شرقيّ القدس

حرصًا على التفوّق اليهوديّ: بلديّة القدس تهدم حيًّا بأكمله وتشرّد 500 شخصًا

13 حزيران/يونيو 2019، حُدّث في 17 حزيران/يونيو 2019

الصورة
حيّ وادي ياصول, سلوان. تصوير: عامر عاروري، بتسيلم، 11.6.19

يقع حيّ وادي ياصول بين حيّ أبو طور وحيّ سلوان محاذيًا لـ"غابة السّلام". يقيم في الحيّ اليوم ما يقارب ال 500 شخصًا وفقًا لمعطيات OCHA (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة في هيئة الأمم المتحدة). أصدرت البلديّة أوامر هدم لجميع منازل الحيّ وأصبح جميع سكّانه الآن مهدّدون بالطّرد. في نهاية نيسان كانت البلديّة قد نفّذت اثنين من أوامر الهدم وطردت أسرتين.

أقام السكّان الحيّ في بداية التسعينيّات على أرض بملكيّة فلسطينيّة خاصّة. في محاذاة الحيّ تقع غابة كانت أيضًا أملاكًا فلسطينيّة خاصّة صودرت من أصحابها في عام 1970. في عام 1977 صنّفت بلديّة القدس أراضي الغابة والأراضي التي أقيم عليها لاحقًا حيّ واصول "مساحات خضراء" يُمنع البناء فيها.

في عام 2004 نظّم سكّان الحيّ أنفسهم وقدّموا إلى لجنة التخطيط والبناء اللّوائيّة خريطة هيكليّة مفصّلة بهدف تسوية وضع المنازل لكنّ في العام 2008 رفضت اللّجنة المصادقة على الخريطة بحجّة أنّها تخالف تعليمات مخطّط "القدس 2000" التي حدّد أنّ الأرض التي أقيم عليها الحيّ مصنّفة "مساحة خضراء".

من جهة أخرى صادقت البلديّة وصندوق إسرائيل ("الكيرن كييمت") المسؤولان عن إدارة الغابة على خطّة قدّمتها جمعيّة "إلعاد" الاستيطانيّة تتضمّن تطوير مخطّطات لإقامة منشآت تخييم تستقبل جماعات للمبيت بما في ذلك منشأة "أوميغا" لرياضة التزحلق على الحبال (Zip Line) تعدّ الأطول من نوعها في البلاد. تمّت إقامة جزء من هذه المنشآت في الغابة دون استصدار رخص بناء وقد أصدرت البلديّة أوامر هدم بحقّها لكنّها تتجنّب تنفيذ هذه الأوامر.

الصورة
شارع في وادي ياصول. من اليسار الخيمة التي أقيمت على أنقاض منزل عائلة برقان. تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 19.5.19

أمّا أصحاب المنازل في وادي ياصول فقد قدّمت الدولة ضدّهم جميعًا خلال العقد الأخير لوائح اتّهام لدى محكمة الشؤون المحلّية التي أصدرت بدورها أوامر هدم لجميع المنازل وفرضت على كلّ أسرة غرامات بلغت عشرات آلاف الشواقل. قدّمت ثلاثة من الأسر استئنافًا على هذه القرارات لدى المحكمة المركزيّة لكنّ المحكمة ردّت هذه الاستئنافات في شهر نيسان بحجّة أنّه "لا يوجد أفق تخطيطيّ واضح وقريب" يتيح المصادقة على خريطة جديدة تتمّ من خلالها تسوية أوضاع منازل المعترضين أو بقيّة منازل الحيّ. إضافة إلى ذلك ردّت محكمة العليا استئنافًا رُفع أمامها. وهناك 47 أسرة أخرى قدّمت لدى المحكمة المركزيّة في نهاية شهر نيسان طلبًا لإصدار أمر مؤقت لوقف إجراءات تنفيذ الهدم وبعد لم تصدر المحكمة قرارًا في هذا الشأن. نتيجة لذلك لا تزال جميع منازل الحيّ مهدّدة بالهدم في أيّة لحظة.

منذ عام 1967 وحتى يومنا هذا تسعى سياسة التخطيط في القدس إلى تثبيت التفوّق الديمغرافيّ اليهوديّ في المدينة وتكاد لا تتيح أيّ بناء مرخّص في الأحياء الفلسطينيّة. الخرائط الهيكليّة التي أعدّتها البلديّة لهذه الأحياء هدفها الأساسيّ تقييد وتقليص إمكانيّات البناء بوسائل مختلفة منها تصنيف أراضٍ شاسعة كـ"مساحات خضراء" لكي تمنع الفلسطينيّين من البناء فيها. أزمة السّكن الخانقة أجبرت السكّان على البناء بدون ترخيص. في بداية الألفيّة الحاليّة قدّرت البلديّة عدد المنازل التي بُنيت بدون ترخيص في شرقيّ المدينة بـ20,000. وُضع هذا التقدير قبل عزل كفر عقب ومخيّم شعفاط للّاجئين عن المدينة بواسطة جدار الفصل علمًا أنّه منذ ذلك الحين أقيمت هناك أبراج سكنيّة كثيرة.

هذه السياسة المعلنة والمطبّقة منذ أكثر من خمسين عامًا تجاهلها القضاة الذين تداولوا استئنافات سكّان الحيّ ضدّ أوامر الهدم التي صدرت بحقّ منازلهم. على غرار ما يجري عادة في المحاكم الإسرائيليّة ارتأى هؤلاء القضاة التركيز فقط على السؤال: هل لدى مقدّمي الاستئناف ترخيص بناء أم لا. من هنا جاء في قرار قاضية المحكمة المركزيّة حنة مريم لومف أنّ السكّان "ليس لهم أن يلوموا سوى أنفسهم" لأنّهم هم اختاروا البناء بدون ترخيص ولم ينتظروا إلى حين تغيير الوضع التخطيطيّ. وحين قدّم السكّان ادعاءات تتعلّق بالتمييز ضدّهم في مجال التخطيط وامتناع بلديّة القدس عن السعي في إعداد خرائط تنظّم البناء هناك رفض القاضي يوسف إلرون أخذ هذه الحجج بعين الاعتبار قائلًا أنّه "من غير المناسب تداولها في إطار الإجراء الجنائيّ".

في 30.4.19 هدمت بلديّة القدس منزلين ومخزنين في حيّ وادي ياصول وشرّدت بذلك 11 شخصًا من بينهم سبعة قاصرين.

