القانون الدولي

الأراضي المحتلّة والقانون الدوليّ

11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

الصورة

يحدّد القانون الدولي الإطار المعياريّ الذي ينبغي لإسرائيل أن تلتزم به في ممارساتها داخل المناطق المحتلّة. البنود ذات الصّلة المنصوص عليها في فرعين قضائيّين أساسيّين هما القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي الخاصّ بحقوق الإنسان. في الماضي كان متّفقًا أنّ هذين الفرعين لا يسريان بالتزامن مع بعضهما حيث يسري القانون الإنساني الدولي في أوقات النزاعات المسلّحة وفي زمن الاحتلال ويسري قانون حقوق الإنسان في أوقات السِّلْم.

بدلاً من النظر إلى أحكام القانون كبوصلة أخلاقيّة فإنّ إسرائيل تسخّرها كمرشد في الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان.

في السنوات الأخيرة تغيّرت التصوّرات القضائيّة المتّبعة فتلاشى التغايُر والتمييز بين الفرعين أعلاه. من المتّبع اليوم أنّ أحكام قوانين حقوق الإنسان يستمرّ سريانها أيضًا في أوقات الحرب وفي زمن الاحتلال بالتّوازي مع سريان أحكام القانون الإنساني الدولي. ولأنّ الحماية التي يوفّرها القانون الإنساني الدوليّ للمواطنين وضحايا الحرب أضيق من تلك التي يوفّرها قانون حقوق الإنسان يوسّع التصوّر الجديد بقدر ملحوظ نطاق حماية المواطنين في أوقات النزاعات المسلّحة. في الحالات الاستثنائية التي تتناقض فيها أحكام القانون الإنساني مع أحكام قانون حقوق الإنسان أثناء القتال في سياق نزاع مسلّح - جرى التوافق على أن تكون الأفضلية لأحكام قانون حقوق الإنسان.

القانون الإنساني ينظّم الأحكام السارية على أطراف النزاع أثناء القتال. تبتغي هذه الأحكام أن تقلّص قدر الإمكان الأضرار اللاحقة بالمواطنين والمقاتلين الذين خرجوا من دائرة القتال - مثل الجرحى وأسرى الحرب. لأجل تحقيق هذه الغاية تقيّد هذه الأحكام طرُق القتال والوسائل المستخدَمة فيه كما وتحدّد فيما تحدّد أنّه من المسموح توجيه الضربات فقط إلى أهداف عسكريّة (مبدأ التمييز)، حتّى هذا مشروط بألاّ  تتجاوز الأضرار اللاحقة بالمدنيّين المنفعة العسكريّة المتوقّعة من الضربة الموجّهة (مبدأ التناسُب).

يحدّد القانون الإنسانيّ أيضًا الأحكام السارية على دولة احتلال. وفقًا لهذه الأحكام فإنّ الاحتلال مؤقت - بحُكم تعريفهعا لا تعتبر القوّة المحتلّة أبدًا صاحبة السيادة على الأرض المحتلّة. كَوْن الاحتلال مؤقتًا هو منبع ومصدر القيود المفروضة على القوّة المحتلّة وخاصّة المبدأ الذي يمنع القوّة المحتلّة من إجراء تغييرات دائمة في المنطقة التي تحتلّها (فرض وقائع على الأرض)، إلاّ إذا كانت الغاية منها قضاء مصالح السكّان المحلّيين أو الاحتياجات العسكريّة الآنيّة للقوّة المحتلّة. من ضمن ذلك ممنوع على الدولة المحتلّة أن تغيّر القوانين السارية في المنطقة وأن تقيم مستوطنات ثابتة دائمة وأن تستغلّ موارد المنطقة المحتلّة وغير ذلك. هذه الأحكام تحدّد أيضًا أنّ السكّان القاطنين في المنطقة المحتلّة منذ ما قبل الاحتلال هم "سكّان محميّون" ومن هنا ممنوع على القوّة المحتلّة أن تفرض إجراءات عقاب جماعيّ على هؤلاء السكّان ولا أن تستخدم العنف ضدّهم ولا أن تصادر ممتلكاتهم الخاصّة ولا أن تنتهك كرامتهم وأن تطردهم من بيوتهم.

