خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ 7 تشرين الأول 2023، طرأ ارتفاع حاد في عدد أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ضد فلسطينيين، وكذلك في درجة حدّتها وخطورتها. التقارير المنشورة في هذه المُدوَّنَة لا تعكس جميع أحداث عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وإنما فقط تلك التي يتمكّن باحثو بتسيلم الميدانيون من استقصائها وتوثيقها.
محمود حمّاد في المستشفى، يعرض الكدمات على جسمه. تصوير: محمد رمّانة، بتسيلم، 31.12.24
في ساعات الصّباح من يوم السّبت المُوافق 28.12.24، جاء مستوطنان ملثّمان ومسلّحان بالهراوات، ومعهُم كلب، إلى قطعة أرض يملكها أحد سكّان سلواد. في ذلك الوقت كان المُزارع محمود حمّاد (69 عاماً)، من سكّان سلواد، يحرث الأرض بواسطة محراث يجرّه بغل. اقترب المُستوطنون من الحرّاث وأخذوا يشتمونه ويصرُخون عليه قائلين "هذه الأرض أرض آبائنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب!". أجابهم حمّاد أنّه موجود هناك بحُكم عمله، وعندئذٍ انهال عليه المُستوطنان ضرباً بالهراوات على رأسه وأجزاء أخرى من جسمه. استمرّ الضرب طوال دقائق ربض المستوطنان خلالها على جسد حمّاد وهُما مستمرّان في ضربه. في مرحلة معيّنة نهض عنه أحد المُستوطنَين وفكّ البغل عن المحراث، ثمّ ساق البغل، وبهيمة أخرى جلبها حمّاد معه، جنوباً في اتّجاه مستوطنة "عوفرا"، التي تبعد عن المكان مسافة كيلو متر ونصف الكيلومتر. نهض المُستوطن الثاني هو أيضاً ولحق بالأوّل.
اتّصل حمّاد فوراً بأبنائه وأخذ يسير وراء المستوطنَين فيما هُو وهُم يتراشقون بالحجارة. عندما وصل أبناؤه ومعهُم آخرون من أقارب العائلة جاء على "تراكتورون" مستوطنان ملثّمان ومسلّحان وأخذا يهدّدان حمّاد وأبناء عائلته ويأمرانهم بمُغادرة المكان، فأخذ هؤلاء البغل والبهيمة الأخرى وغادروا المكان.
أخلي حمّاد إلى عيادة في سلواد لإجراء فحوصات، وهناك تقرّر إبقاؤه قيد المراقبة الطبّية مدّة يومين بعد أن تبيّن أنّ لديه كسرًا في الإصبع وشرخًا في إحدى أضلاعه وكدمات في رأسه وأجزاء أخرى من جسمه.
محمود حمّاد (69 عاماً)، أب لـ12، من سكّان سلواد، أدلى بإفادة أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رمّانة في في 31.12.24 فقال:
أنا أعمل في الزراعة، وعندي بغل ومحراث حديديّ. في يوم السّبت المُوافق 28.12.24، خرجت من منزلي بعد صلاة الفجر لكي أحرث أرضاً تقع بين بلدة سلواد وقرية دير جرير الواقعة شرقيّ سلواد.
وصلت إلى المنطقة مع المحراث والبغل وبهيمة أخرى أستعين بها في العمل. بعد مضيّ ساعة تقريباً، نحو السّاعة 7:30، جاء مستوطنان شابّان، في سنّ لا تتجاوز الـ25 عامًا، وكانا مسلّحين بهراوات خشبيّة وملثّمين - كلّ منهُما يغطّي وجهه بقميصه. هبط الاثنان ركضاً في اتّجاهي من الناحية الغربيّة للأرض، تسلّقا جداراً من الحديد ارتفاعه نحو متر ونصف المتر تقريباً، وقفزا عنه. عندما اقتربا منّي كانا يشتمانني بعبارات عنصريّة ضدّ العرب، وكذلك قالا لي "هذه الأرض أرض آبائنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب!".
قلت لهُما، بالعربيّة، "أنا فقط عامل في الأرض". فوراً ودون أيّة مقدّمات، انهال الاثنان ضرباً بالهراوات على رأسي وكلّ أنحاء جسمي. كانت الضربات قويّة فوقعت على الأرض وتألّمت كثيراً من الضربة الأولى، التي أصابت رأسي. بعد ذلك واصل المُستوطنان ضربي في كلّ أنحاء جسمي. لم أستطع أن أفعل شيئاً سوى أن أحمي رأسي ووجهي بيديّ. ظلّ الاثنان يضربانني طوال دقائق، وكنت أشعر بأنّني لا أستطيع التنفّس بتاتاً. خفت أن يقتلاني وأنا هناك لا أحد يعلم بي، لأنّني كنت في مكان ناءٍ ومعزول. ربض المستوطنان فوقي وواصلا ضربي بالهراوات، وأنا لا أقدر على الإتيان بأيّة حركة. بعد ذلك نهض أحدهما وتقدّم نحو البغل والبهيمة الثانية، اللّذين كانا على بُعد نحو عشرة أمتار عنّي. ظلّ المُستوطن الثاني رابضاً فوقي وأنا لا أقدر أن أتحرّك. شاهدت المُستوطن الأوّل يفكّ البغل من المحراث ويسوقه مُبتعداً مع البهيمة الثانية. عندئذٍ نهض المُستوطن الثاني عنّي وذهب في أعقاب المُستوطن الذي سرق البهيمتين.
نهضت فوراً وهاتفت أبنائي أطلب منهُم أن يأتوا لمُساعدتي، ثمّ لحقت بالمُستوطنين اللّذين راحا يسوقان البهيمتين جنوباً، في تّجاه مُستوطنة "عوفرا"، التي تقع على بُعد نحو كيلومتر ونصف الكيلومتر من المكان.
عندما كنت ألاحق المُستوطنين تراشقنا بالحجارة، عن مسافات مختلفة. كان معهُما كلب، أبقوه خارج الأرض عندما دخلا. حاول الكلب مُهاجمتي أثناء ذلك، لكنّني رشقته بحجر فهرب. واصلت السّير خلفهُما إلى أن وصل أبنائي وأقارب آخرون. كانت السّاعة 8:00 تقريباً. فجأة جاء من ناحية مُستوطنة "عوفرا" مُستوطنان آخران، أحدهما على "تراكتورون" والثاني يقود مركبة رُباعيّة الدّفع؛ وكان كلاهُما ملثّمين ومُسلّحين بسلاح ناريّ. فورَ وصولهما إلينا صوّب الاثنان السّلاح نحونا وهُما يشتُماننا ويأمُراننا بأن نغادر. في تلك الأثناء ابتعد المُستوطنان اللّذان هاجماني من قبل، ثمّ عثرنا على البهيمتين مربوطتين فأخذناهُما وعُدنا إلى سلواد.
كنت أحسّ بآلام شديدة في كلّ أنحاء جسمي. أجلسني أبنائي على إحدى البهيمتين، لأنّني تصعّبت في المشي، وأخذوني إلى عيادة في سلواد. هناك تبيّن في الفحوصات كسر في الإصبع الوُسطى في يدي اليمنى وشرخ في إحدى الأضلاع. كانت لديّ أيضاً كدمات في الرأس والبطن والظهر والرّجلين. وما زلت أرقد هُنا للمراقبة الطبية.