روتين العُنف

أفراد من قوّات الشرطة هاجموا فتاة (15 عامًا) داخل منزلها في سلوان ثمّ اقتادوها للتحقيق

23 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

في 22.8.2017، قرابة الساعة 13:00، دخل بضعة عشرات من عناصر قوّات حرس الحدود والقوّات الخاصّة (اليَسام)، بعضهم يرتدي أقنعة، وبرفقتهم أربعة كلاب، إلى ساحة منزل عائلة (ص) في حيّ سلوان، في القدس الشرقيّة. في ذلك الوقت، كان جميع أفراد العائلة يجلسون في صالون منزلهم - الأب ن.ص، 39 عامًا؛ زوجته ع.ب، 37 عامًا؛ وأولادهما الستّة المتراوحة أعمارهم بين 8 و-15 عامًا. ما يقارب عشرين شرطيًّا اقتحموا المنزل مع الكلاب وألقوا الرّعب في قلوب الأطفال. ألصق أحد أفراد الشرطة فوهة مسدّسه إلى رأٍس ن.ص، فيما ثبّته أرضًا اثنان آخران من أفراد قوّات الأمن، كبّلاه بأصفاد بلاستيكيّة ويداه خلف ظهره، وأبقوه في الصالون. شخص بملابس مدنيّة أمر الأمّ وأولادها أن يدخلوا إلى المطبخ، فيما شرع بقيّة العناصر في تفتيش المنزل بمساعدة كلابهم، واستمرّوا في ذلك طيلة ساعتين. 

رجل بلباس مدنيّ كان برفقة أفراد الشرطة، نادى الابن البكر (ك.ص، 15 عامًا) وسأله عن مكان هاتف والده. عندما أجابهم ك.ص بأنّه لا يعرف، ضربه ذلك الرجل على ظهره ووجهه، وهدّده بإرساله إلى السجن "ليتعفّن هناك". بعد ذلك توجّه إلى الأمّ وأخبرها أنّ الشرطيّة ستجري تفتيشًا على جسدها.

في إفادة أدلت بها في 24.9.2017 أمام عامر عاروري، الباحث الميداني في بتسيلم، قالت الأمّ: 

رجُل مخابرات قال لي بالعربية: "تعالي معي، الشرطيّة تريد أن تفتّشك"، ثمّ صرخ في وجهي: "أحسن لك أن تخرجي الهاتف النقّال خاصّة زوجك". أجبته: "كلّ الهواتف قد صارت عندكم". صرخ عليّ: "هاتي الهاتف حالاً!". ابنتي و. عمرها 15 عامًا، قالت له: "لا تصرخ على أمّي. لا يوجد هواتف". قال لها رجُل المخابرات: "أنت أوّل من سيتمّ تفتيشه". شرطيّة من حرس الحدود جرّت ابنتي نحو الصالون. ذهبت وراءها ووقفت قرب باب الصالون وغرفة النوم. اثنان من قوّات الاحتلال دفعوا ابنتي إلى الأرض. أحدهم وضع رجله على رأسها، والشرطيّة أمسكتها من رقبتها. صرخت عليهم: "اخجلوا على حالكم. إنّها فتاة صغيرة!".  

حين حاولت الأمّ التقدّم نحو ابنتها، دفعها الرجُل ذي اللباس المدنيّ، ثمّ دفع تجاهها سريرًا أصابها فوقعت على الأرض. أُخرج الوالد المكبّل من البيت على يد أفراد الشرطة، وبعد ذلك اقتادوه إلى محطّة الشرطة في المسكوبيّة. ابنته و. أيضًا اعتُقلت وقادها أفراد الشرطة إلى المسكوبيّة. ع. ب. -التي جُرحت حين وقعت- نُقلت في سيارة خاصّة إلى عيادة صحيّة في جبل المكبّر، بعد أن غادر أفراد الشرطة المنزل، وتلقّت العلاج هناك. 

