طفل بلغ عام ونصف العام وطفل اخر بلغ 6 أعوام أصيبا من قنابل الغاز المسيلة للدموع التي أطلقها جنود ورجال شرطة حرس الحدود في شهر أيار 2017 بالقرب من أطفال ومنازل دون مبرر لذلك
16 تموز/يوليو 2017
عابود، 19.5.17: طفل يبلغ من العمر عامًا ونصف العام أصيب جرّاء استنشاق الغاز
يوم الجمعة الموافق 19.5.17، زهاء الساعة 13:30، جرت في قرية عابود شمال غرب رام الله مسيرة تضامنيّه مع المضربين عن الطعام من الأسرى الفلسطينيين. عندما وصل الموكب إلى المدخل الشرقي للقرية، اصطدم المشاركون بعشرات من رجال شرطة حرس الحدود والجنود وسيارات الشرطة والجيش متمركزين على بعد نحو مائتي متر غربي مدخل القرية. أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع باتجاه المتظاهرين. في أعقاب ذلك ابتعد معظمهم، لكن عددًا من الشبان بقوا هناك ورشقوا الحجارة على قوات الأمن.
توثيق اخلاء عبد الرحمان المجيد على شبكة فلسطين الاخبارية
كان محمود المجيد، 28 عامًا، وهو من سكان عابود، متزوج وأب لطفلين، من بين المشاركين في المسيرة. عندما بدأت قوات الأمن بإطلاق الغاز المسيل للدموع عليهم خاف على حياة طفله وعاد على الفور إلى منزله المتواجد على بعد بضعة مئات من الأمتار غربي المكان الذي وقف فيه رجال الشرطة. ابن المجيد، عبد الرحمن، الطفل البالغ من العمر عامًا ونصف العام، عانى من ضمور العضلات وكان موصولاً بجهاز تنفّس صناعيّ. مع وصوله إلى المنزل، المتواجد في الطابق الأول، أغلق المجيد على الفور جميع النوافذ والأبواب ووضع المناشف الرطبة على عتبات الأبواب ليمنع تسرّب الغاز المسيل للدموع. بعد مضي حوالي ساعة رأى المجيد مجموعة من رجال الشرطة وقد تمركزت على السطح وفي الطابق الثاني لمنزل مجاور، على بعد حوالي خمسين مترًا. من المنزل، أطلق رجال الشرطة الغاز المسيل للدموع باتجاه المتظاهرين الذين رشقوا الحجارة باتجاههم.
في الإفادة التي قدمها لباحث بتسيلم الميدانيّ إياد حداد في تاريخ 20.5.17 وصف المجيد هذه اللحظات:
كان الوضع سيئًا على نحو خاصّ، لأن المتظاهرين تركّزوا في منطقة منزلنا، أمام رجال الشرطة. قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقها رجال الشرطة باتجاه المتظاهرين سقطت في حديقتنا وارتطمت بحيطان المنزل. خرجت أكثر من مرة، أو تحدّثت مع المتظاهرين عبر النافذة، وطلبتُ منهم الابتعاد لأن لدينا طفلاً صغيراً مريضاً لا يحتمل الغاز. قسم منهم وافق وابتعد لمدّة وجيزة، لكن للأسف عادوا مرة أخرى.
بدأ الغاز يتسرب إلى المنزل. في البداية، تسرّب إلى حجرة الاستقبال وعبر الدرج الذي لم يكن مغطى. قال لي أخي في وقت لاحق إنّه قد سقط على الأقل قنبلة غاز واحدة في الدرج، ومن هناك تسرب الغاز إلى الطابق الأرضيّ. بدأنا نسعل وندمع، ولم تشعر لجين، ابنتي البالغة من العمر 3 أعوام، على ما يرام. رششت معطرات في الهواء وشغّلت المراوح، لكننا لم ننجح في السيطرة على الرائحة. اضطررنا إلى إغلاق غرفتنا على أنفسنا، وهي الغرفة التي بنام فيها طفلي الصغير أيضًا. رغم أنني قمت بسدّ كافة فتحات الغرفة مسبقًا، وبعد أن دخلنا إليها قمتُ بتغطيتها بالشراشف، تسرّب الغاز إلى هناك.
كان عبد الرحمان موصولاً بجهاز الأوكسجين منذ الصباح. بعد مضي حوالي ساعة، بدأ يشعر بسوء. تقيأ، وانقلبت عيناه وبرد وجهه. خفت، ظننتُ أنّه سيفارق الحياة. أردت أن أخرج وأطلب من المتظاهرين أن يستدعوا الإسعاف، لأنّي أعرف أنّ سيارات الإسعاف ترافق المظاهرات بشكل عام، لكنّني خفت أن أفتح الباب فيتسرب المزيد من الغاز وأفقد ابني. في النهاية لم يكن لديّ خيار آخر وخرجت.