إضافة إلى أحكام القانون الإنساني أعلاه إسرائيل ملزَمة أيضًا بالانصياع لأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان لدى أيّة ممارسة أو إجراء تتخذه في الأراضي المحتلّة. في العام 1948 اعتمدت الجمعية العامّة لهيئة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لذي نصّ أنّ جميع البشر وُلدوا أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق وأنّه يُمنع التمييز بينهم. إضافة إلى ذلك نصّ الإعلان على حقّ الحياة وحقّ التمتّع بالحرية والحقّ في الأمن الشخصي؛ وكذا منع العبودية والتعذيب والاعتقالات التعسّفية. يتناول الإعلان أيضًا حقّ جميع البشر في المساواة أمام القانون وفي الأمن الاجتماعي ومستوى حياة لائق وحقّهم في تكوين أسْرة دون قيود على أساس العرق أو الجنسية أو الدين وحقّهم في حرّية الضمير والرأي والمعتقد الديني.

على أساس هذا الإعلان صاغت دول العالم على مرّ السنين سلسلة من المواثيق الإضافية. الوثيقتان المركزيّتان جرى التوقيع عليهما في هيئة الأمم المتحدة عام 1966 وهما: الميثاق الدولي للحقوق المدنيّة والسياسيّة والميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. عادت هذه المواثيق وكرّرت أنّ من واجب الدول كما هو مفصّل في كلّ ميثاق حماية حقوق الإنسان لجميع البشر القاطنين ضمن منطقة سيادتها وأضافت أيضًا حقّين جماعيّين هما: حقّ جميع الشعوب في تقرير المصير وحقّ تلك الشعوب في استخدام مواردها الطبيعية كما ترتئي. في السنوات اللاحقة صيغت مواثيق إضافية منها ميثاق العام 1979 في شأن إلغاء التمييز ضدّ النساء بجميع أشكاله؛ ميثاق 1984 في شأن منع التعذيب والأشكال الأخرى من المعاملة القاسية واللاإنسانيّة أو المهينة؛ وميثاق 1989 في شأن حقوق الطفل.

أحكام القانون الدولي هذه - سواء القانون الإنسانيّ أو قانون حقوق الإنسان - أعدّت لتقيّد فسحة استناد الدول إلى قناعتها الذاتية وذلك بهدف ضمان قدر معيّن من حماية حقوق الإنسان. وحيث أنّ الدول لا تتخلّى عن صلاحيّاتها بسهولة فإنّ الأحكام التي نصّت عليها المواثيق في نهاية الأمر اشتملت على قيود واستثناءات (يمكن اعتمادها في حالات تذكرها المواثيق بالتفصيل) تبيح في حالات معيّنة المسّ بتلك الحقوق المنصوص عليها. تبعًا لذلك فالقانون الدولي هو تسوية أو حلّ وسط وهو يمنح حماية جزئيّة فقط لحقوق الإنسان - وهذا أفضل من انعدام الحماية كلّيًّا.

المشكلة الأساسية في منظومة القانون الدولي هي غياب آليّات التطبيق الناجعة. الأجهزة القائمة معقدة وبطيئة ومعظمها يعالج حالات عينيّة لا حالات على مستوى السياسة والقائمين عليها. إضافة إلى ذلك فإن ترتيب الأولويّات واختيار الحالات التي تتمّ معالجتها ضمن ذلك متأثرة عمومًا بضغوط سياسيّة وبعلاقات القوى في العالم. من هنا فمدى انصياع الدول وبيضمنها إسرائيل لأحكام القانون الدولي متعلق أساسًا بحُسن نيّتها وبمدى الضغط الدولي والدبلوماسي - إن حصل أصلاً - على تلك الدول من قبَل دول أخرى أو من قبَل هيئات دوليّة.

مع هذا كلّه ورغم محدوديّاته فالقانون الدولي يضع قواعد وأحكامًا أعدّت لتقلّص قدر الإمكان من انتهاك سلطات الدولة لحقوق الإنسان للحفاظ على حدّ أدنى من الحماية ومن هنا تأتي أهمّيته. غير أنّ إسرائيل ترفض حتى الالتزام بهذا الحدّ الأدنى وهي ملزَمة به في ممارساتها في الأراضي المحتلّة.

وهكذا فإنّ إسرائيل تدّعي أن القانون الدولي الخاصّ بحقوق الإنسان لا يُلزمها في ممارساتها في الأراضي المحتلّة لأنّها لا تقع رسميًّا ضمن منطقة سيادتها. صحيح أنّ إسرائيل ليست صاحبة السيادة في الأراضي المحتلّة ولكنّ هذه الحقيقة لا تنتقص في حدّ ذاتها من واجب إسرائيل العمل وفق أحكام القانون الدولي الخاصّ بحقوق الإنسان. الموقف الإسرائيلي لا يقبله مختصّو القانون الدولي في العالم ولا تقبله محكمة العدل الدوليّة (ICJ) ولا أيّ من لجان الأمم المتحدة المؤتمنة على تطبيق مختلف مواثيق حقوق الإنسان، إذ عادت هذه وأقرّت أنّ من واجب الدول تطبيق الأحكام المذكورة في كلّ مكان تملك فيه السيطرة الفعليّة.