في إفادة أدلت بها في 24.9.2017 أمام الباحث الميداني من بتسيلم، عامر العاروري، وصفت و. ابنة الخمسة عشر عامًا كيف اعتدى عليها أفراد القوّة: 

جرّتني الشرطيّة إلى الصالون، في حين بقي إخوتي في المطبخ. أخرجوا أبي إلى الساحة. قاومت الشرطيّة ورفضت السماح لها بتفتيش جسدي. في هذه المرحلة وصل اثنان من أفراد قوّات الاحتلال، إضافة إلى الشرطية أوقعوني أرضًا وداس أحدهم رأسي بحذائه. لقد ضغط بشدّة وتألّمت جدًّا. الشرطيّة أمسكتني من رقبتني وأخذت تخنقني. عندئذٍ وجدوا الهاتف الذي خبّأته داخل البنطلون. بعد ذلك ربطوا يديّ خلف ظهري.

أخرجوني إلى الساحة. تبعتني أمّي وقالت لرجُل المخابرات: "ابنتي تخرج دائمًا بالحجاب، ليس من اللائق أن تخرج هكذا". كنت بلا حجاب، وكانت بلوزتي بأكمام قصيرة. ردّ رجُل المخابرات على أمّي: "أنا أريد أن آخذها هكذا"؛ وعندها ناولتني أمّي منديلاً، غطّيت به ذراعيّ، ولم أغطّ رأسي. أخرجتني الشرطيّة إلى الشارع. وفيما نحن نمشي، شتمني أحد أفراد قوّات الاحتلال وقال لي "كسّ أمّك... يا شرموطة". أدخلوني إلى دوريّة الاعتقال، وكان لونها أبيض، والشرطية جلست بجانبي. 

أخذوني إلى مكان، عرفت فيما بعد أنّ اسمه "المسكوبيّة". أخرجوني من السيارة وأدخلوني إلى غرفة جلس فيها عدد من أفراد الشرطة. طلبت أن يفكّوا القيد عن يديّ لأذهب إلى المرحاض، ولكنّ أفراد قوّات الاحتلال رفضوا. كانت يدي تؤلمني، لأنّ القيد كان مشدودًا. بكيت بصمت. أجلسوني على كرسيّ ووجهي إلى الحائط، وبعد نصف ساعة تقريبًا جاء رجُل بلباس مدنيّ وقال لي باللغة العربية أن آتي معه إلى غرفة أخرى. قلت له: "أريد أن أذهب إلى المرحاض، وأن أشرب الماء. وقبل ذلك أريد أن يفكّوا القيد". فقام هو بفكّ القيد عن يديّ، وعندها رافقني شرطيّ إلى حيث المراحيض وانتظر في الخارج، قرب باب المرحاض. شربت الماء من الحنفيّة التي داخل المرحاض. .

عندما عادت و. من المرحاض تقدّم منها محامٍ من طرف مركز معلومات وادي حلوة، في سلوان؛ تحدّث معها لمدّة بضعة دقائق، ثمّ اقتادوها للتحقيق. أثناء التحقيق - الذي استمرّ نصف ساعة - سألها المحقق لماذا خبّأت الهاتف، واتّهمها بالاعتداء على شرطيّة. أجابته و. أنّ الهاتف محفوظة فيه صور عائلية، وأنّ الشرطيّة هي التي اعتدت عليها. بعد أن وقّعت و. على أقوالها - التي كُتبت بالعبريّة، وهي لا تفهمها - طبعوا بصمات أصابعها وأفرجوا عنها. عادت و. إلى منزلها قرابة الساعة 18:00، بمساعدة موظّف من مركز معلومات وادي حلوة، الذي جاء إلى محطّة الشرطة بعد اعتقالها، وانتظرها هناك. 
لم يكن هنالك أيّ مبرّر للعنف الذي مارسته قوّات الأمن في هذه الحادثة. عشرات أفراد الشرطة، بعضهم بأقنعة، دخلوا برفقة كلابهم منزل أسرة، اعتقلوا الوالد (لم يطلَق سراحه بعد)، اعتدوا على بعض أفراد الأسرة ومنهم فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، أجروا تفتيشًا على جسدها. بعد ذلك كبّلوا الفتاة واقتادوها إلى محطة الشرطة دون أن يسمحوا لها بالاتصال مع أبناء أسرتها، حقّقوا معها طيلة نصف ساعة دون حضور الأهل، وجعلوها توقّع على إفادة بلغة لا تفهمها، ثمّ أطلقوا سراحها دون أيّ إجراء. 
هذه الممارسات جزءٌ من سياسة ثابتة تتّبعها السلطات الإسرائيلية في القدس الشرقيّة في كلّ ما يتعلق باعتقال الفتيان. ضمن هذه السياسة تلجأ السلطات أوّلاً وقبل كلّ شيء إلى الاعتقال، عوضًا عن تركه كملاذ أخير كما تنصّ أحكام القانون؛ تنتهك حقوق الفتيان وتدوسها إلى حين إطلاق سراحهم؛ يُترك الفتيان المعتقلون وحيدين تمامًا طيلة مدّة الاعتقال، دون حماية الأهل أو بالغ آخر يثقون به، منقطعين عن أسرتهم وحياتهم الاعتيادية؛ ودون أن يعرفوا ماذا سيكون مصيرهم. كلّ هذا تفعله السلطات متذرّعة بشكلانيّة النصّ الحرفي للقانون وبالاستثناءات الواردة فيه، وتُفرغه بذلك من جوهره الرّامي إلى حماية هؤلاء الفتيان. 