أنس برقان البالغ من العمر 31 عامًا وهوعامل بناء ومتزوّج وأب لأربعة أولاد تتراوح أعمارهم بين 1-9 سنوات من أوائل من قدموا للسّكن في وادي ياصول وقد هدمت البلديّة منزله في 30.4.19 وأثناء تنفيذ الهدم أطلق عناصر الشرطة عليه عيارًا "إسفنجيا" لم يخترق جسده واعتدوا عليه بالضرب ثمّ اعتقلوه. في 8.5.19 سجّل باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري إفادة أنس الذي قال:

الصورة
أنس برقان. تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 5.6.19

أصل عائلتنا من البلدة القديمة. كان والدي قد اشترى أرضًا مساحتها نحو 2.5 دونم في وادي ياصول وفي 1992 بنى عليها منزلًا - غرفتان ومطبخ ومنافع مسقوفة بألواح الزّنك. كانت هواية والدي تربية النحل ولذلك أراد الانتقال إلى وادي ياصول. لقد سئم اكتظاظ المدينة وجوّها الخانق. أراد أن يتنفّس الهواء الطلق أن يتمتّع بالطبيعة الخضراء وتغريد العصافير. في 1996 أقام شقيقي قصيّ منزلًا آخر قرب المنزل الذي بناه والدي.

لم تكن في هذه المنطقة منازل في التسعينيّات وكان الناس يضحكون علينا لأنّنا اخترنا السّكن في مكان معزول لا يوجد فيه ماء ولا كهرباء. لكنّ والدي الذي كان يعمل في البلدية عامل تنظيف شوارع تمكّن بفضل علاقاته أن يربط المنزل بالماء والكهرباء. لقد طمأنه موظّفون في البلديّة أنّ المنازل هناك لا تضرّ ولا تهدّد أيًّا من المشاريع البلديّة.

بعد عام 1997 أخذ يأتي مزيد من الناس للسّكن في الحيّ. ومنذ عام 1998 بدأنا السعي لإعداد خريطة هيكليّة للحيّ لكي نتمكّن من ربط جميع المنازل بشبكات المياه والكهرباء والهاتف لكنّ البلديّة رفضت التعاون معنا ولم تقبل أيًّا من المقترحات بحجّة أنّ المنطقة معدّة لتكون "مساحات خضراء".

في العام 2009 عندما تزوّجت بقيت في هذا المنزل مع زوجتي وانتقل والداي وإخوتي وأخواتي للسّكن في حيّ أبو طور.

في عام 2013 تلقّينا أوامر هدم أنا وقصي وجميع أصحاب المنازل في الحيّ. أحد موظّفي البلديّة دعاني وأخي إلى لقاء معه وفي اللّقاء قال لنا: "كلّ حدث أمنيّ يخصّ أحدًا من سكّان الحيّ يؤدّي إلى تسريع الهدم في الحيّ". استأجرنا محاميًا وتمكّن من تأجيل تنفيذ الهدم طيلة سنتين. في عام 2015 تلقّينا تبليغًا بغرامات - غرامة عليّ بمبلغ 50 ألف شيكل وغرامة على أخي بمبلغ 55 ألف شيكل وما زلنا ندفعها بالتقسيط - 500 شيكل كلّ شهر.

في نهاية عام 2018 أبلغنا المحامي أنّ الأمور مع البلديّة وصلت إلى طريق مسدود. في آذار 2019 ردّت المحكمة المركزيّة استئنافي واستئناف أخي على أمري الهدم وفي 17.4.19 هدمت البلديّة مخزنين وبرّاكيّات لجيراننا ولكن لم تهدم المنازل نفسها. عندها أدركنا أنا وأخي أنّ ساعة الصّفر قد حانت وأنّه يوشك اليوم الذي سيهدمون فيه منزلينا. خيّم القلق والخوف على أسرتينا طار النوم من عيوننا وصرنا نأكل اللّقمة فلا نستطعمها. كنّا في حالة من اليأس وفقدان الأمل.

قبل عيد الفصح بيوم واحد جاءت سيّارة شرطة وسلّم عناصر الشرطة أوامر هدم لزوجتي ولزوجة أخي. قال المحامي أنّهم لن ينفّذوا الهدم خلال عيد الفصح والأمل بالله ألّا يهدموا خلال شهر رمضان المقترب. أخذنا أنا وأخي نتناوب في الحراسة لأنّنا توقّعنا قدوم الجرّافات في أيّ وقت.

الصورة
تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 30.4.19

أنا وزوجتي جمعنا أغراضنا وملابسنا في أكياس نايلون استعدادًا لوصول الجرّافات وأخذنا نبحث عن منزل لكي نستأجره. أصابتنا الدّهشة إزاء غلاء أسعار الإيجار خارج سلوان وأبو طور. فقط في بيت حنينا وشعفاط أو بيت صفاف يمكن العثور على منزل ملائم لأسرتي - منزل بمساحة كافية وبنية تحتيّة معقولة وآمن للأطفال بحيث لا يقع على الشارع الرّئيسيّ. لكن بدل الإيجار الشهري في هذه الأحياء ألْف دولار. أمّا سلوان وأبو طور فلا يوجد فيها منازل واسعة وآمنة للأطفال. وحتى لو عثرت على منزل ملائم في سلوان، يمكن ألّا يوافق صاحب المنزل على تأجيره لنا لأنّه يوجد لدينا أربعة أطفال، والناس لا يريدون الضجيج.

بعد انقضاء عيد الفصح كنّا في توتّر شديد. في 30.4.19 قمت بالحراسة حتى السّاعة 4:00 ثمّ ذهبت لأنام. بعد مضيّ ساعتين أيقظني أخي مهدي قائلًا أنّ هناك حركة لقوّات من الشرطة في الحيّ وأنّه يسمع ضجيج جرّافة. فورًا توجّهت لإيقاظ زوجتي وأولادي الذين نهضوا من نومهم مشدوهين وأجهشوا بالبكاء حين قلت لهم أنّ البلديّة قادمة لهدم منزلنا.

أخذنا أنا وأخي في تفريغ منزلينا من محتوياتهما واتّصلنا بأقاربنا وأصدقائنا لكي يأتوا ويساعدونا في إخراج الأثاث. حين كنت في غرفة النوم عاكفًا على تفكيك الأثاث بواسطة مفكّ دخل ضابط شرطة من القوّات الخاصّة وقال لنا: "صباح الخير. نحن سنقوم بهدم المنزل". قلت له: " هذا صباح الخِراء لا صباح الخير! " وعدت لأكمل عملي وظهري إلى الضابط. في تلك اللحظة سمعت صليلًا يشبه صوت إطلاق رصاص وأحسست بجسم صلب يصيبني في خاصرتي اليسرى. أعتقد أنّ ذلك الضابط أو الشرطيّ الذي كان معه أطلق الرصاص عليّ (رصاص إسفنجيّ).

وقعت أرضًا وأنا أتلوّى من الألم وفيما كنت ملقًى على الأرض هاجمني عناصر شرطة مسلّحون. جرّوني إلى خارج المنزل وأخذوا يضربونني بأعقاب بنادقهم في كلّ أنحاء جسمي أمام زوجتي وأولادي وجميع أقاربي وأصدقائي. أحسست بضربة قويّة فوق عيني اليمنى. استمرّ الضرب نحو خمس دقائق. كانوا يدوسون رأسي بأقدامهم بقوّة ويركلون مؤخّرتي بعنف شديد.