في مافيما يخصّ أحكام القانون الإنساني الدولي رفعت الدولة على مرّ السنين حججًا مختلفة في محاولة للتهرّب من تطبيقه. في السنوات الأولى التي تلت الاحتلال ادّعت الدولة أنّ هذه الأراضي ليست "محتلّة" لأنّها قبل أن تسيطر عليها إسرائيل لم تكن تحت سيادة معترف بها لدولة أخرى؛ وعليه فهي ليست ملزَمة بتطبيق الأحكام السارية في حالة احتلال. رغم ذلك أعلنت إسرائيل أنّها تطبّق برغبة منها "الأحكام الإنسانيّة" لميثاق جنيف الرابع الذي يُعنى بحماية المواطنين. لم تذكر إسرائيل تفصيلاً ما هي أحكام ميثاق جنيف التي تعتبرها "أحكامًا إنسانيّة".

والحقّ أنّ منظورًا كهذا لا أساس له في القانون الإنساني الدولي الذي لا يشترط سريان أحكامه الاعتراف بسيادة سابقة. كذلك فالقانون الإنساني الدولي لا يُعنى بالسؤال "من ابتدأ الحرب ومن انتصر فيها ولا من هو الطرف المحقّ". كلّ ما حدّد هناك أنّ الدولة التي تملك السيطرة الفعليّة في منطقة ما يقع عليها واجب حماية الأشخاص القاطنين هناك وهم ليسوا مواطنيها - والذين تمّ تعريفهم كـ"سكّان محميّين". إضافة إلى ذلك فإنّ القانون الإنساني الدولي كما يدلّ اسمه: جميع أحكامه تُعتبَر إنسانيّة وينبغي تطبيق جميع المواثيق ككتلة واحدة.

إلى جانب الحجج أعلاه رفعت الدولة على مرّ السنين الحجّة القائلة بأنّ أفعالها في الأراضي المحتلة "قانونيّة" وتتمّ بموجب أحكام القانون الإنساني الدولي: أقامت إسرائيل عشرات المستوطنات على أراضي الضفة وسلبت مئات آلاف الدونمات وهذه أفعال قانونية لأنّ مواطنيها انتقلوا للسكن هناك بمحض إرادتهم؛ خرّبت إسرائيل آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وهذا قانونيّ لأنّ الأمر قد تمّ وفقًا للاستثناء الضيّق الذي يتيح هدم ممتلكات خاصّة في حالة "الاحتياجات العسكرية"؛ الاعتقال الإداري لآلاف الفلسطينيّين تعتبره إسرائيل قانونيًّا فهي اعتقلت هؤلاء جميعًا لكي تمنع جريمة محتملة مستقبلاً ولأجل الأمن؛ وفوق هذا كلّه - قتل آلاف الفلسطينيّين في جولات القتال المتكرّرة في قطاع غزّة هو أمر قانونيّ، فهؤلاء جميعًا قُتلوا وفقًا لمبدأي القانون الإنساني مبدأ التمييز ومبدأ التناسُب. هذه الحجج كلّها تقريبًا قبلها قضاة المحكمة العليا.

أحكام القانون الإنسانيّ ليست مبادئ قانونية نظريّة: لقد صيغت بهدف توفير الحماية بالحدّ الأدنى في ظروف الحرب أو الاحتلال لأشخاص لا يملكون أيّة حماية أخرى. تلك التأويلات التي تهدف إلى تبرير انتهاكات إسرائيل الصارخة بحقّ السكّان المدنيّين في الأراضي المحتلّة، منقطعة الصّلة تمامًا عن هذه الأهداف وهي تأتي لخدمة غاية معاكسة: توفير غطاء قانونيّ لأفعال لا مبرّر لها وسلب الحدّ الأدنى من الحماية من أشخاص لا يملكون أيّة حماية. لذلك رفض خبراء القانون الإنساني الدولي في إسرائيل والعالم تلك الحجج. من الواضح أنّ مبادئ القانون الإنساني عرضة لمختلف التأويلات مثلها مثل كلّ مبدأ قانونيّ. ولكنّ التأويل الذي تطرحه إسرائيل غير معقول ومغلوط قانونيًّا ويفرغ أحكام القانون الإنسانيّ الدولي من مضمونها.