مواد مقترحة

ح.ر. (من اليسار) برفقة صديقه. تصوير: عميت جيلوتس، بتسيلم، 24.12.17.

شرقيّ القدس

شرقيّ القدس: دون أيّ سبب، رشّ شرطيّ من حرس الحدود رذاذ الفلفل على وجه فتًى (15 عامًا) ثمّ اعتُقل والده على يد أفراد شرطة آخرين من حرس الحدود

20.11.2017 نحو الساعة 19:15 كان ح.ر. (15 عامًا) وهو من سكّان منطقة بطن الهوى في حيّ سلوان الواقع في شرقيّ القدس، عند بسطته التي يبيع فيها الذرة، وعدد من الفتية يقفون في جواره. مرّ بقربهم ثلاثة من عناصر شرطة حرس الحدود ثمّ قفل أحدهم راجعًا إلى البسطة. في إفادة أدلى بها ح.ر. يوم 26.11.17، أمام الباحث الميداني من “بتسيلم”، عامر عاروري، وصف الفتى ما حدث بعد ذلك: سأل الشرطي: "من الذي قال ووش.. أو إش؟" فأجابه أحد الفتية "لا نعلم". هدّدنا الشرطي قائلاً: "سوف آخذكم كلّكم إلى الحبس". فجأة، رشّ أحد أفراد الشرطة الفلفل على وجهي مباشرة. وحيث بيتنا قريب، ركضت إلى البيت، وهناك أسعفتني والدتي بالحليب والمراهم. كدت أختنق، لم أكن قادرًا على التنفّس. في أفادة أدلت بها والدة ح.ر. لبتسيلم يوم 6.12.2017، حدّثت رلى (40 عامًا، متزوّجة وأمّ لأربعة) بما يلي: عند الساعة 19:25 تقريبًا، فُتح الباب بقوّة ودخل ابني ح. وهو يصرخ. كانت على وجهه مادّة لونها أصفر. كان يصرخ "شرطي حرس الحدود رشّ عليّ غاز الفلفل!"، وفورًا ألقى بنفسه على الكنبة. بدا وكأنّه يختنق، غير قادر على التنفّس. مسحت وجهه بالحليب والمراهم لأخفّف عليه الحرَقة. ابنتي الصغيرة، عمرها 8 سنوات، وقفت بقربي مصدومة وهي تنظر إلى أخيها يعاني ويتلوّى من الألم. أخذت تبكي. لم أعدْ أعرف بمن أهتمّ أوّلاً. هدّأتها وطمأنتها، قلت لها "لا تخافي، سوف يتحسّن وضعه". في الوقت نفسه خرج والد ح. ر. (زهير، 64 عامًا) من المسجد المجاور، بعد أن أتمّ صلاته. قال له أولاد الحيّ أنّ شرطيًّا رشّ ابنه برذاذ الفلفل، فأسرع إلى منزله. عندما رأى أنّ الأمّ تعتني بابنهما، خرج ليعثر على أفراد الشرطة الذين اعتدوا على ابنه. قيل له أنّهم توجّهوا إلى "بيت العسل"، وهي بناية في الحيّ استولى عليها مستوطنون، وفي أحيان كثيرة هناك وجود شرَطيّ في المكان. تقدّم الوالد من البناية وطرق الباب، ولكن لم يجبه أحد. بعد ذلك، اتّصل بمحطّة الشرطة وقدّم شكوى، فقيل له أن يعاود الاتّصال لاحقًا. أخذ ابنه إلى عيادة في سلوان، حيث تمّ حقن الفتى بمسكّن أوجاع وتنقيط دواء في عينيه. في إفادته التي أدلى بها يوم 26.11.2017 أمام الباحث الميداني من “بتسيلم”، عامر عاروري، قال الأب: بعد مضيّ نصف ساعة على دخولنا العيادة اتّصل بي شرطيّ وطلب منّي الحضور مع ابني إلى محطّة الشرطة. قرّرت الذهاب إلى هناك وحدي، وترك ابني في