّامات المالح ويقيمون بؤرًا استيطانية ويطردون كل فلسطيني يصل إليها. حتى المدرسة التي أُقيمت في المنطقة قبل نحو أربع أو خمس سنوات هُدمت بعد تهجير العائلات والطلاب. إنهم يريدون محو كل ما قد يشجعنا على العودة أو حتى التفكير فيها. في الماضي، ازدهرت حياتنا هناك؛ كانت هناك مياه ومراعٍ مفتوحة وشعور بالأمان. أما اليوم، فأشعر بأننا نعيش في ظلام وخوف حقيقي، ليس على قطيعنا فحسب، وإنما على أبنائنا ومصدر رزقنا ومستقبلنا أيضًا.
لا أحد يقف إلى جانبنا حقًا. يحضر أشخاص ومسؤولون وأجانب ومنظمات دولية، لكن لا شيء يتغير على أرض الواقع. يواصل المستوطنون الاعتداء علينا أمام أعين العالم والعالم لا يفعل شيئًا.
ما حدث لنا جريمة. كنا في الماضي موحّدين ونعيش معًا، أما اليوم فالجميع مشتتون ومقتلعون من أراضيهم. ليس هناك حتى بصيص أمل في أن نتمكن من العودة إلى مكاننا والعيش مجددًا في المالح. المستوطنون موجودون هناك طوال الوقت، وكل من يقترب من المنطقة يكون في خطر.
رغم ذلك، ما زلنا متمسكين بالأمل. بعون الله، ستعود الحياة لتبتسم لنا وسيزول كل هذا الظلام.