بدلاً من النظر إلى أحكام القانون الدولي - سواء القانون الإنساني أو القانون الخاصّ بحقوق الإنسان - كبوصلة أخلاقيّة تسخّرها إسرائيل كمرشد في الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان. عند الاستناد إلى هذه الأحكام في المرافعة أمام المحكمة العليا ومحامي النيابة العامّة أو ضبّاط النيابة العسكرية - يجد هؤلاء جميعًا طرقًا لتأويل تلك الأحكام والتحايل عليها ونُصب أعينهم غاية واحدة: إضفاء الشرعية القانونية على انتهاك تلك الأحكام عينها. سياسات إسرائيل في أنحاء الأراضي المحتلة تخطو منذ أكثر من خمسين عامًا بعيدًا عن الدفاع إلى تخوم التسيّب. نتيجة هذه الخطوات ليست مسألة نظريّة: السلب والقمع والتجبّر والقتل - تحت غطاء التأويل الشكلي الأجوف لمبادئ غايتها في الأصل منع كلّ هذا.

مواد مقترحة

المحاكم العسكريّة

إعدام الفلسطينيين يُصبح سياسة إسرائيل الرسمية

من المتوقع أن يُقرّ الكنيست غدًا (الاثنين، 30 آذار) قانون عقوبة الإعدام، الذي يحظى بدعم جماهيري واسع في إسرائيل، وقد بدأت مصلحة السجون بالاستعداد الفعلي لتنفيذ الإعدامات في منشآت مُعدّة لذلك.يولي نوفاك، المديرة العامة لبتسيلم: "بعد أكثر من عامين من قتل الفلسطينيين في قطاع غزة، في الضفة الغربية وفي السجون، تضيف الحكومة الإسرائيلية أداة جديدة إلى صندوق أدواتها لقتل الفلسطينيين. هذه خطوة أخرى إضافية لترسيخ مفاهيم عنصرية، عنيفة ووحشية في القانون الإسرائيلي وتحويلها إلى سياسة رسمية."يُمَأسِسُ قانون عقوبة الإعدام الإسرائيلي آلية إعدام الفلسطينيين ويجعلها إجراءً قانونيًا. وقد تمت صياغة القانون بحيث يسري على الفلسطينيين فقط، ومن شأنه أن يجعل قتل الفلسطينيين إلى أداة عقاب رسمية ومقبولة، يتم ضمانها عبر آليات عدّة:العقوبة: القتل شنقًا، يُنفَّذ في غضون 90 يومًا من صدور الحكم، دون إمكانية العفو. تُفرض عقوبة الإعدام في المحاكم العسكرية التي يُحاكَم فيها الفلسطينيون فقط. تبلغ نسبة الإدانات في هذه المحاكم 96%، وهي تستند في كثير من الحالات إلى "اعترافات" تم انتزاعها بواسطة الضغط والتعذيب أثناء التحقيقات.ستكون عقوبة الإعدام الخيار الافتراضي وسيكون بإمكان القضاة استبدالها بالسجن المؤبد إذا توفرت طروف خاصة فقط. بالإضافة إلى ذلك، لن يُشترط إجماع القضاة، بل يكفي اتخاذ القرار بأغلبية عادية. وبعد صدور الحكم، لا تكون هنالك أية إمكانية للعفو أو تخفيف العقوبة.كانت مداولات الكنيست نحو سن هذا القانون مصحوبة بخطاب يمجّد القتل من قبل أعضاء كنيست إسرائيليين. من بين الأمثلة على هذا السلوك: وصول أعضاء كنيست إلى الجلسات وهم يعلقون دبابيس ذهبية على شكل حبل مشنقة على طيات ستراتهم، إجراء نقاشات عاصفة حول طرق القتل، الهجوم على أطباء يعارضون التعاون مع هذه الخطوة، والمفاخرة بأن كثيرين في المجتمع الإسرائيلي سيبدون رغبتهم في التطوع للقيام بدور الجلاد – https://www.youtube.com/watch?v=ZwW0SAKP-9kإسرائيل تقتل الفلسطينيين اليوم على نطاق غير مسبوق:منذ تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 72,000 فلسطيني في قطاع غزة، وما لا يقل عن 1,050 فلسطينيًا في الضفة الغربية. كما توفي أكثر من 80 أسيرًا فلسطينيًا في منشآت الاعتقال الإسرائيلية، التي تحولت إلى شبكة من معسكرات تعذيب، يُحتجز فيها أسرى فلسطينيون يتعرضون لانتهاكات وعنف متواصلين. ويضيف القانون هذا آلية قتل رسمية أخرى إلى ممارسات القتل القائمة.مشروع احتجاز الفلسطينيين هو أحد سمات نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. حتى آذار 2026، لا يزال نحو 9,500 فلسطيني مُحتجَزين في ظروف غير إنسانية في مرافق الاحتجاز الإسرائيلية، نصفهم تقريبًا رهن الاعتقال الإداري أو مُصنَّفون كـ"مُقاتلين غير شرعيين"، دون أن تجري محاكمتهم ودون أن تُتاح لهم إمكانية الدفاع عن أنفسهم.