العيادة مع أبناء عمومته، لأنّه كان لا يقدر على التنفّس. عدت إلى البيت لكي أصوّر بالفيديو توثيق الاعتداء، وهو محفوظ في كاميرا الحراسة الموضوعة على منزلي. بعد عشر دقائق من وصولي إلى المنزل سمعنا طرقات عنيفة على الباب. فتحت الباب، وإذ هم عناصر من حرس الحدود والقوّات الخاصّة. قال لي شرطيّ من حرس الحدود "أنت موقوف!". قلت له: "ولكنّني الآن على وشك التوجّه إلى محطّة الشرطة. لماذا أنا موقوف؟"، فأجابني "لأنّك متّهم بتهديد شرطيّ". كبّلوا يديّ من الأمام بأصفاد معدنيّة، واقتادوني إلى محطّة الشرطة التي في شارع صلاح الدين. لدى وصول زهير إلى محطّة الشرطة كبّل أفراد الشرطة رجليه أيضًا، وأدخلوه إلى غرفة انتظر داخلها مدّة تقارب نصف السّاعة. لاحقًا، سمح له أفراد الشرطة بالاتّصال مع محاميه، ثمّ اقتادوه للتحقيق. في التحقيق -الذي دار باللغة العربية، واستمرّ ما يقارب السّاعة- اتّهمته الشرطة بتهديد أحد عناصرها. أنكر زهير ر. ذلك وقال إنّ الشرطيّ رشّ ابنه برذاذ الفلفل. وقّع زهير على محضر أقواله، الذي كُتب باللغة العبرية -وهي لغة لا يجيدها. بعد ذلك، أزال أفراد الشرطة القيود وصوّروه ثمّ طبعوا بصمات أصابعه. بعد ذلك، اتّصل زهير ر. بصديقه ليكفله، فجاء هذا ووقّع على كفالة غير مدفوعة بمبلغ 5000 ش.ج.؛ ثم سُمح له بالعودة إلى منزله. كما ذكرت "بتسيلم" سابقا؛ ما قامت به الشرطة ليس أمرًا شاذًّا والاعتقالات الباطلة واعتداءات الشرطة على سكّان حيّ بطن الهوى ليست أمرًا جديدًا. في هذا الحيّ تجري كبرى عمليّات الترحيل التي يشهدها شرقيّ القدس في السنوات الأخيرة. حاليًّا يسكن هناك أكثر من مائة مستوطن، وهناك نحو ثمانين أسْرة تواجه دعاوى إخلاء من منزلها، علمًا أنّها تسكن في الحيّ منذ عشرات السنين. دخول المستوطنين قلب حياة الناس هناك: دعاوى قضائيّة، انتهاك للحرُمات، تنكيل يوميّ بالسكّان على يد المستوطنين؛ ثمّ حضور مكثّف لعناصر قوّات الأمن وحرّاس تشغّلهم شركات خاصّة - جميعهم يمارسون العنف ضدّ السكّان الفلسطينيين، يهدّدونهم، يعتقلون الفتية، ويعرقلون مجرى الحياة في الحيّ.

20 كانون الأول/ديسمبر 2017

شرقيّ القدس

غير محميّين

تقرير مشترك مع مركز الدفاع عن الفرد التقرير يكشف كيف تنتهك السلطات الإسرائيلية على نحوٍ منهجيّ وواسع النطاق حقوق الإنسان للفتيان الفلسطينيين الذين يجري اعتقالهم كلّ سنة في القدس الشرقية. في 60 تصريحًا وصف فتيان كيف جرى انتزاعهم من فراشهم ليلاً وتكبيلهم والتحقيق معهم في انتهاك لحقوقهم؛ ثمّ اعتقالهم في ظروف صعبة، وأحيانًا لفترات طويلة. هذه الممارسات هي جزء من سياسة تتّبعها إسرائيل في المدينة، تعتبر وجود الفلسطينيين هناك غير مرغوب فيه.