سمعت عناصر الشرطة يتساءلون فيما بينهم: "هل نأخذه إلى سيّارة الاعتقال، أم نُبقيه هنا لكي يشاهد بعينيه منزله وهو يُهدَم؟". في نهاية الأمر اقتادوني ويداي مكبّلتان إلى الوراء بأصفاد بلاستيكيّة إلى محطّة شرطة عوز في جبل المكبّر. كنت قلقًا على زوجتي وأولادي. قلت لنفسي أنّ هدم المنزل كان متوقّعًا أمّا الضرب والإهانة أمام العائلة جميعها فهذا ما لم أتوقّعه. حاولت أن أتمالك نفسي وأبقى هادئًا لكي يخلوا سبيلي وأعود إلى أسرتي. اتّهمني محقّق بمحاولة الاعتداء على شرطي بواسطة أداة حادّة "مفكّ". قلت له: "كنت أستخدم المفكّ في تفكيك أثاث غرفة النوم. الشرطي هو الذي اقتحم منزلي وأطلق عليّ رصاصة إسفنج". بعد التحقيق نقلوني إلى المعتقل في المسكوبيّة.

عرّفوني على شخص لم أعرف هل هو ممرّض أم طبيب. لم يفعل شيئًا سوى أنّه صوّر آثار الضرب على جسدي وناولني حبّة "أكامول". بعد ذلك نقلوني إلى غرفة الاعتقال. كنت منشغلًا بأوجاعي والتفكير بزوجتي وأولادي: أين هم الآن، وأين سيقضون ليلتهم الأولى خارج المنزل.انتابتني كآبة عميقة ولذلك لم أتناول الطعام وشربت الماء فقط.

في اليوم التالي، أخذوني في ساعات الفجر من غرفة الاعتقال إلى محكمة الصّلح. طلبت النيابة تمديد اعتقالي لخمسة أيّام أخرى لكنّ القاضي قرّر التمديد فقط حتى يوم الجمعة. أعادوني إلى المسكوبيّة وأنا حزين وبائس. طلبت مقابلة طبيب فأخذوني مجدّدًا إلى الغرفة التي كان فيها الشخص نفسه - الذي لم أعرف هل هو طبيب أم ممرّض. ناولني حبّة أكامول وعند ذاك أغمي عليّ ووقعت على الأرض - لأنّني لم آكل شيئًا منذ لحظة اعتقالي. حين أفقت كنت في الغرفة نفسها وجسمي موصول بأنبوب "إينفوزيا". في اليوم التالي وعند السّاعة 19:15 اقتادوني إلى المحكمة. رأيت هناك ابنتي بتول. حين ركضت بتول نحوي صرخ القاضي: "كيف تسمحون لطفلة بالدخول ورؤية والدها مكبّلة يداه ورجلاه بالأصفاد؟!". قلت له: "لقد رأتهم يضربونني ويهدمون المنزل. لن يجرحها أن تراني هنا على هذه الحال".

في 2.5.19 ردّ قاضي محكمة الصّلح إليعيزر بيالين طلب الشرطة تمديد اعتقال أنس برقان لخمسة أيّام أخرى وإبعاده إلى عناتا لمدّة أسبوعين وأصدر قراره بإخلاء سبيله بكفالة وإبقائه رهن الحبس المنزليّ حتّى 6.5.19 في منزل شقيقه مهدي في أبو طور. جرّاء هدم منزل عائلة أنس تحطّم أيضًا جميع الأثاث الذي تملكه العائلة. استأجرت أسرتا أنس وقصي منزلين في حيّ أبو طور.

الصورة
صهيب برقان غداة الحادثة ومن خلفه الأنقاض. تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 1.5.19

أثناء اعتداء عناصر الشرطة على أنس تواجد في المنزل شقيقه صهيب برقان البالغ من العمر 20 عامًا الذي أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني عامر عاروري في 8.5.19 قائلًا:

في ليلة الهدم كنت أنا أيضًا في منزل أنس وساعدته في إخراج محتويات المنزل. حين كان أنس يفكّك الأثاث في غرفة النوم بواسطة مفكّ دخل شرطيّان بزيّ أسود. قال لنا أحدهما "صباح الخير"، ثمّ قال أنّهم سيهدمون المنزل اليوم. ردّ عليه أنس: "هذا صباح الخِراء لا صباح الخير"، ثمّ استدار ليكمل تفكيك الأثاث وظهره إلى الشرطيّين. عندها وبينما سحبت أغراضًا إلى خارج الغرفة رأيت أحد عناصر القوّات الخاصّة يطلق رصاصة إسفنج واحدة على أنس من مسافة قريبة وحتى دون أن يقترب أنس منه. سمعت أنس يصرخ قائلًا" "لقد طخّوني!".

بعد ذلك اقتحم المنزل عشرات من عناصر القوّات الخاصّة وانقضّوا على أنس ضربًا وركلًا. كانوا يضربونه أيضًا بأغقاب بنادقهم. بعد ذلك اقتادوا أنس إلى خارج المنزل. لقد طردوني وطردوا بقيّة من تواجدوا إلى ساحة المنزل، وكلّ من رفض الخروج تعرّض للضرب. عندما رفعت يدي اليسرى محاولًا حماية رأسي ضربوها بعقب بندقيّة.

شاهدت أيضًا أنس يتعرّض للضرب وشابّين آخرين يُضربان ودمهما ينزف. طرد الشرطة الجميع إلى خارج محيط المنزل لكي تتيح للجرّافة الدخول وهدمه. في هذه المرحلة وصلت سيّارة إسعاف أخلتني إلى مستشفى المقاصد حيث عالجوا يدي وضمّدوها. بعد ذلك عدنا إلى الحيّ وكانت الجرّافات قد غادرت.

الصورة
تصوير عامر عاروري، بتسيلم، 30.4.19

مواد مقترحة

حيّ بطن الهوى. تصوير: عمري عيران فاردي، أكتيفستيلز، 4.1.25

شرقيّ القدس

التطهير العرقي في شرقي القدس يجري الآن – قوات إسرائيلية كبيرة دخلت هذا الصباح إلى حي سلوان وتقوم، في هذه اللحظات، بإخلاء 11 عائلة فلسطينية من منازلها

