في يوم الثلاثاء الموافق 30.8.22 نحو السّاعة 17:00، كان ثلاثة مستوطنين شبّان يقودون سيّارتهم داخل قرية كيسان في محافظة بيت لحم. كانوا يقودونها بسُرعة كبيرة بين المنازل، حتى أنّهم دهسوا تَيْساً يعود لأحد أهالي القرية. بعد ذلك حاول المستوطنون الفرار لكن اعترضت طريقهم سيّارة محمّلة ممّا اضطرّهم لإبطاء السّرعة. عندئذٍ رشقهم بعض الفتية والأولاد بالحجارة وحطّموا زجاج السيّارة فاستدار المستوطنون وغادروا القرية.
بعد نحو رُبع ساعة عاد المستوطنون الثلاثة مع نحو 15 مستوطناً آخر ونحو عشرة جنود. أخذ المستوطنون يرشقون منازل الأهالي بالحجارة أمام أنظار الجنود الذين رفضوا التدخّل رغم مطالبات الأهالي. حين رشق شبّان من القرية حجارة نحو المستوطنين في محاولة لإبعادهم، أشهر أحد المستوطنين مسدّساً وأطلق رصاصة نحو الأهالي بينما أطلق الجنود بدورهم وابلاً كثيفاً من الغاز المسيل للدّموع نحو منازل الأهالي. أصيب بعض الأهالي بالاختناق وتلقّوا إسعافاً أولياً من مُسعفين فلسطينيّين كانوا قد حضروا إلى المكان. نحو السّاعة 19:00 غادر المستوطنون ومعظم الجنود المكان.
اقتحام المستوطنين لقرية كيسان ليس أمراً نادر الحُدوث، بل إنّ الأهالي قد اعتادوا على تحرّشاتهم ومضايقاتهم اليوميّة وخاصّة الأهالي الذين يعملون في المراعي. الهجمات العنيفة ضدّ أهالي القرية، كما في الحادثة هنا، تحدث بوتيرة أقلّ لكن بكونها جزءاً من السّياسة الإسرائيليّة المطبّقة في أنحاء الضفّة الغربيّة فهي تحدث في كيسان أيضاً، بطبيعة الحال. هذه السّياسة هي التي تفسّر وُجود الجنود في هذه الحادثة ورفضهم التدخّل لحماية الأهالي الفلسطينيّين وتدخّلهم فقط بعد أن بدأ الفلسطينيّون برشق الحجارة.
أدلى عدد من أهالي كيسان الذين تضرّروا جرّاء الحادثة بإفادات أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري، وذلك في 1.9.22.
في إفادته حدّث صالح العبيّات (59 عاماً وأب لثمانية) بما يلي:
أملك 250 رأس غنم نعتاش منها أنا وأسرتي. في 30.8.22 نحو السّاعة 17:00، كنت جالساً قرب منزلي. مرّت سيّارة فيها ثلاثة مستوطنين شبّان وكانت تسير بسُرعة جُنونيّة في الشارع المجاور. دهسوا تيساً يعود لجارنا عدنان العبيّات، قرب منزله. حاول المستوطنون الفرار لكنّ سيّارة تحمّل بالات قشّ كانت تسير أمامهم، ممّا اضطرّهم لإبطاء السّرعة. بعض الأولاد والفتية من قريتنا رشقوهم بالحجارة وحطّموا زجاج النوافذ.
استدار المستوطنون ولاذوا بالفرار. بعد مضيّ رُبع ساعة تقريباً عادوا ومعهم أكثر من 15 مستوطناً ومركبتا "جيب" عسكريّتان ترجّل منهما نحو عشرة جنود. أخذ المستوطنون يرشقون منازل القرية بالحجارة أمام أنظار الجنود وإزاء ذلك طالب عدد من الأهالي الجنود بأن يُبعدوا المستوطنين، لكنّ الجنود تجاهلوهم. عندئذٍ أخذ بعض الأولاد والشبّان يرشقون الحجارة بهدف إبعاد المستوطنين. أشهر أحد المستوطنين مسدّسه وأطلق رصاصة نحوهم وأخذ الجنود يُطلقون العشرات من قنابل الغاز المسيل للدّموع نحو منازل القرية. سمعت صُراخ نساء وأطفال في كلّ أنحاء القرية. قبل أن أتمكّن من الفرار لحماية نفسي سقطت قربي بضع قنابل غاز، أظنّها كانت أربعة. لفّني الغاز من كلّ ناحية فوقعت أرضاً وأغمي عليّ. حين استفقت، بعد دقائق عدّة ربّما، رأيت نفسي بعيداً عن المنزل وبقربي سيّارة إسعاف فلسطينيّة. قدّم لي طاقمها الإسعاف الأوّليّ حيث وضعوا على وجهي قناع أكسجين. جرى هذا كلّه والجنود يواصلون إطلاق قنابل الغاز.
نحو السّاعة 19:00 جاءت مركبة تابعة للإدارة المدنيّة وترجّل منها ضابط، هو قائد المنطقة على ما أعتقد. راح الضّابط يصرخ على الأهالي الذين كانوا يرشقون الحجارة نحو المستوطنين وعندئذٍ غادر الجنود والمستوطنون المكان. طواقم الهلال الأحمر قدّمت الإسعاف الأوّليّ للأهالي الذين اختنقوا جرّاء استنشاق الغاز. أنا ما زلت أعاني حتى الآن من ضيق تنفّس وحرقة في العينين. الحمد لله أنّ أحفادي لم يُصابوا بأذىً. نقلتهم كنّتي إلى الطابق العُلويّ من البناية وأغلقت النوافذ والأبواب، لذلك لم يتضرّروا.