24 تشرين الأول/أكتوبر 2017

مجد الرويضي بعد الإفراج عنه. تصوير: مركز وادي حلوة، سلوان.

شرقيّ القدس

أفراد الشرطة و"الشاباك" يعتقلون ويضربون بوحشية فتىً في الـ 15 من العمر

في يوم الثلاثاء الموافق 28.6.22 نحو السّاعة 4:00 فجراً، جاء ما يقارب ثلاثين عنصراً من الشرطة و"الشاباك"، بعضهم ملثّمون، إلى منزل عائلة الرّويضي في سلوان. اقتحم قسم منهم غرفة مجد (15 عاماً) فاستيقظ مذعوراً. أخذ والده يهدّئ من روعه وقال له إنّهم من الشرطة. حين ردّ مجد قائلاً "وماذا أفعل لهُم" (بمعنى لا يهمّني أمرهم) دفعه أحد عناصر الشرطة بقوّة فردّ مجد بدوره ودفعه أيضاً. حينئذٍ انقضّ على الفتى عناصر شرطة آخرون وانهالوا عليه ضرباً ثمّ اقتادوه إلى الاعتقال وهو حافي القدمين والنصف العلويّ من جسمه عارٍ. كبّل عناصر الشرطة يدي مجد وواصلوا ضربه في الطريق إلى مركز الاعتقال في المسكوبيّة. في المحطّة أيضاً ضرب العناصر الفتى حتى جاء محاميه وصوّر علامات الضرب البادية على وجهه وجسمه. اقتيد مجد إلى التحقيق حيث اتّهموه برشق حجارة نحو سيّارات مستوطنين وعناصر شرطة وعند السّاعة 16:00 أُحضِر أمام محكمة الصّلح وكانت قد مرّت أكثر من 12 ساعة على انتزاعه من سريره وضربه والتحقيق معه، دون أن يأكل أو يشرب خلالها شيئاً. مدّد القاضي اعتقال مجد ليومين مكث خلالهما في الزنزانة طوال الوقت لأنّ أحداً لم يجلبه للتحقيق. في 30.6.22 أفرج عن مجد في ساعات العصر بعد أن وقّع والده على كفالة بقيمة 5,000 شيكل ومن ثمّ أرسل إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. ليست هذه حادثة استثنائيّة وإنّما هي جزءٌ من روتين حياة عائلات فلسطينيّة كثيرة في شرقيّ القدس. العُنف الذي تعاني منه هذه العائلات تمارسه وتتيحه سلطات عديدة: عناصر الشرطة الذين دهموا منزل العائلة في دُجى اللّيل وأفزعوا جميع أفرادها وهم نيام ثمّ انتزعوا فتىً في الـ15 من سريره بعُنف؛ عناصر "الشاباك" الذين رافقوهم؛ وأخيراً، القاضي الذي أمر بتمديد الاعتقال الذي لم يتّضح مبرره طالما أنّه لم يتمّ التحقيق مع مجد مرّة أخرى، ثمّ أرسله إلى الحبس المنزليّ دونما إجراء قضائيّ يمكّنه من الدّفاع عن نفسه. بمنتهى الاعتياديّة، تدير جميع السّلطات حياة الفلسطينيّين في شرقيّ القدس على هذا النحو وهي تتمتّع بصلاحيّات واسعة وتعمل دون حسيب أو رقيب. استمع باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري إلى إفادات أدلى بها عدد من أفراد الأسرة. من إفادة مجد الرّويضي (15 عاماً) الذي روى ما جرى في تلك اللّيلة وخلال اعتقاله: في يوم الثلاثاء الموافق 28.6.22 نحو السّاعة 4:00 فجراً أيقظتني جلبة في المنزل. فجأة شاهدت أشخاصاً ملثّمين في غرفتي. تحدّث معي أحدهم بالعربيّة قائلاً "قُم وتعالَ معنا". خفت كثيراً. قال لي والدي إنّهم من الشرطة فتوتّرت وأخذت أصرخ. عندما نهضت من