طلب المجيد مساعدة من شخص تواجد في المكان لاستدعاء سيارة الإسعاف التي وقفت عند مدخل القرية، لكن الطريق كانت مغلقة بسيارات قوات الأمن ولم تنجح سيارة الإسعاف في الاقتراب من المنزل. خرج هو وزوجته باتجاه سيارة الإسعاف حاملاً ابنه وخزان الأوكسجين. في الطريق انضم إليهم اثنان من طاقم الإنقاذ، اللذين ساعداه في حمل ابنه.
نادر مرار، 37 عامًا، مُسعف في الهلال الأحمر، روى لباحث بتسيلم الميداني إياد حداد في تاريخ 28.5.17 ما حدث قبلها:
عندما وصلنا إلى القرية، اصطدمنا بجنود أشاروا لنا بالتوقف عن السفر. استدرتُ وتوقفت على جانب الطريق، على بعد حوالي عشرة أمتار منهم. بعد مضي زهاء عشر دقائق، سمعت صراخ ناس وصحفيين تواجدوا في شرفات منازلهم. طلبوا الإسعاف وأشاروا بأياديهم. لم نتلق ردًا من الرقم 101 وبالتالي لم نعرف بالضبط ماذا يحدث. ظننا أنهم فقط يطلبون أن نتقدم إلى المكان الذي جرت فيه المظاهرة.
بعد لحظات قليلة رأيت شخصين من فريق الانقاذ، واحد منهم كان يحمل طفلا صغيرًا، ويرافقه الوالدان. حملا معهما خزان أوكسجين، يبدو أنه يعود للطفل. عندما وصلوا إلى الدوريات التي سدّت الشارع، سمحوا لهم بالمرور ووصلوا إلينا. في الطريق إلى المستشفى حاولتُ إسعاف الطفل. كان وجهه شاحبًا، ونفث رائحة غاز. بدأ جسده يزرق وكان بلا نفس وبنبض ضعيف.
وُضع عبد الرحمن في سيارة الإسعاف مع والديه. بعد حوالي عشر دقائق وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى المتواجد في أبو قش، ومن هناك تمّ نقله إلى المستشفى في رام الله. في تلك الليلة تم نقل عبد الرحمن إلى مستشفى هداسا عين كارم في القدس مع والدته، التي بقيت بجانبه. رفضت السلطات الإسرائيليّة السماح لوالده بمرافقته بحجة أنّه "ممنوع لأسباب أمنيّة". في المستشفى تم تشخيصه بأنّه مصاب بالتهاب رئويّ، وتلقى علاجًا بالمضاد الحيوي وتمّ وصله بجهاز التنفس الصناعيّ. بعد حوالي ثلاثة أسابيع عاد عبد الرحمن المجيد إلى منزله. وبعد مرور شهر، في تاريخ 7.7.17، فارق الحياة.
الخضر، 21.5.17: طفل يبلغ من العمر ستّة أعوام أصيب في رأسه إصابة مباشرة من قنبلة غاز مسيل للدموع

حسن عيسى مع والده احمد عيسى، في منزلهم. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم. 20.6.2017
في تاريخ 21.5.17، بعد الساعة العاشرة صباحًا بقليل، أطلق جنود الغاز المسيل للدموع بالقرب من مدرسة للبنين في بلدة الحضر شرقي بيت لحم، باتجاه مجموعة من الأولاد رشقوا الحجارة عليهم وعلى السيارات التي سافرت في شارع 60. تواجد الجنود مسافة تبعد حوالي مائة متر عن الأولاد. تسرب قسم من الغاز إلى صفوف التعليم ولذلك فقد تقرّر تسريح الأولاد من المدرسة. أثناء مغادرة الأولاد المدرسة أصابت قنبلة غاز مسيل للدموع رأس أحدهم، حسن عيسى، البالغ من العمر ستة أعوام، والذي كان يبعد حوالي 150 مترًا عن الجنود.
في الإفادة التي قدمها ف.ع، طالب في المدرسة، لباحثة بتسيلم الميدانية منال الجعبري في 24.5.17، روى قائلاً:
عندما خرجت من المدرسة، رأيت أولادًا، في سنّ الثانية عشرة تقريبًا، يقفون بجانب المدرسة ويرشقون الحجارة باتجاه الجنود الّذين وقفوا على رأس التلة. حاولت أن أهرب من هناك، حتى لا أختنق من الغاز، وأثناء ذلك أصابت قنبلة غاز مسيل للدموع منطقة المدرسة ورأيتُ حسن، وهو صديقي وجاري ويدرس في الصف الأول، يسقط على الأرض بالضبط في المنطقة التي سقطت فيها القنبلة. قام حوالي ستة أولاد، تتراوح أعمارهم بين 10 وحتّى 12 عامًا، بحمل حسن، الذي كان فاقدًا للوعي. ركضوا به في الطريق التي تنزل إلى الشارع، ثمّ نقلوه إلى الرجل الذي أدخله إلى سيارة خصوصيّة.