تحت غطاء الهجوم الإسرائيلي- الأمريكي على إيران، تقوم إسرائيل بتوسيع ممارسات التطهير العرقي في شرقي القدس وتلقي بالعائلات الفلسطينية إلى الشارع.وتفيد تقارير أولية من الميدان بأنّ: قوات الشرطة قامت بإغلاق الحي بالكامل وتمنع الناس، وكذلك الصحفيون، من الدخول إليه. وثمة تقارير أولية عن اعتقالات عنيفة لعدد من أبناء العائلات. وفي هذه اللحظات تحديدًا، يقوم مستوطنون، جُلبوا خصيصًا لتنفيذ الإخلاء، بإلقاء ممتلكات العائلات من النوافذ.عملية إخلاء 11 عائلة، التي تجري الآن، تشكل بداية موجة من التهجير الجماعي: قرابة 2,200 شخص في سلوان يواجهون خطرًا فوريًا بالتهجير القسريّ ـ 150 عائلة (1,500 نسمة) في البستان و90 عائلة أخرى (700 نسمة) في بطن الهوى.يأتي التهجير القسري عقب قرار المحكمة العليا رفض الاستئناف الذي تقدمت به 20 عائلة فلسطينية من بطن الهوى، وهو القرار الذي يُبقي 136 شخصًا تحت خطر فوري لفقدان منازلهم.هذا هو واقع العنف المؤسساتيّ والمنهجي، وهو تجسد واضح لسياسة إسرائيلية ترمي إلى هندسة الميزان الديمغرافي و"تهويد" الحي عبر استخدام قوانين تمييزية. وتهدف هذه الخطوات إلى توسيع الحضور والسيطرة الإسرائيليين في إحدى أكثر المناطق حساسية من الناحيتين السياسية والدينية في المكان، كما تشكل مُركِّبًا مركزيًا في التطهير العرقي الواسع الذي يجري حاليًا في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