وفي إفادته حدّث عدنان العبيّات (33 عاماً وأب لثلاثة) بما يلي:
في يوم الثلاثاء الموافق 30.8.22 نحو السّاعة 17:00، كنت جالساً مع أسرتي قرب منزلنا. شاهدت سيّارة عليها لوحة ترخيص إسرائيليّة تسير بسُرعة كبيرة في الشارع، في داخل بلدتنا، وكان في داخلها ثلاثة مستوطنين شبّان. فرّ من وجه السيّارة ثلاثة أطفال كانوا يلعبون في الشارع، ثمّ دهست السيّارة تيساً لنا كان يرعى في جوار منزلنا، على مقربة من الشارع. بعد ذلك حاول المستوطنون الفرار لكنّ سيّارة محمّلة بالقشّ كانت تسير أمامهم فكانوا مُجبرين على الإبطاء. عندئذٍ هاجم شبّان وأولاد من القرية سيّارتهم بالحجارة وحطّموا زجاج نوافذها. في مرحلة ما تمكّن المستوطنون من الفرار.
بعد مضيّ نحو رُبع ساعة عادوا مع عدد آخر من المستوطنين ومركبتي "جيب" عسكريّتين. أخذوا يرشقون الحجارة نحو منازل الأهالي بينما لم يحاول الجنود بتاتاً منعهم من ذلك. شباب البلدة بدورهم رشقوهم بالحجارة فأشهر أحد المستوطنين مسدّسه وأطلق رصاصة نحوهم. عندئذٍ أخذ الجنود أيضاً يُطلقون كميّات كبيرة من قنابل الغاز نحو المنازل. كانت القنابل تسقط في ساحات البيوت ممّا تسبّب باختناق عدد كبير من الأهالي، بضمنهم مسنّون وأطفال ومرضى. زوجتي صباح (32 عاماً) أيضاً أصيبت بالاختناق، وكذلك أولادنا الصّغار. حاولت أن أهدّئ من روعهم وأطمئنهم، أردت أن آخذهم إلى داخل المنزل وأسعفهم هناك، ولكن قبل أن أتمكّن من ذلك أصابت قنبلة غاز ابني أيهم (7 سنوات) في وجهه، في خدّه الأيسر.
بينما كنت أحاول مساعدته، شاهدت جاري صالح العبيّات (59 عاماً) يختنق بالغاز ويقع أرضاً. تركت ابني أيهم مع زوجتي وركضت نحوه. أثناء ركضي أصابتني أنا أيضاً قنبلة غاز في رجلي اليسرى. في هذه الأثناء جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان وقام المُسعفون بإسعافنا جميعاً وضمّدوا رجلي أيضاً.
نحو السّاعة 19:00 جاء ضابط في سيّارة تابعة للإدارة المدنيّة وفقط عندئذٍ توقّف الجنود عن إطلاق قنابل الغاز بينما غادر المستوطنون المكان. اتّهمنا الضابط بأنّنا هاجمنا المستوطنين وحطّمنا سيّارتهم. صرخ علينا ثمّ غادر مع بقيّة الجنود، ما عدا ستّة مكثوا على مقربة من المكان.
أدناه بعض ما جاء في إفادة سماهر العبيّات (41 عاماً وأمّ لثمانية):
نحو السّاعة 17:30، بينما كنت جالسة مع أسرتي في ساحة المنزل، سمعت صُراخاً يتعالى في البلدة. شاهدنا المستوطنين يهاجمون الأهالي. بدأت قنابل الغاز تتساقط في السّاحة قبل أن أتمكّن من إدخال أولادي إلى المنزل وقبل أن يتمكّن زوجي من إدخال الأغنام إلى الزريبة. بدأ أولادي الصّغار - علي (4 سنوات) وأحمد (6 سنوات) وأزهار (7 سنوات) وجواهر (9 سنوات) - يبكون ويصرخون. أصابت إحدى قنابل الغاز غنمة لنا في رجلها مباشرة. أحسّ أولادي باختناق وحرقة في الأعيُن. كانوا يصرخون ويتلوّون من الألم. ابني أحمد يعاني من مرض في الكبد ولذلك كان أهمّ شيء عندي إبعاده عن السّاحة التي كانت القنابل تسقط فيها مولّدة سُحباً كثيفة من الغاز في كلّ زاوية. زوجي أيضاً اختنق حين كان يحاول جمع الأغنام وإدخالها إلى الزريبة.
بعد أن أدخلت أطفالي إلى المنزل حاولت أن أهدّئ من روعهم. استخدمت البصل لكي أخفف من آثار الغاز. بعد ذلك جاء طاقم مسعفين فلسطينيّين إلى القرية وقدّموا لنا الإسعاف الأوّلي، لزوجي ولطفليّ الصغيرين ولي. استمرّ إطلاق قنابل الغاز حتى السّاعة 19:00 تقريباً. في تلك اللّيلة لم يستطع أطفالي النوم بسبب الآلام والحرقة في أعينهم، وخاصّة أحمد الذي أصيب بأوجاع في البطن. أنا أيضاً ما زلت أعاني من آلام وحرقة في العينين وتشوّش في الرّؤية.