أحمد دعدوع، 26 عامًا، أعزب ومن سكان الخضر، روى لباحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في تاريخ 23.5.17 عن تلك اللحظات:
سمعت إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع ورأيت قوات عسكرية على التلة المتواجدة خلف المدرسة تلقي قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاه الأولاد. أطلقوا حوالي ستة قنابل واحدة تلو الأخرى. بعد مضي دقائق رأيت مجموعة من الأولاد يرفعون طفلاً. بدا الطفل فاقدًا للوعي وقد ركضوا به ونزلوا معه بسرعة من المنطقة التي أطلق منها الغاز المسيل للدموع، بالقرب من المدرسة.
تقدّمت نحوهم بسرعة وسألتهم ما الذي حصل للطفل. قالوا إنّ قنبلة غاز مسيل للدموع أصابته في رأسه. بدأت أتفقّد رأس الطفل الذي كان فاقدًا للوعي. رأيت كدمة مدورة يبلغ قطرها عدة سنتيمترات في المنطقة اليسرى السفلية للرأس. لم يكن هناك نزيف لكنني رأيت الدم المتجمع في منطقة الضربة، تحت الجلد. أوقفت على الفور سيارة خصوصيّة وأخذنا الطفل إلى مستشفى اليمامة الذي تواجد على بعد كيلومتر من مكاننا. لم أتعرّف على الطفل لكنني أخرجتُ كتبه من حقيبته واسمه، حسن أحمد عيسى، كان مدوّنًا على كلّ كتاب.
في الوقت نفسه، أُعلِم والد حسن، أحمد عيسى، 28 عامًا، أن ابنه قد أصيب وتمّ نقله إلى المستشفى المتواجد في البلدة. أسرع أحمد عيسى إلى المستشفى، حيث وجد ابنه فاقدًا للوعي وموصولاً بجهاز تنفس صناعيّ. تمّ نقل حسن إلى المستشفى المتواجد في بيت جالا ومن هناك، بعد أن تمّ فحصه، تمّ نقله إلى مستشفى الجمعية العربيّة للتأهيل في بيت لحم. في بيت لحم أجري له فحوصات CT، وتبيّن وجود نزيف داخلي في دماغ حسن وتقرر إجراء عملية له.
في الإفادة التي قدّمها الأب لباحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش في تاريخ 20.6.17، روى قائلاً:
في اليوم التالي أجروا تصويرًا آخر لحسن لفحص وضع النزيف، وقلقتُ كثيرًا. لم أفارق سريره. خفت أن يأتوا في كلّ لحظة ويعلموني عن وفاته. زوجتي أيضًا كانت برفقتي وبكت طيلة الوقت. رفضت العودة إلى المنزل والاهتمام بطفلنا الذي يبلغ من العمر ستّة أشهر. كان وضعنا النفسيّ سيئًا للغاية. كنا في حالة ذعر مما سيكشفه تصوير الأشعة الثاني. لحسن الحظ، أظهر التصوير أن النزيف كان في المخيخ وأنّه انقطع. خضع حسن لعملية استمرت ساعتين ونصف، وانتهت بنجاح.
على الرغم من أن العملية كانت ناجحة، كنتُ أخشى من أن تضرّ الإصابة ببصر حسن أو أن تكون هناك تعقيدات أخرى. هدأتُ فقط عندما عاد إلى المنزل، بعد مضي أربعة أيام. في أيام مكوثه في المستشفى تشوّشت حياتنا بشكل تام. كنا في أيام رمضان، ولم نتمكن من التواجد من طفلينا الآخرين والاهتمام بهما. حاولتُ طيلة الوقت تهدئة زوجتي، التي كانت خائفة كثيرًا.
بعد يومين من تسريحه عانى حسن من صعوبات في التنفس وتمّ نقله لتلقي العلاج في مستشفى شعاري تصيدق في القدس. مكث هناك لمدة تسعة أيام، خضع أثناءها لفحوصات وتلقّى علاجًا تنفسيًا وعلاجًا بالأدوية، ثمّ تمّ تسريحه وقد كان في حالة جيدة.
في كلا الحدثين المذكورين أعلاه أطلق الجنود ورجال شرطة حرس الحدود قنابل الغاز المسيل للدموع على مدنيين وعلى منازل، وتسببوا في إصابة طفلين، الأول يبلغ من العمر عاما ونصف العام والثاني يبلغ من العمر ستّة أعوام. هذه الإصابات هي نتيجة مباشرة لتواجد رجال قوات الأمن في القرى الفلسطينيّة - وهو تواجد ليس ضروريًا على الإطلاق ولا يوجد له مبرر.
استخدام قوات الأمن ل "وسائل تفريق المظاهرات" - وفي هذه الحالة قنابل الغاز المسيل للدموع - يعرّض حياة المدنيين للخطر، بمن فيهم الرضع والأطفال وكبار السن والمرضى. تتشبث إسرائيل بتعريف هذه الوسائل كوسائل ""غير فتاكة"، لكنّ استخدامها المرن والزائد بطريقة عشوائيّة، وفي ظروف لا تستدعي استخدامها، مع تجاهل الأخطار الكامنة في هذا الاستخدام - قد يتسبب في إصابات خطيرة لا مبرر لها.