السّرير دفعني أحدهم فدفعته بدوري. طرد عناصر الشرطة الجميع من الغرفة ثمّ انهالوا عليّ ضرباً. ظلّوا يركلونني ويصفعونني طيلة بضع دقائق ثمّ كبّلوا يديّ إلى الخلف واقتادوني إلى خارج المنزل وأنا حافي القدمين ولا أرتدي قميصاً. ناولتهم والدتي قميصاً لكي أرتديه لكنّهم استخدموه ليغطّوا به وجهي. لحق بي أحد إخوتي وناولني حذاءً. أدخلوني إلى سيّارة وفي داخلها انتعلت حذائي. لم أستطع رؤية شيء لأنّ وجهي كان مغطّىً بالقميص. أثناء سير الجيب انهالوا عليّ ضرباً مرّة أخرى - على وجهي ورأسي وعُنقي. عندما توقّف الجيب سحبوني إلى خارجه بعُنف حتى أنّني كدت أقع منكفئاً على وجهي. لاحقاً علمت من محاميّ أنّني موجود في غرفة 4 في مركز التحقيقات في المسكوبيّة. أجلسوني راكعاً على ركبتيّ وواصلوا ضربي من حين لآخر. كانوا يصفعونني ويركلونني ويضربونني بمسدّس أو بندقيّة في مختلف أنحاء جسمي. لا أعرف كم من الوقت استمرّ ذلك. في مرحلة ما جاء المحامي وأراد أن يصوّر علامات الضرب التي على وجهي وجسمي. أوضح لي المحامي تفاصيل إجراء التحقيق والاعتقال وبعد أن غادر أخذوني إلى المرحاض حيث غسلت وجهي ثمّ جلبوني للتحقيق. كان في الغرفة محقّقان بلباس مدنيّ. جلست على كرسيّ ويداي مقيّدتان. اتّهمني المحقّقان بأنّني رشقت حجارة على سيّارات مستوطنين وعناصر شرطة. لا أعرف كم من الوقت استمرّ التحقيق معي، ربّما ساعتين. لم أكن أقدر على الكلام إلا بصعوبة بسبب الأوجاع الناجمة عن الضرب. كنت عطشاً جدّاً وقد طلبت ماءً لأشرب لكنّهم لم يجلبوه ولم يجلبوا لي طعاماً لآكل. كان التحقيق يجري باللّغة العربيّة لكنّهم دفعوا إليّ بأوراق مكتوبة بالعبريّة لكي أوقّع عليها وأنا لا أقرأ العبريّة. قال لي المحقّق إنّها أقوالي. وقّعت ومن ثمّ نقلوني إلى غرفة هي بالأحرى قفص بقُضبان. كانت يداي لا تزالان مقيّدتين وكنت منهكاً وعطشاً وجائعاً وأتألّم في جميع أنحاء جسمي. نحو السّاعة 16:00 جلبوني إلى المحكمة وهناك رأيت والدي وشقيقيّ أحمد (21 عاماً) وسمير (22 عاماً). لم أتمكّن من التحدّث إليهم. مدّد القاضي اعتقالي ليومين ثمّ أعادوني إلى مبنى المسكوبيّة. عرضوني على طبيب أعطاني مسكّنات للأوجاع ثمّ أدخلوني إلى غرفة فيها ثلاثة فتية في مثل سنّي تقريباً. كنت جائعاً وكان في الغرفة خبز ومربّى إلّا أنّني غفوت فوراً من شدّة التعب. عندما استيقظت تناولت قطعة خبز واحدة وشربت عصيراً. لم تكن لديّ أيّة شهيّة للطّعام. أبقوني في الغرفة حتى السّاعة 17:00 من يوم الخميس. لم يحقّقوا معي مرّة أخرى. وقّع والدي على كفالة بمبلغ 5,000 شيكل ثمّ أرسلوني إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. بعد أن أخرجوني من المعتقل ذهبت مع والدي وشقيقيّ أحمد وسمير إلى عيادة في عين اللّوزة في سلوان وهناك أجريت لي صور أشعّة. قال الطبيب إنّه توجد كدمات في أماكن مختلفة من جسمي