25 آذار/مارس 2026

שכונת בטן אל-הווא. צילום: עמרי ערן-ורדי, אקטיבסטילס, 4.1.25

شرقيّ القدس

تطهير عرقي متواصل: هدم بيوت، تهجير ونهب في سلوان

منطقة سلوان، الواقعة جنوبَ البلدة القديمة في القدس والتي جرى ضمّها إلى مسطّح المدينة البلدي، تُشكل موطناً لنحو 20 ألفًا من السكّان الفلسطينيّين. خُصوصيّة موقعها المُجاور للبلدة القديمة ـ إلى المسجد الأقصى بالنسبة للفلسطينيّين وإلى "جبل الهيكل" بالنسبة لليهود ـ تضعها فيمقدّمة المواقع التي يسعى النظام الإسرائيلي إلى تهجير الفلسطينيين منها ونهب ممتلكاتهم فيها، في مدينة القدس. وتُشكّل هذه المساعي جزءاً من خطّة واسعة ترمي إلى "تطهير" المنطقة من سكّانها الفلسطينيين وتهويد الأحياءالمحيطة بالبلدةالقديمة. وثمة مجموعة من الآليات العنصرية الداعمة لخطّة التهجير، من ضمنها تشريع قوانين تمييزيّة تشمل، من بين ما تشمل، قانونأملاك الغائبين، قوانين بلدية مساعِدة، الغيابالمتعمّد لإعدادخرائط هيكليّةللبناء في الأحياءالفلسطينيّة، والإعلان عن مناطق كحدائقوطنيّة، أو مشاريع وطنيّة أخرى لتبرير الاستيلاء. في سلوان، تتركّز مساعي التهويد التي تقوم بها جمعيّات المستوطنين وأجهزة الدولة حول ثلاثةمشاريع يجري تنفيذها في آنٍ واحد معاً: حفريّات "شارع هيرودوس" ("درب الحجّاج")، هدم حيّ البستان وإخلاء سكّان حيّ بطن الهوى.في ظل هذه المساعي، يعيش سكان سلوان في ظل خطر جدي لتهجيرهم من منازلهم ونهب أراضيهم. خلال العامين الماضيين، أدّت أعمال الإخلاء في حيّ بطن الهوى وحي وادي حلوة - الذي تقع "مدينة داوود" في نطاقه - وهدم منازل في حيّ البستان، إلى تشريد مئات السكّان وإبقائهم دون مأوىً.في حيّ بطن الهوى، تم بين تشرين الأول 2015 حتى نيسان 2026 تهجير 33 عائلة، تعدّ 77 نفرًا بينهم 37 طفلًا، من منازلها، 15 عائلة منها تم تهجيرها في آذار 2026. ولا يزال خطر التهجير يتهدد 53 عائلة إضافية أخرى، تعدّ معًا 237 نفرًا، بينهم 130 طفلًا.تقدّمت العديد من العائلات الفلسطينية بالتماسات ضد أوامر الإخلاء، لكنّ المحاكم ردّتهذه الالتماسات في سلسلة من قرارات الحُكم التي صدرت في أواخر العام 2025 وأمرت 157 من سكّان الحيّ بمغادرة منازلهم. بل تم، في عدد من الحالات، إجبار العائلات المهجّرة على تعويض المستوطنين بعشراتآلاف الشواقل. وتفيد المعطيات بأنّ خطر التهجير الفوريّ يتهدّد 28 عائلة بعد أن ردّت المحكمة طلبها لتقديم استئناف وقرّرت أنّ الإجراءات القضائيّة في هذه المسألة قد استُنفدت. ولا يزال عددمنالدّعاوىالأخرى بشأن 25 عائلة من الحيّ قيد المداولات أمام محكمة الصّلح أو تنتظر قرار المحكمة العليا بشأن الاستئنافات التي قُدِّمت إليها.في موازاة ذلك، هُدم في حيّ البُستان المُجاور، 48 منزلاً ما بين تشرين الأول 2023 ونيسان 2026، في أعقاب أوامر هدم أصدرتها بلديّة القدس. وقد تم هدم 14 من تلك المنازل خلال شهريّ آذار ونيسان 2926 وهُجِّر منها 56 شخصًا من السكان، بينهم 20 طفلًا. ولا يزال خطر التهجير يتهدد العائلات المتبقية في حي البستان، والتي يبلغ عددها 123 عائلة تعدّ، معًا، 1,450 نفرًا بينهم 900 طفل. وكانت بلدية القدس قد أصدرت أوامر هدم بحق 17 من تلك المنازل.في العام 2010 طرحت بلديّة القدس، التي ترأسها نير بركات آنذاك، مشروع إقامة المتنزه السياحي الذي أطلق عليه اسم "حديقة الملك" على أرض حيّ البُستان، كامتداد مباشر للحديقة الوطنيّة التي تحيط بأسوار مدينة القدس وللموقع الأثريّ "عير دافيد" ("مدينة داود"). يُدار هذا الموقع منذ نهاية التسعينيّات بواسطة جمعيّة "إلعاد" التي تسعىعلناً إلى تهويد سلوان. في بداية شباط 2026 داهمت حيّ البستان 4 جرّافات أرسلتها بلديّة القدس وقامت بهدم ممتلكات لأهالي الحيّ شملت أسواراً، أسيجة، مخازن، بوابات ومحلات تجاريّة، وذلك دون سابق إنذار. ولتبرير الهدم، تمّ تطويع قانون بلديّ غايته "إزالة مُعيقات من الشارع"، على الرغم من أنّ المباني التي هُدمت كانت قائمة منذ سنوات في أراضٍ لم تعرّف بأنّها شارع أصلاً. ورغم أنّ المحكمة المركزيّة أمرت بوقف أعمال الهدم،واصلت الجرّافات هدم المباني في الحيّ.لمنع هدم المنازل وتهجير العائلات من الأحياء، مطلوبٌ تدخل عاجل وفاعل من قِبل المجتمع الدولي للمطالبة بوقف سياسة التهجير الإجرامية التي يطبقها النظام الإسرائيلي.الهدف: تهويد سلوان بالكاملفي العام 1967، بعد احتلال شرقي القدس مباشرةً، ضمّت إسرائيل نحو 70,000 دونم من الضفة الغربيّة إلى مناطقها،خلافًا لأحكامالقانون الدوليّ. وقد تم إلحاق جزء من هذه الأراضي بمنطقة نفوذ مدينة القدس البلدية. وخلال السّنوات التي مرّت منذ ذلك الحين أُعيد ترسيم حدود المدينة من جديد. وتم تخصيص قرابةالثلث من الأراضي التي جرى ضمّها لبناء مستوطناتٍ من قبَل الدولة، منها: "أرمون هنَتسيف"، "جيلو"، "تَلبيوت مزراح"، "رَموت"، "نِفيه يعقوب"، "بيسجات زئيف"، "رَمات شلومو"، "رَمات شلومو"، "هجيفعا هتْسَرْفتيت"، "هار حوما" و"جيفعات همَطُوس"، والتي كان الهدف المُعلن من إقامتها ضمان أغلبيّة يهودية في مدينة القدس وخلق تواصُل جغرافيّ ـ ديمغرافي يهوديّ. من الوسائل الأخرى التي تستخدمها السلطات لتعزيز تهويد المدينة ـ إنشاء أحياز يهوديّة في قلب الأحياء الفلسطينيّة، مثل "شمعون هتصَديق" على أراضي الشيخ جرّاح، أو "الحيّ اليهودي المُتجدّد" في الحيّ الإسلاميّ في البلدة القديمة؛ وهكذا أيضاً في بطن الهوى ووادي حلوة في سلوان.