30 آذار/مارس 2026

האני זיארה בבית החולים לאחר פציעתו. התמונה באדיבות המשפחה

قطاع غزة

إسرائيل تمنع العلاج وإعادة التأهيل عن آلاف الجرحى مبتوري الأطراف في القطاع، بينهم قرابة ألف طفل

منذ أن بدأت إسرائيل حربها المدمرة على قطاع غزة وحتى أيار 2025، أُصيب في الهجمات الإسرائيلية ما يزيد عن 100,000 شخص، غالبيتهم العظمى من المدنيين. بالإضافة إلى الأضرار الجسيمة التي ألحقتها بالمدنيين، تشنّ إسرائيل هجومًا مباشرًا ومنهجًيا ضد مختلف البنى التحتية الصحية في قطاع غزة، متجاهلةً الحماية الخاصة التي يمنحها القانون الدولي للمستشفيات والطواقم الطبية والجرحى والمرضى.وقد أفاد تعميم نشرته جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" في آذار 2025 بأنه في أعقاب الهجمات والحصار الذي فرضته إسرائيل، انهارت المنظومة الصحية في القطاع بشكل كامل، تقريبًا. كما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن 17 فقط من أصل 36 مستشفى في القطاع لا تزال تعمل حاليًا، لكن جميعها بشكل جزئي للغاية. من بين 3,560 سريرًا استشفائيًا كانت تضمّها المستشفيات قبل الحرب، لم يتبق اليوم سوى 1,685 سريرًا. من بين 105 غرف عمليات، لم يتبق سوى 45 غرفة، وهناك نقص في حوالي 87% من المعدات اللازمة لجراحة العظام. في ظل هذه الظروف، لا تستطيع الطواقم الطبية تقديم العلاجات اللازمة للمرضى والجرحى.وأفادت جمعية "أطباء لحقوق الإنسان"، أيضًا، بأنه على الرغم من تدمير المنظومة الصحية في القطاع، إلا أنّ إسرائيل تمنع الغالبية الساحقة من المرضى والجرحى من الخروج لتلقي العلاجات الطبية في الضفة الغربية أو في دول ثالثة. منذ إغلاق معبر رفح في أيار 2024 وحتى وقف إطلاق النار المؤقت في 19.1.25، تم إجلاء 450 مُصابًا فقط من القطاع. وخلال وقف إطلاق النار، الذي انتهكته إسرائيل في 18.3.25، تم إجلاء حوالي 1,680 مُصابًا إضافيًا من القطاع، جميعهم عبر معبر رفح، باستثناء ثمانية منهم عبر معبر كرم أبو سالم. منذ ذلك الحين، وعلى مدار أكثر من ثلاثة أشهر، تم إجلاء حوالي 280 مُصابًا فقط. في القوت الحالي، ثمة في القطاع نحو 14,380 مُصابًا بحاجة إلى علاج طبي عاجل غير متوفر في القطاع. وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية بأن 513 مُصابًا، على الأقل، قد توفوا خلال انتظارهم الحصول على تصريح للخروج بغرض تلقي العلاج الطبي.في المستشفى، يتم تنظيف جروح هاني مرة واحدة كل يوم، في غرفة العمليات تحت التخدير. منطقة الحوض في خطر دائم من التلوث بسبب قربها من فتحة الشرج ومجرى البول. خضع لعملية جراحية أخرى في البطن ووُضعت له فغرة (فتحة صناعية). حالته صعبة للغاية. إنه بحاجة ماسة إلى علاج خارج القطاع لأنه لا تتوفر ظروف مناسبة له في المستشفى ولا أدوية ولا مسكنات للألم. لقراءة إفادة ليلي زيارة الكاملة عن بتر ساق ابنها الرضيع هاني جرّاء القصفغياب العلاج والتأهيل الملائمين لمصابي ومبتوري الأطراففي شهر كانون الثاني 2025، أفادت منظمة اليونيسف بأن عدد الأطفال مبتوري الأطراف في القطاع هو الأكبر في العالم، نسبة إلى عدد السكان.وفقًا لتقرير نشرته منظمة الصحة العالمية (WHO) في شهر أيار 2025 [نسخة منه محفوظة لدى بتسيلم]، أُصيب أكثر من 15,000 شخص في أطرافهم ـ وهو نوع الإصابة الأكثر شيوعًا في الحرب الحالية ـ وأكثر من 2,000 شخص تعرضوا لإصابات في العمود الفقري أو عانوا من أضرار دماغية رضّيّة. ووفقًا لبيانات قدمتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة لـجمعية "أطباء لحقوق الإنسان"، فقد اضطر أكثر من 4,700 شخص للخضوع لعمليات بتر أعضاء، من بينهم أكثر من 940 طفلاً وحوالي 370 امرأة.وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، حتى أيار 2025، كان رُبعٌ، على الأقل، من الجرحى الذين زاد عددهم عن 116,000 شخص في قطاع غزة، بحاجة إلى علاج تأهيلي متواصل، لكن معظم خدمات إعادة التأهيل توقفت عن العمل بسبب القصف والحصار والتدمير المتعمد للبنى التحتية الصحية. وتعمل خدمات إعادة التأهيل حاليًا في ثلاثة مستشفيات فقط في القطاع: "مستشفى الوفاء" في حي الشجاعية في مدينة غزة، و"مستشفى حمد لإعادة التأهيل"، في شمال مخيم الشاطئ للاجئين في مدينة غزة، و"مستشفى الأمل" في مدينة خان يونس. وتعاني مراكز إعادة التأهيل هذه من حالة انهيار تحت العبء وتواجه قوائم انتظار تضمّ مئات المصابين، إضافة إلى تقصير أيام الاستشفاء، خلافًا لتوصيات الأطباء، وحالة الاستنزاف التي تعاني منها الطواقم التي تُركت بدون معدات أساسية، مثل طاولات العلاج وأجهزة الحركة والأطراف الصناعية والضمادات.قصفت الطائرات منزلنا بينما كنا نائمين. جرّاء هذا القصف، قُتل أخي إبراهيم وزوجته سالي خضر صبحي ياسين وابنهما حمدي (عامان) وابنتهما الرضيعة ماسة (4 أشهر). تمزقت جثثهم أشلاء وتناثرت حتى أسطح المنازل المجاورة. أُصبتُ بجروح خطيرة في جميع أنحاء جسدي وفي بطني وخضعت لعدة عمليات جراحية. أُصيبت زوجتي أيضًا وجميع بناتي وأخي محمود وأفراد عائلته. [...] في التاسعة صباحًا، اضطر الأطباء لبتر ساق ابنتي مَلَك (5 أعوام)، لأن حالتها كانت خطيرة جدًا. لقراءة إفادة محمد الشرفا الكاملة عن بتر ساق ابنته مَلَك (5 سنوات) جرّاء القصفوفقًا للتقرير، تُرك عشرات آلاف الجرحى ومبتوري الأطراف بدون علاج ملائم، كما يتم تسريح العديد من الجرحى للعودة إلى الحياة في ظروف مستحيلة، سواء في الخيام أو المباني المدمرة أو الملاجئ المؤقتة، دون الحصول على المياه والكهرباء والأدوية بشكل كافٍ، ودون مرافقة عائلية في كثير من الأحيان. وتزيد هذه الظروف من تفاقم حالتهم وتؤدي إلى مضاعفات طبية لا يمكن إصلاحها.ويتضح من محادثات أجراها طاقم من جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" مع أطباء في القطاع، وكذلك من معلومات نشرتها منظمة "أطباء بلا حدود" (MSF)، أن الأطباء أبلغوا عن نقص حاد في مسكّنات الأوجاع مما يؤدي إلى إجراء عمليات بتر أعضاء من دون تخدير، بما في ذلك في حالات الأطفال. وروى أطباء عن عمليات بتر أعضاء أُجريت في ظروف غير صحية، دون معدات ملائمة لإجراء العمليات الجراحية، بل خارج مناطق المستشفيات حتى، في بعض الحالات. وفي الحالات التي لم يكن من الممكن فيها الحصول على أدوية أساسية، مثل المضادات الحيوية، اضطر الأطباء إلى بتر أطراف المصابين لإنقاذ حيواتهم، بينما كان من الممكن تجنب البتر في الظروف العادية.كانوا يُدخلون رزان إلى غرفة العمليات كل يوم لتنظيف الجروح وتغيير الضمادات ومع ذلك، أصيبت بتعفن الدم [...] بكيت عليها لأنني كنت أعرف أنها تعاني من آلام شديدة. ذات مرة قالت لي إنها ستموت وهذا حطم قلبي [...] لم تُجدِ مسكنات الألم نفعًا وكان جهازها الهضمي لا يعمل تقريبًا وكانت نسبة الأكسجين في دمها تنخفض باستمرار [...] أرادت أن تودعني وتودع والدها ولم ترفع عينيها عنا حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وصمتت الأجهزة. لقراءة إفادة فلسطين بربخ عن موت ابنتها رزان (14 عامًا) بعد إصابتها جرّاء القصف وبتر ساقيهايتضح من تقرير منظمة الصحة العالمية أن حوالي 4,370 من البالغين والأطفال الذين بُترت أطرافهم خلال الحرب الحالية لا يزالون ينتظرون الحصول على معدات مُساعِدة، مثل العكاكيز أو الأطراف الصناعية، وأن 83% من الأشخاص الذين يعيشون مع إعاقة في قطاع غزة حاليًا فقدوا أجهزتهم المساعِدة ومعدات أساسية أخرى أثناء عمليات النزوح والتهجير. وقد توقفت الخدمات المجتمعية عن العمل بشكل شبه كامل والأشخاص ذوو المحدوديات الجسدية الدائمة ـ بمن فيهم الأطفال ذوو المحدوديات الجسدية المزمنة والأطفال المصابون بالشلل الدماغي ـ لا يتلقون اليوم أي علاج إطلاقًا، تقريبًا.وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، وكذلك لتقارير تلقتها جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" من أطباء من القطاع ومن من الخارج حضروا إليه ضمن وفود طبية، اضطرت الطواقم الطبية إلى إجراء عمليات جراحية في ظروف غير إنسانية. في نهاية عام 2024، أفاد مدير مستشفى كمال عدوان، الدكتور حسام أبو صفية، بأن العديد من العمليات الجراحية أُجريت على أيدي فرق لم تتلق تدريبًا كاملاً أو لم تتخصص في الجراحة، بسبب النقص الحاد في المتخصصين جراء الحصار الإسرائيلي. ووقد اعتقلت إسرائيل أبو صفية أثناء اقتحام المستشفى في 27.12.24، وهو محتجز منذ ذلك الحين في "سجن عوفر".