وآثار دم جافّ في أذني اليسرى. أدناه يحدّث الوالدمحمود الرّويضي (49 عاماً) عن اعتقال ابنه وما جرى بعد ذلك: سمعت طرقات قويّة على الباب فنهضت ونهضت زوجتي إسلام (43 عاماً). سألت "من في الباب؟" فأجابوا: "نحن من الشرطة. افتح". كان هناك أكثر من ثلاثين شرطيّاً بعضهم يرتدي ملابس عاديّة وبعضهم يرتدي زيّاً أسود. كان قسم منهم ملثّماً. كان معهم ضابط "شاباك" سألني عن أسماء أبنائي فأجبت أنّه يوجد لديّ أربعة أبناء: ريتال (11 عاماً) ومجد (15 عاماً) وأحمد (21 عاماً) وسمير (22 عاماً). سألني أين ينام مجد فقلت له "في غرفة مع أخويه". عندئذٍ أمرني بأن أرافقه إلى الغرفة. دخل ثلاثة عناصر شرطة إلى الغرفة وانتشر الباقون في أرجاء المنزل. استيقظ مجد من نومه مذعوراً. قلت له "لا تخف. إنّهم من الشرطة" فأجابني: "وماذا أفعل لهم؟". عندما سمعه العنصر الذي من "الشاباك" دفعه بقوّة ففعل مجد بدوره بالمثل. ثلاثة أفراد من وحدة "يسام" ضربوا مجد ودفعوه نحو الأرض وانهالوا عليه ركلاً. صرخت عليهم أطالبهم بأن يتوقّفوا وأقول لهم إنّه مجرّد طفل. كانت زوجتي وابنتي تقفان عند باب الغرفة وتشاهدان ما يجري وهُما تصرخان وتبكيان. بعد ذلك دخل إلى الغرفة نحو 15 شرطيّاً وطردوني إلى الخارج. سمعت مجد يصرخ متألّماً. بعد مضيّ دقائق معدودة أخرجوه حافياً وبدون قميص. حاولت زوجتي أن تناول مجد قميصاً لكنّ شرطيّاً أخذه منها وغطّى به رأس مجد بدلاً من أن يناوله لمجد فيرتديه. خرج سمير يركض وراء مجد وناوله حذاءً. فور أن غادرت القوّة هاتفت المحامي محمد محمود وأخبرته بما جرى. بعد مضيّ ساعة عاود الاتّصال بي وأخبرني أنّ مجد معتقل في "غرفة 4" وأنّه قد تمّ تعيين جلسة في محكمة الصّلح في القدس عند السّاعة 11:00 صباحاً. بالطبع لم نستأنف نومنا بعد كلّ هذا، لا أنا ولا زوجتي ولا الأولاد. كنت قلقاً عليه كثيراً. أنا قلق على مستقبله عموماً لأنّني أيضاً كنت معتقلاً في السّابق لفترات مختلفة منذ العام 1988 ولا أريد لابني أن يمرّ بالتجربة نفسها. لا أريد أن يضيع مستقبله في السّجون. هاتفني المحامي لاحقاً وأخبرني بأنه قد تمّ تأجيل الجلسة إلى السّاعة 17:00. ذهبت إلى المحكمة مع ولديّ سمير وأحمد. عندما جلبوا مجد إلى قاعة المحكمة لم أصدّق أنّ هذا ابني. كانت ملامح وجهه متغيّرة تماماً. كان وجهه متورّماً ومليئاً بالكدمات لشدّة ما ضربوه. مدّد القاضي اعتقال مجد ليومين ثمّ أخلي سبيله بعد أن وقّعت على كفالة غير مدفوعة بقيمة 5,000 شيكل. بعد ذلك أرسلوه إلى الحبس المنزليّ لمدّة سبعة أيّام. بعد الإفراج عنه أخذناه فوراً إلى عيادة في سلوان حيث أجروا له فحوصات وأعطوه مسكّنات للأوجاع. الحمد لله أنّه لم تكن لديه كُسور، فقط كدمات وأوجاع. نحن نحاول أن ندعم مجد ونسانده في مجابهة الضرب والمهانة التي ذاقها. هو اليوم في حالٍ أفضل، الحمد لله.

14 آب/أغسطس 2022