تقع منطقة سلوان ضمن مخطط "الحوض المقدّس" الذي يشمل أيضاً الحيّ الإسلاميّ والحيّ المسيحيّ في البلدة القديمة، حيّ الشيخ جرّاح، الطور (جبل الزيتون)، وادي الجوز، راس العامود وجبل المكبّر. بسبب موقعها الجغرافيّ، تزخر منطقة سلوان بالمواقع الأثريّة والتاريخيّة التي تستغلها إسرائيل لتبرير سياسة تخطيط وإدارة للأراضي تقيّد إمكانيات التطور الفلسطينيّ وتعزّز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة. ويشكل إعلان مناطق كـ "حدائق وطنيّة" أو "مواقع أثريّة" أو "محميّات طبيعيّة"، في الواقع، أداة لتجريد السكّان الفلسطينيّين من أراضيهم. وفي إطار ذلك، يتمّ تأهيل هذه الأماكن كمواقع تراثية، وذلك بالتعاون الوثيق مع أطر مدنيّة تابعة لتيّار اليمين المتطرّف، مثل جمعيات "عطيرت كوهَنيم" و"إلعاد". هذه الجهود المشتركة ترمي إلى تحقيق هدف سياسيّ واضح: خلق تواصُل جغرافيّ للاستيطان اليهودي، من خلال عزل الأحياء الفلسطينيّة في شرقي القدس عن بعضها البعض وعزلها كلّها عن الضفة الغربيّة.آليّة الاستيلاء والتهجير: حيّ بطن الهوىتهجيرسكّان بطنالهوى هو التهجير الأول لجماعة بأكملها من شرقي القدس منذ العام 1967، وهو يتم استناداً إلى "قانون أملاك الغائبين" (1950)، الذي يسري على أملاك الفلسطينيّين الذين جرى تهجيرهم من بيوتهم في نكبة العام 1948، وإلى قانون "تسويات قضائيّة وإداريّة" (1970) الذي يسمح عمليّاً لليهود فقط بتقديم دعاوى تثبيت المُلكيّة على ممتلكات كانت لهُم قبل العام 1948. وثمة وسيلة أخرى للاستيلاء على الممتلكات تتم بمساعدة الوصيّ العامّ، وهو هيئة سلطوية أُنشئت مع قيام الدولةتعمل بموجب صلاحية إدارة "أوقاف" يهوديّة في شرقي القدس - وهي ممتلكات كانت بملكية يهودية قبل العام 1948 وأوقفت لأغراض عامّة وتُدار حاليًا من خلال وصيّ. إن استخدام الوقف للمطالبة بتثبيت الملكية على أملاك من شأنه أن يجيز ويشرعن تهجير السكان الفلسطينيين من منازلهم، وفقًا للقانون الإسرائيلي. في العام 2001 أقرّت المحكمة المركزيّة في القدس قرار الوصيّ العامّ نقل إدارة "وقف بنبنيشتي" إلى جمعيّة "عطيرت كوهنيم". في العام 2002 نقل الوصيّ العامّ إلى هذا الوقف أراضي كانت تقوم عليها مبانٍ تسكنها معظم العائلات الفلسطينيّة التي يتهدّدها خطر التهجير، وفي العام 2005 باع الوصيّ للجمعيّة قطعة أرض أخرى مساحتها 3 دونمات، كانت تسكن عليها نحو عشر عائلات فلسطينيّة أخرى.استنادًا إلى "قانون أملاك الغائبين" و"قانون تسويات قضائيّة وإداريّة" وسماح الوصيّ العامّ بالاستيلاء اليهوديّ على منازل كانت بملكية يهودية في الماضي، يتمّ نزع مُلكيّة السكّان الفلسطينيّين الذين تملّكوا هذه المنازل قانونيّاً ليبقوا دون أيّة حماية.مدعومين من قبَل حرّاسأمن خاصّين تموّلهم وزارة الإسكان الإسرائيلية بمبالغ تصل إلى مئاتملايين الشواقل سنويّاً، يغزو المستوطنون الحيّ ويبدؤون بالتنكيل بسكّان الحيّ الفلسطينيّين وافتعالمواجهاتعنيفةمعهم، والتسبّب باعتقالهم من قبَل الشرطة بشتّى الذرائع في كثير من الحالات. وقد أدّى دخول المستوطنين إلى الحيّ إلى ارتفاع حادّ في تواجُد قوّات الشرطة وحرس الحدود التي يُعامِل أفرادها السكّان الفلسطينيّين بالعُنف والتهديد ولا يتورّعون عن اعتقال القاصرين وتشويش مجرى الحياة اليوميّة في الحيّ. وهكذا، حتى قبل تهجيرهم عن منازلهم، يتعرّض سكّان بطن الهوى إلى تنكيل مستمرّ يجعل حياتهم جحيماً لا يُطاق بهدف دفعهم إلى الرّحيل كأنّما "بمحض إرادتهم"، وذلك بدعم تامّ من مؤسّسات السّلطة والقوّات الإسرائيليّة. إلى جانب ذلك، يُعاني السكّان الفلسطينيّون أيضًا من إهمالإجراميّ ودائم في كلّ ما يتعلّق بالبُنى التحتيّة والخدمات التي ينبغي على بلديّة القدس أن تقدّمها لهُم: شوارع كثيرة غير معبّدة، النفاياتمُتراكمة في الشوارع والإضاءة في الشوارع محدودة.سياسة الأبارتهايد الإسرائيليّة تميّز بشكل فظّ بين اليهود والفلسطينيّين، ليس فقط بواسطة تشريع القوانين التمييزيّة، وإنّما أيضاً في التخطيط وتخصيص الميزانيّات وتقديم الخدمات. فبينما يعاني سكّان سلوان الفلسطينيّون من إهمال متعمّد ومدعّم بعُنف مُمنهج في خدمة الدولة، يتمتّع سكّان المستوطنات اليهوديّة في الحيّ - مثل "كفار هتيمَنيم" أو "كفار هشيلوح" في حيّ بطن الهوى، أو "عير دَفيد" في وادي حلوة - بحراسة مشدّدة وخدمات وبُنى تحتيّة حديثة، بما في ذلك الطرق المعبّدة والشوارع الواسعة والأكثر إنارة، بتمويل من السلطات ضمن مصادر تمويل أخرى.بدعم كامل من "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية، التي قبلت حقًا ادّعاء العائلات الفلسطينيّة من حيّ بطن الهوى بأنها تملّكتمنازلها بشكل قانونيّ، لكنّها قرّرت أنّ حق المستوطنين في المُلكيّة على هذه الأملاك يعلو على حقّ مُلكيّة الفلسطينيّين، يجري تهجير العائلات الفلسطينيّة بشكل مُخالف للقانون الدوليّ.في سلوان، كما في أحياء القدس الفلسطينيّة الأخرى وقرى الضفة الغربيّة، يستخدم النظام الإسرائيليّ جميع الآليّات المُتاحة له لتجريد الفلسطينيّين من أراضيهم. وهو يفعل ذلك بشكل علنيّ تماماً - بواسطة تشريعات تعكس السمات الأساسيةلنظام الأبارتهايد الإسرائيلي، بوساطةالجهازالقضائيّ، وبالتعاونمعجمعيّاتالمستوطنين - بهدف تهجير السكّان من منازلهم، ومن خلال خطوات تكميليّة لتحويل حياة السكّان إلى جحيم لا يُطاق عبر الإهمالالمنهجي واستخدام العُنف ضدّهم من قبَل جهات رسميّة وغير رسميّة.إنّه واقعٌ من العُنف المنهجي والمُمَأسَس يعيشه سكّان القدس الفلسطينيّون يوميّاً تحت نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ، حيث يتم في إطاره حرمانهم من أبسط حقوقهم وأكثرها أساسيّة. مُواجهة هذا الواقع تتطلّب تدخّلاً عاجلاً، بل فوريّاً، من قبَل المجتمع الدوليّ.