أنظر إليهما ويعتصر قلبي ألمًا. كيف ستواصلان حياتهما هكذا، بدون أرجل، وبدون أم؟ أخشى اللحظة التي ستسألني فيها حنان ومِسك عن أرجلهما. ماذا سأجيبهما؟ عندما سأذهب لشراء أحذية لأطفالي، ماذا سأفعل مع حنان ومِسك عندما تسألاني لماذا لا أشتري لهما؟ إذا قالتا لي "نريد أن ألعب"، "نريد أن أرقص"، "نريد أن أركب دراجة" - بماذا يمكنني أن أجيبهما؟ لقراءة إفادة شَِفا الدقي الكاملة عن ابنتيّ أخيها الطفلتين اللتين بُترت أرجلهما جرّاء القصفوفقًا للتقرير، يحتاج العديد من مبتوري الأطراف الآن إلى تدخلات طبية غير متوفرة في القطاع، مثل جراحات ترميمية إضافية وتركيب أطراف صناعية. وهكذا يُترك الجرحى بدون علاج، بدون مساعدة وبدون أمل في الشفاء اللائق. وقد تمكن عدد قليل فقط من الجرحى من الخروج لتلقي العلاج خارج القطاع، في مصر بشكل أساسي، لكن هذا العلاج غالبًا ما يكون محدودًا جدًا ولا يمكنه تلبية احتياجاتهم.يقرّ التقرير بأن القاصرين مبتوري الأطراف في القطاع يعيشون في محنة شديدة، جسديًا ونفسيًا. على الصعيد الجسدي، بعد تلقيهم علاجًا جزئيًا للغاية، إن حصل هذا أصلًا، يتم تسريحهم للعودة إلى الحياة في ظل ظروف غير لائقة لا تسمح بمتابعة العلاج واستمرايته.يعاني عمر كثيرًا منذ إصابته وفقدانه لعائلته. يختبئ طوال الوقت، لا يحب أن يراه أحد ويحاول إخفاء ذراعه المبتورة ووجهه. يذهب إلى الحمام كثيرًا وقد أظهرت الفحوصات أن ذلك ليس بسبب بمشكلة طبية. قال لي الطبيب إن ذلك مرتبط بحالته النفسية. لقراءة إفادة مها أبو كويك ـ أبو رزق الكاملة عن بتر ذراع ابن أخيها عمر (5 سنوات) جرّاء القصففي تقرير لها من أيلول 2024، وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش المحنة النفسية الفريدة التي يعيشها الأطفال الجرحى وذوو الإعاقة في غزة منذ اندلاع الحرب. وفقًا للتقرير، على خلفية أشهر طويلة من الصدمات والنزوح وظروف العيش المستحيلة، يعاني الكثير منهم الآن من الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم وأزمات نفسية أخرى، غالبًا ما تزيد في إضعاف قدرتهم على التعافي من الإصابات وتسبب لهم أضرارًا في النمو لا يمكن إصلاحها. وأصبحت خدمات الصحة النفسية ومنظومة الدعم النفسي- الاجتماعي، التي كانت إمكانيات الحصول عليها محدودة حتى قبل بدء الهجوم الحالي، أكثر ندرة منذ بداية الهجوم. وورد أيضًا أن هؤلاء الأطفال يعانون من القلق بسبب عدم قدرتهم على الهروب من القصف جرّاء إعاقتهم، إلى جانب الخوف من أن يتم التخلي عنهم في المرة القادمة التي تضطر فيها أسرهم إلى النزوح والقلق من أن حالتهم قد تعرّض بقية أفراد عائلاتهم إلى الخطر. ويقيم الكثير منهم في المستشفيات من دون مرافقين على الإطلاق، بعد أن فقدوا العديد من أفراد عائلاتهم.يعيش في قطاع غزة اليوم أكثر من مئة ألف جريح ومعاق دون بنية تحتية طبية أو بشرية أو منظومية تستطيع أن تقدم لهم خدمات ملائمة لإعادة تأهيلهم. فقد أبقتهم السياسة الإسرائيلية المتعمّدة، التي تشمل الحصار والقصف والإهمال المتواصل ـ عاجزين في واقع لا يجدون فيه أي فرصة للشفاء.قبل الإصابة، كنت لاعب جمباز محترفًا، تنافست مع محمد في المسابقات والفعاليات. كنا من المتفوقين في شمال القطاع. لكن الاحتلال سلب مني كل شيء: أخي التوأم، ساقيّ والقدرة على فعل أي شيء. نفسي محطمة [...] ما زلت أتلقى العلاج في مستشفى "أصدقاء المريض" في حي الرمال. من الصعب جدًا الوصول إلى هناك بسبب الأنقاض والحجارة في الشوارع. يحاول أبي الحصول لي على مسكنات للأوجاع من الصيدلية، لكنها باهظة الثمن للغاية. لا توجد مراهم ولا ضمادات في المستشفى، نحن نشتري كل شيء بأنفسنا. أعاني بشدة من آلام قوية وحالتي النفسية صعبة. فقدت الكثير من الوزن بسبب الجوع - لا يوجد لحم ولا خضروات ولا فواكه. يوجد فقط عدس وحمص. لكي أتعافى من الإصابات، يحتاج جسدي إلى طعام مغذٍّ. لقراءة إفادة أحمد الغلبان (16 عامًا) الكاملة عن بتر ساقيه واثنتين من أصابعه جرّاء القصف وفقدان شقيقه التوأم