22 آذار/مارس 2026

מימין לשמאל: אחמד, מוסטפא, מועתז, אייהם ומוחמד, צילום: עאמר עארורי, בצלם, 22.1.23

شرقيّ القدس

حيّ وادي قدوم، شرقيّ القدس: أفراد الشرطة يوقفون خمسة قاصرين دون علم أهاليهم، يحتجزونهم لأكثر من ستّ ساعات ويحقّقون معهم دون مرافقة شخص بالغ

في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 17:30 وصل نحو عشرة أفراد شرطة إلى حيّ وادي قدوم في شرقيّ القدس، قبضوا على خمسة فتيان من سكّان الحيّ تتراوح أعمارهم ما بين 12-15 عامًا وأدخلوهم إلى مركبة شرطة. أجلس أفراد الشرطة الفتيان في المركبة بشكل متراصّ واحتجزوهم فيها لمدّة ساعة تقريبًا. ونحو الساعة 18:30 جُلِب الفتيان إلى محطّة الشرطة في شارع صلاح الدين، وهناك أجلِسوا على كراسي ووجوههم متّجهة نحو الحائط في غرفة شديدة البرودة كان المكيّف الهوائيّ مُشغَّلًا فيها ومُنِعوا من التحدّث بعضهم مع بعض. ونحو الساعة 19:00 وصل إلى المحطّة محامٍ وشرح للفتيان حقوقهم وعندها فقط سَمح لهم أفراد الشرطة بالذهاب إلى المرحاض. في أثناء ذلك، وصل إلى المحطّة أهالي أربعة من الفتيان لكنّ أفراد الشرطة منعوهم من الدخول فاضطُرّوا إلى انتظار أبنائهم في الخارج طوال ساعات. بعد ذلك، اقتيد الفتيان، كلًّا في دوره وبدون مرافقة شخص بالغ من قِبَلهم، إلى تحقيقات استمرّت ما بين ساعة وساعة ونصف الساعة. وبعد أن رفض قسم من الفتيان التوقيع على المحضر الذي كُتِب بالعبريّة وادّعوا بحزم بأنّهم لم يُلقوا حجارة أفادوا بأنّ محقّقي الشرطة أهانوهم وشتموهم وفي بعض الحالات استخدموا العنف الجسديّ ضدّهم. فعلى سبيل المثال، سحب أحد أفراد الشرطة كرسيّ مصطفى السلايمة (12 عامًا) وأوقعه أرضًا. وضرب محقّقٌ أيهم السلايمة (12 عامًا) على رقبته وضرب محقّقٌ معتز السلايمة (14 عامًا) على رقبته ووجهه وشدّه من شعره أيضًا. عند انتهاء التحقيقات احتُجِز الفتيان في المحطّة دون أن يشرح لهم أحد ما الذي سيحدث. ونحو الساعة 23:00 أعطاهم أفراد الشرطة كِسْرات خبز. وعند منتصف الليل تقريبًا، وبعدما وقّع نوّاف السلايمة، والد أيهم وأحمد السلايمة، على كفالة بقيمة 5,000 ش.ج. عن كلّ واحد من الفتيان الخمسة، أطلِق سراحهم من المحطّة وحُوِّلوا إلى الاعتقال المنزليّ لمدّة خمسة أيّام. لكن بعد نحو عشر دقائق من عودة نوّاف وابنيه إلى منزلهم، اتّصل بهم شرطيّ وطالبه بأن يعود ابنه أحمد إلى الشرطة بذريعة أنّ التحقيق معه لم يُوثَّق. فعاد أحمد إلى المحطّة مع والده وهو منهك وخائف وأدخِل مرّةً أخرى بمفرده إلى التحقيق الذي استمرّ نحو ساعة ونصف الساعة، وهذه المرّة وقّع على المحضر. وعندما سألَ المحقّقَ عمّا وقّع عليه، أجابه ذاك بأنّ هذا ليس من شأنه. هكذا اختُطِف خمسة فتيان من الشارع دون أن يُشرح لهم بماذا يُشتبه بهم أو إلى أين يتمّ اقتيادهم. تمّ التحقيق معهم في محطّة الشرطة دون أن يُبلِغ أفراد الشرطة أهاليهم بالأمر ودون السماح لهم بأن يكونوا حاضرين في أثناء التحقيق، تحت التهديد ومن خلال ممارسة الضغط، واحتُجزوا هناك لأكثر من ستّ ساعات. خلال الساعتين الأوليَين مُنعوا من الذهاب إلى المرحاض ولم يتمّ إعطاؤهم شيئًا لشربه. جرى هذا كلّه بينما لم يُسمح لوالدي أربعة منهم وصلوا إلى المحطّة بالدخول إليها، فاضطُرّوا إلى الانتظار في الخارج إلى حين إطلاق سراح أبنائهم. ينبغي النظر إلى اعتقال هؤلاء الفتيان على أنّه جزء من سياسة القمع الإسرائيليّة الشاملة في شرقيّ القدس والضفّة الغربيّة بشكل عام. هذه ليست حالة استثنائيّة، وإنّما هي جزء من معاملة إسرائيل المنهجيّة للقاصرين الفلسطينيّين ومن رفضها منحهم الحمايات الخاصّة التي يضمنها لهم القانون الدوليّ والتي يمنحها القانون الإسرائيليّ للقاصرين أيضًا. بدلًا من ذلك، يتعامل جهاز إنفاذ القانون الإسرائيليّ مع الفتيان الفلسطينيّين بوصفهم جزءًا من مجموعة سكّانيّة مُعادية، جميع أفرادها ـ الصغار والكبار على حدّ سواء ـ مذنبون ما لم يثبت خلاف ذلك، وهو يتّخذ إجراءات صارمة ضدّهم لا يجرؤ على اتّخاذها ضدّ مجموعات سكّانيّة أخرى في إسرائيل. هكذا وصف الفتيان ما مرّ عليهم في ذلك المساء، في الإفادات التي قدّموها لباحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري، في 22.1.23: محمّد السلايمة (15 عامًا): في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 17:30 كنتُ في طريقي إلى البيت من زيارة لدى صديق في حيّ راس العامود سويّةً مع أصدقائي، أخوَيّ أحمد وأيهم وكذلك مع مصطفى ومعتز. نزلنا الأدراج التي بين حيّ راس العامود وحيّنا، وادي قدوم، وفجأةً صادفنا نحو عشرة أشخاص من قوّات الاحتلال فأوقفونا. لم أفهم ما كان يحدث على الإطلاق، كان ذلك مربكًا للغاية. لفّ أحد أفراد الشرطة ذراعه حول رقبتي بشكل مؤلم وسحبني بقوّة إلى المركبة. جلسنا هناك فوق بعضنا البعض وكان مزدحمًا جدًّا. في البداية أخذونا إلى راس العامود وهناك انتظرنا في المركبة، بجانب محطّة الشرطة التي هناك. طلبتُ من الشرطيّ ماء لكنّه تجاهلني. جلسنا في المركبة لمدّة ساعة تقريبًا ثمّ أخذونا إلى محطّة الشرطة في صلاح الدين وهناك أدخلونا إلى غرفة وأجلسونا على كراسٍ ووجوهنا متّجهة نحو الحائط وقالوا لنا ألّا نتحدّث مع بعضنا. هدّد الشرطيّ الذي كان هناك بأنّ مَن سيحكي سيتعرّض للضرب ولهذا السبب التزمتُ الصمت. بعد نحو نصف ساعة حضرَ محامٍ وشرح لنا حقوقنا، وبعد أن ذهب أخذونا إلى المرحاض واحدًا واحدًا. بعد أن عدتُ من المرحاض رأيتُهم يأخذون معتز ومصطفى إلى التحقيق، وبعد ذلك أخذوني أنا أيضًا إلى غرفة التحقيق. طلب المحقّق منّي أن أكتب الاسم على لوحة إلكترونيّة، كتلك التي يتمّ التوقيع عليها عند استخدام بطاقة الاعتماد. كما طلب منّي أن أكتب اسم المحامي الذي حضر سابقًا، ثمّ قال لي: "أنت متّهم بإلقاء حجارة على مركبات شرطة". قلتُ له هذا ليس أنا، فقال إنّ أصدقائي اعترفوا بإلقاء الحجارة. قلتُ له ثانيةً إنّ هذا غير صحيح وإنّنا كنّا ذاهبين إلى البيت سويّةً فقط ولا يمكن أن يكونوا قد اعترفوا بشيء لم نفعله. شتمَني وهدَّدني بأنّني إذا لم أوقّع على الورقة التي كانت على الطاولة فسوف أتعرّض للضرب. خفتُ منه ووقّعتُ على الورقة. أنا لا أعرف ما الذي وقّعتُ عليه لأنّه كان مكتوبًا بالعبريّة فقط. جلستُ في غرفة التحقيق لمدّة ساعة تقريبًا وبعد ذلك أعادوني إلى الغرفة نفسها التي جلسنا فيها سابقًا، للجلوس على الكرسيّ. كان بعض أصدقائي هناك وكان البعض الآخر لا يزال في التحقيق. قرابة الساعة 23:00 فقط أحضروا لنا قطعة خبز لنأكلها. كنتُ جائعًا جدًّا. بعد ساعة تقريبًا أطلقوا سراحنا للاعتقال المنزليّ لمدّة خمسة أيّام. وقّع لي أحد الآباء على كفالة بقيمة 5,000 شيكل. معتز السلايمة (14 عامًا): عندما اعتقلوني لم أفهم بالضبط ما كان يحدث ومن أين جاء أفراد الشرطة، لكنّهم أمسكوا بنا جميعًا من الرقبة. كدتُ أختنق عندما أحاط الشرطيّ ذراعه حول رقبتي وجذبني إلى داخل مركبة شرطة سويّة مع الجميع. أجلسونا في المركبة بعضنا فوق بعض. في المقدِّمة جلس شرطيّان اثنان. عندما قلتُ لهم بالعربيّة إنّ رِجلَيّ تؤلمانني بسبب طريقة جلوسنا، قال لي أحدهم: "إذا لم تسكتْ سأقطع رِجلك". منذ تلك اللحظة التزمتُ الصمت. سافرنا إلى محطّة الشرطة في راس العامود وانتظرنا هناك في المركبة لمدّة ساعة تقريبًا. طلبْنا ماء من أفراد الشرطة لكنّهم تجاهلونا. كان فمي قد جفّ من شدّة العطش. بعد ذلك وصلنا إلى محطّة شرطة في شارع صلاح الدين وهناك أدخلونا إلى غرفة باردة جدًّا كان المكيِّف الهوائيّ مشغَّلًا فيها في وضعيّة التبريد. أجلسونا على كراسٍ منفردة، مقابل الحائط، وقالوا لنا ألّا نحكي. عندما طلبْنا من الشرطيّ إطفاء المكيِّف لأنّنا كنّا نرتجف من البرد رفض ذلك. طلبْنا طوال ساعة عدّة مرّات أن يتيحوا لنا الذهاب إلى المرحاض، لكنّهم تجاهلونا. فقط بعد أن غادر المحامي الذي جاء للتحدّث معنا، أخذ شرطيّ كلّ واحد منّا على انفراد إلى المرحاض. عندما أخذني شتمني في الطريق إلى هناك وقال أشياء مشينة عن أمّي وأختي. أخذوني أنا ومصطفى إلى التحقيق، كلّ واحد على انفراد. أروني هناك شريط فيديو يظهر فيه راشقو حجارة. قلتُ للمحقّق إنّني لا أعرف هؤلاء الأشخاص وإنّني لم أفعل شيئًا. صرخ في وجهي وقال إنّني كاذب. كنتُ أخشى طوال الوقت أن يضربني. لم يتوقّف عن الشتم وذات مرّة، بعد أن صرختُ رادًّا عليه: "لماذا تشتم والدتي؟"، شدّني من شعري ولكمَني على وجهي ورقبتي. رفضتُ التوقيع على المستند. قال لي المحقّق إنّها إفادتي، لكنّها كانت مكتوبة بالعبريّة، لذا رفضت التوقيع. فسخِرَ منّي قائلًا: "حسنًا لا توقّع يا أحوَل!". كان ذلك مهينًا. بعد نحو ساعة ونصف الساعة من التحقيق أعادوني إلى الغرفة. نحو الساعة 23:00 أعطوني خبزًا لكي آكل وبعد ذلك بنحو ساعة أطلقوا سراحنا للاعتقال المنزليّ لمدّة خمسة أيّام، بكفالة قدرها 5,000 شيكل. أيهم السلايمة (12 عامًا): عندما وصلنا إلى محطّة الشرطة في صلاح الدين طلبتُ الذهاب إلى المرحاض لكنّ الشرطيّ رفض أخذي. عندما حضر المحامي وقلتُ له إنّني بحاجة للذهاب إلى المرحاض، عندها فقط أخذني الشرطيّ إلى هناك ثمّ أعادني إلى الغرفة. كان المحامي لا يزال هناك وقال لي إنّه شرح للجميع من قبل أنّه لا يحقّ للمحقّقين أن يضربونا أو يشتمونا. بعد ذلك ذهب وبدأ أفراد الشرطة باقتيادنا إلى التحقيقات، كلًّا على انفراد. خلال التحقيق معي كنتُ خائفًا جدًّا. لم أكن أعرف ما الذي سيحدث. أراني المحقّق مقطع فيديو وسألني إن كنتُ أظهر فيه. قلتُ له لا، فصرخ في وجهي وسألني إذا كان هؤلاء أصدقائي وأخي. فأجبتُه بأنّي لا أعرف مَن هؤلاء، وعندها ضربني على رقبتي وقال إنّه إذا اعترفت بأنّي ألقيتُ حجارة فسوف يُفرجون عنّي لأذهب إلى البيت. قلتُ له مرّة أخرى إنّني لم أفعل شيئًا. أعطاني مستندًا بالعبريّة للتوقيع عليه دون أن يشرح لي ما كُتِب فيه. وقّعتُ عليه لأنّني خفتُ أن أتعرّض لمزيد من الضرب. طوال التحقيق كان المحقّق يصرخ في وجهي ويخبط بيده على الطاولة. أحمد السلايمة (13 عامًا): أدخلونا إلى غرفة شديدة البرودة لأنّ المكيّف الهوائيّ كان يشتغل فيها بوضعيّة التبريد بدلًا من التسخين. أجلسونا على كراسٍ حديديّة ووجوهنا نحو الحائط وانتظرنا. بعد أن تحدّث معنا محامٍ أخذوني إلى المرحاض. وفي الطريق إلى هناك، قام الشرطيّ الذي أخذني بشتمي وبشتم أمّي وأختي. بعد ذلك أخذوني إلى التحقيق وأروني فيديو لأشخاص يرشقون حجارة في وادي قدوم. قال لي المحقّق إنّه إذا اعترفتُ بأنّني رميتُ حجارة فسأعود إلى البيت، لكنّني قلتُ له إنّني حقًّا لم أرمِ حجارة. شتمَ أمّي، أهانني وأراني شريط الفيديو مرّة أخرى وسألني مَن كان يرمي الحجارة هناك. أجبتُه بأنّني لا أعرف وعندها رمى كوب الماء الذي كان على الطاولة باتّجاهي. الكوب لم يُصبْني. رفضتُ التوقيع على الإفادة وعندها قال لي المحقّق إنّ بإمكاني الذهاب، وعندما كنتُ على وشك الخروج من الغرفة ركلني على مؤخِّرتي. أطلقوا سراحنا جميعًا في ساعة متأخّرة من الليل. أعادنا أبي أنا وأيهم إلى البيت، وبعد نحو عشر دقائق اتّصلوا بأبي من الشرطة وطالبوه بإحضاري إلى المحطّة. عندما وصلنا إلى المحطّة أدخلوني وحدي إلى التحقيق مرّة أخرى. قال لي المحقّق إنّهم لم يوثّقوا التحقيق الذي أجريَ سابقًا ولهذا أحضروني مرّة أخرى. سأل المحقّق الأسئلة نفسها حول إلقاء الحجارة ونفيتُ ذلك مرّة أخرى. كنتُ متعبًا جدًّا وهذه المرّة وقّعتُ على المستند المكتوب بالعبريّة. عندما سألتُ المحقّق عمّا هو مكتوب فيه، أجابني بأنّ هذا ليس من شأني. نوّاف السلايمة (47 عامًا)، أب لـ 6، والد أيهم وأحمد: في يوم الخميس الموافق 19.1.23 قرابة الساعة 18:00 قال لي أحد أولاد الحيّ إنّه رأى قوّات الاحتلال تعتقل ابنَي وثلاثة فتيان آخرين. اتّصلتُ على الفور بمركز معلومات وادي حلوة فوجّهوني إلى محامٍ للتواصل معه. استفسر المحامي عن الموضوع وأبلغني بأنّ ابنَيّ محتجزان في محطّة الشرطة في صلاح الدين. بعد ساعة تقريبًا، أي نحو الساعة 19:00، وصلتُ مع بعض أهالي الفتيان الآخرين إلى المحطّة، لكنّ أفراد الشرطة لم يسمحوا لنا بالدخول لرؤية الأولاد. وقفْنا هناك في الخارج في البرد نحو أربع ساعات، حتّى الساعة 23:00 تقريبًا، إلى أن خرج شرطيّ من المحطّة وطالبني بالتوقيع على كفالة بقيمة 5,000 شيكل عن كلّ ولد. أطلقوا سراحهم في منتصف الليل تقريبًا. وخرجوا من هناك منهكين، متجمّدين وجائعين. بعد عدّة دقائق من دخولي إلى البيت مع أيهم وأحمد اتّصلوا بي من الشرطة وطالبوني بإعادة أحمد إلى المحطّة بدعوى عدم توثيق التحقيق معه. سافرتُ معه إلى المحطّة وهناك أدخلوه وحده إلى التحقيق. عندما خرج من التحقيق، بعد نحو ساعة، قال لي إنّهم سألوه مرّة أخرى عمّا إذا كان قد شارك في رشق الحجارة.

9 آذار/مارس 2023