9 تموز/يوليو 2025

בית הדין הפלילי הבינלאומי בהאג

القانون الدولي

إلقاء المسؤولية الشخصية على صنّاع القرار هو عنصر حيويّ في النضال من أجل تحقيق العدالة والحرية لجميع بني البشر

تنفيذ جرائم التجويع، الملاحقة والاعتداءات المتعمّدة بحق مواطنين، يشكل إحدى نقاط الحضيض القاسية في التاريخ الإسرائيلي.للأسف الشديد، من كل ما هو معروف لنا حول سلوك إسرائيل في قطاع غزة خلال السنة الأخيرة ـ والذي جرى بعلم رئيس الحكومة وأعضاء المجلس الوزاري وبتوجيه منهم ـ لسنا متفاجئين من أن الأدلة تشير حقًا إلى أن نتنياهو وغالانت مسؤولان عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.إن وضع المسؤولية الشخصية على صنّاع القرار هو مركِّب ضروريّ في النضال من أجل تحقيق العدالة والحرية لجميع بني البشر الذين يعيشون ما بين النهر والبحر. وعليه، ينبغي على جميع الدول الأعضاء احترام قرار المحكمة وتطبيق الأوامر.لقد حذّرت بتسيلم ومنظمات أخرى، على مدى سنوات عديدة، من أن نظام الأبارتهايد الإسرائيلي منوط، بحكم طبيعته، بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، وقد تفاقمت خطورتها خلال السنة الأخيرة ووصلت إلى مستويات لا يمكن تصوّرها. وقد كانت نتيجة سياسة حكومة إسرائيل هذه مقتل عشرات آلاف من المواطنين المدنيين، تجويع مئات الالاف ومعاناة ملايين البشر بصورة غير محتملة.

21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024